الصحابي:
لا تُعلم متى أسلم سَلَمَة بن قيس الأشجعي، ولكن له صحبة، وقد ولاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه القيادة وكان لا يُولي إلا الصحابة.
ولم تذكر المصادر التي بين أيدينا شيئًا عن جهاده في أيام النبي صلى الله عليه وسلم، وبذلك نال شرف الصحبة ولم ينل شرف الجهاد تحت لواء الرسول القائد.
جهاده:
لا بد أن سَلَمَة أثبت جدارة في قيادة الجيوش في المعارك التي خاضها المسلمون وكان له ماضٍ مشرف في جهاده، لأن عمر كان يلتزم بشروط معينة يريدها أن تتوفر في القائد قبل أن يوليه منصب القيادة: منها أن يكون صحابيًا، وأن يكون مجرَّبًا للحروب، وألا يكون من المرتدين… إلخ.
ولكننا لا نعلم شيئًا عن المعارك التي خاضها سَلَمَة ولا عن بلائه فيها، فقد ضنَّت المصادر المتيسرة عندنا بالحديث عن جهاده وجهوده في حروب الردة وحروب الفتح الإسلامي.
وأول ما ورد ذكر سَلَمَة في حروب أكراد الأهواز، فقد كان عمر رضي الله عنه، إذا اجتمع إليه جيش من أهل الإيمان أمر عليهم رجلاً من أهل العلم والفقه، فاجتمع إليه جيش بعث عليهم سَلَمَة وقال له: «سِرْ باسم الله، قاتل في سبيل الله من كفر بالله، فإذا لقيتم عدوكم من المشركين فادعوهم إلى ثلاث خصال: ادعوهم إلى الإسلام، فإن أسلموا فاختاروا دارهم فعليهم في أموالهم الزكاة وليس لهم من فيء المسلمين نصيب، وإن اختاروا أن يكونوا معكم فلهم مثل الذي لكم وعليهم مثل الذي عليكم، وإن أبوا فادعوهم إلى الخراج، فإن أقرُّوا فقاتلوا عدوهم من ورائهم ففرِّغوهم خراجهم ولا تُكلفوهم فوق طاقتهم، فإن أبوا فقاتلوهم فإن الله ناصركم عليهم، فإن تحصَّنوا منكم في حصن فسألوكم أن ينزلوا على حكم الله وحكم رسوله، فلا تُنزلوهم على حكم الله فإنكم لا تدرون ما حكم الله ورسوله فيهم، وإن سألوكم أن ينزلوا على ذمة الله وذمة رسوله، فلا تُعطوهم ذمة الله وذمة رسوله وأعطوهم ذمم أنفسكم، فإن قاتلوكم فلا تفلُّوا ولا تغدروا ولا تمثِّلوا ولا تقتلوا وليدًا»، فسار سَلَمَة بجيشه حتى التقى بمشركي الأكراد، فدعاهم إلى ما أمر به أمير المؤمنين عمر، فأبوا أن يسلموا، فدعاهم إلى الجزية فأبوا أن يقروا، فعند ذلك قاتلهم وانتصر عليهم، فقتل المقاتلة وسبى الذرية وجمع الرِّئَة، ثم بعث رجلاً إلى عمر لإخباره عن انتصار المسلمين.
وبذلك حقق سَلَمَة للمسلمين نصرًا مؤزَّرًا على عدوهم في منطقة منيعة من أرض الأهواز.
الإنسان:
رأى سَلَمَة من جملة الغنائم في تلك المعركة شيئًا من حُلِيٍّ، فقال للرجالة: «إن هذا لا يبلغ فيكم شيئًا، فَتَطِيبُ أنفسكم أن نبعث به إلى أمير المؤمنين؟ فإن له بَرْدًا ومؤونة»، فقالوا: «نعم، قد طابت أنفسنا»، فجعل تلك الحلية في سَفَطٍ ثم بعث برجل من قومه فقال: «اركب بها، فإذا أتيت البصرة، فاشترِ على جوائز أمير المؤمنين راحلتين فأوقرهما زادًا لك ولغلامك، ثم سِرْ إلى أمير المؤمنين»، ففعل، وقدم الرسول بالبشارة وبالسَّفَط إلى عمر وهو يُغَدِّي الناس متكئًا على عصًا كما يصنع الراعي، وهو يدور على القصاع يقول: «يا يَرْفَأُ! زِدْ هؤلاء لحمًا… زِدْ هؤلاء خبزًا… زِدْ هؤلاء مَرَقَةً».
قال رسول سَلَمَة: (فلما دفعتُ إليه قال: اجلس، فجلست في أدنى الناس، فإذا طعام فيه خشونة، طعامي الذي معي أطيب منه، فلما فرغ الناس قال: يا بَرْقَا! ارفع قصاعَك. ثم أدبر فاتبعته، فدخل دارًا، ثم دخل حُجْرَةً، فاستأذنتُ وسلَّمتُ، فأذن لي، فدخلت عليه، فإذا هو جالس على مِسْحٍ متكئًا على وسادتين من أَدَمٍ محشوتين ليفًا، فنبذ إليَّ بإحداهما فجلست عليها، فإذا هو في صُفَّةٍ فيها بيت عليه سِتْرٌ، فقال: يا أم كلثوم! غداءَنا، فأخرجت إليه خُبْزَةً بِزَيْتٍ في عرضها مِلْحٌ لم يُدَقَّ، فقال: يا أم كلثوم! ألا تخرجين إلينا تأكلين معنا من هذا؟ قالت: إني أسمع عندك حَسَّ رجلٍ، قال: نعم ولا أراه من أهل البلد، قالت: لو أردتُ أن أخرج إلى الرجال لَكَسَوْتَنِي كما كسا ابن جعفر امرأته وكما كسا الزبير امرأته وكما كسا طلحة امرأته! قال: وما يكفيكِ أن يُقال: أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب وامرأة أمير المؤمنين عمر؟ فقالت: إن ذلك عني لقليل الفَنَاءِ، فقال عمر: كُلْ، فلو كانت راضيةً لأطعمتك أطيب من هذا! قال: فأكلت قليلاً، وطعامي الذي معي أطيب منه، وأكل فما رأيت أحدًا أحسن أكلاً منه، ما يتلَبَّسُ طعامه بيده ولا فمه، ثم قال: اسقوني! فجاءوا بِعُسٍّ من سويق، فقال: أَعِطِ الرجلَ، فشربت قليلاً، سويقي الذي معي أطيب منه، ثم أخذه فشربه حتى قَرَعَ القَدَحَ جبهتَه وقال: الحمد لله الذي أطعمنا فأشبعنا، وسقانا فأروانا ثم قال: إنك لضعيف الأكل ضعيف الشرب، وقال: أيضًا؟ قلت: رسول سَلَمَة! قال: مرحبًا بسَلَمَة وبرسوله، وكأنما خرجت من صلبه، حدِّثني عن المهاجرين كيف هم؟ قلت: هم يا أمير المؤمنين كما تحب من السلامة والظفر على عدوهم، قال: كيف أسعارهم؟ قلت: أرخص أسعار! قال: كيف اللحم فيهم؟ فإنها شجرة العرب لا تصلح العرب إلا بشجرتها، قلت: البقرة فيهم بكذا والشاة فيهم بكذا يا أمير المؤمنين! سِرْنَا حتى لقينا عدونا من المشركين، فدعوناهم إلى ما أمرتنا به من الإسلام فأبوا، فدعوناهم إلى الخراج فأبوا، فقاتلناهم فنصرنا الله عليهم، فقتلنا المقاتلة وسبينا الذرية وجمعنا الرِّئَةَ، فرأى سَلَمَة في الرِّئَةِ حِلْيَةً فقال للناس: إن هذا لا يبلغ فيكم شيئًا، فَتَطِيبُ أنفسكم أن أبعث به إلى أمير المؤمنين؟ فقالوا: نعم.
فاستخرجت سَفَطِي، فلما نظر إلى تلك الفصوص من بين أحمر وأصفر وأخضر، وثب ثم جعل يده في خاصرته، ثم قال: لا أشَيَّعُ الله إِذًا بَطْنَ عُمَرَ! فظنَّ النساء أني أريد أن أغتاله، فجئن إلى السِّتْرِ، فقال: كُفَّ ما جئت به، يا يَرْفَأُ! جَأْ عُنُقَهُ! قال: فأنا أصلح سَفَطِي وهو يَجَأُ عُنُقِي، قلت: يا أمير المؤمنين! أَبْدِعْ بي فاحملني. قال: يا يَرْفَأُ! أَعْطِهِ راحلتين من الصدقة، فإذا لقيتَ أفقرَ إليهما منك فادفعهما إليه. قلت: أفعل يا أمير المؤمنين … قال: أما والله لئن تفرَّق المسلمون في مشاتيهم قبل أن يقسم هذا فيهم، لأفعلنَّ بك وبصاحبك الفَاقِرَةَ. قال: فارتحلت حتى أتيت سَلَمَة فقلت: ما بارك الله لي فيما اختصصتني به! اقسم هذا في الناس قبل أن يصيبني وإياك فَاقِرَةٌ! فقسمه فيهم، والفص يُباع بخمسة دراهم وستة دراهم وهو خير من عشرين ألفًا».
لا أملك أن أعلق على هذا الكلام بشيء، ولا يملك غيري أن يعلق .. إلا إذا أراد أن يفسد معانيه .. إن أبلغ تعليق عليه سيفسد روعته ويسدل عليه ستارًا ماديًا فقط، وهذا الكلام كله روح.
ولكنني أقول: كيف كانوا، وكيف أصبحنا؟! كيف كان حكامهم، فلمَّا وكيف أصبحوا؟!! بهذه الاستقامة المطلقة دفع المسلمون شرقًا وغربًا، تخلَّوا عن مثلهم العليا، انكمشوا حتى في عقر بلادهم شرقًا وغربًا …
بمثل هذه المثل العليا فتح المسلمون ما فتحوا، فلا يدهشنَّ أحد من سرعة تيار الفتح الإسلامي، إنه كان بالروح التي اخترقت الحجب واجتازت الحدود وهدمت السدود وحطَّمت القيود، إنها الروح التي تتغلغل إلى كل مكان بأسرع وقت وأقصر زمان، أما المادة وحدها، فهل تستطيع ذلك؟؟!!
ترى! هل في العالم كله مثل هذه النزاهة المطلقة ومثل هذا السمو الروحي؟؟ إني أتحدى…
نزل سَلَمَة الكوفة وله رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد روى سبعة أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وروى عنه بعض الرجال، وكان من أهل العلم والفقه.
وسكت عنه المؤرخون فلم يذكروا عنه شيئًا آخر، ولكن حسبه أن يترك للأجيال قصته الخالدة مع عمر بن الخطاب، وكفى…
القائد:
الحق أنه ليس من السهل استنباط سجايا سَلَمَة القيادية من أعماله العسكرية في الأهواز، لأن التاريخ لم يذكر تفاصيلها التي تساعد مؤرخه أن يفعل ذلك.
ولكن دراسة أسلوب عمر في انتقاء القادة، تجعلنا نتبين بوضوح أن سَلَمَة كان يمتاز ببعض الصفات التي أهلته لأن يتولى منصب القيادة في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وما أصعب أن يتولى مثل هذا المنصب رجل في عهد عمر، ما لم تتوفر فيه مزايا قيادية ممتازة.
فقد رأينا أنه كان فقهيًا عالمًا، ولا بد أن يكون له ماضٍ مجيد في الحروب، ولا بد أن يكون ذا شخصية قوية نافذة، محبوبًا من رجاله موثوقًا به، يبادل رجاله حبًا بحب وثقة بثقة، ميمون النقيبة كامل العقل، بصيرًا بتدبير الحروب ومواضعها ومواضع الفرص والحيل والمكايدة، حسن التعبية، حسن السيرة، عفيفًا صارمًا حذرًا متيقظًا شجاعًا سَخِيًّا.
لقد كان سَلَمَة قائدًا جيدًا.
سَلَمَة في التاريخ:
يذكر التاريخ لسَلَمَة قضاءه على مقاومة الأكراد في الأهواز وإخضاعهم لسيطرة دولة الإسلام.
ويذكر له قصته الممتعة ذات العبر التي لا تنقضي مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
الفارس المُجَوَّر، التقي النقي، العالم العامل، الفقيه المحدث، القائد الفاتح، سَلَمَة بن قيس الأشجعي الغطفاني.
(قادة فتح فارس، محمود خطاب شيت)








