فلما أصبحت ذهبت إلى دير أيوب، وكان فيه راهب طاعن في السن أثق بعلمه وفهمه؛ فأخبرته الخبر، وسألته عنه.. فقال:
«صدقك الهاتف؛ فإن هذا النبي يخرج من أرض مكة، وهو خير الأنبياء؛ فبادر إليه، ولا يسبقنك أحد إليه إن استطعت.»”
تميـم الــدّاري رضي الله عنه
على منهاج النبوة: «كان تميم الداري خامس أربعة جمعوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ»
نزحت قبيلة لخْم القحطانية عن بلاد اليمن السعيدة؛ بعد خراب سد مأرب، واستوطنت بلاد الشام.. فحلّ فريق منها في الرملة وهضبة الجولان، ونزل فريق آخر بالقدس.
فدُعيت حينا من الدهر بيت لخم. ثم حرفها الناس؛ فجعلوها بيت لحم.
واتصل اللخميون بجيرانهم الروم؛ فدان بعضهم بالمسيحية.. بينما ظلّ بعضهم الآخر يعبد المشتري ويحجّ إلى صنم يدعى “الأُقيصِر”؛ أُقيم على مشارف الشام.
وكان تميم بن أوس بن خارجة الداري اللخمي؛ ممن اعتنق المسيحية، وأوغل فيها حتى غدا راهب بيت لحم.
وفي ذات يوم؛ عرضت لتميم الداري حاجة في قرية مجاورة، فقام إلى مسحه الأسود فلبسه، وشدّ على وسطه زناره وأرخى طرفيه على جنبه، وتقلد قلادته التي يتدلى منها صليبه الفضي، ثم اعتمر قلنسوته الصغيرة، ومضى مُيمّما وجهه شطر القرية.
فلما جنّ عليه الليل؛ عرض له أمر لم ينسه طول حياته؛ فلنترك لتميم الداري الكلام ليقص علينا خبره المثير.
قال تميم الداري:
كنت أقيم بالشام حين بُعث النبي عليه الصلاة والسلام؛ فخرجت إلى الأماكن المجاورة لقضاء بعض حاجاتي؛ فأدركني الليل عند واد سحيق مظلم.
فأخذتني الرهبة، ودب في نفسي الخوف.. فتذكرت ما كانت تقوله العرب من الاستعاذة بالجن في أمثال هذه المواقف؛ فهتفت:
أنا في جوار عظيم هذا الوادي الليلة.
ثم أخذت مضجعي لأرقد؛ فإذا مناد ينادي -وأنا لا أراه- ويقول: «عذ بالله أيها الرجل واستجر به؛ فإن الجن لا تجير أحدا على الله.»
فقلت للهاتف: «أقسمت عليك بالله؛ أتقول الحق؟!»
فقال: «لقد خرج رسول الأُميين؛ فأسلمنا، واتبعناه، وذهب كيد الجن، ورُميت بالشهب… فانطلق إلى رسول رب العالمين وأسلم.»
قال تميم الداري:
فسكنت نفسي بعض الشيء، وقضيت ليلتي أستعيد ما قاله الهاتف وأتدبره.. وجعلت أتذكر ما كنت أقرؤه في التوراة والإنجيل عن ظهور نبي جديد.
قال تميم:
فلما أصبحت ذهبت إلى دير أيوب، وكان فيه راهب طاعن في السن أثق بعلمه وفهمه؛ فأخبرته الخبر، وسألته عنه.. فقال:
«صدقك الهاتف؛ فإن هذا النبي يخرج من أرض مكة، وهو خير الأنبياء؛ فبادر إليه، ولا يسبقنك أحد إليه إن استطعت.»
خلع تميم الداري ثياب الرهبانية، وصحب أخا له يدعى هندًا، وطفقا يقطعان الطريق بين بيت لحم والمدينة؛ ليلقيا رسول الله ﷺ، ويُعلنا إسلامهما بين يديه، ويقيما بجواره.
ولما بلغ الأخوان المدينة؛ أناخا راحلتيهما قريبا من المسجد، وأقبلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فحيّاه الأخوان تحية الإسلام، وأعلنا بين يديه كلمة التوحيد، ودخلا في دين الله.
وهنا قال تميم للنبي عليه الصلاة والسلام:
[7/4/2026 9:25 AM] على منهاج النبوة: «إنّ الله مُظهر دينك يا رسول الله، وناشرٌ لواءك في الآفاق.. وأنا قد خلّفت ورائي أهلي وموطني، وجئت لأنقطع إلى الله ورسوله ﷺ؛ فهب لي قريتي جبرين إذا فتح الله على المسلمين، وملكوا بيت المقدس.»
فقال عليه السلام: «هي لك.»
قال تميم: «اكتب لي بذلك كتابا يا رسول الله…»
فكتب له النبي عليه السلام كتابا بذلك.
ثم دارت الأيام، وجعلت جيوش المسلمين تُشرّق في أرض الله الواسعة وتغرّب، وطفقت حصون الشرك تتهاوى تحت سنابك خيل المؤمنين حصنا إثر حصن.. وتوالت بشائر الفتح على مدينة رسول الله ﷺ؛ فما تكاد تُزفّ بشارة حتى تهل أخرى؛ إلى أن كانت سنة خمس عشرة للهجرة..
حيث جاء البشير إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب؛ من قائده عمرو بن العاص؛ يبشره باستسلام بيت المقدس.
ويخبره بإصرار أهلها على أن يكون خليفة المسلمين عمر بن الخطاب؛ هو الذي يعقد لهم الصلح، ويدعوه إلى الشخوص إلى أولى القبلتين وثالث الحرمين.
فمضى الفاروق رضوان الله عليه إلى أرض فلسطين المحررة، وعقد بنفسه لأهلها الصلح، ورُفعت على ربى القدس رايات الإسلام، وجلجلت في ربوع الجولان التي تسكنها لخْم أصوات الآذان.
وهنا قام فتى لخم تميم الداري إلى عمر بن الخطاب، وقال:
«يا أمير المؤمنين؛ ها هو ذا بيت المقدس قد فتحه الله على المسلمين، وإن رسول الله ﷺ وهبني قريتي جبرين.. فأنفذ لي ما وهبنيه رسول الله ﷺ.»
فقام أحد الصحابة وقال: «ومن يشهد لك بذلك؟»
فقال عمر بن الخطاب: «أنا أشهد بذلك.»
وأنفذ الفاروق هبة النبي عليه الصلاة والسلام لتميم الداري.
لزم تميم الداري -منذ أسلم- مسجد رسول الله ﷺ؛ فما يكاد يبرحه إلا قليلا.
وعكف على كلام الله؛ يتلوه آناء الليل وأطراف النهار؛ حتى جعل يُتمّ المصحف مرة في كل سبعة أيام.
ووقف نفسه على خدمة كتاب الله.. فكان خامس أربعة جمعوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ.
أحسّ تميم الداري متعة العبادة فغدا لا يعدل بها لذة من لذات الدنيا، وتذوّق حلاوة التهجد في الليل فأقبل عليه بجسده وروحه، والتزمه أشد التزام.
كان إذا أقبل الليل وأسلم الناس جنوبهم إلى المضاجع؛ هبّ من رقدته وتوضأ فأحسن الوضوء، وعمد إلى حُلّة له -شراها بألف درهم- فارتداها وأخذ زينته تامة كاملة ليمثُل بين يدي ملك الملوك، ويحظى بقربه في نجوة من الناس.
ثم يمضي ليلته كلها متهجدا قائما بآي القرآن.
وكان إذا مر بآية فيها ذكر الجنة، طار شوقا إليها.
وإذا مر بأخرى فيها ذكر النار؛ زفر زفرة كأنّ لهيب جهنم في أحشائه.
قرأ ليلة قوله عز وجل:
{أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}
فأخذته رعدة من خشية الله، واستبدت به رهبة من خوف عقابه.. فما زال يصلي بهذه الآية منذ العشاء إلى أن أسفر الفجر.
وكان كلما أعادها؛ اشتدّ نحيبه جزعا من هول يوم عظيم.
وقد غلب على تميم النوم ذات ليلة؛ فلم يقم للتهجد؛ فعاقب نفسه بأن قام سنة كاملة لا ينام فيها.
ظل تميم الداري نزيل مدينة رسول الله ﷺ إلى أن استُشهد ذو النورين عثمان بن عفان.
فغادر المدينة أسوان حزينا على خليفة المسلمين صاحب رسول الله ﷺ، وعاد إلى بلاده ليقضي نحبه في قريته من ديار الشام.
رضي الله عن تميم الداري؛ العبّاد السجّاد دفين منطقة الجولان.. ونوّر له في قبره.. وأسكنه عاليات الجنان.
صور من حياة الصحابة









