القائد الذي جرّأ العرب على مهاجمة الامبراطورية الفارسية ومهد لفتح العراق.
“هذا رجل غير حامل الذكر، ولا مجهول النسب، ولا ذليل العماد هذا المثنى بن حارثة الشيباني”
(قيس بن عاصم المنقرى)
بنو شیبان:
كان بنو شيبان من هامات ربيعة في الجاهلية وهم أبطال معركة ذي قار، وقد امتد بهم المجد في الإسلام.
فكان منهم بيوتات سجل لها التاريخ صفحات خالدة.
وتكرر أمثال يوم ذي قار بعد الإسلام بين الفرس وبني شيبان خاصة وبين الفرس وقبائل بنى بكر عامة، فكان بنو شيبان طلائع الفتح الإسلامي في العراق، وكان المثنى بن حارثة الشيباني الذي كان من أشراف شيبان أول قائد عربى تجرأ على مهاجمة الإمبراطورية الفارسية في عقر دارها.
الصحابي:
وفد المثنى بن حارثة بن سلمة بن ضمضم بن سعد بن مرة بن ذهل بن شيبان على النبي صلى الله عليه عليه وسلم سنة تسع مع وفد قومه، فأسلم.
وهناك رواية توهم قدم إسلامه، وهي قدوم النبي صلى الله عليه وسلم على جماعة من بني شيبان حين كان يعرض نفسه على القبائل العربية قبل الهجرة إلى المدينة المنورة، فتلا الرسول صلى الله عليه وسلم عليهم: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عليكم.. الآية . . ثم تلا عليهم: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبى} الآية.
فقال المثنى: “قد سمعت مقالتك واستحسنت قولك وأعجبني ما تكلمت به، ولكن علينا عهد من كسرى: لا تحدث حدثاً ولا نؤوى محدثا، ولعل هذا الأمر الذى تدعونا إليه مما يكرهه الملوك، فإذا أردت أن ننصرك ونمنعك مما يلي بلاد العرب، فعلنا!”. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أسأتم إذ أفصحتم بالصدق! إنه لا يقوم بدين الله إلا من حاطه بجميع جوانبه» ثم نهض النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا لا يدل على إسلام المثنى منذ ذلك الوقت، كما توهم بعض من ترجم له؛ إذ لو كان قديم الإسلام لكان له ذكر في غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم نظراً لشجاعته الفائقة ومواهبه النادرة في قيادة الرجال.
لقد نال المثنى شرف الصحبة، ولكنه لم ينل شرف الجهاد تحت لواء الرسول القائد.
جهاده:
1 – في حروب الردة:
عندما ارتدت أكثر القبائل العربية – ومنهم ربيعة – التي كانت في منطقة البحرين، ثبت المثنى على الإسلام مع من ثبت من قومه، فكتب العلاء بن الحضرمى إلى من أقام على إسلامه من بكر بن وائل ـ ومنهم المثنى، أن يعينوه على مكافحة المرتدين حتى يعودوا إلى الإسلام؛ فكان المثنى على رأس الذين أعانوا العلاء بن الحضرمى فى مهمته الشاقة، إذ ضيق الخناق على المرتدين وأخذ الطريق عليهم؛ ولم يكتف بذلك، بل تابع السير شمالاً على شاطيء الخليج العربي ليقاوم دسائس الفرس الذين شجعوا المسلمين في منطقة الخليج العربي على الردة ويقضى على أنصارهم من القبائل ومن الأبناء.
٢ – في الفتح:
التعرض التمهيدي:
تقدم المثنى بقواته شمالا من منطقة البحرين، فقضى على الفرس وعمالهم ممن عاونوا المرتدين في البحرين، حتى وضع يده على القطيف و هجر وحتى بلغ في تقدمه مصب دجلة والفرات في الخليج العربي.. وتساءل الناس عن هذا القائد الذى يسير من نصر إلى نصر، وتساءل الصديق أبو بكر عنه قائلا: “من هذا الذى تأتينا وقائعه قبل معرفة نسبه؟ ” فأجابه قيس بن عاصم المنقرى: “هذا رجل غير حامل الذكر، ولا مجهول النسب، ولا ذليل العماد، هذا المثنى بن حارثة الشيباني”
وحضر المثنى بنفسه إلى المدينة ليتصل اتصالاً شخصياً بأبي بكر الصديق وليسأله أن يؤمره على رجاله ليهاجم بهم الفرس في العراق، قائلا: “يا خليفة رسول الله: استعملني عن قومى، فإن فيهم إسلاماً، أقاتل بهم أهل فارس، وأكفيك أهل ناحيتى من العدو” فكتب له أبو بكر الصديق بذلك عهدا فهو الذي أطمع أبا بكر والمسلمين في الفرس وهون أمر الفرس عندهم.
واستمر المثنى على مهاجمة أهل السواد، ثم بعث أخاه مسعودا إلى أبي بكر يسأله المدد، فأمده بخالد بن الوليد المخزومي، على أن يتولى خالد القيادة العليا في العراق وأن يكون المثنى بأمرته، فسار خالد من اليمامة إلى العراق على رأس عشرة آلاف من الجند، وفي رواية أنه سار من المدينة إلى العراق فلما وصل العراق كتب إلى المثنى ليأتيه، وبعث إليه بكتاب أبي بكر الذي يأمره فيه بالسمع والطاعة لخالد، (فانقض إليه جواداً حتى لحق به) وهكذا تسارع الرجولة إلى الطاعة!
٣- مع خالد:
قاتل المثنى تحت لواء خالد بن الوليد فى كل معاركه التي خاضها في العراق:
تارة تحت قيادة خالد المباشرة، وتارة قائداً مستقلاً، وكان خالد يقدر المثنى غاية التقدير ويعتمد عليه كل الاعتماد.
بعد معركة الحفير التي انتصر فيها المسلمون على الفرس، أمر خالد المثنى أن يطارد المنهزمين من الفرس، فطاردهم المثنى مطاردة حاسمة كأنما يريد ألا يتركهم قبل أن يبلغ المدائن، ولكنه توقف عن المطاردة عندما جاءته الأنباء بأن جيشاً عظيما للفرس يعسكر في المذار، فأيقن المثنى أن انفراد قواته بلقاء هذا الجيش الضخم قد يجر عليه الهزيمة، لذلك اختار مكاناً مناسباً بالقرب من المذار وعسكر فيه.
وتحشد المسلمون بقيادة خالد في المذار، وبدأ القتال بين الطرفين فانهزم الفرس بسفتهم، وحال الماء بين المسلمين ومطاردة الفرس.
وبقى خالد يستعين بالمثنى إذا حضر ويستخلفه إذا غاب، حتى فتح الله على المسلمين الحيرة، والأنبار، فأرسله خالد لمهاجمة سوق بغداد فأغار عليه وهزم المدافعين عنه. ولما ورد أمر أبي بكر إلى خالد بالحركة إلى أرض الشام المقاتلة الروم، وأن يأخذ نصف الناس ويستخلف المثنى على العراق في نصف الناس، أحضر خالد أصحاب رسول الله صلى الله عليه الذين كانوا معه واستأثر بهم لنفسه تاركاً للمثنى مثل عددهم ممن لم يكن له مع الرسول صلى الله عليه وسلم صحبة، واستأثر لنفسه أيضاً بمن كان قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وافداً تاركاً للمثنى مثل عددهم من أهل القناعة، ثم قسم سائر الجند قسمين؛ فلما رأى المثنى صنع خالد، غضب وقال: “والله لا أقيم إلا على إنفاذ أمر أبي بكر! وبالله ما أرجو النصر إلا بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم” فلما رأى خالد ذلك أرضاه.
ودع المثنى خالداً حين سفره من العراق إلى الشام حتى تخوم البادية، ولما آن لهما أن يفترقا، قال خالد للمثنى: “ارجع رحمك الله إلى سلطانك غير مقصر ولا وان”.
٤- القائد العام:
كان الموقف العسكري فى العراق عند مغادرة خالد له دقيقاً للغاية، فقد كانت قوات المثنى قليلة بالنسبة لقوات الفرس، وكانت خطوط مواصلاته بعيدة بالنسبة لخطوط مواصلات الفرس؛ أما المشاكل الداخلية في بلاد الفرس فقد أصبحت أقل من السابق بعد اتفاق الفرس على رفع شهر براز ابن أردشير إلى العرش، فلما اطمأن الأمر له، كان إجلاء المسلمين عن العراق أول ما استقر عليه عزمه!!.
ولعل شعور خالد بن الوليد بدقة الموقف في العراق هو الذي دفعه إلى ترحيل النساء والصبيان والضعفاء من الرجال إلى المدينة قبل سفره إلى الشام.
وبلغ المثنى أنباء تحشد القوات الفارسية لمهاجمة قواته، فسار حتى بلغ أطلال بابل، وانتظر هناك عشرة آلاف مقاتل فارسى يقودهم هرمز جاذوية وإنه فى انتظاره لقاء العدو، إذ وصلته رسالة كسرى يقول فيها: “إتي قد بعثت إليكم جنداً من وحش أهل فارس، وإنما هم رعاة الدجاج والخنازير ولست أقاتلك إلا بهم، فكتب إليه المثنى: “إنما أنت أحد رجلين: إما باغ، فذلك شر لك وخير لنا، وإما كاذب، فأعظم الكذابين عقوبة وفضيحة عند الله وعند الناس الملوك. وأما الذي يدلنا عليه الرأي، فإنكم إنما اضطررتم إليهم، فالحمد لله الذي رد كيدكم إلى رعاة الدجاج والخنازير”.
والتقى الجيشان على أطلال مرتفعات بابل وكان يتقدم جيش هرمز فيل يفرق بين الصفوف والكراديس ويوقع الرعب فيهم، فأيقن المثنى أن انتصاره رهن بالقضاء على هذا الفيل، فخرج على رأس جماعة من رجاله، وهاجموا الفيل وأصابوا منه مقتلاً: فانهزم الفرس بعد قتال شديد، فطاردهم المثنى إلى أبواب المدائن.
ونزلت أنباء الهزيمة بكسرى نزول الصاعقة، فحم، فمات! وبعد موته عاد الاضطراب إلى بلاط فارس، فأراد المثنى انتهاز هذه الفرصة السانحة، فكتب إلى أبي بكر يخبره بانتصاره، ويستأذنه في الاستعانة بمن ظهرت توبتهم من أهل الردة…
وانتظر ورود النجدات إليه لإكمال فتح العراق، وما كان أبو بكر ليمده وجيوش المسلمين كلها فى الشام؛ لذلك غادر المثنى العراق إلى المدينة ليخبر أبا بكر خبر المسلمين والفرس، وليستأذنه في الاستعانة بمن ظهرت توبته وندمه من أهل الردة، فوجد أبا بكر مريضاً على فراش الموت، ومع ذلك استقبله الخليفة وسمع إليه واقتنع برأيه، وقال: “علي بعمر” وكان قد استخلفه. فلما جاء، قال له: “اسمع يا عمر ما أقول لك ثم اعمل به. إني لأرجو أن أموت من يومى هذا، فإن أنا مت فلا تمسين حتى تندب الناس مع المثنىر ولا يشغلنكم مصيبة – وإن عظمت عن أمر دينكم ووصية ربكم. وقد رأيتني متوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وما صنعت، ولم يصب الخلق بمثله. وبالله لو أنى أني عن أمر الله وأمر رسوله لخذلنا، ولعاقبنا. فاضطرمت المدينة ناراً، وإن فتح الله على أمراء أهل الشام، فاردد أصحاب
خالد إلى العراق، فإنهم أهله وولاة أمره وحده، وهم أهل الضراوة والجرأة عليهم”.
ووعد عمر أن ينفذ ذلك حرفيا.
٥- مع أبي عبيد الثقفي:
لما أصبح عمر من الليلة التي مات فيها أبو بكر، كان أول ما عمله أن استنفر الناس للانضواء تحت لواء المثنى؛ ولما بايعه الناس وبايعهم، استنفرهم ثلاثة أيام متتالية دون مجيب، ذلك لأن جبهة القتال الفارسية، كانت من أكره الجبهات إليهم وأثقلها عليهم، لشدة سلطان الفرس وعزهم وشوكتهم وقهرهم الأمم فلما كان اليوم الرابع، عاد فندب الناس إلى العراق، فكان أول منتدب أبو عبيد بن مسعود الثقفي، فولاه عمر منصب القيادة العامة في العراق.
وتكلم المثنى يشجع الناس ويهون عليهم أمر الفرس، فقال: “يا أيها الناس! لا يعظمنّ عليكم هذا الوجه، فأنا قد تبحبحنا ريف فارس وغلبناهم على خير شقى السواد وشاطرناهم ونلنا منهم واجترأ من قبلنا عليهم، ولها إن شاء الله ما بعدها”.
فتوالى المتطوعون حتى بلغوا ألف رجل من أهل المدينة فقط. وأمر عمر المثنى أن يعود سريعاً إلى العراق وينتظر هناك إلى أن يقدم عليه رجاله، وأمره باستنفار من حسن إسلامه من أهل الردة، فسار المثنى حتى قدم الحيرة؛ ووصل أبو عبيد الثقفي بعده بشهر؛ فلما وصلها المثنى علم أن الفرس شغلوا عن المسلمين أثناء غيبته باختلافهم على العرش مما أدى إلى نشوب معارك داخلية بين الطامعين بالعرش حتى استقر الملك بيد بوران يعاونها وزيرها المحنك رستم الذى عرف بجرأته وطموحه، فعمل هذا على إثارة الرأى العام ضد المسلمين، وأرسل جنداً لمصادمة المثنى، وأرسل دعاته لإثارة أهل السواد، فثارت أهل السواد من أعلاه إلى أسفله بالمسلمين، لذلك قرر المثنى أن ينسحب بجيشه من الحيرة حتى لا يؤتى من خلفه! فانسحب منها ونزل خفان، وأقام فيها حتى قدم عليه أبو عبيد.
لبث أبو عبيد في خفان أياماً يستريح هو وأصحابه، فلما علم أن الفرس نزلوا النمارق، سار إليه بقوات المسلمين، وجعل المثنى على الخيل، فاقتتل الطرفان هناك قتالا شديدا، انهزم الفرس على أثره أمام المسلمين ووقع قائدهم جابان أسير.
والتقى المسلمون بالفرس في معركة السقاطية، فانتصر المسلمون بعد قتال شديد أيضاً، فأقام أبو عبيد بناحية كسكر، وسرح المثنى وغيره من القادة يغيرون على تلك النواحي ويخضعونها للمسلمين.
والتقى الطرفان في معركة الجالينوس، فانهزم الفرس أيضا فارتحل أبو عبيد وقدم المثنى حتى قدم الحيرة واستقر بها.
ولكن الفرس حشدوا جيشاً عظيما بقيادة بهمن جاذوية، فعبر إليه أبو عبيد بجيشه، وقبل نشوب القتال بين الطرفين عين أبو عبيد الأمراء الذين يتولون قيادة المسلمين من بعده إذا استشهد، وكان من بين الذين عينهم المثنى، فلما استشهد أبو عبيد واستشهد الذين تعاقبوا على اللواء حسب وصيته من بعده، تولى المثنى؛ وكانت معنويات الناس حينذاك قد انهارت، فارتد كثير منهم إلى الجسر يريدون النجاة بأنفسهم.
لم يكن المثنى يطمع حينذاك بأكثر من حماية انسحاب المسلمين حتى يقلل من خسائرهم، وبينما كان يفكر في خطة حكيمة لسحب المسلمين بأقل ما يمكن من خسائر، إذ أقدم عبد الله بن مرثد الثقفي على قطع الجسر هاتفا بأعلى صوته: “أيها الناس! موتوا على مامات عليه أمراؤكم، أو نظفر!” فضاعف هذا العمل الارتجالى مشاكل قيادة المثنى في هذا الموقف العصيب!
وخشي المثنى أن تعم الفوضى ويتفاقم الخطر، فوقف واللواء بيده ينادي: “يا أيها الناس! أنا دونكم، فاعبروا على هيئتكم ولا تدهشوا فإنا لن نزايل
حتى نراكم من ذلك الجانب، ولا تفرقوا أنفسكم” فعبر الناس والمثنى يقاتل دونهم ويحول هو ورجاله بين الفرس وبينهم، فأصابت المثنى وهو في موقفه ذاك ضربة رمح جرحته وأثبتت فيه حلقا من درعه.
و بعد عبور المسلمين، عبر المثنى آخر من عبر، وبذلك استطاع المثنى أن يخلص من الغرق والقتل من بقى من جند المسلمين، إذ عبروا إلى الجانب: الآخر والمثنى صامد دونهم لا يزعزعه شيء .. حتى الجرح البليغ الذي أصابه!! وانسحب المثنى بقواته إلى الحيرة، ثم إلى أليس جنوباً، ليفلت من مطاردة الفرس ..
٦- القائد العام ثانية:
ارفضّ عن المثنى أهل المدينة حتى لحقوا بالمدينة، وتركها بعضهم ونزلوا البوادي، وبقى المثنى في قلة، فأرسل يطلب المدد من عمر، وبعث إلى من يليه من القبائل العربية، فتوافوا إليه في جمع عظيم.
وتتابعت على المثنى الإمدادات من المدينة، فحشد المثنى جيش المسلمين في البويب، وفيها التقى المسلمون بجيش الفرس بقيادة مهران. و بعث مهران إلى المثنى يقول: “إما أن تعبروا إلينا، وإما أن نعبر إليكم” فقال المثنى: “اعبروا أنتم” فعبر مهران بجيشه.
وعبأ المثنى أصحابه، وكان الوقت رمضان، فأمرهم بالإفطار ليقووا على عدوهم، فأفطروا، وخرج على فرسه الشموس، وكان لا يركبه إلا لقتال، وطاف راكباً بين الصفوف: يحضهم ويحرضهم ويهزهم بأحسن ما فيهم، فكان يقف عليهم راية راية، ويقول: “إلى لأرجو ألا تؤتى العرب من قبلكم. والله ما يسرنى اليوم شيء لنفسى إلا وهو يسرنى لعامتكم”.
وقال المثنى: “إنى مكبر ثلاثاً، فهيئوا، ثم احملوا مع الرابعة ولكنه ما كاد يكبر التكبيرة الأولى حتى أعجل الفرس المسلمين وعاجلوهم وشدوا عليهم، فاختلت بعض صفوف المسلمين من بني عجل، فأرسل المثنى من يقول لهم: “إن الأمير يقرأ عليكم السلام، ويقول لكم: لا تفضحوا المسلمين اليوم!” فاعتدل بنو عجل وهاجموا مع المسلمين القوات الفارسية، واشتبك الطرفان في قتال مرير دام سجالاً بضع ساعات، ففكر المثنى بأن يحمل بنفسه على قائد الفرس فيزيله عن مكانه أو يقتله… فحمل على مهران حملة صادقة حتى دخل ميمنته. ورأى الفرس ما حدث، فاندفعوا لحماية قائدهم، وعندما انكشف الغبار رأى المسلمون تراجع قلب الفرس، فحملت ميمنة المسلمين وميسرتهم، فسارع الفرس إلى التراجع نحو النهر خوفاً من التطويق يريدون النجاة بأنفسهم… و حرض المثنى جنده قائلا: “عاداتكم في أمثالهم! انصروا الله ينصركم” ثم سابق المثنى الفرس المنسحبين إلى الجسر، فسبقهم إليه وقطعه، و بذلك قطع خط رجعتهم الوحيد وكبدهم خسائر تقدر كما قيل بمائة ألف قتيل، ولكن المثنى ترك في ساحة المعركة أخاه مسعود بن حارثة شهيداً، فقال المثنى: أيها الناس: “لا يرعكم مصرع أخي، فإن مصارع خياركم هكذا….” وترك في ساحة المعركة كثيرا من الشهداء.
وقال المثنى بعد المعركة: “قد قاتلت العرب والعجم في الجاهلية. والله لمائة من العجم في الجاهلية كانوا أشد على من ألف من العرب. والمائة اليوم من العرب أشد على من ألف من العجم. إن الله أذهب بأسهم ووهن كيدهم، فلا يروعنكم زهاء ترونه ولا سواد ولا قسى فج ولا نبال طوال، فإنهم إذا أعجلوا عنها أو فقدوها كالبهائم، أينما وجهتموها اتجهت”.
وذكر المثنى قطع الجسر على الفرس، مما أدى إلى إفناء جيشهم من جهة و ازدياد خسائر المسلمين بالأرواح من جهة أخرى، فقال منكرا صنيع نفسه معترفاً بخطئه: “لقد عجزت عجزة وقى الله شرها بمسابقتي إياهم إلى الجسر حتى أحرجتهم، فإنى غير عائد، فلا تعودوا ولا تقتدوا بي أيها الناس، فإنها كانت منى زلة: لا ينبغى إحراج أحد إلا من لا يقوى على امتناع”.
وهكذا بكل بساطة يعترف القائد المنتصر بخطئه بعد انتصاره العظيم. مباشرة في أول معركة حاسمة في العراق بين الفرس والمسلمين.
ووقف المثنى يؤبن الشهداء ومن بينهم أخوه مسعود بن حارثة الشيباني بعد الصلاة عليهم، فقال: “والله إنه ليهون على وجدي أن شهدوا البويب أقدموا وصبروا ولم يجزعوا ولم ينكلوا، وإن كان في الشهادة كفارة لتجوز الذنوب”.
وأمر المثنى رجاله بالاندفاع فى مطاردة الفرس، ففتحوا السواد كله حتى بلغوا ساباط، كما انطلق المثنى بدوره، فغزا الخنافس و الأنبار، وبلغ المسلمون على محور دجلة قرية بغداد ومدينة تكريت.
وأخذت فارس بعد هزيمتها، تعد جيشاً ضخماً لاستعادة العراق من المسلمين، خاصة بعد اجتماع كلمتهم على تولية كسری یزدجرد بن شهریار، فثار أهل السواد بالمسلمين، فلم يجد المثنى بدأ من الانسحاب ثانية إلى تخوم شبه الجزيرة العربية، فنزل بذى قار منتظرا الإمدادات التي كان قد طلبها من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.
الشهيد:
لم يطل انتظار المثنى بذى قار طويلا لقدوم سعد بن أبي وقاص الزهرى القائد العام الجديد للعراق، حتى نغر الجرح الذي كان أصابه في معركة الجسر، فمات شهيداً قبل وصول سعد وجيشه إلى أرض العراق وذلك في سنة أربع عشرة للهجرة، ولكنه ترك وصية عسكرية لسعد تعتبر عصارة تجاربه وخبرته في حرب الفرس، يذكر فيها لسعد: “ألا يقاتل عدوه وعدوهم من أهل فارس إذا استجمع أمرهم وماؤهم في عقر دارهم، وأن يقاتلهم على حدود أرضهم، على أدنى حجر من أرض العرب وأدنى مدرة من أرض العجم، فإن يظهر الله المسلمين فلهم ما وراءهم، وإن كانت الأخرى رجعوا إلى فئة يكونون أعلم بسبلهم وأجرأ على أرضهم إن يرد الله السكرة عليهم”.
فحمل هذه الوصية إلى سعد المعنّى بن حارثة الشيبانى أخو المثنى وسلمى زوج المثنى، فترحم سعد ومن معه على المثنى وجعل المعنى على عمله وأوصى بأهل بيته خيرا.
لقد كان سعد يتمنى أن يعاونه المثنى فى مهمته الصعبة، ولكن الأقدار حرمته من ذلك وحرمت المثنى من الاشتراك في القادسية وعندما حمى الوطيس واستكلب الموت على الأبطال في تلك المعركة الحاسمة، هتفت سلمى زوج المثنى – وكان سعد تزوجها بعد المثنى حين لم تجد المثنى يسوس الأجناد ويقود الجلاد، قائلة: “وامثناه! ولا مثنى اليوم للخيل”
شعره:
هذه نماذج من أشعار المثنى التي يتغنى فيها ببعض فتوحاته، وهي تدل على أن المثنى كرس كل شيء في حياته – حتى شعره – للجهاد، فهو بحق فارس الشعراء وشاعر الفرسان.
ولعل الكثير من شعره قد ضاع، فلم تصل إلينا إلا بعض أشعاره.
قال يذكر معركة النمارق:
غلبنا على خَفَّانَ بيداً مشيحة إلى
النخلات السمر فوق النمارق
وإنا لنرجو أن تجول خيولنا
بشاطى الفرات بالسيوف البوارق
وقال يذكر يوم الخنافس:
صبحنا بالخنافس جمع بكر
وحيّا من قضاعة غير ميل
بفتيان الوغى من كل حي
تبارى في الحوادث كل جيل
نسفنا سوقهم والخيل رود
من التطواف والشر البخيل
ولعلك تلمس معي، فى هذا الشعر، آمال القائد المنتصر في انتصار جديد، وتلمس فيه صولة الفرسان الشجعان الذين لا مثيل لهم في كل جيل، حتى أصبحت خيولهم وقد قطعت مسافات شاسعة وهي تحمل الفاتحين لا تقوى على السير إلا بصعوبة.
إنها صور شعرية رائعة، لا يقوى على الإتيان بمثلها إلا شاعر أصيل!
القائد:
يتضح لنا من دراسة أعمال المثنى العسكرية! أنه كان يمتلك موهبة إعطاء القرارات الصحيحة السريعة، وكان ذا إرادة قوية ثابتة، يتحمل المسؤولية الكاملة في أخطر الظروف والأحوال كما فعل في معركة الجسر، له نفسية لا تتبدل في حالتي النصر والهزيمة، يثق بقواته وتثق قواته به ثقة لا حدود لها ويحبهم ويحبونه حبا لا مزيد عليه، ذا شخصية قوية نافذة، فهو بحق كما يقول عنه عمر بن الخطاب: “مؤمر نفسه”، له قابلية بدنية فائقة تعينه على تحمل أعباء القتال، وله ماض ناصع مجيد. وكان شجاعاً إلى أقصى حدود الشجاعة، مقداماً إلى أقصى حدود الإقدام، فكان دائماً أول من يهجم وآخر من ينسحب، وكان خبيراً بمناطق العراق، جريئاً على الفرس، سريع الحركة، واسع الحيلة، وكان أول من اجترأ على الفرس بعد الإسلام وجرأ المسلمين عليهم: فقد أبلى في حروب العراق بلاء لم يبله أحد.
وعند تطبيق مبادىء الحرب على أعمال المثنى العسكرية، يتضح لنا أنه طبق أهم تلك المبادىء، فقد كان يطبق مبدأ اختيار المقصد وإدامته، متشبعاً بروح التعرض، يعمل بهمة وبدون كلل لإكمال تحشيد قواته قبل كل معركة يخوضها، كما يطبق مبدأ التعاون بين مختلف تشكيلات وصنوف جيشه ويعمل على إدامة معنويات قطعاته قبل المعركة وفي أثنائها وبعدها.
ولقد كان كثير الحركة أثناء المعركة، يتجول بنشاط لا يفتر بين أقسام جيشه ويقوم بنفسه نقاط الضعف التي يجدها ويسد الثغرات التي يعثر عليها، كما يبادر إلى توجيه القوات المناسبة إلى النقاط الضعيفة والثغرات التي يجدها بين صفوف عدوه.. إنه مثال القائد الذي يؤمن الاستطلاع الشخصي أثناء القتال.
وكان شديد الضبط مطيعا، ينفذ أوامر رؤسائه برحابة صدر، فقد عمل بكل إخلاص بأمرة خالد بن الوليد في عهد أبي بكر الصديق، وبأمرة أبي عبيد الثقفي في عهد الفاروق عمر، كما لم يتذمر من تعيين سعد بن أبي وقاص قائدا عاما في العراق، ولو عاش العمل بأمرة سعد أيضا غير مكترث أن يكون رئيسا أو مرؤوسا مادام هو لا يعمل لنفسه بل لإعلاء كلمة الله.
ما أشبه مزايا قيادة المثنى بمزايا قيادة خالد بن الوليد، تلك المزايا التي جعلت هذين القائدين العظيمين لا يخسران معركة في كل حياتهما العسكرية، بل كان النصر حليفهما في مختلف المعارك والحروب.
المثنى في التاريخ:
يذكر التاريخ للمثنى جهاده مع العلاء بن الحضرمي للمرتدين، مما أدى إلى إعادة سيطرة المسلمين على منطقة البحرين.
ويذكر له أنه كان أول مسلم هاجم الإمبراطورية الفارسية في عقر دارها، فحمل عن المسلمين عبئا لم يحمله غيره، فهو الذي جرأ العرب. على محاربة الفرس، وهو الذى رفع معنويات العرب وحطم معنويات الفرس، فكانت أعماله العسكرية فى العراق فاتحة لفتحه فيما بعد، وكانت معركة البويب تمهيدا لمعركة القادسية وإيذانا بانهيار الإمبراطورية الفارسية: وانتشار الإسلام في ربوع بلادها.
وأخيرا جاد بروحه في سبيل عقيدته، فمات شهيدا متأثرا بجروحه التي أصيب بها في معركة الجسر التي لولا قيادة المثنى في أعقابها لكان مصير المقاتلين فيها من المسلمين الفناء.
إن المثنى كان نمطا فريدا بين القادة في كل أدوار التاريخ، فهو بحق مفخرة من أكبر مفاخر العرب والمسلمين في كل مكان وبكل زمان.
رضى الله عن بطل الأبطال ورجل الرجال، القائد الإنسان المثنى ابن حارثة الشيباني.
(قادة فتح فارس، محمود خطاب شيت)






