يفتح في علامة تبويب جديدة

عاصم بن عمر التميمي

Mountain sunlight outdoors sunrise. AI generated Image by rawpixel.

فاتح سجستان

إسلامه:
أسلم عاصم بن عمرو التميمي في السنة التاسعة للهجرة مع قومه بني تمیم، فكان إسلامه بعد غزوة تبوك آخر غزوة قادها الرسول القائد بنفسه، لذلك فقد نال عاصم شرف الصحبة إذ كانوا لا يولون القيادة إلا للصحابة، ولكنه لم ينل شرف الجهاد تحت لواء النبي صلى الله عليه وسلم.

جهاده:
1 – قبل القادسية:
قاتل عاصم تحت لواء خالد بن الوليد في حروب أهل الردة، فأبلى فيها بلاء استحق من أجله تقدير خالد، فوجهه أمام قواته على رأس قوة من المسلمين إلى العراق كما سرح غيره من القادة وقاتل عاصم بقيادة خالد في العراق، فقتل في معركة المذار أحد قادة الفرس البارزين.
وبعد فتح الحيرة، قاتل عاصم مع خالد في معركة الأنبار وعين التمر و دومة الجندل، وفي معركة دومة الجندل بعث خالد عاصما على رأس مفرزة من الفرسان الأسر أكيدر أبن عبد الملك أحد أمراء دومة الجندل البارزين فنجح عاصم في أسره وسلمه إلى خالد فقتله جزاء غدره بالمسلمين وعندما طوق خالد حصن دومة الجندل لم يتسع الحصن لكل المدافعين عنه، فبقي بعضهم خارجه، فقال عاصم لقومه بني تميم: “يا بني تميم! حلفاؤكم كلب أسروهم وأجبروهم، فإنكم لا تقدرونلهم على: مثلها، ففعلوا”. وكانت وصية عاصم هذه سببا لنجاة بني كلب من القتل، لأن خالدا دعا بالأسرى فضرب أعناقهم إلا أسارى بني كلب، فإن عاصما وبني تميم قالوا: قد أمناهم، فأطلقهم لهم خالد، مما يدل على وفاء عاصم لأصدقائه في أيام محنتهم ولما وجه أبو بكر خالدا الى أرض الشام، أراد أن يستصحب عاصما معه كما أراد استصحاب جميع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاحتج المثنى بن حارثة الشيباني قائلا: والله ما أرجو النصر إلا بهم؛ فلما رأى خالد ذلك اعاضه حتى رضي، وكان عاصم ضمن الذين تركهم. إرضاء للمثنى؛ وما كان خالد ليترك مثل عاصم في العراق مختارا، ولكنه اضطر إلى ذلك اضطرارا بعد أن استصحب معه القعقاع بن عمرو أخذ عاصم، حتى يرضي المثنى من جهة وحتى ينفذ أمر أبي بكر في استصحاب نصف الصحابة وترك نصفهم مع المثنى من جهة ثانية وقاتل عاصم بعد خالد تحت لواء أبي عبيد بن مسعود الثقفي قائداً لقومه بني تميم، فوجهه بعد معركة كسكر الى نهر جور فهزم الفرس. وفي معركة الجسر التي استشهد فيها أبو عبيد وركبهم الفرس فأصابوا يومئذ من المسلمين أربعة آلاف شهيد بين غريق وقتيل، حمى المثنى بن حارثة الشيباني وعاصم مع أشجع أبطال المسلمين الانسحاب حتى عقدوا جسرا فعبر المسلمون عليه وعبر المثنى وعاصم وأصحابهم في آثارهم، وبذلك أنقذ عاصم والمثنى ورجالهما أرواح كثير من المسلمين و قاتل عاصم بعد استشهاد أبي عبيد تحت لواء المثنى: استخلفه على الناس حين خرج على رأس مفرزة من الفرسان. وفي معركة البنويب كان عاصم يقود المجردة، وهو واجب لا يعهد به إلا لفارس مقدام. ولما انهزم الفرس أمام المسلمين في هذه المعركة، كان عاصم أحد القادة الذين قاموا بالمطاردة، فكان أول من دخل حصن الفرس في ساباط هو عاصم، وكان لتفلفله العميق في أرض الفرس أثر بالغ على تحطيم معنويات الفرس ورفع معنويات العرب.

٢ – في القادسية:
كان عاصم أثناء مسير الاقتراب إلى موضع القادسية قائدا للمسافة، وكان المسلمون قبل معركة القادسية يحتاجون إلى المواد الغذائية، وكانت هذه المواد ضرورية لهم إذ أن الجندي الذي لا يأكل لا يقاتل، لذلك أرسل سعد بن أبي وقاص عاصما إلى ميسان في غارة غنم فيها بعض الماشية، فأتى بها إلى سعد، فقسمها على الناس، فأخصبوا أياما،

وقبيل معركة القادسية جرت مفاوضات بين سعد وبين کسری یزدجرد فأرسل سعد رجالا من العرب لهم منظر ومهابة ولهم آراء واجتهاد، وكان من بين هؤلاء عاصم. وفي نهاية المفاوضات غضب كسرى على المفاوضين العرب، فقال لرجاله: “أتوني بوقر من تراب، واحملوه على أشرف هؤلاء” فتقدم عاصم ليحمل عن أصحابه التراب قائلا: “أنا أشرفهم أنا سيد هؤلاء” ثم حمل التراب على عنقه وخرج إلى راحلته فركبها، وأخذ التراب معه وقال لسعد: “أبشر! فوالله لقد أعطانا الله أقاليد ملكهم” وكانت نتيجة تلك المفاوضات نصراً معنويا للمسلمين على الفرس، إذ قال کسری: “ما كنت أرى أن في العرب مثل رجال رأيتهم دخلوا علي!! ما أنتم بأعقل منهم ولا أحسن جوابا منهم”.
وأرسل سعد مائة فارس فأغاروا على ما بين النهرين. وبلغ رستم. قائد الفرس الخبر، فأرسل اليهم خيلا، ولما علم سعد بأن خيله توغلت بعيدا وأنها أصبحت في خطر داهم، بعث عاصما وجابر الأسدي، فلقيهم عاصم وخيل الفرس تحوشهم ليخلصوا ما بأيديهم، فلما رأته الفرس هربوا؛ ورجع المسلمون بالغنائم والفتح.

وعندما نشب القتال بين المسلمين والفرس في معركة القادسية، برز عاصم في اليوم الأول من أيامها بروزا جعله سيد الموقف بدون منازع: كان أحد ذوي الرأي والنجدة الذين أرسلهم سعد لتحريض الناس على القتال، فقام عاصم في المجردة ورجالها أول من يلاقي العدو، وقال يخاطبهم: “إن هذه البلاد قد أحل الله لكم أهلها، وأنتم تنالون منهم منذ ثلاث سنين ما لا ينالون منكم، وأنتم الأعلون والله معكم ان صبرتم وصدقتموه الضرب. والطعن .. الخ)”
ووقف خطيبا في آخرين قائلا: “یا معاشر العرب، إنكم أعيان العرب وقد صمدتم لأعيان العجم، وإنما تخاطرون بالجنة ويخاطرون بالدنيا، فلا يكونن على دنياهم أحوط منكم على آخرتكم، ولا تحدثوا اليوم أمرا تكونون فيه شيئا على العرب غدا”. ثم خرج عاصم للقتال وهو يرتجز، فطارد رجلا من العجم فهرب منه، فطارده حتى دخل في صفوف الفرس، فالتقى بفارسي معه بغلة فترك الفارسي بغلته وهرب، فاستاقها عاصم وسلمها إلى سعد ثم عاد إلى موقفه وزحف المسلمون، فحملت فيلة الفرس على الميمنة والميسرة، فجادت خيول المسلمين وأحجمت، وبقي المشاة يقاتلون وحدهم بدون إسناد الفرسان لهم.
في ذلك الموقف العصيب أرسل سعد الى عاصم وقال له : “يا معشر بني تميم! ألستم أصحاب الإبل والخيل! أما عندكم لهذه الفيلة من حيلة؟!”
فقال عاصم : “بلى والله!” ثم نادى عاصم الرماة من قومه وأعطاهم واجب رمي الفيلة لإسناد جماعة آخرين من تميم أمرهم بقطع أحزمة سروج الفيلة ومذنباتها، وخرج عاصم يشرف على تنفيذ خطته هذه ويحمي الرماة وجماعة قطع الأحزمة، وأقبل رجاله على الفيلة فأخذوا بأذنابها وقطعوا وضنها فارتفع عواؤها وألقت بركبانها، فنفس عن بني أسد وبجيلة بعد أن قتل من أسد وحدها يومذاك أكثر من خمسمائة رجل.

لقد كان عاصم في ذلك اليوم بحق عادية الناس وحاميهم، أما في اليوم الثاني، فقد وصل القعقاع أخو عاصم مع امداداته، وبذلك اجتمعا ليتعاونا على حمل ثقل القتال على كاهليهما.
وفي اليوم الثالث من أيام القادسية، أعادت فيلة الفرس هجومها الكاسح، فسأل سعد جماعة من الفرس الذين أسلموا عن مقاتلها، فقالوا: إنها مشافرها وعيونها، فأرسل إلى القعقاع وعاصم ابني عمرو وقال لهما: “اكفياني الفيل الأبيض، وكانت الفيلة كلها آلفة له وكان بازائهما، فأخذ القعقاع وعاصم رمحين أصمين وتقدما في خيل ورجل من تميم، وقالا لرجالهما: اكتنفوه لتحيروه! ثم حملا فوضعا رمحيهما معا في عيني الفيل الأبيض، فتراجع الحيوان وطرح سائسه و دلی مشفره، فضربه القعقاع بالسيف فرمى بمشفره؛ ووقع الفيل لجنبه، فقتلا من معه من الفرس، كما وجه سعد بطلين من بني أسد هما الحمال والربيل إلى الفيل الأجرب، ففقع إحدى عينيه وضربا مشفره؛ وكان هذان الفيلان أشد الفيلة ضراوة، وكانت الفيلة كلها تتبعهما في الهجوم كما تتبعهما في الفرار أيضا، فلما اندفع الفيل الأجرب ووثب إلى النهر اتبعته الفيلة كلها وألقت ركبانها عن ظهورها وتخطت الماء وولت مدبرة ولم تعقب.

وأخذ أبطال المسلمين يديمون زخم الهجوم ويضيقون الخناق على الفرس وكان أبرز هؤلاء الأبطال عاصم الذي حمل على العدو وزحفت الصفوف حتى لحقت بهؤلاء الأبطال الذين فتحوا ثغرات عميقة في صفوف القوات الفارسية، واستقبل المقاتلون الليل، فمضوا قدما في هجومهم بعد صلاة العشاء، فهزم عاصم ليلة الهرير قائد الفرس الذي كان بازائه وسحق قواته.

وانتهت معركة القادسية بنصر المسلمين، وكان لما بذله عاصم من جهد مشرف في جهاده نصيب أي نصيب في هذا النصر!

وصدق من قال عنه: كانت له في القادسية مقامات محمودة وبلاء حسن.

٣- في فتح المدائن:

قرر سعد أن يعبر النهر بقواته لفتح المدائن، وكان لا بد له من قوة كافية تعبر النهر أولا لاحتلال رأس جسر في الجانب الثاني من النهر، وبذلك تحمي عبور قوات القسم الأكبر من قوات المسلمين وعبور النهر – خاصة بالنسبة للقوات المتقدمة الأمامية – لا يخلو من صعوبة بالغة إذا كانت القوات العابرة تحسن السباحة ولديها وسائط عبور جيدة، فكيف بالعرب رجال الصحراء وهم لا يحسنون السباحة ولا تحسنها خيلهم، إذ حتى الخيل تحتاج إلى التدريب الطويل على السباحة كما هو معروف!!

قال سعد: “من يبدأ ويحمي لنا الفراض حتى نلاحق به الناس لكي لا يمنعوهم من الخروج؟؟” فتطوع عاصم وتطوع معه ستمائة من أهل النجدة، فأمر سعد عاصما عليهم، فساروا حتى إذا بلغوا شاطيء دجلة، قال عاصم لأصحابه: “من ينتدب معي لنكون قبل الناس دخولا في هذا البحر فنحمي الفراض من الجانب الآخر؟”  فانتدب له ستون فارسا، وهم الذي أطلق عليهم اسم (كتيبة الأهوال) فجعلهم نصفين على خيول إناث وذكور ليكون أساس العوم على الخيل، تم تقدمهم هو الى حافة النهر وهو يقول للذين ترددوا: “أتخافون من هذه النطفة؟” ثم تلا قوله تعالى: {وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا}. ثم دفع فرسه واقتحم النهر واقتحم زملاؤه معه، فلما رآهم الفرس بعثوا فرسانهم فاقتحموا النهر أيضا فلقوا عاصما ورجاله في وسط النهر، فقال عاصم: “لرماح! الرماح! اشرعوها وتوخوا العيون؛ فالتقوا، فاطعنوا” فولى الفرس ولحقهم المسلمون فقتلوا أكثرهم، ومن نجا منهم صار أعور من الطعن، فكانت كتيبة الأهوال أول من دخل المدائن، وعلى رأسها البطل حقا عاصم بن عمرو التميمي.

إن عبور عاصم ورجاله نهر دجلة، يعتبر معجزة عسكرية يقف العقل والقلب معا أمامها وقفة إكبار وإعجاب، وهي بدون شك أثر من آثار الإيمان العميق بالقضاء والقدر وأن النفس لن تموت الا بأجلها، وكان لهذا الإيمان أكبر الأثر في الفتح الإسلامي أيام الخلفاء الراشدين

الفاتح:
بعد فتح نهاوند قرر عمر بن الخطاب أن يدفع قوات المسلمين إلى سائر أنحاء فارس، فعقد بنفسه سبعة ألوية لسبعة قادة عهد اليهم بالانسياحفي أرض فارس كلها، وكان من بين هذه الألوية السبعة لواء سجستان دفعه إلى عاصم وأمره على رأس قوة من أهل البصرة، ثم أمد عمر هؤلاء القادة بأهل الكوفة، فأمد عاصما بعبد الله بن عمير، فعسكر عاصم قريبا من البصرة حتى اكمل تحشد قواته وأنجز متطلباتها الإدارية، ثم تحرك إلى هدفه سجستان، وهي أعظم من خراسان وأبعد فروجا، يقاتل أهلها القندهار والترك وأمما كثيرة، وهي ناحية كبيرة وولاية واسعة، -كل ذلك يدل على أهمية واجب عاصم، وأن اختياره لهذا الواجب الخطير كان دليلا على الثقة البالغة بقيادته.

والتقى عاصم بحماة سجستان على تخوم بلادهم، فلم يثبتوا للمسلمين. بل انسحبوا إلى زرتج عاصمة ولاية سجستان، فحاصرهم المسلمون فيها وبثوا كتائبهم تتغلغل في المنطقة كلها. ولما أيقن المحاصرون أن طول الحصار يضر بمصالح إقليمهم ولا يجديهم نفعا، طلبوا الصلح على أن تكون مزارع سجستان حمى لا يطوها المسلمون، وبذلك فتحت ولاية سجستان ودخلت ضمن البلاد الإسلامية.

٤- في البصرة وفارس:
تحرك عتبة بن غزوان إلى منطقة البصرة بعد فراغ سعد بن أبي وقاص من معارك جلولاء و تکریت والموصل في ثمانمائة رجل من بينهم بعض بني تميم، فكان عاصم مع جيش عتبة، إذ جاء ذكره مع الجيش الذي بعث به عتبة لإنقاذ جيش العلاء بن الحضرمي الذي أحيط به في فارس، لذلك فإن عاصما شهد كافة معارك عتبة بن غزوان في جنوبي العراق في منطقة البصرة وفي فارس، وهي المعارك التي ظهرت جنوبي العراق وقسما من أرض فارس من القوات الفارسية..

الشاعر:
كان عاصم أحد الشعراء الفرسان، قضى عمره في ساحات القتال، فلا بد أن يكون شعره معبرا عن أحاسيسه فارسا مجاهدا، وإليك نماذج من شعره.

قال يصف فتح الحيرة:
صبحنا الحيرة الروحاء خيلا
ورجلا فوق أثباج الركاب
حضرنا في نواحيها قصورا
مشرفة كأضراس الكلاب

وقال يصف مطاردته للفرس بعد معركة النمارق:
لعمري وما عمري علي بهين
لقد صبحت بالخزي أهل النمارق
بأيدي رجال هاجروا نحو ربهم
يجوسونهم ما بين درتا وبارق
وبين الهوافي من طريق البذارق


وقدم الدهاقين إلى أبي عبيد آنية فيها أطعمة فارسية فلم يأكل منه شيئا حتى علم أنهم قربوا مثله لأصحابه، فقال عاصم:

صبحنا بالبقایس رهط کسری
صبوحا ليس من خمر السواد
صبحناهم بكل فتى كمي
وأجرد سابح من خيل عاد

فهم يفخرون بأطعمتهم الشهية، والعربي يفخر بالأبطال من الفرسان.
وفي اليوم الأول من أيام القادسية، خرج عاصم مرتجزا بقوله:
قد علمت بيضاء صفراء اللبب
مثل اللجين إذ تغشاه الذهب
اني امرؤ لا من يعنيه السبب
مثلي على مثلك يغريه العتب

وقال يصف كيف أجاز المسلمون أمان عبد من عبيدهم لأهل جند يسابور بهذه الأبيات:

لعمري لقد كانت قرابة مكنف
قرابة صدق ليس فيها تقاطع
اجارهم من بعد ذل وقلة
وخوف شديد والبلاد بلاقع
فجاز جوار العبد بعد اختلافنا
ورد أمورا كان فيها تنازع
إلى الركن والوالي المصيب حكومة
فقال بحق ليس فيه تخالع

هذه نماذج من شعره تعبر تعبيرا صادقا عن هواه العميق بالحرب وخلق الفروسية ، فهو كاخيه القعقاع شاعر الفرسان أو فارس الشعراء..!

الإنسان:
تولى عاصم بعد فتح سجستان إدارة هذه المنطقة الشاسعة وعمل على توطيد الأمن والنظام فيها، وذلك لأن القادة الفاتحين كانوا يتولون إدارة المناطق التي يفتحونها، ولكن هل بقي طويلا والياً على سجستان أم عاد إلى البصرة؟ وما هي أعماله بعد فتح سجستان؟ ذلك ما لا نعرفه لأن المؤرخين سكتوا عنه سكوتا مطبقا وقد توفي عاصم سنة تسع عشرة للهجرة(٦٤٠م).

لقد كان وفيا غاية الوفاء، يستأثر بالفرم دون أصحابه ويؤثرهم بالفنم. وكان ذكيا ألمعي الذكاء، مفاوضاً لبقاً يؤثر على من يفاوضهم ويضطرهم على احترامه وتقديره، خطيبا بليغا يهز المشاعر، شاعراً تهزه الحرب فيتغنى بها. وتستهويه الفروسية فيصفها في شعره وصف العاشق الولهان، وكان شهماً غيوراً كريماً مضيافاً، مؤمناً ورعاً صادق القول والعمل محباً للخير شريفاً في قومه في الجاهلية وفي الإسلام، لقد سودته مزاياه قبل أن يسوده نسبه، لقد كان رجلا!

القائد:
كان عاصم شجاعا إلى حد البطولة النادرة، مقداما لا يهمه أوقع على الموت أم وقع الموت عليه، وكان موضع ثقة قواته ورؤسائه كما كان محبوبا منهم جميعا، وكان يبادلهم ثقة بثقة وحبا بحب، وكان سريع القرار صائبه، يتحمل المسؤولية كاملة، له نفسية لا تتبدل وشخصية نافذة قوية وماض مشرف مجید.
وكان يعتمد على سرعة الحركة في معاركه، ولا يقدم على عمل عسكري إلا بموجب خطة واضحة مدروسة، وكان يطبق مبدأ (المباغتة) بشكل واضح، كما كان يعمل دائما على رفع معنويات رجاله بمثاله الشخصي وبأقواله وخطبه، وكان يحرص على تطبيق مبدأ (التعرض) في حروبه، فكانت معاركه كلها تعرضية، لذلك فهو مثال للقائد التعرضي الذي لم يدافع أبدا.

لقد كان النصر يسير في ركابه، وانتصاراته تعود – فيما أرى – إلى خمسة عوامل: قابليته الممتازة في وضع الخطط المناسبة، وشجاعته الشخصية الفائقة، وسرعة حركته في أثناء المعركة، وتطبيقه مبدأ ( المباغتة ) وتشبعه بروح التعرض.

عاصم في التاريخ:
يذكر التاريخ لعاصم موقفه الرائع في القادسية، واندفاعه الصاعق في عبور دجلة لفتح المدائن، ويذكر له فتحه لولاية سجستان.

لقد كان لموقفه الرائع في القادسية أثر حاسم في انتصار المسلمين على الفرس في هذه المعركة الحاسمة، وربما يذكر رجال قلائل من أصحاب الأيام حين يذكر عاصم في أيام القادسية عدا اليوم الأول من أيام القادسية، فقد استأثر عاصم بالفضل الأول في تحطيم هجوم الفيلة الكاسح، ذلك الهجوم الذي كان متوقعا منه أن يحطم صفوف المسلمين.
أما اندفاعه في عبور نهر دجلة إلى المدائن على رأس كتيبة الأهوال: فأمره عجب كله، ولست أعرف أحدا من القادة يشاركه في هذا الفضل العظيم الذي كان من نتائجه فتح المدائن عاصمة كسرى ولا تزال منائر سجستان رافعة رؤوسها شامخة، ولا يزال الإسلام يجمع سكان سجستان عبر القرون… تری! هل تذکره سجستان اليوم؟
رضي الله عن القائد البطل، الصحابي الجليل، عاصم بن عمرو التميمي.

img 20260918 234118 611310976270463070163

اقليما خراسان و قوهستان مع قسم من اقلیم سجستان

(قادة فتح فارس، محمود خطاب شيت)

شارك هذا المقال:

مقالات مشابهة