اختار سعد عشرة من أصحابه فيهم: المغيرة بن شعبة للقاء عظيم الفرس.
ولا تسأل عن السبب الذي جعله يختار المغيرة … فقد كان الرجل أحد دهاة العرب المعدودين؛ حتى كان يقال له: “مغيرة الرأي”
المغيرة بن شعبة رضي الله عنه
“دهاة العرب أربعة: معاوية للأناة … وعمرو بن العاص للمعضلات … والمغيرة للبديهة … وزياد بن أبيه للصغير والكبير” [الشعبي]
مَن هؤلاء البُداة الذين قطعوا الفيافي وجازوا القفار يتعاقبون كل ثلاثة على جمل؛ حتى بلغوا ديار فارس هداة؟…
فإذا أبى الفُرس الهداية؛ صاروا غزاة.
من هؤلاء الرجال الذين تقتحمهم عيون الفُرس؟… فلا ترى على أبدانهم إلا ثوبًا صفيقًا … ولا تجد في أيديهم إلا سلاحًا خفيفًا … ولا تبصر تحتهم؛ إلا خيلًا أهزلها الضرب في الآفاق، وأضنتها قلة المؤونة.
إنهم الكُماة الأباة، فرسان النهار.. عُبّاد الليل.. صحابة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.
لقد نهدوا من بطن الجزيرة العربية بقيادة سعد بن أبي وقاص، وجاءوا إلى كسرى وقومه يحملون إليهم دعوة الهدى والحق فإذا أبوها حملوا في وجوههم السيوف.
عسكر جيش المسلمين بقيادة الأسد سعد بن أبي وقاص عند القادسية يتأهب للقاء العدو، وهو لا يزيد على ثلاثين ألفًا … أما جيش فارس فقد بلغ عشرين ومائة ألفٍ.
وكانت عدة المسلمين قليلة ضئيلة، وكانت عدة الفرس تفوق الحصر وتعز على التقدير …
ومع ذلك فقد كان الفرس يرهبون المسلمين أشد الرهبة، ويخافونهم أعظم الخوف. ولا غرو فصحابة رسول الله ﷺ جاءوا يؤدون الأمانة، ويبغون الشهادة؛ لا يبالي الواحد منهم على أي جنب كان في الله مصرعه.
أما جنود فارس؛ فقد كانوا على وفرة العدة وكثرة العدد؛ لا يعرفون لأي شيء يحاربون، وعن أي شيء يدافعون، لذلك كان قادتهم يقرنونهم بالسلاسل والأصفاد حتى لا يفروا عند الزحف ويولوا الأدبار.
كان صاحب فارس يعرف ذلك من المسلمين؛ فقد بلاهم من قبل … ويعرف ما عليه جنده؛ فقد خذلوه أمام المسلمين أكثر من مرة. ومن هنا أرسل رسله إلى قائد جيش المسلمين سعد بن أبي وقاص يسأله أن يرسل إليه نفرًا من رجاله؛ ليفاوضهم فيما جاء من أجله المسلمون، وليقف منهم على ما يريدون.
اختار سعد عشرة من أصحابه فيهم: المغيرة بن شعبة للقاء عظيم الفرس.
ولا تسأل عن السبب الذي جعله يختار المغيرة … فقد كان الرجل أحد دهاة العرب المعدودين؛ حتى كان يقال له: “مغيرة الرأي” وكان الشعبي يقول: دهاة العرب أربعة:
معاوية للأناة …
وعمرو بن العاص للمعضلات …
والمغيرة للبديهة …
وزياد بن أبيه للصغير والكبير.
ولم يخطئ سعد؛ فقد كان الموقف يحتاج إلى البديهة أكثر من حاجته لأي شيء.
مضى هؤلاء النفر إلى لقاء عظيم الفرس على موعد؛ فخرج الناس شيبًا وشبانًا ونساءً وولدانًا؛ ليروا هؤلاء القادمين. لقد سمعوا من أخبار بأسهم على عدوهم، وتراحمهم فيما بينهم، ومساواتهم بين رئيسهم ومرؤوسهم، وإيمانهم برسالتهم … ما أغراهم بالخروج إليهم لينظروا ما يكونون.
فلما رأوهم … أخذ منهم العجب كل مأخذ؛ لقد لفت أنظارهم أجسامهم الدقيقة، وأرديتهم الصفيقة، ونعالهم البسيطة، وخيولهم الضعيفة التي تخبط الأرض بأرجلها خبطًا، وسياطهم التي يحملونها بأيديهم، وسيوفهم، وتروسهم.
ولما استأذنوا على عظيم الفُرس؛ وجدوه قد زين مجلسه بالنمارق المذهبة، وجمل بالطنافس المزركشة، وأظهرت فيه اليواقيت الثمينة واللآلئ الفريدة، ومختلف ضروب الزينة والمتاع …
أما هو؛ فقد جلس على سرير من ذهب. ولما هموا بالدخول عليه؛ قال لهم الحجاب:
ضعوا أسلحتكم لدى الباب.
فقالوا: إننا لم نأتكم وإنما أنتم دعوتمونا … فإما أن تتركونا على ما جئنا عليه، وإلا رجعنا.
فأذن لهم … فدخلوا على ما يحبون.
وما إن استقر بهم المجلس؛ حتى أخذ ملك فارس يعرض بفقرهم … فسألهم عن ملابسهم ما اسمها؟ وعن أرديتهم ما ثمنها؟ وعن نعالهم ما صنعها؟.
ثم قال لهم: ما الذي أقدمكم هذه البلاد؟.
فنهض إليه أحدهم، وقال: إن الله ابتعثنا؛ لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدالة الإسلام؛ فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه … فمن قبل ذلك؛ قبلنا منه ورجعنا عنه، ومن أبى … قاتلناه أبدًا حتى نفضي إلى موعود الله.
قال: وما موعود الله؟.
قال: الجنة لمن قُتل، والظفر لمن سلم.
فقال: قد سمعت مقالتكم؛ فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه، وتنظروا؟
قال: نعم؛ كم أحب إليكم؟ يومًا أو يومين؟
قال: لا بل حتى نكاتب أهل رأينا ورؤساء قومنا.
فقال: ما سن لنا رسول الله ﷺ أن نؤخر الأعداء عند اللقاء أكثر من ثلاث؛ فانظر في أمرك وأمر قومك واختر واحدة من ثلاث.
قال: وما هذه الثلاث؟.
قال: لقد أمرنا نبينا ﷺ أن نبدأ بدعوة من يجاورنا من الأمم، وأن نسلك معهم سبيل الإنصاف … فإما أن يدخلوا في ديننا الذي حسن الحسن كله وقبح القبيح كله …
وإما أن يختاروا أهون الأمرين وهو الجزية؛ فإن أبوا لم يبق إلا الحرب والمناجزة.
فاستشاط عظيم الفرس غضبًا، وقال: إني لا أعلم أمة في الأرض كانت أشقى منكم، ولا أقل عددًا، ولا أسوأ ذات بين. وقد كنا نوكل أمركم إلى قرى الضواحي؛ ليكبتوكم … وما كنا نغزوكم استصغارًا لشأنكم … فإن كان عددكم كثر؛ فلا تغرنكم الكثرة … وإن كان ضيق العيش هو الذي أهاجكم؛ فرضنا لكم قوتًا إلى أن تخصبوا، وأكرمنا سادتكم، وملكنا عليكم ملكًا يرفق بكم.
ثم أتبع يقول: إنما مثلكم في دخولكم أرضنا؛ كمثل الذباب رأى عسلًا؛ فقال: من يوصلني إليه وله درهمان؛ فلما سقط عليه غرق فيه … فجعل يطلب الخلاص؛ فلا يجده، وجعل يقول: من يخلصني وله أربعة دراهم.
ثم استشاط غضبًا، وقال: أقسم بالشمس لأقتلنكم غدًا.
عند ذلك قام إليه المغيرة بن شعبة وقال: أيها الملك … إن هؤلاء الذين كلموك أشراف يستحيون من الأشراف، وليس كل ما أرسلوا به إليك قالوه لك، وقد أحسنوا … ولا يجدر بمثلهم إلا ما فعلوه.. فإن شئت بلغتك عنهم وهم يشهدون.
إنك قد وصفتنا بما كنا عليه من سوء الحال؛ فجاء وصفك دون الحقيقة؛ لأنك لم تكن عالمًا بنا. وأما جوعنا الذي ذكرته؛ فلم يكن يشبهه جوع … فقد كنا نأكل الخنافس والجعلان والعقارب والحيات، ونرى ذلك طعامًا مستساغًا.
وأما منازلنا؛ فإنما هي ظهر الأرض، ولا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الإبل وأشعار الغنم.
كان ديننا أن يقتل بعضنا بعضًا، وأن يبغي بعضنا على بعض … وقد كان الواحد منا يدفن ابنته وهي حية كراهية أن تأكل من طعامه.
وكنا نعبد الحجارة؛ فإذا رأينا حجرًا أحسن من الذي نعبده؛ ألقيناه وأخذنا غيره.
لقد كانت حالنا قبل اليوم على ما ذكرت لك، ثم بعث الله إلينا رجلًا منا معروفًا لدينا.. فأرضه خير أرضنا، وحسبه خير حسبنا، وبيته خير بيوتنا، وهو نفسه أصدقنا وأحلمنا …
فدعانا إلى الإيمان بالله وحده، وقال وقلنا، وصدق وكذبنا، وزاد ونقصنا … فلم يقل شيئًا؛ إلا وكان … فقذف الله في قلوبنا التصديق له واتباعه؛ فصار فيما بيننا وبين رب العالمين… فما قال لنا؛ فهو قول الله … وما أمرنا به؛ فهو أمر الله.
وقال لنا: من تابعكم على هذا الدين؛ فله ما لكم وعليه ما عليكم … ومن أبى؛ فاعرضوا عليه الجزية، ثم احموه مما تحمون منه أنفسكم، ومن أبى؛ فقاتلوه …
فاختر إن شئت الجزية؛ تدفعها وأنت صاغر، وإن شئت؛ فالسيف …
أو تسلم؛ فتنجي نفسك وعشيرتك.
فغضب الملك وقال:
لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم …
ثم قال لحجابه:
ائتوني بحمل من تراب؛ فاحملوه على أشرف هؤلاء … ثم سوقوه كما تساق الدواب؛ حتى يخرج بعيدًا عن بيوت المدائن.
ثم قال: من أشرفكم؟.
فقام عاصم بن عمرو وقال: أنا، وإنما قال ذلك ليحمل التراب؛ فحملوه عليه، ثم قال لهم:
ارجعوا إلى صاحبكم؛ فأعلموه أني مرسل إليه غدًا رستم؛ ليدفنه مع جنده في خندق القادسية.
وما هي إلا ساعات معدودات حتى طلع الغد … لكن شمس ذلك الغد لم تغرب؛ إلا بعد أن رأى جنود الفرس المنهزمون رأس رستم محمولًا على رماح المسلمين.
صور من حياة الصحابة









