“كان إسلام عمر فتحا، وهجرته نصرا، وأمارته رحمة”
(عبدالله بن مسعود)
إذا كانت أسباب الفتح الإسلامي كثيرة، فإن على رأس تلك الأسباب، ما كان يتمتع به عمر بن الخطاب رضي الله عنه من سجايا قيادية فذة لا تتكرر في غيره على مر السنين والعصور إلا نادرا.
هذه السجايا الشخصية لقيادة الفاروق، كان لها الأثر الحاسم على اندفاع المسلمين شرقا وغربا، حاملين رايات الإسلام ومبادئه السامية للعالم كله، ومع ذلك لم يكتب أحد عن أثر قيادته في الفتوح من الناحية العسكرية الفنية حتى اليوم!
فما هي تلك السجايا الشخصية التي جعلت عمر بن الخطاب رضي الله منه بحق من أعظم قادة التاريخ على الإطلاق؟
جذور الفتح الإسلامي قبل عمر:
1 – الرسول القائد النبي العربي محمد بن عبدالله صلوات الله وتسليمه عليه, هو أبو الجيش الاسلامي الاول ومؤسسه و قائده ورائده و منظمه ومسلحه ومدربه و باعث كيانه، وموطد أركانه وراسم أهدافه ومخططها.
لقد كانت حياة النبي صلى الله عليه وسلم بمكة المكرمة من بعثته حتى هجرته توحيدا من أجل الجهاد وكانت حياته المباركة بالمدينة المنورة من هجرته إليها حتى التحاقه بالرفيق الأعلى، جهادا من أجل التوحيد.
وقد قاد الرسول صلى الله عليه وسلم ثمانيا وعشرين غزوة بنفسه خلال سبع سنين بعد هجرته إلى المدينة، فقد خرج إلى غزوة ودان وهي أول غزوة قادها الرسول القائد بنفسه في صفر من السنة الثانية للهجرة، وكانت تبوك آخر غزواته في رجب من السنة التاسعة للهجرة وقد نشب القتال بين المسلمين الذين بقيادته، وبين المشركين أو اليهود بتسع غزوات من تلك الغزوات، بينما فر المشركون في تسع عشرة غزوة من تلك الغزوات.
وكان الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام، على رأس الذين خططوا للفتح الإسلامي، فهو الذي رسم بنفسه الخطة التمهيدية لفتح أرض الشام، حيث أرسل في السنة الثامنة للهجرة (٦٢٩م) زيد بن حارثة الكلبي على رأس حملة تعدادها ثلاثة آلاف رجل إلى الحدود الشمالية الغربية من بلاد العرب، وهناك عند مؤتة التقى المسلمون بقوات الروم.
وفي السنة التاسعة للهجرة (٦٣٠م) قاد الرسول القائد عليه الصلاة والسلام بنفسه غزوة تبوك فأظهر قوة المسلمين وعاد إلى المدينة.
وفي السنة الحادية عشرة للهجرة (٦٣٢م) أعد النبي صلى الله عليه وسلم جيشا بقيادة أسامة بن زيد لمهاجمة الروم، غير أن النبي صلى الله عليه وسلم التحق بالرفيق الأعلى في ربيع الأول من تلك السنة كانون أول (٦٣٢م) قبل حركة جيش أسامة، فترك لخلفائه خطة واضحة المعالم، وولى وجوههم شطر قبلة عينها لهم وهكذا وقف الرسول القائد بثاقب رأيه، على أن أشد الأخطار التي يمكن أن تحل ببلاد العرب، وتناوى دعوته إنما موطنها أرض الشام حيث الروم وعمالهم الغساسنة، وقد أثبتت حوادث الفتح الإسلامي في أرض الروم صدق هذه الإشارة، فكان الروم أشد المحاربين عنادا.
۲ – فماذا عمل أبو بكر الصديق رضي الله عنه، لتحقيق أهداف النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف سار قدما لإنجازها؟
لم يزل أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، في كل عمل من أعماله منذ أسلم إلى أن تولى الخلافة وفي أيام خلافته مؤسسا لهذا البناء الشامخ الذي كان هو أول من قام عليه بعد بانيه عليه الصلاة والسلام.
بعد بيعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه بالخلافة، كانت بعثة أسامة ابن زيد، وكانت حروب الردة، وكانت بعوث فتح العراق والشام، فقام على هذه المآثر الثلاثة التي لا يقضي حقها من الأكبار كل ما قام بعد ذلك من بناء.
كان النفاق يطلع رأسه في مكة والمدينة، وكانت القبائل البادية تتسابق إلى الردة في أنحاء الجزيرة، وكان جند أسامة نفسه يود لو استبدل به أميرا غيره، وكان أسامة نفسه يود لو استبدل به أمیرا غيره، وكان أسامة أول من يشك في طاعة القوم إياه، ويترقب أن يخلفه على البعثة أمير سواه!
وهنا تسعف الصديق طبيعة هي أعمق الطبائع فيه، فيقول وقد خوفوه الخطر على المدينة والجيش يفارقها: “والله لا أحل عقدة عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو أن الطير تخطفنا، والسباع من حول المدينة، ولو أن الكلاب جرت بأرجل أمهات المؤمنين، لاجهزت جيش أسامة”.
وشيّع أبو بكر الصديق بعثة أسامة، ثم قال لأسامة: “اصنع ما أمرك به رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تقصرن في شيء من أمر رسول الله”.
كانت بعثة أسامة لا تمر بقبيلة يريدون الارتداد، إلا تخوفوا وسكنوا وقالوا فيما بينهم: “لو لم يكن المسلمون على قوة لما خرج من عندهم هؤلاء”.
وعاد جيش أسامة إلى المدينة، بعد أن حطم معنويات المرتدين، فكان أنفاذه أعظم نفعا للمسلمين، فإن العرب قالوا: “لو لم يكن بهم قوة، لما أرسلوا هذا الجيش”. فكفوا عن كثير مما كانوا يريدون أن يفعلوه وبذلك ربح الجولة الأولى.
وأقدم أبو بكر الصديق رضي الله عنه على توجيه جيوشه إلى المرتدين رافضا ما عرضه عليه بعضهم من إقامة شعائر الاسلام كلها الا الزكاة، لأن الإسلام كل لا يتجزأ، وحاربهم على الزكاة حتى أعاد إلى شبه الجزيرة العربية الوحدة تحت لواء الاسلام كما كانت أيام النبي صلى الله عليه وسلم، وبذلك ربح الجولة الثانية.
وبانتصاره الباهر في هاتين الجولتين، أعاد إلى العرب الوحدة والضبط والنظام، فأصبحوا قوة جبارة وجدت لها متنفسا في الفتح الإسلامي.
ففي سنة اثنتي عشرة هجرية، كانت جيوش خالد بن الوليد والمثنى بن حارثة الشيباني تتفلفل في أنحاء العراق متنقلة من نصر إلى نصر، حتى وصلت إلى الفراض تخوم الشام والعراق والجزيرة.
وفي سنة ثلاث عشرة هجرية (٦٣٤م) كانت جيوش المسلمين وعلى رأسها خالد بن الوليد وأبو عبيدة بن الجراح وعمرو بن العاص وشرحبيل. ابن حسنة ويزيد بن أبي سفيان وخالد بن سعيد بن العاص وعكرمة بن أبي جهل يدكون معاقل الروم في أرض الشام وينتصرون في معركة اليرموك أول معركة حاسمة من معارك الفتح الإسلامي في تلك السنة، مات القائد الأعلى الثاني لجيوش المسلمين بعد أن بدأ بالفتح بداية موفقة منفذا خطة القائد الأعلى الأول محمد بن عبد الله صلوات الله وتسليمه عليه.
فماذا فعل القائد الاعلى الثالث عمر بن الخطاب رضي الله عنه لتنفيذ خطة الرسول القائد في حمل رسالته السامية إلى الشرق والغرب؟
الفتح الإسلامي بقيادة عمر
1 – الفاتح:
كان عهد الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عهد الفتح الإسلامي الذهبي، فقد حالف النصر أعلام المسلمين فيه، فامتدت دولتهم حتى جاوزت الأفغان إلى قرب حدود الصين شرقا، وإلى الأناضول وبحر قزوين شمالا، وإلى تونس وما وراءها من إفريقيا الشمالية غربا، وإلى بلاد النوبة جنوبا. لقد فتح عمر العراق وإيران وأكثر مناطق أرمينية وبلاد الشام بما فيها سورية ولبنان وشرقي الأردن وفلسطين ومصر وليبيا والنوبة، وخاضت جيوش المسلمين في أيامه ثلاث معارك حاسمة من معارك الفتح الإسلامي: معركة القادسية التي فتحت للعرب المسلمين أبواب العراق والأهواز، ومعركة بابليون التي فتحت لهم أبواب مصر وليبيا والنوبة، ومعركة نهاوند، التي فتحت لهم أبوابها ايران كلها… كل هذا الفتح العظيم، أنجز خلال عشرة أعوام من سنة ثلاث عشرة للهجرة إلى سنة ثلاث وعشرين للهجرة، فقد قبض أبو بكر الصديق رضي الله عنه بعد مغيب الشمس من مساء الإثنين لإحدى وعشرين ليلة خلت من شهر جمادى الآخرة للسنة الثالثة عشرة من الهجرة، فتولى عمر الخلافة، وتوفي ليلة الأربعاء لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين هجرية، فكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام.
هذا النجاح في الفتح، كان بفضل قيادة عمر الفذة، تلك القيادة التي امتازت بميزتين ظاهرتين: الأولى: مقدرته المدهشة على اختيار القادة العامين والقادة المرؤوسين. والثانية: قابليته الموهوبة والمكتسبة في القيادة العليا والقيادة التعبوية أيضا، فكيف كان ذلك؟
– اختيار القادة:
ما هي المزايا التي كان عمر يريد ان تتوفر في القائد الذي يؤمره على جيش من جيوش المسلمين؟
أن يكون صحابيا، لأنهم كانوا لا يؤمرون في الفتوح إلا الصحابة فكان عمر لا يولي إلا الصحابة ولا يرضى ابدا أن يعمل صحابي بأمرة غير صحابي.
وكان عمر يفضل السابقين الأولين من الصحابة على غيرهم، إلا أن يقصر بهم عملهم، فكان يفضل عليهم حينذاك من برز بأعماله من الصحابة.
وكان عمر يفضل أن يكون القائد مكينا غير متهور، يعرف الفرص وينتهزها ويعرف كيف ومتى يقاتل ومتى يكف عن القتال. قال عمر لسليط بن قيس: “لولا عجلة فيك لوليتك، ولكن الحرب زبون لا يصلح لها إلا الرجل المكيث”.
وكان عمر رضي الله عنه يريد أن يكون القائد قويا مسيطرا، ذا شخصية نافذة، فإذا وجد رجلا أقوى من رجل فضل الأقوى على القوي؛ فقد استعمل على الشام معاوية بن أبي سفيان وعزل شرحبيل بن حسنة وقام بعذره في الناس، فقال: “إني لم أعزله عن سخطة، ولكني أريد رجلا اقوى من رجل”. وكان يقول: “إني لاتحرج أن استعمل الرجل وانا أجد اقوى منه”.
وكان يريد القائد شجاعا راميا، فحين وجه سعد بن أبي وقاص إلى العراق قائدا عاما، قال : “إنه رجل شجاع رامٍ”.
وكان عمر إذا اجتمع إليه جيش من المسلمين، أمر عليهم أميرا من أهل العلم والفقه، وكان عمر لا يرضى أن يؤمر أهل الوبر على أهل المدر. فقد قال لعتبة بن غزوان: من استعملت على أهل البصرة؟ فقال: مجاشع بن مسعود. قال: اتستعمل رجلا من أهل الوبر على أهل المدر؟!.
تلك هي المزايا التي كان عمر يريد توفرها في القائد: ماض مجيد ناصع في الحرب وفي خدمة الإسلام، له تجربة عملية في الحروب، مكيث غير متهور، يعرف الفرص ويدرك الوقت والمكان المناسبين لنشوب القتال والكف عنه، قوي الشخصية، مسيطر على رجاله، شجاع رام، عالم فقيه، وتلك هي نفس المزايا التي يلاحظها علماء فن الحرب قديما وحديثا.
لذلك نجح عمر ونجح قادة عمر في مهمة قيادة الجيوش الإسلامية نجاحا كان ولا يزال وسيبقى أعجوبة من أعاجيب تاريخ الحرب.
قيادة عمر
1 – الشورى:
ملاك النظم الحكومية كلها نظام الشورى الذي أقامه عمر على أحسن ما يقام عليه في زمانه، فجمع عنده نخبة من الصحابة للمشاورة والاستفتاء، وظن بهم على العمالة في أطراف الدولة تنزيها لأقدارهم وانتفاعا برأيهم واعتزازا بتأييدهم له ومعاونتهم إياه، فقد قيل له: “ما لك لا تولي الأكابر من أصحاب رسول الله عليه السلام؟!” فقال: “أكره أن أدنسهم بالعمل”.
جعل موسم الحج موسما عاما للمراجعة والمحاسبة واستطلاع الآراء في أقطار الدولة من أقصاها إلى أقصاها: يفد فيه الولاة والعمال لعرض حسابهم وأخبار ولاياتهم، ويفد فيه أصحاب المظالم والشكايات لبسط ما يشكيهم، ويفد فيه الرقباء الذين كان يبثهم في أنحاء البلاد المراقبة الولاة والعمال كان عمر يستشير جميع هؤلاء ويشير عليهم، ويستمع لهم ويسمعهم، ويتوخى في جميع ذلك تمحيص الرأي وإبراء الذمة والخلوص إلى التبعة السليمة من العقابيل.
لقد كانت الشورى عنده مبدأ لا يحيد عنه للأغراض السلمية والحربية على حد سواء.
علم عمر باجتماع الفرس على يزدجرد، فخرج عمر من المدينة حتى نزل على ماء يدعى ضرار فعسكر به، ولا يدري أحد ما يريد: أيسير أم يقيم! وأحضر عمر الناس وأعلمهم الخبر واستشارهم في المسير إلى العراق، فقال العامة: “سر وسر بنا معك”. ثم جمع وجوه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرسل إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكان قد استخلفه على المدينة، وإلى طلحة وكان على المقدمة فرجع، وإلى الزبير وعبد الرحمن بن عوف، وكانا على المجنبتين، فاستشارهم فأجمعوا على أن يبعث رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرميه بالجنود، فأن كان الذي يشتهي فهو الفتح، وإلا أعاد رجلا وبعث آخر، ففي ذلك غيظ العدو، فجمع عمر الناس وقال لهم: إني كنت عزمت على المسير حتى صرفني ذوو الرأي منكم، وقد رأيت أن أقيم وأبعث رجلا، فأشيروا علي برجل: وأخيرا استقر الرأي على تولية سعد بن أبي وقاص.
وكان عمر لا يوافق على انسياح الجيش الإسلامي في بلاد فارس، ويتمنى أن يكون بين العرب وبين بلاد العجم جبل من نار، لا يخلصون منه إلى البلاد العربية، ولا يخلص العرب منه إلى بلاد الفرس.
واستشار عمر أهل الرأي في الانسياح، وكان ممن استشارهم الأحنف ابن قيس التميمي والهرمزان وأخيرا أذن في الانسياح في بلاد فارس.
لقد كان عمر يؤمن إيماناً عميقا بالشورى حتى الخلافة جعلها شورى بين الرجال الستة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض ولم يول رجلا بعينه.
وبلغ من إيمانه بالشورى، أنه كان يستشير حتى العدو الذي لا يأمنه، كما فعل في سماع رأي الهرمزان في أمر الحرب الفارسية بل كان يدعو حتى الأحداث يستشيرهم لحدة عقولهم.
لقد كان عمر يحسن فن الاستشارة
٢ – المعلومات:
كان عمر يحرص على الحصول على المعلومات من الوافدين عليه ومن القادة والأمراء وسائر الناس الذين يحضرون الحج ومن منابع المعلومات الأخرى كان يطالب قادته دائما أن يطلعوه على تفاصيل المعلومات عن العدو وعن الأرض التي يقاتلون عليها. كتب إلى سعد بن أبي وقاص قبيل معركة القادسية، يقول: “اكتب الى أين بلغ جمعهم، ومن يلي مصادمتكم، فإنه قد منعني من بعض ما أردت الكتاب به قلة علمي بما هجمتم عليه والذي استقر عليه أمر عدوكم؛ فصف لي منازل المسلمين، والبلد الذي بينكم وبين المدائن صفة كأني أنظر اليها، واجعلني من أمركم على الجلية”. فكتب إليه سعد يذكر تفاصيل دقيقة عن طبيعة الأرض وعن العدو و قائده.
وكان جواب عمر على رسالة سعد هذه: “جاءني كتابك وفهمته، فاقم بمكانك حتى ينفض الله لك عدوك، وأعلم أن لها ما بعدها، فإن منحك الله أدبارهم فلا تنزع حتى تقتحم عليهم المدائن، فإنه خرابها ان شاء الله”
لقد كان عمر يحيط علما بتفاصيل ودقائق المعلومات عن جيوشه وعن جيوش عدوه وعن طبيعة الأرض، فكان لذلك يصدر قراراته العسكرية على هدى وبصيرة.
٣- الحرص:
كان عمر رضي الله عنه، يحرص غاية الحرص على مصائر جيوشه، فقد كان يخشى الله أن يسأله عن كل إهمال يؤدي إلى ضياع الأرواح، كما أن تكوينه الطبيعي وخلقه ونفسيته كانت نموذجا رفيعا للحرص على مصائر الناس
قال مرة: “فوالله ما استطيع أن أصلي وما استطيع أن أرقد، وإني لأفتتح السورة فما أدري في أولها أنا أو في آخرها.. من همي بالناس، منذ جاءني هذا الخير” أي منذ توليت أمر المسلمين
وبعث عمر بن الخطاب جرير بن عبدالله البجلي على الجيش، فسقطت رجل رجل مسلم من البرد، فبلغ عمر أمره فأرسل إلى جرير: “يا جرير مستمعا! إنه من يسمع يسمع الله به” يعني أنك خرجت في البرد ليقال: قد غزا في البرد.
وكتب أبو عبيدة بن الجراح إلى عمر، فذكر جموعا من الروم وشدة فكان يوقظ أحد أصحابه فيقول: “قم فصل ، فإني لأقوم فأصلي واضطجع فما يأتيني النوم”.
وكان عمر يخلف الغزاة في أهليهم، فيقوم على أمرهم كله. وكان يقدر المجاهدين حق قدرهم ويكبر المضحين منهم أعظم الأكبار. قال عبدالله ابن عمر: “بينما الناس يأخذون أعطياتهم بين يدي عمر، فرفع رأسه فنظر إلى رجل في وجهه ضربة، فسأله، فأخبره أن إصابته في غزاة كان فيها، فقال: “عدوا له ألفا فأعطي الرجل ألف درهم” ثم قال: “عدوا له ألفا، فأعطي الف درهم أخرى” ثم قال له ذلك أربع مرات، كل ذلك يعطيه ألف درهم، فاستحى الرجل من كثرة ما أعطي، فخرج! فسأل عمر عنه، فقيل له: إنا رأينا أنه استحى من كثرة ما تعطيه، فخرج. فقال عمر: “أما والله لو أنه مكث ما زلت أعطيه ما بقي منها درهم رجل ضرب ضربة في سبيل الله حفرت وجهه”.
وكان عمر حين يتوقع اصطدام جيوشه بالعدو، يعيش في دوامة من القلق والاضطراب من شدة حرصه على مصائر المسلمين. قال السائب بن الاقرع الثقفي: “وقدمت على عمر، وكان قد قدر الوقعة، فبات يتململ ويخرج ويتوقع الأخبار فخرج عمر من الغد يتوقع الأخبار، فأتيته فقال: ما وراءك؟! فقلت: خيراً يا أمير المؤمنين! فتح الله عليك وأعظم الفتح، واستشهد النعمان بن مقرن فقال عمر: إنا لله وانا اليه راجعون.. ثم بكى فنشج حتى بانت فروع كتفيه فلما رأيت ذلك وما لقي، قلت: يا أمير المؤمنين! ما أصيب بعده رجل تعرف وجهه. فقال: أولئك المستضعفون من المسلمين، ولكن الذي أكرمهم بالشهادة، يعرف وجوههم وأنسابهم، وما يصنع أولئك بمعرفة عمر؟؟
لقد كان عمر في حرصه نسيج وحده أنه كان لا ينام ولا ينيم حرصا على مصائر المسلمين.
٤- الفطنة وبعد النظر:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد كان يكون في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي منهم أحد، فإن عمر بن الخطاب منهم، والمحدثون هم الملهمون.
لقد كان عمر يرى الرأي، فينزل به القرآن، وما قال الناس في شيء وقال عمر فيه، إلا جاء القرآن بنحو ا يقول عمر، وكانت له فراسة عجيبة نادرة، يعتمد عليها ويرى أن: «من لم ينفعه ظنه ، لم تنفعه عينه» وتروى له روايات في أمر هذه الفراسة، قد يصدق منها القليل وتتسرب المبالغة إلى الكثير، ولكنها على كلتا الحالتين تنبئنا بحقيقة لا شك فيها، وهى أنه اشتهر بالفراسة وحب التفرس والاستنباط بالنظرة العارضة.
روی سالم بن عبد الله عن أبيه قال: ما سمعت عمر رضي الله عنه يقول لشيء قط: إني لأظنه كذا، إلا كان كما يظن. بينما عمر جالس إذ مر به رجل جميل، فقال: لقد اخطأ ظني أو أن هذا على دينه في الجاهلية أو قد كان كاهنهم في الجاهلية. فقال الرجل: ما رأيت كاليوم استقبل به رجل مسلم. فقال: أني أعزم عليك إلا ما أخبرتني! فقال: كنت كاهنهم في الجاهلية.
وقد عاشره أناس من الدهاة فخبروه وحذروه! قال المغيرة بن شعبة لعمرو بن العاص: أنت كنت تفعل أو توهم عمر شيئا فيلقنه عنك؟ والله ما رأيت عمر مستخليا بأحد إلا رحمته كائنا من كان ذلك الرجل! كان عمر والله أعقل من أن يخدع وأفضل من أن يخدع. ووصف عمر نفسه فقال: لست بالخب، ولكن الخب لا يخدعني.
ولكن أعظم ما يدل على بعد نظره وحدة ذكائه. فيما ارى – هو: تركه السواد في العراق غير مقسوم ووضعه الخراج عليه، وتركه أرض مصر غير مقسومة أيضا، لتكون تلك الأرض للمسلمين كافة لا لأفراد منهم .. وتدوين الدواوين، وفكرته الملهمة في تقسيم المال، فقد قال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لأخذت فضول أموال الأغنياء، فقسمتها على الفقراء المهاجرين. وكثرة فتوحاته، وحثه أبا بكر الصديق على جمع القرآن الكريم.
تلك إنجازات مصيرية خالدة، كل إنجاز منها دليل قاطع على ذكاء خارق وبعد نظر فذ، لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم عن عمر: «ما طلعت الشمس على رجل خير من عمر».
٥ – الشجاعة:
قصة إسلام عمر معروفة مشهورة، وقد فتّ إسلامه في عضد قريش، لأن إسلامه عزز المسلمين بعنصر جديد قوي غاية القوة وقد أباح بإسلامه إلى أنقل قريش حديثا، فأذاعه هذا فورا بين الناس فلما علمت قريش بإسلامه قاتلته، وقاتلهم وحده غير هيّاب.
وبعد إسلام عمر ظهر الإسلام ودعي إليه علانية، وجلس المسلمون حول البيت حلقا وطافوا بالبيت وانتصفوا ممن غلظ عليهم، وردوا عليه بعض ما يأتي به، قال عبد الله بن مسعود: “ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر” وقال محمد بن عبيد: “لقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي بالبيت، حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتلهم حتى تركونا نصلي”. وقال عبد الله بن العباس: “أول من جهر بالإسلام عمر بن الخطاب”.
وحين أسلم عمر قال: “يا رسول الله! ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا؟!” ، قال : «بلى والذي نفسي بيده! أنكم على الحق أن متتم وان حييتم» فقال: “ففيم الاختفاء؟! والذي بعثك بالحق لنخرجن” فخرج المسلمون في صفين: في أحدهما حمزة وفي الآخر عمر، حتى دخلوا المسجد، فنظرت قريش إلى حمزة وإلى عمر، فأصابتهم كآبة لم تصبهم مثلها، فسمى النبي صلى الله عليه وسلم عمر يومئذ: الفاروق.
ورد عمر جوار خاله العاص بن هشام، لأنه رأى المسلمين يضربون وهو لا يضرب، فما زال يضرب ويضرب حتى أظهر الله الإسلام.
وحين أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين بالهجرة إلى المدينة المنورة، هاجر عمر علنا، فما تبعه أحد.
وفي غزوة بدر الكبرى، قتل عمر خاله العاص بن هشام بن المغيرة، وثبت يوم أحد، وفي غزوة حنين ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ضمن عشرة فقط من أصحابه وآل بيته.
تلك هي نماذج من شجاعته النادرة، ولكن هل تحتاج شجاعة الفاروق إلى دليل؟
لا عجب بعد ذلك أن يقول عنه عبد الله بن مسعود: “كان إسلام عمر فتحا، وكانت هجرته نصرا، وكانت أمارته رحمة”.
٦- القابلية البدنية:
كان عمر يأخذ بإذن الفرس ويأخذ بيده الأخرى إذنه، ثم ينزو على متن الفرس، وكان يصارع في سوق عكاظ، وكان ضخما طويلا جسیما، يسرع في مشيته، غليظ القدمين والكفين، مجدول اللحم، وكان فارسا ماهرا.
لقد كان عمر مفتول العضل، قوي الشكيمة، حاد الطبع، سريع الغضب، وكان ماهرا في الفروسية، مدربا تدريبا ممتازا على استعمال السلاح.
رأى عمر رجلا غليظ البطن، فقال: “ما هذا؟” قال: بركة من الله! فقال: “بل عذاب”.ومن أقواله: “تمعددوا واخشوشنوا واقطعوا الركب وانزوا على الخيل نزوا. اي تزيوا بزي العرب من معد ابن عدنان.
لقد كان عمر جندياً ممتازاً من كافة الوجوه.
٧- تحمل المسؤولية:
كان عمر يتحمل مسؤوليته كاملة، ويشعر شعوراً عميقاً بثقل أعبائها. كان يتحمل المسؤولية قبل توليه الحكم وبعد أن أصبح أميراً للمؤمنين.
كان يبدي رأيه صريحاً حتى للرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن ينزل: فقد أبدى رأيه في اتخاذ مقام إبراهيم مصلى، وفي أمر الحجاب على نساء النبي صلى الله عليه وسلم، وفي اجتماع نسائه على الغيرة، وفي أسرى بدر، وفي تحريم الخمر، كل ذلك يدل على أنه كان ذا رأي سديد يتحمل بشجاعة مسؤولية إبدائه ونتائجه وبعد أن اختار الله رسوله صلى الله عليه وسلم إليه، اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة ليبايعوا سعد بن عبادة، فبلغ ذلك أبا بكر الصديق، فأتاهم ومعه عمر وأبو عبيدة بن الجراح. وبعد مناقشات حادة قال عمر لأبي بكر: أبسط يدك أبايعك، فبسط يده فبايعه عمر وبايعه الناس. قال عمر: “إن مبايعة أبي بكر فلتة، إلا أن الله وقى شرها”.
وتولى أبو بكر الخلافة، فدعا الناس إلى الجهاد في ساحات أرض الشام، وطلب رأي أهل الرأي في ذلك، فكان عمر أسبقهم إلى إجابته.
وبعد تولي عمر الخلافة: قال: ” لو علمت أن أحداً من الناس أقوى على هذا الأمر مني، لكنت قد أمرته فتضرب عنقي أحب إلي من أن إليه”. وفي خلافته كان أول من كتب التاريخ الهجري، وهو أول من جمع القرآن في المصحف، وهو أول من سن قيام رمضان، وهو أول من جمع الناس على قيام رمضان وكتب به إلى البلدان، وهو أول من ضرب في الخمر ثمانين، وهو أول من استقضى القضاة في الأمصار، وهو أول من دون الدواوين وهو أول من منع الصدقات عن المؤلفة قلوبهم، وأول من أمضى الطلاق الثلاث بكلمة واحدة، ونهى عن نكاح المتمة، ودرأ الحد بالضرورة ، وقرر مبدأ المساواة أمام القضاء، واجتهد في تفصيل ما لم يرد عنه نص صريح في كتاب الله.
لقد كان يعرف تماما عظم مسؤولياته وضخامتها حاكما للناس، عليه حقوق وواجبات لا تحصى، كان يعسّ ليلا، ففرض عطاء لكل مولود في الإسلام، وكان لا يفرض إلا للفطيم، وحمل الزاد على ظهره للجائعين، وحرم السمن واللبن وكل طعام لذيذ على نفسه في عام الرمادة حين أمحل الناس، وداوى إبل الصدقة بنفسه، فقال له الأحنف بن قيس: يغفر الله لك يا أمير المؤمنين! فهلا تأمر عبداً من عبيد الصدقة فيكفيك هذا؟ فقال عمر: “وأي عبد هو أعبد مني ومن الأحنف؟! إنه من ولي أمر المسلمين، فهو عبد المسلمين، يجب عليه لهم مثل ما يجب على العبد لسيده من النصيحة واداء الأمانة”. قال سالم بن عبد الله: أن عمر بن الخطاب كان يدخل يده في دبر البعير ويقول: “إني خائف أن أسأل عما بك”.
وخطب عمر مرة فقال: “والذي بعث محمدا بالحق، لو أن جملاً هلك ضياعا بشط الفرات، خشيت أن يسأل الله عنه آل الخطاب”.
إنني لا أعرف أحدا في تاريخ العالم كله، حمل مسؤوليته كاملة بهذا الحرص الشديد عدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر الصديق رضي الله عنه، مثل عمر.
لقد اتعب عمر نفسه، وأتعب غيره.
٨- معرفة مبادىء الحرب:
1 -كان عمر أحد خريجي مدرسة الرسول القائد صلى الله عليه وسلم في ممارسة فنون الحرب ومعاناة أهوالها دفاعا عن حرية نشر الإسلام. كان عمر قبل إسلامه كأي عربي ليس غريبا على ساحات الوغى وأخبار الحروب، ولكن معلوماته الابتدائية تلك عن المعارك صقلها وهذبها بالممارسة الفعلية وبالتوجيه العملي والنظري لسيد القادة وقائد السادة عليه الصلاة والسلام.
كانت لعمر طبيعة موهوبة للجندي الممتاز، فاجتمع لديه بعد تجاربه الطويلة للحرب بعد إسلامه، الطبع الموهوب والعلم المكتسب، وبذلك أصبح جنديا ممتازا وقائدا ممتازا له مزايا الجندي المثالي والقائد المثالي علما وعملا.
شهد عمر تحت لواء الرسول القائد المشاهد كلها، وقد ولاه النبي صلى الله عليه وسلم قيادة سرية من المسلمين في شعبان سنة سبع من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثين رجلا إلى عجز هوازن، فخرج وخرج معه دليله من بني هلال، فكان يسير الليل ويكمن النهار، فأتى الخبر هوازن، فهربوا، فانصرف عمر راجعا إلى المدينة. فلما كان بمحل بينه وبين المدينة ستة أميال، قال له الدليل: هل لك في جمع آخر من خثعم، فقال عمر: لم يأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم، إنما أمرني بقتال هوازن.
هذه الغزوة تدلنا على ثلاث نتائج عسكرية: الأولى أن عمر أصبح مؤهلا للقيادة، وإلا لما ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم قيادة سرية من سرايا المسلمين تتجه إلى منطقة بالغة الخطورة وإلى قبيلة من أقوى القبائل العربية وأشدها شكيمة والثانية، أن عمر الذي كان يكمن نهارا ويسير ليلا، مشبع بمبدأ المباغتة، أهم مبادىء الحرب على الإطلاق، والثالثة أن عمر ينفذ أوامر قائده الأعلى نصا وروحا ولا يحيد عنها قيد شعرة، وهذا هو روح الضبط العسكري الذي هو روح الجندية في كل زمان و مکان.
ب – وبعد التحاق النبي صلى الله عليه وسلم بالرفيق الاعلى وتولي أبي بكر الصديق، كان عمر أحد جنود بعث أسامة بن زيد، وحين أراد أبو بكر إنفاذ هذا البعث إلى واجبه حسب أوامر النبي صلى الله عليه وسلم، شيع هذا الجيش، فقال لقائده أسامة: أن رأيت أن تعينني بعمر، فافعل، فكان عمر بعد ذلك أبرز عضو من أعضاء المجلس الأعلى للقيادة العامة في عهد أبي بكر الصديق.
كان أبو بكر في عهده يستشير عمر في اختيار القادة الذين يوليهم قيادة جيوش المسلمين، وكان يستشيره في تسيير الجيوش إلى الجهاد وكان يستشيره عند إعداد الخطط السوقية الاستراتيجية لجيوشه، فكان عمر يعاونه في كل ذلك أعظم المعاونة.
ج – وبعد وفاة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، كان أول ما عمل عمر أن ندب الناس مع المثنى بن حارثة الشيباني إلى أهل فارس، وذلك قبل صلاة الفجر من الليلة التي مات بها الصديق أبو بكر. ثم أصبح فبايعه الناس، فعاد فندب الناس لقتال الفرس. وتتابع الناس على البيعة ثلاثة أيام، كل يوم يندبهم فلا ينتدب أحد إلى فارس، وكان وجه فارس من أكره الوجوه إليهم وأثقلها عليهم، لشدة سلطانهم وشوكتهم وعزهم وقهرهم الأمم، فلما كان اليوم الرابع عاد فندب الناس إلى العراق، فكان أول منتدب أبو عبيد بن مسعود الثقفي، فأمره على الجيش لأنه كان أول الناس انتدابا.
وأمر المثنى بن حارثة الشيباني بالتقدم إلى أن يقدم عليه أصحابه، وأمر باستنفار من حسن إسلامه من أهل الردة، فكان بعث أبي عبيد أول جیش سیره عمر.
قد طبق عمر بذلك مبدأ التحشد، وكان مما أوصی به عمر أبا عبید: “إنك تقدم على أرض المكر والخديعة والخيانة والجبرية .. تقدم على قوم تجرأوا على الشر فعلموه، وتناسوا الخير فجهلوه، فانظر كيف تكون، فاحرز لسانك ولا تفشين سرك، فإن صاحب السر ما يضبطه متحصن ولا يؤتى من وجه يكرهه، واذا ضيم كان بمضيعة.
وهذا يدل على أن عمر كان يعرف تفاصيل دقيقة عن الحالة الاجتماعية العدوه ، لذلك أوصى أبا عبيد بالحذر واليقظة وكتمان السر.
وندب عمر الناس إلى المثنى، وكان فيمن ندب قبيلة بجيلة فدعاهم إلى غزو العراق، وكتب إلى أهل الردة فلم يأته أحد إلا رمى به المثنى.
لقد طبق عمر في ذلك مبدأين من مبادىء الحرب المهمة: مبدأ التحشد وذلك بحشد أكبر عدد من القوات في ربوع العراق، ومبدأ توخي الهدف، وذلك بالإصرار على فتح العراق مهما يكلفه الأمر ومهما تكن الظروف والأحوال.
وقبل معركة القادسية حشد عمر لسعد بن أبي وقاص كل ما استطاع حشده من طاقات مادية ومعنوية، فلم يدع عمر ذا رأي ولا شرف ولا خطيبا ولا شاعرا، ولا وجيها من وجوه الناس إلا سيره إلى سعد.
وكتب عمر إلى سعد تعليمات تفصيلية عن: وجوب قتال المسلمين الفرس في مناطق حدود الأرض العربية على أدنى حجر من أرض العرب، ولا يقاتلوهم في عقر دارهم حتى يسهل على المسلمين الانسحاب بسهولة في حالة اندحارهم. وكتب إلى سعد عن ضرورة التمسك بالمثل الإسلامية العليا، وعن الترفق بالمسلمين في المسير، وعن ضرورة إدامة الجنود أسلحتهم والاعتناء بخيولهم، وعن الأساليب التعبوية من إذكاء العيون إلى إخراج الطلائع ومفارز الاستطلاع، وعن ضرورة الصبر على الجلاد، وعن اتخاذ التدابير الامينة للمحافظة على قواته من مباغتة العدو لها، وعن ضرورة معرفة طبيعة العدو الذي يقاتله وطبيعة الأرض التي يقاتل عليها عدوه الخ.
إن إجراءات عمر قبل معركة القادسية، تمثل ذروة تطبيق مبدأ التحشد، كما أن وصيته لسعد بالقتال على حدود بلاد العرب تطبيق لمبدأ الأمن ومبدأ المرونة.
أما وصيته سعدا ورجاله بتقوى الله وطاعته، والابتعاد عن المعاصي فتمثل أسمى غاية لتطبيق مبدأ إدامة المعنويات.
أما وصاياه لسعد عن الحذر واليقظة والمسير، والاستراحة الأسبوعية وإدامة سلاح الجيش وخيوله، والمحافظة على أهل الذمة، وإذكاء العيون واختيارهم، واتخاذ التدابير التعبوية للأمن، والحصول على المعلومات عن العدو وعن أرض المعركة، والحذر من مباغتة العدو لجيشه، والحزم… إلخ
فدليل على معرفة عمر التفاصيل دقائق التعبية الصغرى واهتمامه الشديد بتطبيق مبدأ الأمور الإدارية ومبدأ الاقتصاد بالمجهود. وبعد فتح انطاكية من أرض الشام، كتب عمر إلى أبي عبيدة بن الجراح: رتب بانطاكية جماعة من المسلمين، وأجعل بها مرابطة، ولا تحبس عنهم العطاء” وهذا تطبيق عملي لمبدأ الأمن
ولما فرغ سعد من أمر القادسية، أقام بها بعد الفتح شهرين، وكاتب عمر فيما يفعل، فكتب إليه عمر بالمسير إلى المدائن، وأن يخلف الناس والعيال بـ العتيق، وأن يجعل معهم جندا كثيفا، وأن يشركهم في كل مغنم ما داموا يخلفون المسلمين في عيالاتهم. وفي هذه الأوامر المختصرة طبق عمر مبدأ اختيار المقصد وإدامته ومبدأ التعرض، ومبدأ تحشيد القوة ومبدأ الاقتصاد بالمجهود ومبدأ الأمن ومبدأ إدامة المعنويات، ومبدأ الامور الإدارية. ولا أعلم رسالة قليلة الكلمات كثيرة الفائدة مثل هذه الرسالة الموجزة.
لقد كان عمر جنديا ممتازا وقائدا مجربا، يعرف تفاصيل التعبية الصغرى، ويتحلى بمزية الضبط المتين، ويعرف مزايا رجاله، ويوليهم المناصب استنادا إلى تلك المزايا فقط، ويطبق جميع مباديء الحرب المعروفة بشكل مثالي وبكل حرص في الحرب.
لقد كان قائدا فذا لا يتكرر على تعاقب الأيام والعصور إلا نادرا. وقد لا يتكرر أبدا.
۹ -إعداد الخطط السوقية (الاستراتيجية):
الخطط السوقية، هي الخطط التي يعدها القائد الأعلى لإدارة الحرب في ساحة الحرب كلها، ويكون لهذه الخطط السوقية تأثير على نتائج الحرب في مختلف ساحات الحركات و الجبهات و مناطق الحركات.

كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو القائد الأعلى في أيام خلافته فكان لذلك المسؤول الأول عن إعداد الخطط السوقية، ويشمل ذلك أعداد هذه الخطط من الناحية العسكرية، وإصدار الوصايا أو الأوامر لتنفيذها، وإمداد جيوشه بالإمدادات من الرجال والمعدات لإدامة الحرب، و تزويد تلك الجيوش بالأمور الإدارية، ومراقبة وصول تلك المواد الإدارية إلى جيوشه، والعمل على رفع معنويات رجاله في ساحة الحرب وفي كل مكان، واختيار القادة العامين والقادة المرؤوسين القادرين على تنفيذ أوامره ووصاياه نصا وروحا.
لقد أنجز عمر كل واجباته هذه قائدا أعلى بشكل يدعو إلى التقدير العميق والإعجاب الشديد، فكان عهده عهدا ذهبيا للفتح الإسلامي العظيم.
ب – كان دستوره في الحرب أن يضع الأسس العامة، ويعهد في تنفيذها إلى ذوي خبرة وأمانة، ولا يتخلى عن تبعته العظمى في مصائر الحرب كل التخلي اعتمادا على القائد وحده، إذ ليس القائد هو المسؤول الوحيد عن المصير.
فإذا رأى القائد العام رأيا وخالفه عمر في رأيه، أعانه بالمدد والمشورة على الأخذ بالرأي الذي دعاه إليه، وأبطل معاذيره بتوضيح الأمر وإعانته عليه.
لقد كان إلى جانب السهر على الميادين عامة، لا يغل يد القائد فيما يحسن أن تنطلق فيه، فإذا تجاوز الأمر سياسة الحرب العامة من فتحا لميادين وفك الحصار، فمن حق القائد عنده أن يختار لنفسه ولا ينتظر الرجوع إليه، وأن يجري في إدارة المعركة على الوجه الذي تمليه عليه ضرورة الساعة.
ج – إن التاريخ ليذكر لنا نماذج حية رائعة عن خطط عمر السوفية التي أصدرها إلى قادته: أوامر جازمة صريحة، ووصايا حاسمة واضحة.
بعد معركة اليرموك في أرض الشام، استخلف أبو عبيدة بن الجراح على اليرموك بشير بن كعب الحميري، وسار حتى نزل بـ الصنفر، فأتاه الخبر، أن الروم وحلفاءهم المنهزمين اجتمعوا بـ فحل. وأتاه الخبر أيضا بأن المدد قد أتى أهل دمشق من حمص، فكتب إلى عمر في ذلك، فأجابه: بأن يبدأ بدمشق فإنها حصن الشام وبيت ملكهم، ويشغل أهل فحل بخيل تكون بازائهم، وإذا فتح دمشق سار إلى فحل، فإذا فتحت عليهم سار هو وخالد بن الوليد إلى حمص وترك شرحبيل بن حسنة وعمرو بن العاص بالأردن وفلسطين.
تلك هي الخطة السوقية لعمر التي بموجبها فتحت أرض الشام (سورية والاردن ولبنان و فلسطین) ومنها يتضح أن عمر بدأ بـ هدف الحركات الخطير وهو مدينة دمشق عاصمة البلاد، وبعد فتحها تتوجه الجيوش إلى الأهداف الثانوية. ولكي يحرم الروم وحلفاءهم من تعاون قواتهم في مختلف مناطقها عند محاولة فتح دمشق، أمر عمر أبا عبيدة ابن الجراح بتخصيص قوات من الفرسان لمشاغلتهم.
لقد أدى تطبيق هذه الخطة السوقية البارعة إلى فتح أرض الشام بسهولة ويسر.
و قبل معركة القادسية الحاسمة أمر عمر أبا عبيدة بن الجراح أن يصرف جند العراق إلى العراق وهم الذين شهدوا معركة اليرموك والذين جاءوا من العراق إلى الشام مع خالد بن الوليد وأمرهم بالحث إلى سعد بن أبي وقاص، وذلك لتحشيد أكبر قوة ممكنة في الزمان والمكان المناسبين، فكان لحضور هؤلاء معركة القادسية أثر كبير في انتصار المسلمين في هذه المعركة.
وكتب إلى سعد بن أبي وقاص بعد اختياره لحرب فارس: “اذا انتهيت الى القادسية، وهو منزل رغيب خصيب، دونه قناطر وأنهار ممتنعة، فتكون مسالحك على أنقابها، ويكون الناس بين الحجر والمدر على حافات المدر والجراع بينها، ثم الزم مكانك فلا تبرحه، فإنك إذا أحسوك انفصتهم ورموك بجمعهم الذي يأتي على خيلهم ورجلهم وحدهم وجدهم، فإن أنتم صبرتم لعدوكم واحتسبتم لقتاله وقويتم الأمانة، رجوت أن تنصروا عليهم، ثم لا يجتمع لكم مثلهم أبدا، إلا أن يجتمعوا وليست معهم قلوبهم. وأن تكن الأخرى، كان الحجر في أدباركم فانصر فتم من أدنى مدرة من أرضهم إلى أدنى حجر من أرضكم، ثم كنتم عليها أجرا وبها أعلم، وكانوا عنها أجبن وبها أجهل، حتى يأتي الله بالفتح.
إنها خطة سوقية فذة مضمونة النجاح في حالتي النصر والاندحار، وفي سنة سبع عشرة هجرية (٦٣٨م) قصد الروم أبا عبيدة بن الجراح ومن معه من المسلمين بـ حمص، فأشار خالد بن الوليد بالمناجزة، وأشار آخرون بالتحصين ومكاتبة عمر، فأطاعهم أبو عبيدة وكتب إلى عمر بذلك وكان عمر قد اتخذ في كل مصر من أمصار المسلمين المهمة خيولا على قدره من فضول أموال المسلمين، عدة للحوادث الطارئة، فكان بالكوفة من الخيول أربعة آلاف فرس، وكان القيم عليها سلمان بن ربيعة الباهلي ونفر من أهل الكوفة، فلما سمع عمر بقصد الروم لأبي عبيدة بن الجراح في حمص، كتب إلى سعد بن ابيغ وقاص: اندب الناس مع القعقاع بن عمرو وسرحهم من يومهم الذي يأتيك فيه كتابي إلى حمص، فان أبا عبيدة قد أحيط به، وتقدم إليهم في الجد والحث، وكتب إليه ايضا: سرح سهيل بن عدي إلى الجزيرة في الجند، وليأت الرقة، فإن أهل الجزيرة هم الذين استثاروا الروم على أهل حمص، وسرح عبد الله ابن عبدالله بن عتبان إلى نصيبين ثم ليقصد حران و الرها، وسرح الوليد بن عقبة على عرب الجزيرة من ربيعة وتنوخ، وسرح عياض بن غنم، فإن كان قتال فقد جعلت أمرهم جميعا إلى عياض ابن غنم. ولما بلغ أهل الجزيرة الذين أعانوا الروم على أهل حمص خبر زحف جيوش المسلمين إلى بلادهم تفرقوا إلى بلادهم وفارقوا الروم، فخرج أبو عبيدة إلى الروم وقاتلهم، ففتح الله على المسلمين.
لقد كانت خطة عمر السوقية هذه خطة رائعة حقا.
وعندما أطمأن عمر إلى انتصار جنده في معركة نهاوند الحاسمة، أمر أبا موسى الأشعري أن يسير من البصرة إلى منقطع ذمة البصرة فيكون هناك حتى يأتيه أمره، ودفع لواء خراسان إلى الأحنف بن قيس، ولواء أردشير خره إلى مجاشع بن مسعود السلمي، ولواء اصطخر إلى عثمان بن أبي العاص الثقفي، ولواء فسا و دارا بجرد إلى سارية بن زنيم الكناني، ولواء كرمان إلى سهيل بن عدي، ولواء سجستان إلى عاصم ابن عمرو التميمي، ولواء مكران إلى الحكم بن عمير التغلبي، وأمدهم عمر بنفر من أهل الكوفة في جموع فكانت هذه الخطة السوقية لعمر هي القاضية على مقاومات الفرس في بلادهم وتطهير أرض فارس من كل مقاومة، لأن قوات الفرس المتفرقة لم تجتمع لتكون قوة ضاربة، إذ شغل المسلمون كل قسم منها في منطقته فحالوا دون تعاونها.
وفي فتح مصر أشفق عمر على جيش عمرو بن العاص، فبعث الزبير بن العوام في اثني عشر ألفا، وبذلك استطاع عمرو فتح أرض وادي النيل،
هذه بعض خطط عمر السوقية للفتح: خطة لفتح العراق، وخطة لفتح أرض الشام، وخطة لفتح بلاد فارس، وخطة لفتح مصر ذلك الفتح الذي امتد من مصر إلى ليبيا وأرض النوبة وتلك أمثلة فذة من خططه السوقية للفتح.
د – وإذا كانت خطط عمر السوقية قد كتب لها النجاح فلأنه بناها على أسس قوية: إجتماعية وسياسية واقتصادية
لقد حرم ابو بكر الصديق رضي الله عنه المرتدين من مشاركة المجاهدين في شرف الجهاد من أجل حماية حرية نشر الإسلام، فقد كتب إلى خالد بن الوليد وعياض بن غنم: “استنفرا من قاتل أهل الردة ومن ثبت على الإسلام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يغزون احد ارتد، حتى أرى رأيي”. فلم يشهد الأيام في عهد ابي بكر مرتد.
أما عمر، فقد استفتح خلافته بقوله: “إنه لقبيح بالعرب أن يملك بعضهم بعضا، وقد وسع الله عز وجل وفتح الأعاجم. واستشار في فداء سبايا العرب في الجاهلية والإسلام إلا امرأة ولدت لسيدها، وجعل فداء كل انسان سبعة أبعرة وستة أبعرة إلا حنيفة وكندة، فإنه خفف عنهم القتل رجالهم، فتتبع النساء بكل مكان، و فدوهن. كما أمر عمر باستنفار من حسن إسلامه من أهل الردة، وندب أهل الردة فاقبلوا سراعا من كل أوب، فرمى بهم الشام والعراق.
لقد كان عمر يرى أن العرب هم مادة الإسلام، وأنهم هم مادة الفتح الإسلامي قادة وجنودا، فلا بد من استنفار كل قادر على حمل السلاح منهم لحمل الرسالة الخالدة إلى العالم. لذلك استمال قلوب العرب بكل ذلك، وأراد ان يشعروا كل الشعور بعزتهم وكرامتهم، وبذلك استطاع تطبيق مبدأ التحشد على العرب كافة وبعثهم إلى ساحات القتال جيوشا ومددا.
وكانت الوحدة السياسية لبلاد العرب، بعض ما شغل به عمر في خلافة أبي بكر الصديق، فلما استخلف كان تثبيت هذه الوحدة وتوطيد دعائمها اول ما اتجه إليه همه. وقد هداه تفكيره إلى أن هذه الوحدة لن تكون سليمة إلا أن تصفو من كل شائبة، وذلك بأن يكون الجنس العربي كله متحدا في موطنه وعقيدته كاتحاده في لفته لذلك كان من أول ما استفتح به عهده أن أجلى نصاری نجران عن شبه الجزيرة، وعوضهم عن أرضهم مثلها في العراق أرضا كأرضهم بـ نجران، وأن تحسن معاملتهم، كذلك فعل بمن بقي من اليهود بـ خيبر أو بـ فدك: أجلاهم عن أرضهم إلى الشام، وعوضهم عنها بمال يعدل قيمتها، ولم يسيء إلى أحد منهم. بذلك خلصت شبه الجزيرة العربية من كل عقيدة إلا الإسلام، فتوطدت فيها قواعد الوحدة التي قصد إليها أمير المؤمنين.
لقد استند عمر في إجلاء اليهود والنصارى إلى ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يجتمع ببلاد العرب دينان» ، وأن عمر خافهم على المسلمين، وأن نصاری نجران بعد ان استخلف عمر أصابوا الربا وكثروا فخافهم على الإسلام فأجلاهم.
ولكن لا يكفي لتثبيت دعائم الوحدة في بلاد العرب إلا يبقى بها دين غير الإسلام، إذا بقي من الفوارق بين أهلها من العرب ما يجعلهم يشعرون بأن بعضهم أكثر حرية من بعض أو أوفر كرامة من بعض. وقد بقيت بعض الفوارق بينهم بسبب الردة والحروب التي قضت عليها، فلا بد من القضاء على هذه الفوارق، فأمر عمر بإشراك المرتدين بالجهاد، كما أمر برد السبي من العرب إلى عشائرهم ورد حريتهم إليهم.
و – وشرع عمر بتنظيم الناحية الاقتصادية في الدولة، فأمر بتدوين الدواوين، ومن نتائج ذلك، أن كل جندي يقاتل في الجبهات المختلفة أصبح له عطاء مضمون يجعله قرير البال على أهله وذويه في مدينته أو في صحرائه، وهذا له تأثير معنوي كبير عليه، لأن الجندي الذي لا يطمئن كل الاطمئنان إلى الحالة المعاشية لأهله لا يقاتل كما ينبغي.
ولكن لا بد للجيوش من موارد ثابتة تديم الأمور الإدارية لهم في أيام الفتح وبعده، لذلك أبي عمر أن يقسم أرض السواد في العراق على الفاتحين كما أبى أن يقسم أرض مصر، وكتب إلى عمرو: “لا تقسمها وذرهم يكون خراجا وفيئا للمسلمين وقوة لهم على جهاد عدوهم” وبذلك أصبح خراج الأراضي وجزية الرؤوس وما كان بمعناها، موارد ثابتة للدولة تصرف على عمارة الدين والمصالح العامة، ومنها رواتب الولاة والقضاة وأهل الفتوى من العلماء، وعلى الجيش وإصلاح الطرق وعمارة المساجد والرباطات للجهاد والقناطر والجسور وسد الثغور واصلاح الانهار العامة.
وكان عمل عمر هذا، كما يقول الإمام أبو حنيفة يوسف في الخراج: والذي رأى عمر من الامتناع من قسمة الأرضين بين من افتتحها، عندما عرفه الله ما كان في كتابه من بيان ذلك، توفيقا من الله كان له فيما صنع وفيه الخيرة الجميع المسلمين، وفيما رآه من جمع خراج ذلك وقسمته عموم النفع لجماعتهم، لأن هذا لو لم يكن موقوفا على الناس في الأعطيات والأرزاق لم تشحن الثفور ولم تقو الجيوش على السير في الجهاد، ولما أمن رجوع أهل الكفر إلى مدنهم إذا خلت من المقاتلة والمرتزقة.
ز – ولم تقف همة عمر على تأمين ركوب المقاتلين ورواتبهم وتأميم الأرض المفتوحة لتكون رصيدا لا ينضب لرواتب الجيوش وتسليحهم وتنقلهم بل ذهبت همة عمر إلى أبعد من ذلك: تأمين السكن لهم ففي سنة سبع عشرة للهجرة (٦٣٨م) أمر ببناء الكوفة و البصرة. كما اختط عرفجة بن هرئمة البارقي مدينة الموصل، وكان بها الحصن وبيع النصارى ومنازل لهم قليلة عند تلك البيع، فأنزل عرفجة العرب منازلهم واختط لهم ثم بنى المسجد الجامع كما أن عرفجة نزل حديثة الموصل وكانت قرية فيها بيعتان، فحصرها واختطها قبل الموصل الحدباء وبنى أبو مدلاج التميمي حديثة الفرات في أيام عمر، وكان عمر قد بعثه على رأس جيش يستقري ما فوق الفرات،
واختط عمر الفسطاط في مصر وأسكنها المسلمين.
وبنى معاوية بن أبي سفيان في عهد عمر مدينة جبلة، وكانت حصنا للروم جلوا عنه عند فتح المسلمين حمص، وشحنها معاوية بالرجال وبني حصنا خارجا عن الحصن الرومي، وسكن المسلمون هذه المدينة.
وبني عثمان بن أبي العاص توج في إيران، وبني المساجد وجعلها دارا للمسلمين، وأسكنها عبد القيس وغيرهم، وذلك في أيام عمر بن الخطاب.
وكانت هذه المدن الجديدة، قواعد متقدمة للفتح، ومعسكرات كبرى للجيوش الإسلامية، ومواطن للمسلمين استقروا فيها وعوائلهم وذووهم.
ج – وذهب عمر إلى مدى أبعد من ذلك في الحرص على راحة المجاهدين وأمورهم كافة، فقد كتب ألا تحبس الجيوش بعيدة عن عوائلهم أكثر من أربعة أشهر، بل كان عمر يخلف الغزاة في أهليهم.
ذلك هو عمر بن الخطاب أمير المؤمنين والقائد الأعلى للجيوش الإسلامية، يعد الخطط السوقية لجيوشه، ويسهر على تنفيذ تلك الخطط، ويحشد أكبر عدد ممكن من الرجال قبل خوض المعارك ليضمن لهم النصر، ويمد جيوشه بالإمدادات المتعاقبة، ويوحد العرب في شبه الجزيرة العربية ليطمئن إلى سلامة قاعدته الأمينة، ويؤمن العطاء، ويضمن السكن للجنود ولعوائلهم، ولا يترك الجنود بعيدين عن أهليهم أكثر من أربعة أشهر حفاظا على معنوياتهم ومعنويات عوائلهم، ويخلف الغزاة في أهليهم ولست أعرف قائدا أعلى كانت القيادة العليا بعض مهامه فعل مثل ما فعل عمر في سبيل جيوشه ماديا ومعنويا.
لقد طبق عمر: الحرب الإجماعية قبل أربعة عشر قرنا، فلا يزعم أحد أن الألمان كان أول من طبقوها في الحرب العالمية الثانية لقد وضع المسلمون: الضمان الإجتماعي للجنود قبل أن تحلم به أوروبة وأمريكا بأربعة عشر قرنا، فلا يقولن قائل: أن من مزايا بعض الدول الحديثة في أوروبة وأمريكا، هو ضمان الرواتب للجنود ولأسرهم في حياتهم وبعد موتهم، وضمان سكناهم وراحتهم في كل أرض يحلونها، فقد كان نصيب المسلمين من كل ذلك في عهد عمر أوفر نصیب أن أعمال عمر العسكرية يمكن أن تكون مثلا أعلى لكل قائد أعلى، ويمكن أن تكون أعماله دروسا في الكليات العسكرية وكليات الأركان في كل مكان. إنها أروع ما سجله التاريخ العسكري في صفحاته للأمم كافة، وستبقى نموذجا أعلى يحتذيه كل قائد في أية أمة بكل زمان ومكان.
١٠ حرب عادلة:
الحرب في الإسلام حرب عادلة من دون شك، والشواهد على ذلك ما جاء في القرآن الكريم وفي السنة النبوية، وما طبقه الرسول القائد عمليا في الحرب.
إن تعاليم الحرب في الإسلام تختم الوفاء بالعهود، وتجريم الغدر والخيانة في الظاهر والخفاء، واحترام حقوق الإنسان، وتكريم الناس والدعوة إلى الأخاء الشامل، واعتبار الفضيلة والتقوى أساس العلاقات الدولية في الحرب والسلم، والرحمة في الحرب، والعدالة المطلقة والمعاملة بالمثل؛ وإفساح الطريق للدعوة الجديدة، ومنع الفتنة في الدين، وإقرار السلام.
تلك هي بعض تعاليم الحرب في الإسلام، فكيف وضعها عمر موضع التنفيذ؟
كان مما أوصى به سعدا بعد تعيينه قائدا عاما في العراق: “فانظر الأمر الذي رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلزمه، فأنه الأمر”.
وحين علم سعد باجتماع الجيوش الفارسية كتب إلى عمر، فكتب إليه عمر بأن يرسل وفدا مفاوضا إلى كسرى يزدجرد. وذهب الوفد، وكان من بين أعضائه النعمان بن مقرن المزني، فكان مما قاله لكسرى: “…فنحن ندعوكم إلى ديننا، وهو دين حسن الحسن وقبح القبيح كله، فإن أبيتم، فأمر من الشر هو أهون من آخر شر منه: الجزية، فإن أبيتم فالمناجزة، فإن أجبتم إلى ديننا خلفنا فيكم كتاب الله وأقمنا على أن تحكموا بأحكامه ونرجع عنكم وشأنكم وبلادكم، وإن بذلتم الجزي قبلنا ومنعناكم، وإلا قاتلناكم”.
وبعد نقاش بين الجانبين عاد الوفد إلى سعد، وقد اشتد ذلك على الملك وجلسائه.
وهكذا لم يدخر عمر وسعاً لتجنب ويلات الحرب، وبعد معركة جلولاء بعث سعد بالأخماس إلى عمر. وقدم الخمس على عمر فقال: “والله لا يجنه سقف حتى أقسمه”.
وأصبح الصباح وجاء عمر وكشف عن المال، فلما نظر إلى ياقوته وزبر جده وجوهره بكي، فقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: “ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟! فوالله إن هذا الموطن شكر” فقال عمر: “والله ما ذاك يبكيني، وبالله ما أعطى الله هذا قوما إلا تحاسدوا وتباغضوا، ولا تحاسدوا إلا ألقى الله بينهم بأسهم”.
إن عمر لم يكن ينظر إلى الحرب كوسيلة لجمع الغنائم والمال، بل إنه رأى ببصيرته النافذة أثر الغنى السيء على النفوس، فهو يفشي بين الناس العداوة، وهو يشيع بينهم الترف، ولن يكون بعد العداوة والترف إلا التردي والانهيار.
وسأل عمر الهرمزان حين قدم عليه مع وفد: “لعل المسلمين يؤذون أهل الذمة، فلهذا ينتقضون بكم؟” فقالوا: “ما نعلم إلا وفاء”.
وكتب عمر إلى النعمان بن مقرن قبل معركة نهاوند: “إذا لقيتم العدو فلا تفروا، وإذا غنمتم فلا تغلوا”.
وكتب عمر إلى سعد بن أبي وقاص: “فإن لاعب أحد منكم أحدا من العجم بأمان أو قرفه بإشارة أو بلسان، كأن لا يدري الأعجمي ما کلمه به وكان عندهم أمانا، فأجروا له ذلك مجرى الأمان، وإياكم والضحك والوفاء الوفاء، فإن الخطأ بالوفاء بقية، وإن الخطأ بالغدر الهلكة، وفيها وهنكم وقوة عدوكم وذهاب ريحكم وإقبال ريحهم، واعلموا أني أحذركم أن تكونوا شيئاً على المسلمين وسبباً لتوهينهم”.
وهكذا يأمر عمر بإمضاء الأمان، حتى ولو كان بإشارة عابرة … ويأمر بالوفاء ويحث عليه، ويعتبر حتى الخطأ في الوفاء كرامة وفضيلة، والخطأ بالغدر هلكة ومهانة.
وكان عمر يقول عند عقد الألوية لقادته: “ولا تعتدوا أن الله لا يحب المعتدين، ولا تجبنوا عند اللقاء، ولا تمثلوا عند القدرة، ولا تسرفوا عند الظهور، ولا تقتلوا هرما ولا امرأة ولا وليدا، وتوقوا قتلهم إذا التقى الزحفان وعند شن الغارات.
وحاصر المسلمون جنديسابور بالأهواز سنة سبع عشرة هجرية، فأقاموا عليها يقاتلون أهلها، فلم يفجأ المسلمين إلا وقد فتحت أبوابها وخرج أهلها، فسألهم المسلمون فقالوا: رميتم بالأمان، فقبلنا وأقررنا بالجزية. وسأل المسلمون فإذا عبد يدعى مكتفاً كان أصله من جنديسابور هو الذي رمى إليهم بالأمان، فقال المسلمون: هو عبد! فقال أهل المدينة: لا نعرف العبد من الحر، وقد قبلنا الجزية وما بدلنا! فإن شئتم فاغدروا.
فكتب المسلمون إلى عمر فأجاز أمانهم، فأمنوهم وانصرفوا عنهم.
إنه أجاز أمان عبد، تصرف من تلقاء نفسه متحيزا إلى أهل مدينته بدون علم المسلمين قادة وجنودا .. ومع ذلك أجاز عمر أمانه!!
إن عمر كان يخوض غمار حرب عادلة، لها بواعث معروفة ولها أهداف معلومة، لذلك كانت حربه حربا إنسانية بكل ما في الإنسانية من معان!.
۱۱ – الثقة المتبادلة:
أ – كان عمر موضع ثقة النبي صلى الله عليه وسلم به منذ أسلم عمر حتى التحق النبي صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما طلعت الشمس ولا غربت على رجل خير من عمر».
وقال: «إن الله تعالى جعل الحق على لسان عمر وقلبه». وقال عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما: «هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين، إلا النبيين والمرسلين».
واستأذن عمر النبي صلى الله عليه وسلم بالعمرة فقال: «يا أخي! لا تنسانا من دعائك».
ذلك مبلغ ثقة النبي صلى الله عليه وسلم بعمر.
ب – أما ثقة أبي بكر بعمر، فقد كان عمر ساعده الأيمن ووزيره الأول ومستشاره الأقدم وصديقه الحميم، حين أنفذ أبو بكر الصديق جيش أسامة بن زيد قال لأسامة: “إن رأيت: أن تعينني بعمر، فافعل” فأذن أسامة لعمر بالبقاء إلى جانب أبي بكر.
وكان عمر على القضاء طيلة عهد أبي بكر الصديق، وقد مكث سنة لا يأتيه رجلان ولما ثقل أبو بكر وحضرته الوفاة، استخلف عمر، فدخل عليه من يقول: ماذا تقول لربك اذا قدمت عليه غدا، وقد استخلفت علينا أبن الخطاب؟ فقال أبو بكر: “أجلسوني! أبالله ترهبونني؟! أقول: استخلفت عليهم خيرهم”
ج – أما ثقة الناس بعمر، فقد ذكر عبدالله بن عباس قال: إني لواقف في قوم يدعون الله لعمر بن الخطاب وقد وضع على سريره، إذا رجل من خلفي قد وضع مرفقه على منكبي يقول: يرحمك الله! إن كنت لأرجو أن يجعلك مع صاحبيك، لأني كثيرا ما كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “كنت وأبو بكر وعمر، وفعلت وأبو بكر وعمر، وانطلقت: وأبو بكر وعمر، فان كنت لأرجو أن يجعلك الله معهما. فالتفت فاذا هو علي بن أبي طالب” وقال علي بن أبي طالب : “ما خلفت أحدا أحب الي أن القى الله بمثل عمله منك” الحديث، وهو يقصد عمر.
وقالت أم أيمن يوم أصيب عمر: “اليوم وهن الاسلام”. وقال طارق بن شهاب: “كان رأي عمر كيفين رجل”.
وقال عبد الرحمن بن غنم يوم مات عمر: “اليوم أصبح الإسلام موليا! ما رجل بأرض فلاة يطلبه العدو فأتاه آت فقال له: خذ حذرك بأشد فرارا من الإسلام اليوم”
وجاء عبد الله بن سلام وقد صلي على عمر فقال: “والله لئن كنتم سبقتموني بالصلاة عليه لا تسبقوني بالثناء عليه. نعم أخو الإسلام كنت يا عمر، جوادا بالحق، بخيلا بالباطل، ترضى حين الرضى، وتغضب حين الغضب، عفيف الطرف، طيب الظرف، لم تكن مداحا ولا مغتابا”.
وقال عبدالله بن مسعود: “كان عمر حصنا حصينا للإسلام يدخلون فيه ولا يخرجون منه، فلما مات عمر انثلم الحصن، فالناس يخرجون من الإسلام.
وقال حذيفة بن اليمان: ” ما يحبس البلاء عنكم فراسخ إلا موته في عنق رجل كتب الله عليه أن يموت”. يعني: عمر.
لقد أجمع الناس على غزارة علمه وألمعية فهمه وزهده و تواضعه ورفقه بالمسلمين، وإنصافه ووقوفه مع الحق وتعظيمه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وشدة متابعته له واهتمامه بمصالح المسلمين، وإكرامه أهل الفضل والخير، ومحاسنه أكثر من أن تستقصى، سريرته خير من علانيته، خير الناس وأقواهم عليهم.
د – أما ثقة عمر بنفسه، فقد خطب يوما فقال: “ليعلم من ولي هذا الأمر من بعدي، أن سيريده عنه القريب والبعيد. اني لأقاتل الناس عن نفسي قتالا، ولو علمت أن أحدا من الناس أقوى عليه مني، لكنت أقدم فتضرب عنقي أحب إلي من أن اليه”.
وخطب يوما فقال: ” يا أيها الناس! إني قد وليت عليكم، ولولا رجاء أن أكون خيركم لكم وأقواكم عليكم وأشدكم استضلاعا بما ينوب من مهم أموركم، ما توليت ذلك منكم”.
وكان اذا قيل له: اتق الله، فرح وشكر قائله، وكان يقول: “رحم الله من أهدى إلي عيوبي”
لقد كان عمر يثق بنفسه، ويعرف قيمتها، ويعتمد على شمائلها، لا على المظاهر الزائفة والدعاوى الفارغة.
هـ – بل إن عمر كان موضع ثقة حتى أعدائه، فقد حضر أبو عبيدة ابن الجراح حصر بيت المقدس، فطلب أهله منه أن يصالحهم على صلح أهل الشام، وأن يكون المتولي للعقد عمر بن الخطاب، فكتب أبو عبيدة إلى عمر بذلك، فسار عن المدينة المنورة واستخلف عليها علي بن أبي طالب.
۱۲ – المحبة المتبادلة
كان عمر يحب رؤساءه ويحب مرؤوسيه، ويبادلونه حبا بحب.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة، فقال: متى الساعة؟ قال: «وماذا أعددت لها؟» قال: لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. فقال: «أنت مع من أحببت» قال أنس: فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أنت مع من احببت» قال أنس: فأنا أحب النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم وإن لم أعمل بمثل أعمالهم.
وقال أنس بن مالك: كان صالحو السلف يعلمون أولادهم حب أبي بكر وعمر كما يعلمونهم السورة من القرآن.
وقال أبو بكر الصديق: ما على ظهر الأرض أحب إلي من عمر.
وعن أبي وائل قال: قدم علينا عبدالله بن مسعود فنعى إلينا عمر، فلم أر يوما أكثر باكيا ولا حزينا منه.
۱۳ – الشخصية النافذة:
كان عمر شخصية قوية في قريش قبل إسلامه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم أعز الاسلام بأحب الرجلين إليك: بأبي جهل او بعمر بن الخطاب» فكان أحبهم إلى الله عمر.
ولما أسلم عمر ظهر الإسلام ودعي إليه علانية، فما زال المسلمون أعزة منذ أسلم عمر، وقد قاتل المشركين بمكة حتى تركوا المسلمين يصلون بالبيت العتيق.
وهاجر عمر علنا، قال علي بن أبي طالب: ما علمت أحدا هاجر إلا مختفيا إلا عمر بن الخطاب.
لقد كان مهيبا، قال سعد بن أبي وقاص: استأذن عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده نساء من قريش يكلمنه ويستكثرنه، عالية أصواتهن؛ فلما أستأذن عمر قمن يبتدرن الحجاب، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك، فقال عمر: أضحك الله سنك يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي، فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب!» فقال عمر: فأنت يا رسول الله أحق أن يهبن. ثم قال عمر: أي عدوات أنفسهن! اتهبنني ولا تهبن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلن: نعم، أنت أغلظ وأفظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان قط سالكا فجاً الا سلك فجا غير فجك»
وكلم نفر من المسلمين عبد الرحمن بن عوف فقالوا: كلم عمر ابن الخطاب، فإنه قد أخشانا، حتى والله ما نستطيع أن نديم إليه أبصارنا.
وذكر عبد الرحمن ذلك لعمر، فقال: أو قد قالوا ذلك؟ والله لقد لنت حتى تخوفت الله في ذلك، ولقد اشتددت عليهم حتى خفت الله في ذلك. وأيم الله، لأنا أشد منهم فرقاً من الله منهم مني.
ولقي رجل من قريش عمر فقال: لن لنا فقد ملأت قلوبنا مهابة! فقال : “أفي ذلك ظلم ؟!” فقال: لا! قال: “فزادني الله في صدوركم مهابة”
وعن عبدالله بن العباس قال: مكثت سنة وأنا أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية، فلا استطيع أن أسأله هيبة.
لقد فرضت سجايا عمر الفذة شخصيته على النفوس: ذكي لامع الذكاء، وعاقل حكيم، وقوي في الحق، وزاهد في الدنيا، وحريص على مصائر الناس، لا يخشى في الله لومة لائم، يملأ منصبه ولا يملؤه منصبه!
١٤ – الماضي الناصع المجيد:
أبو عمر هو الخطاب بن نفيل من بني عدي، وينسب إلى عدي فيقال: العدوي. وأمه حنتمة بنت هاشم بن المغيرة المخزومي، ويكنى عمر: أبا حفص.
وبنو عدي بطن من عشرة أبطن من قريش، انتهى إليها الشرف قبل الإسلام، وكانت إلى عمر السفارة في الجاهلية، فكانت قريش إذا وقعت الحرب بينهم أو بينهم وبين غيرهم بعثوه سفيرا، وإذا نافرهم منافر أو فاخرهم مفاخر، بعثوه منافرا أو مفاخرا كان بعد إسلامه يدعى: الفاروق، لأنه أعلن الإسلام و نادى به والناس يخفونه، ففرق بين الحق والباطل، وكان المسلمون تسعة وثلاثين رجلا وامرأة بمكة فكملهم عمر أربعين.
كان عمر كريم الأب والأم ، يجتمع نسبه مع الرسول صلى الله عليه وسلم في الجد السابع من جهة أبيه، ويجتمع معه من جهة أمه في الجد السادس.
ولد بمكة قبل حرب الفجار الأعظم، وفي رواية أخرى أنه ولد بعد الرسول صلى الله عليه وسلم بثلاث عشرة سنة، أي في سنة (٥٨٤م).
شد أزر الإسلام في أيام النبي صلى الله عليه وسلم، فكان وزيره ومستشاره المقرب، وكان من المهاجرين الأولين وممن صلى إلى القبلتين وشهد سائر المشاهد مع النبي صلى الله عليه وسلم، وثبت في أحد ويوم حنين. أعز الله به الإسلام، وسماه النبي صلى الله عليه وسلم: عبقريا ومحدثا وسراج أهل الجنة وفاروقا، وقد بشره بالجنة.
وإلى عمر يرجع الفضل في تولية أبي بكر الصديق الخلافة، وحسم النزاع الذي أوشك أن يتفاقم بين المهاجرين والأنصار على أثر التحاق النبي صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى. وكان عمر الوزير الأول لأبي بكر الصديق، وساعده الأيمن في حرب الردة وفي حروب الفتح.
وكان عمر في أيام خلافته، أول من وضع النظام السياسي للدولة الإسلامية ونظم إدارتها، وكانت سياسته ترمي إلى تماسك بلاد العرب، وإدخال القبائل بعضها في بعض لتكون أمة واحدة هي الأمة العربية المسلمة.
ولما اتسعت الدولة الإسلامية في عهده، قسم البلاد أقساما إدارية كبيرة، ليسهل حكمها والإشراف على موارد ثروتها، وعين لهذه الولايات عمالا أو ولاة لإدارتها
وفي عهده توطدت دعائم الإسلام، واتسعت رقعة دولته، فمهد بذلك السبيل لامتداد نفوذ الإسلام من الصين شرقا إلى أعماق أوروبة غربا إلى حدود سيبيريا شمالا إلى المحيط جنوبا.
لقد كان لعمر ماض مجيد في كل أدوار حياته: مرؤوسا ورئيسا، محكوما وحاكما، قاضيا ومشرعا، إداريا وقائدا، في السر والعلانية، في الحرب والسلم، في الناس وفي أهله … في كل عمل من أعماله الخاصة والعامة.
عمر في التاريخ
كان عمر يقول: “حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم في الحساب غدا أن تحاسبوا انفسكم اليوم تزينوا للعرض الأكبر”.
وكتب إلى أبي موسى الأشعري بالبصرة: “أما بعد .. فإن أسعد الرعاة من سعدت به رعيته، وأن أشقى الرعاة عند الله عز وجل من شقيت به رعيته، وإياك أن ترتع فيرتع عمالك فيكون مثلك عند الله عز وجل مثل البهيمة نظرت إلى خضرة في الأرض فرعت فيها تبقي بذلك السمن، وإنما حتفها في سمنها، والسلام عليك”.
« لم أر عبقريا يفري فريه» كلمة قالها النبي صلى الله عليه وسلم في عمر رضي الله عنه، وهي كلمة لا يقولها إلا عظيم عظماء، خلق السياسة الأمم وقيادة الرجال.
لقد أتعب الخلفاء من بعده حقا، وقد مضت القرون ولم تلد النساء مثله، ولا أراها ستلد مثل عمر إنه كان أعظم فاتح في تاريخ الإسلام دون منازع، وكان إسلامه حدا فاصلا بين عهدين للإسلام: عهد الدعوة سرا قبل إسلامه، وعهد الدعوة جهرا بعد إسلامه.
وله أعمال خالدة أكثر من أن يحصرها العد.
ومع ذلك قال وهو على فراش الموت: “ليتني أخرج منها كفافا لا أجر ولا وزر”
رضي الله عن القائد الفاتح، الفارس المغوار، البطل الكرار، القوي الأمين، القاضي العادل، الحاكم العبقري، الفقيه المحدث، العالم العامل، الذكي الألمعي، النابغة العبقري، التقي النقي، الخليفة الورع، المجتهد المشرع، الفاروق عمر بن الخطاب العدوي القرشي.
الخاتمة
هذا هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه: كون قوة هائلة، وأقام وحدة رصينة، وأسس دولة عظيمة، وانشأ حضارة خالدة، وحمل رسالة واجبة الأداء للعالم.
إنه مثل أعلى للحاكمين حتى يهتدوا بهديه، ويسلكوا طريقه، فذلك وحده سيؤدي بهم إلى نفس النتائج التي حققها لأمته وللعالم كله.
وهو مثل أعلى للمحكومين، حتى يعرفوا كيف يكون الحاكم الصالح الذي يعمل لبلاده حقا ويرفع شأنها بين الأمم.
أن صلاح الرعية لا يكون إلا بصلاح الراعي، فليصلح الراعي نفسه أولا، وحينذاك ستصلح الرعية أنفسها حتما.
لقد أصلح عمر ما بينه وبين الله، فأصلح الناس ما بينهم وبين الله وما بينهم وبين عمر: أخلص في عمله فأخلصوا، وعف فعفوا، وكف فكفوا، وعدل فعدلوا، ونسي نفسه في سبيل مصالحهم فنسوا انفسهم في سبيل بلدهم وأمتهم وفي سبيل الله.
فلينظر الرعاة كيف يحكمون بهدي من دينهم وتاريخهم ليريحوا ويستريحوا، فكفى تجارب وكفى محاولات.
فهل من سميع مجيب، أم على قلوب أقفالها؟!
والحمد لله الذي يسر لي التفرغ لبعث تاريخ حياة قادة الفتح الإسلامي، فله وحده الفضل والمنة، وصلى الله على سيد القادات وقائد السادات، مؤسس الجيش الاسلامي الأول، ومخطط الفتح الإسلامي الأول، وعلى آله وصحبه اجمعين.










