سلمى بن القين التميمي “فاتح مناذر ونهر تیری”

الصحابي

كان سلمى بن القين التميمي صحابيا من المهاجرين ، ولكننا لا نعرف متى أسلم وهل له جهاد تحت لواء الرسول القائد أم لا.

لقد نال سلمى شرف الصحبة والهجرة الى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسجل له التاريخ جهادا تحت راية النبي صلى الله عليه وسلم.

جهاده

١- كان سلمى من السابقين الأولين للجهاد في ميدان العراق ، فقد كان في العراق قبل ان يقدم خالد بن الوليد عليه ، وحين فرغ خالد من حرب الردة ولاه ابو بكر الصديق رضي الله عنه قيادة المجاهدين في العراق، وكتب الى المثنى بن حارثة الشيباني ومذعور بن عدي العجلي وحرملة بن مريطة التميمي وسلمى ان يلحقوا بخالد في ( الأبلة ) ، وكان معهم ثمانية آلاف من ربيعة ومضر إلى ألفين كانوا مع خالد ، فقدم خالد العراق للحرب في عشرة آلاف.

وشهد سلمى معارك العراق قبل خالد وتحت لواء خالد وأبي عبيد بن مسعود الثقفي وسعد بن ابي وقاص وعتبة بن غزوان وغيرهم.

٢- وفي سنة سبع عشرة هجرية كان ( الهرمزان ) يغير على اهل (میسان) و (دستميسان) من (مناذر) و (نهر تیری)، فاستمد عتبة بن غزوان سعد بن أبي وقاص ، فأمده بنعيم بن مقرن المزني ونعيم بن مسعود وأمرهما أن يأتيا أعلى ( ميسان ) و ( دستميسان) حتى يكونا بينهم وبين نهر (تيرى) ، ووجه عتبة بن غزوان سلمى وحرملة بن مريطة ، فنزلا على حدود ( ميسان ) و (دستميسان) بينهم وبين (مناذر) ، ودعوا بني العم من قومهم فخرج اليهم غالب الوائلي وكليب بن وائل الكليبي ، فتركا نعيم بن مقرن ونعيم بن مسعود واتيا سلمى وحرملة وقالا : ( أنتما من العشيرة ، وليس لكما منزل ، فاذا كان يوم كذا وكذا ، فانهدوا للهرمزان ، فان احدنا يثور بمناذر والآخر بنهر تيرى ، فنقتل المقاتلة ، ثم يكون وجهنا اليكم ، فليس دون الهرمزان شيء ان شاء الله)، ورجعا وقد استجابا واستجاب قومهما بنو العم بن مالك بن زيد مناة بن تميم ، وكانوا ينزلون الأهواز قبل الاسلام ، فأهل البلاد يأمنونهم . فلما كانت تلك الليلة – ليلة الموعد – بين سلمى وحرملة وغالب وكليب ، وكان ( الهرمزان) يومئذ بين نهر تیری و بین (دلت) خرج حرملة وسلمى صبيحتهما في تعبية وانهضا نعيم بن مقرن ونعيم بن مسعود ، فالتقوا هم والهرمزان بين ( دلت ) ونهر تيرى ، وسلمى على اهل البصرة ونعيم بن مقرن على أهل الكوفة ، فاقتتلوا واتاهم المدد من قبل غالب وكليب.

وعلم الهرمزان بأن ( مناذر ) ونهر تيرى قد اخذتا ، فانهارت معنوياته ومعنويات رجاله فانهزموا ، فقتل المسلمون منهم ما شاءوا واصابوا منهم ما شاءوا ، وطاردوهم حتى وقفوا على شاطىء ( دجيل ) وأخذوا من الاهواز ما دونه ، وعسكروا بجبال ( سوق الاهواز) وقد عبر الهرمزان جسر سوق الاهواز وأقام بها ، وصار ( دجيل ) بين الهرمزان وبين المسلمين.

ورأى الهرمزان ما لا طاقة له به ، فطلب الصلح ، فكتب حرملة وسلمى الى عتبة بن غزوان يستأمرونه في الصلح وكاتبه الهرمزان ايضا، فأجاب عتبة الى ذلك على الاهواز کلها و (مهرجان قذق) ما خلا نهر تيرى ومناذر وما غلبوا عليه من سوق الاهواز فانه لا يرد عليهم ، وجعل سلمى على مناذر مسلحة وأمرها الى غالب ، وجعل حرملة على نهر تيرى مسلحة وأمرها الى كليب ، فكان سلمى وحرملة على مسالح البصرة .

وكتب عتبة بن غزوان بذلك الى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ووقد وفدا ، منهم سلمى ، وأمره أن يستخلف على عمله حرملة.

٣- وبينما كان المسلمون على ذلك من ذمتهم مع الهرمزان ، وقع بين الهرمزان وكليب وغالب على حدود الارضين اختلاف وادعاء ، فحضر سلمى وحرملة لينظرا فيما بيتهم ، فواجدا غالبا وكليبا محقين والهرمزان مبطلا ، فحالا بينه وبينهما ، فكفر الهرمزان ومنع ما قبله واستعان بالاكراد فكثف جنده.

وكتب سلمى وحرملة وغالب وكليب عن بغي الهرمزان وكفره وظلمه الى عتبة بن غزوان ، فكتب عتبة بذلك الى عمر ، فكتب عمر يأمره بقصد الهرمزان وامدهم عمر بحر قوص بن زهير السعدي ، وأمره على القتال وعلى ما غلب عليه.

وسار المسلمون الى( سوق الاهواز) حيث كان الهرمزان ، فأرسلوا اليه :« أما أن تعبروا الينا ، وأما أن نعبر اليكم » ، فقال : « اعبروا الينا»، فعبروا من فوق الجسر واقتتلوا فوق الجسر مما يلي سوق الاهواز ، حتى هزم الهرمزان ، ففتح حر قوص سوق الاهواز ومعه سلمى وحرملة.

٤- وشهد سلمى تحت راية النعمان بن مقرن المزني فتح ( تستر ) ، فقد كان أهل البصرة وعليهم حرقوص بن زهير وسلمى وحرملة بن مريطة وجزء بن معاوية في سوق الاهواز ، فساروا جميعا الى ( تستر ) وبها الهرمزان وجنود من اهل فارس والجبال والاهواز ، وبعد قتال شديد فتحت ( تستر) أبوابها للمسلمين .

٥ – وقبل معركة ( نهاوند) الحاسمة ، ندب عمر الناس الى النعمان ابن مقرن المزني ، فخرجوا الى نهاوند . وتقدم عمر الى الجند الذين كانوا بالاهو از ليشغلوا جيوش الفرس عن المسلمين ، فأقام سلمى وزملاؤه القادة الآخرون بتخوم ( اصبهان ) و فارس ، وقطعوا امداد فارس عن اهل نهاوند ، وبذلك حالوا دون تعاون قوات الفرس كافة في معركة واحدة . تحت قيادة واحدة ، مما حرمها من أن تكون قوة ضاربة تهدد سلامة المسلمين وهذا يسر النصر المبين للمسلمين على الفرس .

الإنسان

كان سلمى من الصحابة المهاجرين ، وقد سكت المؤرخون عن تفاصيل سيرته ، فلا نعرف شيئا عن اعماله العامة بعد الفتح ، كما لا تعلم اين استقر و اين توفي ومتى .

إنه صحابي جليل ، تقي نقي ، ورع صالح ، كريم سخي ، امين وفي ، عاش حياته مجاهدا ومات مغمورا فقيرا … كل ماله جهاده في سبيل الله .

القائد

كان سلمى وابن عمه حرملة يقودان أربعة آلاف رجل من تميم والرباب سارا بهم من نصر الى نصر ، لم تتراجع لهم راية ولم يتقهقرلهم لواء…

وبقيا مع رجالهما مجاهدين تارة ومرابطين اخرى مسالح للمسلمين في ( مناذر ) ونهر تيرى وبالقرب من أصبهان.

ومن دراسة معارك سلمى نتبين بوضوح أنه كان قائدا ممتازا يتمتع بمزايا قيادية نادرة.

لقد باغت هو وزملاؤه القادة ( الهرمزان) بخطتهم الموقوتة الدقيقة التي أعدوها لفتح مناذر ونهر تيرى ، تلك الخطة التي باغتوا بها الجيش الفارسي بمكان وزمان واسلوب لا يتوقعونه ، وبذلك بافتوا عدوهم بالمكان والزمان والاسلوب في آن واحد ، وهذا هو أعلى مراتب المباغتة التي هي أهم مبادىء الحرب على الاطلاق…

فقد يستطيع القائد أن يباغت خصمه بالمكان ، وقد يستطيع أن يباغته بالزمان ، وقد يستطيع ان يباغته بالاسلوب، أما أن يستطيع مباغتته بكل ذلك مرة واحدة وفي وقت واحد ، فذلك نادر جدا في تاريخ الحروب .

وهو قائد (تعرضي) لم يدافع مطلقا ، وكان يهتم بمبدأ ( الامن ) لذلك لم يستطع عدوه مباغتة رجاله ابدا .

وتدل معركة ( تستر ) بما كان فيها من قتال وحصار ، على أن سلمى كان شديد الضبط قوي السيطرة ، يتحلى بالحذر واليقظة والصبر على أهوال الحروب .

وتدل مشاغلته القوات الفارسية في منطقة شاسعة قبل معركة نهاوند وفي اثنائها ، على قابليته القيادية الفذة وسرعة خاطره ودقة قراراته وتشبثه بمبدأ ( قابلية الحركة ) أو ( المرونة) كما يطلق على هذا المبدا في الوقت الحاضر ، فنجح بكل ذلك هو وزملاؤه القادة في مشاغلة عدد ضخم من قوات الفرس بقوات قليلة نسبيا.

انه كان قائداً ميمون النقيبة ، كامل العقل ، طويل التجربة ، مكينا ، بصيرا بتدبير الحروب ومواضعها ومواضع الفرص والحيل والمكايدة ، حسن التعبية ، يدخل الأمن على قواته ويعمل على رفع معنوياتهم مع طلب السلامة لنفسه واصحابه من العدو ، حسن السيرة عفيفا صارما متيقظا شجاعا مقداما سخيا…

لقد كان سلمى بدون شك قائدا ممتازا .

سلمى في التاريخ

يذكر التاريخ لسلمى جهاده الطويل في سبيل نشر الإسلام وأعلاء كلمة الحق.

ويذكر له فتحه مناطق كبيرة من ارض الاهواز كانت ولا تزال عربية مسلمة .

ويذكر له أنه قضى حياته كلها مجاهدا من أجل التوحيد وموحدا من أجل الجهاد.

رضي الله عن الصحابي الجليل، الفارس البطل، التقي النقي، القوي الأمين، القائد الفاتح، سلمى بن القين التميمي.

(قادة فتح فارس، محمود خطاب شيت)

شارك هذا المقال:

مقالات مشابهة