سويد بن مقرن المزني

فاتح قومس وبسطام وجرجان و طبرستان وجيل جيلان


“إن للإيمان بيوتا، وللنفاق بيوتا، وإن من بيوت الإيمان بيت ابن مقرن”
(عبدالله بن مسعود)


إسلامه:

قدم أبو عائد سويد بن مقرن المزني مع اخوته ومنهم النعمان بن مقرن المزني على رأس أربعمائة فارس من مزينة على النبي صلى الله عليه وسلم ، فأسلم وأسلموا ، وذلك في رجب من السنة الخامسة للهجرة: فشهدوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم غزوة الخندق وغزواته الأخرى بعد إسلامهم ، وبذلك نال سويد شرف الصحبة وشرف الجهاد تحت لواء الرسول القائد.

جهاده:
1 – قبل الفتح : قاتل سويد تحت راية أبي بكر الصديق رضي الله عنه عندما خرج لقتال مانعي الزكاة من قبائل عبس وذبيان ومن انضم إليهم من كنانة وغطفان وفزارة ، وكان سويد على ساقة جيش أبي بكر ؛ ففر المشركون ، وطاردهم المسلمون حتى موضع ذي القصة.
وبعد عودة بعث أسامة بن زيد من أرض فلسطين ، خرج أبو بكر بنفسه في تعبية على رأس جيش من المسلمين الى موضع ذي حسا و ذي القصة لقتال المرتدين : على مقدمته النعمان بن مقرن ، وعلى ميسرته عبدالله بن مقرن وعلى ساقته سويد بن مقرن ، حتى نزل أهل الربذة بـ الابرق ، فولى المرتدون الأدبار.
وبعد انتهاء حروب الردة ، وهي الحروب التي أعاد بها أبو بكر وحدة شبه الجزيرة العربية تحت لواء الإسلام ، قاتل سويد في ساحات العراق ، فقاتل تحت لواء خالد بن الوليد ، وكان على الجزاء في معركة المدار وقد خلفه خالد بـ الحفير وأمره بالحذر وخرج خالد إلى الولجة ، كما شهد فتح الحيرة.
وشهد سويد القادسية ، وكان على إحدى مجنبتي سعد بن أبي وقاص وعلى الأخرى حذيفة بن اليمان ، كما شهد مع سعد معارك الفتح الأخرى حتى فتح المدائن.

ولما تحرك أخوه النعمان بن مقرن المزني بقواته نحو نهاوند ، قاتل سويد تحت لواء أخيه في معركة نهاوند ، كما قاتل تحت لواء أخيه تميم بن مقرن في معركة فتح همدان و الري ، فأبلى في كل معاركه أعظم البلاء .

٢ – الفاتح : تسامع عمر بن الخطاب بإقدام سويد وبلائه، فأراد أن يوليه قيادة جيش من جيوش المسلمين التي تعمل لفتح أرض الفرس ، وكان ماضي سويد المجيد في صحبة الرسول صلى الله عليه وسلم وفي القتال ، هو الذي رشحه لمثل هذا المنصب الخطير في تلك الايام الخالدة من أيام الفتح الإسلامي ، فكان السويد نصيب مرموق في تلك الفتوحات فقد كتب تميم بن مقرن المزني يفتح الري إلى عمر بن الخطاب: فكتب عمر إليه و قدم سويد بن مقرن إلى قومس، وابعث على مقدمته سماك بن مخرمة وعلى مجنبتيه عتبة بن النهاس وهند بن عمرو الجملي ، فسار سويد إلى قومس ، فلم يصادف مقاومة من حماتها ، ففتحها سلما وعسكر بها.
وتحرك سويد إلى بسطام وعسكر بها ، ومن هناك كاتب ملك جرجان يدعوه إلى الصلح أو يسير إليه بجنوده ، فبادر الملك الفارسي بالصلح على أن يؤدي الجزاء ويكفيه حرب جرجان ولهم الذمة والمنعة والأمان على أنفسهم وأموالهم ومللهم وشرائعهم ، وهذا نص وثيقة الصلح بين الطرفين :
بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من سويد بن مقرن لرزبان صول بن رزبان وأهل دهستان وسائر أهل جرجان، أن لكم الذمة وعلينا المنعة ، على أن عليكم من الجزاء في كل سنة على قدر طاقتكم على كل  حالم، ومن استعنا به منكم فله جزاء في معونته عوضا عن جزائه، ولهم الأمان على أنفسهم وأموالهم ومللهم وشرائعهم ، ولا يغير شيء من ذلك هو إليهم ما أدوا وأرشدوا ابن السبيل ونصحوا وقروا المسلمين ولم يبد منهم سل ولا غل … الخ )
لقد أدمج في نص وثيقة الصلح هذه نص لم يؤلف له من قبل مثيل ، هو : ومن استعنا به منكم ، فله جزاؤه على معونته عوضا عن جزائه) وهذا دليل قاطع على أن الجزية إنما كانت تفرض مقابل منع المسلمين من تغلبوا عليهم ، فإذا دافع هؤلاء عن أنفسهم أو أصانوا المسلمين كان لهم جزاؤهم!
ولما وجد ملك طبرستان نفسه محاطا بالمسلمين: من الجنوب باستيلائهم على الري، ومصالحتهم أهل قومس، ومن الشرق بصلحهم مع أهل جرجان، وأنه لم يبق له منفذ إلى أرض فارس إلا من طريق أذربيجان المهددة هي أيضا بالغزو، آثر الصلح فراسل سويدا فيه، فتوادعا وتصالحا على طبرستان وجبل جيلان باغن يدفع أهلها الجزية وهم من بعد ذلك آمنون لا يغار عليهم ولا يمر أحد بارضهم إلا بإذنهم.

الإنسان:
كان سويد موضع ثقة النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وخالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص والقادة الذين عمل بأمرتهم، وذلك لشجاعته وأمانته وشدة تمسكه بعقيدته، لذلك ولاه خالد الجزاء في معركة المدار، كما عمل لعمر بن الخطاب هو وأخوه النعمان ابن مقرن على ما سقى الفرات ودجلة ، فاستعفيا فرارا من إغراء المال وحبًّا للتفرغ للجهاد.
لقد آثر سويد أن يكون غازيا على أن يكون جابيا! وكان سويد من رؤساء قبيلة مزينة قبل الإسلام وبعده، وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ستة أحاديث، منها ما رواه هلال این يساف: «كنا نبيع البر في دار سويد بن مقرن، فخرجت جارية وقالت لرجل منا كلمة، فلطمها، فغضب سويد وقال: لطمت وجهها! لقد رأيتني سابع سبعة من إخوتي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما لنا خادم إلا واحدة ، فلطمها أحدنا ، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاعتقناها»
وقد روى حديثه مسلم وأصحاب السنن، وكان من أصحاب الفتيا.
وكان محبا للناس محبوبا منهم، دمث الأخلاق، حسن السيرة، تقيا ورعا، أميناً، كريماً، وفيا.
سكن البصرة أولا مع إخوته، ثم سكن الكوفة وهو يعد من الكوفيين، وقد مات بالكوفة، ولم يحدثنا التاريخ أنه امتلك القصور والعقارات والأموال، بل عاش عيش الكفاف حتى مات.

القائد:
كان سويد يهوى الجندية ويفضل ميادين القتال حيث الخطر الداهم على سكنى القصور حيث الأمان والدعة ، ولم يحرص أبدا على تولي القيادة بل جاءته من غير مطالبة لما كان يتحلى به من مزايا وخصال.
فقد كان سريع القرار صحيحه، شجاعا من غير تهور، ذا إرادة قوية نافذة، ونفسيته لا تتبدل في السراء والضراء، يثق بقواته ويحبهم ويثقون به ويحبونه، وكان ذا شخصية قوية وقابلية بدنية ممتازة، يتمتع بماض مشرف مجید ولعل أبرز مزايا قيادته مزیتان: مزية سبق النظر، وهذه المزية جعلته يتفادي كثيرا من المعارك التي لا مبرر لها بالمفاوضات تارة وبالحسنى تارة أخرى، وجزية حبه للمسؤولية حتى في حالة عمله بقيادة عمر بن الخطاب الذي كان يمتاز بالمركزية في إدارته اثناء السلم والحرب، ويحب أن يتدخل في كل صغيرة وكبيرة لتوجيه قادته وولاته بأدق تفاصيل أعمالهم.
لقد كانت معاهدة سويد التي عقدها مع ملك جرجان الفارسي جديدة عند مقارنتها بما سبقها من معاهدات، وقد عقدها سوید علی مسؤوليته، ولكن عمر بن الخطاب أقره عليها بعد اطلاعه عليها.
لقد وجد سويد بثاقب نظره عقده تلك المعاهدة، أنها تؤمن له نياته السلمية أولا، وتثبت للفرس عمليا بشكل لا يقبل الشك تلك النيات ثانيا، ويلقي عن كاهل العرب المسلمين بعض مهمة الدفاع عن البلاد التي يفتحونها وذلك بإشراك سكانها الأصليين بالدفاع عن بلادهم
ثالثا
– خاصة بعد توسع الفتوحات وامتداد خطوط المواصلات إلى مسافات شاسعة.
تلك الخطوط التي تربط بين قاعدة المسلمين الأصلية وهي جزيرة العرب و قاعدتهم المتقدمة في العراق وبين بلاد فارس، مما يضاعف تبعات قوات المسلمين ومسؤولياتها في حماية خطوط مواصلاتهم وفي الدفاع عن البلاد المفتوحة ويجعلهم مضطرين على الاستعانة بغيرهم للدفاع عن أنفسهم والمشاركة في معاونة الفاتحين، خاصة وأن الظروف المحيطة بالمسلمين وبالفرس قد تبدلت عما كانت عليه في أيام الفتح الأولى وأيام عقد المعاهدات الأولى بين المسلمين وبين الفرس ، فأصبح تطوع الفارسي للدفاع عن نفسه او مشاركته في تحمل بعض الواجبات العسكرية المحلية – كالحراسات الداخلية والقيام بواجبات المحافظة على الأمن الداخلي ومعاونة المسلمين بإقرار النظام، أو مشاركتهم في تحمل بعض الواجبات الإدارية التي لها مساس بالقضايا العسكرية، أو مشاركتهم في حماية خطوط المواصلات التي امتدت كثيرا ولا تزال تزداد امتدادا وتغلغلا، وحتى المشاركة بأعباء القتال في صفوف المسلمين ضد أعدائهم – كل هذه الأعمال أصبحت في تلك الظروف لا تشكل خطرا جديا على سلامة جيش المسلمين، لأنهم أصبحوا من القوة والمنعة بمكان، كما أن قوات أعدائهم الأصلية تحطمت نهائيا تحت ضربات المسلمين المتلاحقة الكاسحة ولم تبق من قوات أعدائهم غير القوات الثانوية التي لا تشكل – من الناحية العسكرية – خطرا داهما، كما أن قوات المسلمين أصبح موقفها رصينا في البلاد المفتوحة من جهة، وتردّت أحوال الدولة الفارسية المركزية والدويلات الفارسية المحلية من جهة أخرى.
أما في أوائل الفتح، فلم تكن الظروف المحيطة بالمسلمين والفرس ساعد على إشراك المتطوعين من الفرس أو من غيرهم للقتال في صفوف المسلمين، لأن الفرس وأعداء المسلمين كانوا حينذاك أقوياء، وكان للفرس إمبراطورية قوية، وقد تؤدي خيانة المتطوعين من الفرس إلى كوارث مسكرية قاصمة.
إن أقدام سويد على وضع الجزية عن كاهل المتطوعين من الفرس وغيرهم  للدفاع عن أنفسهم أو للقتال جانب المسلمين، كان حكيما جدا وفي محله

وأؤكد هنا، أن عمر رضي الله عنه لم يكن مركزيا في سيطرته لأنه كان يحب السلطة ويريد الاستئثار بها دون غيره أو يحب التسلط على غيره، بل كان مركزيا لأنه كان شديد الحرص على مصالح المسلمين الإدارية والعسكرية فكان يشغل نفسه ليل نهار بالتفكير في تلك المصالح ووضع أنجع الحلول لها بعد استشارات طويلة أو قصيرة حسب أهمية القضايا الراهنة ، لذلك كان يقول: (إن أكمل الرجال رأيا من إذا لم يكن عنده عهد من صاحبه عمل بالحزم أو قال به ولم ينكل) لقد كان السلف الصالح رواد مصالح عامة لا طلاب مصالح ذاتية، لذلك كانوا يتعاونون جميعا على تحقيق تلك المصالح للأمة، لا يهمهم أبدا كيف جاء الرأي السديد و من جاء به… كل همهم التوصل إلى الرأي السديد بصرف النظر عن صاحبه!

سويد في التاريخ:
يذكر التاريخ لسويد جهاده المشرف في أيام النبي صلى الله عليه وسلم، وثباته على الإسلام بعد التحاقه بالرفيق الأعلى، ودفاعه عن الإسلام ضد المرتدين.
ويذكر له جهاده المشرف في معارك فتح العراق، وفي تحمل إدارة بعض القضايا الادارية أثناء الفتح وبعد انجازه.
ويذكر له جهاده المشرف في معارك فتح فارس تحت لواء أخيه النعمان ابن مقرن المزني وتحت لواء أخيه نعيم بن مقرن المزني.
ويذكر له فتحه مناطق شاسعة من الإمبراطورية الفارسية.
رضي الله عن الصحابي الجليل: الإداري الحازم، القوي الأمين، القائد الفاتح، سويد بن مقرن المزني.

(قادة فتح فارس، محمود خطاب شيت)

شارك هذا المقال:

مقالات مشابهة