فاتح باب الأبواب
إسلامه:
كان سراقة بن عمرو بن لبنة صحابيا جليلا ذكروه في الصحابة ولم ينسبوه وكان يدعى: ذا النور، ولكننا لا نعرف بالضبط متى أسلم ولا الغزوات التي شهدها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والظاهر انه أسلم متأخرا أو كان صغيرا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فنال شرف الصحبة ولم ينل شرف الجهاد تحت راية الرسول القائد.
جهاده:
١ـ عرف عمر بن الخطاب لسراقة فضله العظيم في الجهاد، فولاه البصرة، ولكنه رد أبا موسى الأشعري إلى البصرة، ورد سراقة إلى (الباب)، وجعل على مقدمته عبد الرحمن بن ربيعة الباهلي وكان يدعى ذا النور أيضا، وجعل على إحدى المجنبتين حذيفة بن أسيد القفاري وسمى للأخرى بكير بن عبد الله الليثي وكان بازاء الباب قبل قدوم سراقة بن عمرو عليه، فقدم سراقة عبد الرحمن بن ربيعة الباهلي وخرج على الأثر حتى قدم على بكير بن عبد الله الليثي في أداني (الباب)، وأمده عمر بن الخطاب بحبيب بن مسلمة صرفه إليه من ( الجزيرة ).
ولما تغلغلت طلائع المسلمين وعلى رأسها عبد الرحمن بن ربيعة في منطقة الباب، كاتبه ملكها واستأمنه على ان يأتيه، فأمنه عبد الرحمن، فلما لقيه قال له: “إني بازاء عدو كلب وأمم مختلفة ليست لهم أحساب، وليس لذي الحسب والعقل أن يعين أمثال هؤلاء ولا يستعين بهم على ذوي الأحساب والأصول، وذو الحسب قريب ذي الحسب حيث كان، ولست أنا من القبج ولا من الأرمن في شيء، وإنكم قد غلبتم على بلادي وأمتي، فأنا منكم ويدي مع أيديكم وجزيتي إليكم والنصر لكم والقيام بما تحبون، فلا تذلونا بالجزية فتوهنونا لعدوكم”.
فأجابه عبد الرحمن: “فوقي رجل قد أظلك، فسر إليه” ثم سيره إلى سراقة، فلقيه بمثل هذا الكلام، فقبل منه سراقة وقال له : “لا بد من الجزية ممن يقيم ولا يحارب العدو”
أي أنه وافق على وضع الجزية عن الدين يقاتلون العدو جنبا لجنب مع المسلمين وأصر على أخذها من القاعدين من أهل البلاد وكتب سراقة إلى عمر بذلك، فأجازه وحسنه. وهكذا صالح أهل ارمينية والأرمن.
٢ – ولما أنجز سراقة فتح هدفة الأصلي وهو (باب الأبواب) بعث قادته إلى الجهات: بعث بكير بن عبد الله الليثي إلى موقان، ووجه حبيب بن مسلمة إلى تغليس، ووجه حذيفة بن أسيد الغفاري إلى جبان اللان، وسلمان بن ربيعة الباهلي إلى الوجه الآخر، وكتب سراقة بالفتح وبالذي وجه فيه هؤلاء النفر إلى عمر بن الخطاب، فاضطرب عمر لذلك أشد الاضطراب، لأنه قدر أن قوات المسلمين التي توجهت لفتح هذه المناطق غير كافية عددا وعددا لإنجاز واجباتها، وفعلا لم يفتح أحد من هؤلاء القادة ما وجه له إلا بكير فإنه فتح موقان.
ومات سراقة في باب الأبواب قبل أن يرى ثمرة جهاده كاملة، فاستخلف قبل موته عبد الرحمن بن ربيعة الباهلي.
الشاعر:
قال سراقة بن عمرو يصف فتح ((باب الابواب):
ومن يك سائلا عني فاني
بأرض لا يواتيها القرار
بباب الترك ذي الأبواب دار
لها في كل ناحية مغار
نذود جموعهم عما حوينا
ونقتلهم إذا باح السرار
سددنا كل فرج كان فيها
مكابرة اذا سطع الغبار
والحمنا الجبال جبال قبج
نناهبهم وقد طار الشرار
على خيل تعادي كل يوم
عتادا ليس يتبعها المهار.
وهو شعر سلس يصور المعركة تصويرا رائعا حتى تكاد تلمس فيه جو المعركة الصاخب: غبارا ثائرا، وخيلا تكر وتفر، وقتلى تتهاوى .. ولم ينس تدابير المسلمين الدفاعية عن منطقة باب الأبواب:
مراقبة الطرق التقربية إليها ليلا ونهارا، وسد منافذ الجبال … الخ.
لقد كان سراقة من شعراء الفرسان المجيدين.
الإنسان:
من الصعب جدا أن نتلمس الناحية الإنسانية من حياة سراقة بن عمرو، فقد ظهر فجأة على مسرح أحداث الفتح الإسلامي وقام خلال فترة قصيرة بأعمال فدة، ثم انتهت حياته في أوج مجده وفي خضم جهاده المتواصل العنيف.
على كل حال، كان مثالا رفيعا من أمثلة السجايا العربية وفضائل الإسلام، ولولا سجاياه وفضائله تلك لما تولى منصب قيادة الجيوش وإمارة الولايات في عهد خليفة لم يبق له الحق صديقا – هو عمر بن الخطاب وقد توفي في مدينة ( باب الأبواب سنة اثنتين وعشرين للهجرة
القائد:
كان سراقة يتحمل المسؤولية الكاملة، فهو يفكر ويقدر، فاذا اقتنع برأي أبرمه على مسؤوليته الخاصة متحملا كافة نتائجه برحابة صدر وعن طيبة خاطر لقد كان جريئا غاية الجرأة في إعطاء القرارت، فقد رأيت كيف صالح ملك باب الأبواب صلحا مبتكرا حقا، ثم أخبر بقراره هذا مرجعه الأعلى بعد إبرامه ، فما كان من مرجعه عمر بن الخطاب إلا أن أجاز ما أبرم سراقة وحسنه. كما أنه سير الجيوش إلى المناطق المحيطة بالباب قبل الرجوع إلى الخليفة، وفي هذه المرة خشي عمر نتائج أقدام قائده سراقة على مثل هذا العمل الجريء وحسب لنتائجه ألف حساب وليس من السهل أن يصدر سراقة أو أي قائد آخر قرارات جريئة مبتكرة لم يسبق لها مثيل، في عهد يتولى فيه القيادة العليا مثل عمر بن الخطاب الذي كان يميل إلى المركزية ويتدخل في كل كبيرة وصغيرة من أمور القادة المرؤوسين حرصا على أرواح المسلمين ومصائرهم؛ مما يدل على أن سراقة كان يتمتع بشخصية قوية وإرادة حديدية وعقلية راجحة كل ذلك جعله يمضي قدما في تنفيذ أجرأ القرارات في أحرج المواقف والظروف.
سراقة في التاريخ:
لا تقتصر أهمية فتح باب الأبواب على نشر الإسلام في منطقة شاسعة من الأرض غنية بالثروة الزراعية والحيوانية، بل إن ن لفتحها أهمية خاصة، وهي أنها أصبحت القاعدة المتقدمة لقوات المسلمين في حركاتهم العسكرية شمالا باتجاه أرمينية وتركستان والقفقاس حتى حدود سيبيريا، لهذا كان فتح باب الأبواب نصراً سوقياً استراتيجياً للمسلمين ظهرت نتائجه البعيدة بعد سنوات قليلة من الفتح.
إن التاريخ يذكر لسراقة فتح باب الأبواب القاعدة المتقدمة للفتح الإسلامي باتجاه الشمال، ويذكر له نشره الإسلام في منطقة شاسعة من الأرض وبين أقوام وأمم مختلفة، ويذكر له جرأته الفذة في إصدار القرارات الجريئة وتحمله نتائجها بشجاعة وإصرار أنه قضى كل حياته مجاهدا في سبيل عقيدته، فمات غريبا في بلاد نائية عن بلاده وهو في خضم جهاده، فسقط ميتا ولم يسقط السيف من يده.
رضي الله عن الصحابي الجليل، البطل المقدام، القائد الفاتح، سراقة ذي النور بن عمرو.
(قادة فتح فارس، محمود خطاب شيت)








