بكير بن عبد الله الليثي

فاتح شمالي آذربيجان وموقان

«اللهم صدق قوله ولقه الظفر»
(محمد رسول الله)

إسلامه:
أسلم بكير بن عبد الله الليثي صغيرا، وعاش في كنف النبي صلى الله عليه وسلم وكان ممن يخدمه وهو غلام، فلما احتلم جاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله! اني كنت ادخل على أهلك، وقد بلغت مبلغ الرجال، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم صدق قوله ولقه الظفر».
ولم يرد له ذكر في غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه كان صغيرا ، وبذلك نال بكير شرف الصحبة ولم ينل شرف الجهاد تحت راية الرسول القائد.

جهاده:
۱- قصد بكير العراق للجهاد في ساحاته، فأرسله سعد بن أبي وقاص على رأس سرية مؤلفة من ثلاثين رجلا معروفين بالنجدة، وأمرهم بالغارة على الحيرة، فلما كانوا في الطريق وجدوا اخت صاحب الحيرة في جماعة تزف إلى أحد أشراف العجم، فحمل بكير على قائد تلك الجماعة فدق عنقه، ثم استاق الأثقال والنساء والتوابع فصبح سعداً بما أفاء الله على المسلمين.
وشهد تحت لواء سعد معركة القادسية الحاسمة والمعارك التي تلتها حتى فتح المدائن، وكان سعد قد استعمله على قومه حين دخلوا العراق وحين أراد المسلمون أن يخوضوا نهر دجلة لفتح المدائن ، تهيّب الناس دخول الماء، فقال بكير مخاطبا فرسه أطلال: “ثبي أطلال وثباً” فدخل
وله مع سعد أخبار كثيرة كلها بطولات نادرة وتضحيات فذة
۲ – وشهد كثيرا من معارك فتح أرض فارس، ولما أذن عمر بن الخطاب للمسلمين بالانسياح في أرض العجم، بعث عتبة بن فرقد السلمي وبكير بن عبد الله وعقد لهما لواء أذربيجان وفرقها بينهما، فجعل لكل منهما هدفا محدودا: أمر عتبة أن يتقدم لفتحها من حلوان إلى ميمنتها جنوبي اذربيجان، وأمر بكيرا أن يتقدم لفتحها من الموصل إلى ميسرتها شمالي أذربيجان، ثم أمد بكيرا بسماك بن خرشة الانصاري وليس بأبي دجانة، على رأس قوة من مجاهدي الري بعد فتحها، فسار سماك نحو بكير، وكان بكير قد اصطدم بالقوات الفارسية في منطقة جبال جرمیدان فكان أول قتال لقيه بأذربيجان، ولكن سرعان ما انهزم الفرس وأخذ بكير قائدهم أسفنديار أسيرا، فقال له قائد الفرس: الصلح احب إليك أم الحرب؟
فقال بكير: بل الصلح!
قال: فامسكني عندك، فان أذربيجان إن لم أصالح عليهم أو أجيء إليهم ، لم يقوموا لك وجلوا إلى الجبال التي حولها، ومن كان على التحصن تحصن إلى يوم ما، فامسكه عنده وصارت البلاد إليه، إلا ما كان من حصن ولما قدم سماك.
ابن خرشة ممدا له، وجد اسفنديار أسيرا، ووجد بكيرا قد فتح أهدافه في أذربيجان فكتب إلى عمر بن الخطاب يستأذنه في التقدم لفتح البلاد المجاورة، فأذن له أن يتقدم إلى باب الأبواب وأن يستخلف على ما افتتحه، فاستخلف عتبة بن فرقد، فأقر عتبة سماك بن خرشة على عمل بكير الذي كان افتتحه. وأسرع بكير يريد باب الأبواب فسبق سراقة بن عمرو إليها، ولما وصل سراقة منطقة باب الأبواب جعل بكيرا على إحدى مجنبتيه، وبعد فتح باب الأبواب بعثه سراقة لفتح موقان ففتحها وفرض على أهلها الجزية.

الإنسان:
لا نعرف شيئا عن أيام بكير بعد الفتح ولا عن أعماله العامة، فقد سكت المؤرخون عنها، ولكننا نستبين من سيرته التي ذكرناها، أنه كان رجلا يتحلى بمزايا العربي الأصيل وخلق المسلم الصادق قتل يهودي في عهد عمر بن الخطاب دون أن يعرف أحد قاتله، فصعد عمر المنبر وقال: “أفيما ولاني الله واستخلفني تقتل الرجال؟! اذكر الله رجلا كان عنده علم ألا أعلمني!” فقام إليه بكير وأخبره بأنه هو الذي قتل اليهودي، لأنه سمعه يتغزل بزوجة رجل من المجاهدين، فلم يستطع صبرا على ذلك! يا للغيرة الصادقة أن هذه الغيرة جعلته يقدم حتى على القتل لإسكات صوت فاسد ولكن يا للورع قبل ذلك، هذا الورع الذي جعله يعترف بالقتل غير مكترث بنتائج اعترافه خوفا من الله! لقد كان رجلا غيورا غاية الغيرة شهماً غاية الشهامة، ورعاً تقياً صادقاً وفياً، يحرص على رفع راية الإسلام أكثر مما يحرص على روحه التي بين جنبيه، فلا يكاد ينتهي من فتح إلا ويطالب قائده الأعلى عمر بن الخطاب أن يبعثه إلى جبهة أخرى، ثم لا يبالي أن يكون قائداً عاما أو قائدا مرؤوسا أو جنديا بسيطا وتلك تضحية لا يصبر على مثلها غير الذين تذروا أنفسهم لله وما أقلهم!!

القائد:
تمتاز قيادة بكير بميزة الحرص على إحلال السلام ، وتشبعه بروح التسامح حتى مع الذين يتغلب عليهم بعد قتال.
وقد كان شجاعا مقداما لا يهاب الموت، والحق أنه كان يهوى الجهاد في سبيل الله ويفضل دائما أن يكون غازيا على أن يكون واليا. وكانت له قابلية على إصدار القرارات السريعة الصحيحة، ذا شخصية نافذة وإرادة قوية، وكان يثق برجاله ويثقون به ويحبهم ويحبونه، له ماض ناصع مجيد في خدمة الإسلام ونبي الإسلام صلى الله عليه وسلم.

بكير في التاريخ:
أصبحت آذربیجان و موقان و باب الأبواب بعد فتحها الخطوط الدفاعية الأمامية للمسلمين للدفاع عن بلاد فارس، ولكنها بعد انتشار الإسلام فيها، أصبحت القاعدة المتقدمة لانطلاق المسلمين منها شمالا لفتح أرمينية وتركستان والقفقاس، لذلك كان فتح بكير نصرا سوقيا استراتيجيا للمسلمين جنوا ثمراته بعد حين في ضم مناطق واسعة إلى بلادهم، وجنوا ثمراته في الانطلاق شمالاً لتوسيع رقعة انتشار الإسلام.
إن التاريخ يذكر لبكير فضله العظيم في فتح هذه المناطق الواسعة الفنية الآهلة بالسكان، فهل يذكر سكان تلك المناطق وكلهم مسلمون، أول من نشر الإسلام في ربوع بلادهم ؟؟
رضي الله عن الصحابي الجليل، الشهم الغيور، القائد الفاتح، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، بكير بن عبد الله الليثي.

(قادة فتح فارس، محمود خطاب شيت)

شارك هذا المقال:

مقالات مشابهة