مجاشع بن مسعود السلمي

(فاتح لواء أردشير خرة وسابور وفاتح کرمان ثانیة)

إسلامه:
أسلم مجاشع بن مسعود السلمي من بني سليم قبل فتح مكة وهاجر إلى المدينة، فقال له الناس: ألا تختط؟ فقال: “والله ما لهذا هاجرنا”  فهو من المهاجرين. وقد جاء بأخيه مجالد إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليبايعه بعد فتح مكة على الهجرة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا هجرة بعد الفتح» وقد تحدث عن ذلك مجاشع فقال: “أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأخي أبو معبد مجالد ابن مسعود، فقلت: يا رسول الله، بايعه على الهجرة، قال: «مضت الهجرة لأهلها!» قلت: على ما تبايع؟ قال: «على الاسلام والجهاد».

لقد أسلم مجاشع قبل أخيه مجالد، وكانت له صحبة ورواية في الصحيحين: البخاري ومسلم وغيرهما، ولكننا لا نعلم بالضبط متى أسلم. ومن الواضح أنه نال شرف الجهاد تحت لواء الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام أيضا، إذ يدل سياق خبر قدومه على النبي بأخيه بعد فتح مكة، أنه شهد هذه الغزوة، لذلك أحرز مجاشع شرف الجهاد تحت لواء الرسول القائد صلى الله عليه وسلم و شرف الصحبة.

جهاده:

1 – في العراق:

كان العراق ميدان جهاد مجاشع، وقد شهد فتح الأبلة تحت راية عتبة بن غزوان، إلا أن اسمه برز لأول مرة عندما استخلفه عتبة ابن غزوان على البصرة واستعمله على جيش من المسلمين وسيرهم إلى الفرات واستخلف المغيرة بن شعبة على الصلاة الى أن يقدم مجاشع فإذا قدم فهو الأمير، فظفر مجاشع بأهل الفرات ورجع إلى البصرة، فلما علم عمر بن الخطاب من عتبة بن غزوان أنه استعمل مجاشعا على البصرة قال: “اتستعمل رجلا من أهل الوبر على أهل المدر؟”.

٢ – في إيران:
ا – كان جهاد مجاشع في العراق مشرفا جدا إلى درجة أن عمر بن الخطاب أسند اليه مهمة فتح لواء أردشير خرة و سابور عندما أذن للمسلمين في الانسياح في أرض ایران لفتحها.

وتحرك مجاشع على رأس جيشه من أهل البصرة إلى الأهواز بأمر عمر بن الخطاب الذي قال له: “انتصل منها على ماه” ، فخرج حتى اذا كان بـ غضي شجر أمره النعمان بن مقرن المزني أن يقيم مكانه بين غضي شجر ومرج القلعة، وكان واجب مجاشع أشغال قوات الفرس في منطقة الأهواز حتى يحول دون تعاونهم والقوات الفارسية المحتشدة في نهاوند.

ولما أراد النعمان بن مقرن المزني المسير إلى نهاوند أمر مجاشعا أن يلتحق مع قواته بقوات المسلمين المتجهة نحو نهاوند وولاه الساقة في مسير الاقتراب إلى نهاوند، فشهد مجاشع هذه المعركة وأبلى فيها أعظم البلاء.

وقصد مجاشع بعد انتهاء هذه المعركة الحاسمة سابور و أردشير خرة فيمن معه من المسلمين، فالتقوا بـ توج بأهل فارس فانتصروا عليهم بعد قتال وفتح مجاشع مدينة توج وهي من أرض أردشير خرة، وتغلغل بعد ذلك في كافة أنحاء لواء أردشير خرة وسابور ففتحه.

ب – ولما تولى عبدالله بن عامر بن كريز العبشمي البصرة في أيام عثمان بن عفان، أصبح مجاشع ساعده الأيمن، فسار معه إلى إيران لإعادة فتح المناطق المنتقضة ، فغزا کابل فصالحه حاكمها، فدخل مجاشع بيت أصنامهم واخذ جوهرة جليلة من عين أكبرها وقال: “لم آخذها إلا لتعلموا أنه لا يضر ولا ينفع”، فأصابه في منصرفه الثلج والدمق فمات رجاله إلا رجلين، فزعم حاكم كابل أن الصنم فعل ذلك بهم! فقد وجه عبدالله بن عامر مجاشعا في أثر كسرى يزدجرد الذي هرب من فارس إلى خراسان، فاتبعه إلى كرمان فهرب إلى خراسان، فأصاب مجاشع ومن معه الثلج والدمق، واشتد البرد، وكان الثلج قيد رمح، فهلك الجند وسلم مجاشع ورجل معه جارية واستعمل عبدالله بن عامر مجاشعا على كرمان وأمره بمحاربة أهلها وكانوا قد نكثوا أيضا، ففتح بیمند عنوة واستبقى أهلها وأعطاهم أمانا وبنى بها قصرا يعرف: بقصر مجاشع وأتى الشيرجان وهي مدينة كرمان فأقام عليها أياما يسيرة وأهلها متحصنون فقاتلهم وفتحها عنوة فجلا كثير من أهلها عنها، وفتح جيرفت عنوة، وسار في کرمان و دوخ أهلها وأتى القفص وقد تجمع له خلق كثير من الأعاجم، فقاتلهم مجاشع وظفر بهم، فهرب كثير من أهل كرمان وركبوا البحر ولحق بعضهم بمكران وبعضهم بـ سجستان، فأقطعت العرب منازلهم وأراضيهم فعمروها واختفروا لها القنى وأدوا العشر فيها.

الإنسان:

نزل مجاشع البصرة في بني سليم، وقد استخلفه عتبة ابن غزوان على البصرة كما استخلفه المغيرة بن شعبة من بعده وذلك في خلافة عمر بن الخطاب، ثم استعمله عبدالله بن عامر علي كرمان في خلافة عثمان بن عفان وأخيرا عاد إلى البصرة واستقر بها.

ولما اجتمع بعض الناس لقتل عثمان سار مجاشع من البصرة فوصل إلى الربذة فأتاه خبر قتل عثمان فرجع إلى البصرة، وكان أول من تكلم من أهل البصرة وهو يومئذ سيد قيس بها، فخطب وحض الناس على نصر عثمان وكان مجاشع مع عائشة أم المؤمنين يوم الجمل، فقتل يوم الجمل قبل الوقعة وقبل أن يقدم علي بن أبي طالب وذلك سنة ست وثلاثين للهجرة و ٦٥٦م، ودفن بداره بالبصرة في بني سدوس وله عقب بالبصرة.

روی خمسة أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان شاعرا من شعراء الفرسان. قال يذكر فتح توج:



ونحن ولينا مرة بعد مرة
بتوج أبناء الملوك الأكابر
لقينا جيوش الماهيان بسخرة
على ساعة تلوى بأهل الحظائر
فما فتئت خيلي تكر عليهم
ويلحق منها لاحق غير حائر.

وكان غنيا وافر الغنى، وكان له فرس يقال لها: الدبساء يسابق عليها، ويقال: أنه أخذ في غاية واحدة خمسين ألف درهم. وكان كريما يعد من أجواد العرب، فقد وفد عمرو بن معد يكرب الزبيري على مجاشع، وكانت بين عمرو وبين سليم حروب في الجاهلية، فقدم عليه بالبصرة يسأله الصلة، فقال له: “اذكر حاجتك”، فقال له : “حاجتي صلة مثلي”، فأعطاه عشرة آلاف درهم وفرسا من بنات الغبراء وسيفا جرازا ودرعا حصينة وغلاما خبازا، فلما خرج من عنده قال له أهل المجلس: كيف وجدت صاحبك؟ قال: “لله بنو سليم! ما أشد في الهيجاء لقاءها، وأكرم في اللأواء عطاءها، وأثبت في المكرمات بناءها! والله يا بني سليم، لقد قاتلناكم في الجاهلية فما أجبناكم، ولقد هاجيناكم فما أفحمناكم، ولقد سألناكم فما أبخلناكم”

وكان ورعا تقيا نقيا عاقلا، لذلك أصبح سيد قيس بالبصرة في أيامه، زوجه الصحابي الجليل عتبة بن غزوان ابنته، وكان موضع ثقة الخلفاء والأمراء وموضع ثقة الناس على مختلف ميولهم وأهوائهم لمزاياه الإنسانية الرفيعة.

القائد:

نجح مجاشع في الحرب الخاطفة للقضاء على بعض الاضطرابات الداخلية كما حدث في الفرات، هذا النوع من الحروب يحتاج إلى قائد سريع الحركة سريع القرار جريء شجاع مندفع كما نجح في حروب المشاغلة، حيث استطاع تجميد القوات الفارسية في الأهواز وحال دون تعاونها مع القوة الفارسية الضاربة الأصلية المحتشدة في نهاوند من جهة وحال دون عرقلتها تحشيد قوات المسلمين في منطقة نهاوند، وهذا النوع من الحروب يحتاج إلى قائد يتسم بالانتباه الشديد والحذر واليقظة والسهر على مراقبة تحركات القوات المعادية، كما يحتاج إلى قائد يستطيع الإفادة من طبيعة الارض ويختار المواقع المناسبة لقواته بحيث تستطيع الحركة بسرعة للقضاء على كل حركة معادية محتملة.كما نجح قائدا مرؤوسا لإحدى التشكيلات التعبوية قبل معركة نهاوند وفي أثنائها، وكان أحد القادة الذين كان لهم أثر حاسم في انتصار المسلمين في معركة حاسمة هي معركة نهاوند كما نجح قائدا مستقلا له واجب خاص و هدف معين، ففتح منطقة واسعة من أرض إيران بأقرب وقت ممكن وباقل جهود ممكنة وبأقل خسائر مادية ومعنوية.

إنه قائد ممتاز له كل مزايا القائد الممتاز، فكان سريع القرار صحيحة نظرا لذكائه وتشبثه بالحصول على المعلومات الضرورية عن العدو وعن الأرض التي يقاتل عليها. وكان قوي الشخصية حديدي الإرادة محبوبا، موضع ثقة رؤسائه ومرؤوسيه على حد سواء.
ولعل لمزاياه الإنسانية السامية وماضيه الناصع المجيد أثراً كبيراً على ثقة الناس به وحبهم له وتقديرهم لمزاياه وتطوعهم برحابة صدر للقتال تحت رايته.

لقد كان يؤمن بالضبط ويفرض سيطرته الكاملة على رجاله من غير إسراف ولا شطط. ذكر أحد الغزاة الذين كانوا معه يوم فتح توج فقال: “خرجنا مع مجاشع بن مسعود غازين توج فحاصرناها وقاتلناهم ما شاء الله، فلما افتتحناها وحوينا نهبها نهبا كثيرا وقتلنا قتلى عظيمة، وكان علي قميص قد تخرق، فأخذت إبرة وسلكا وجعلت أخيط قميصي بها. ثم أني نظرت إلى رجل في القتلى عليه قميص فنزعته فأتيت به الماء فجعلت أضربه بين حجرين حتى ذهب ما فيه فلبسته، فلما جمعت الرثة قام مجاشع خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وقال: أيها الناس! لا تغلوا فإنه من غل جاء بما غل يوم القيامة. ردوا ولو المخيط! فلما سمعت ذلك نزعت القميص فألقيته في الاخماس. وهذا يدل على أمانته المطلقة وسيطرته النافذة على رجاله.

وكان بالإضافة الى كل ذلك قوي البنية يتحمل المشاق بسهولة ويسر، حتى الثلج والدمق والطقس القاسي في الظروف الصعبة تحملها ونجى منها بينما لم يتحملها رجاله فماتوا من أثرها.

لقد كان قائدا فذا بكل ما في الكلمة من معان.

مجاشع في التاريخ:

يذكر التاريخ لمجاشع فتحه لواء أدرشير خرة وسابور ويذكر له استعادته فتح منطقة كرمان الواسعة الفنية.

ويذكر له نجاحه الباهر في القيادة وفي الإدارة أيضا، وهو من الأعراب الذين لم يتمرسوا على مثل هذه الأعمال بنطاق واسع.
إن مجاشع القائد الإداري مثال حي على أثر العقيدة الإسلامية في نفوس حتى أعراب البادية وتبديلها من حال إلى حال.


رضي الله عن القائد الفاتح، الإداري الحازم، الصحابي الجليل مجاشع ابن مسعود السلمي

(قادة فتح فارس، محمود خطاب شيت)

شارك هذا المقال:

مقالات مشابهة