فاتح قسا و دارا بجرد
«يا سارية بن زنيم الجبل .. الجبل …»
(عمر بن الخطاب)
إسلامه:
لا نعلم بالضبط متى أسلم سارية بن زنيم الكناني، والظاهر أنه أسلم متأخرا، لعدم ورود اسمه بين الصحابة الذين شهدوا بدرا أو أسلموا قبل فتح مكة المكرمة، كما لم يرد ذكره في غزوات النبي صلى الله عليه وسلم الأخرى.
لقد كان صحابيا جليلا ما في ذلك شك، إذ كانوا لا يومرون غير الصحابة – خاصة في عهد عمر بن الخطاب، وقد أصبح سارية قائدا لجيش من جيوش المسلمين في أيام عمر بن الخطاب؛ لهذا نال سارية شرف الصحبة ولم ينل شرف الجهاد تحت لواء الرسول القائد.
جهاده:
استنفد سارية كل جهوده في معارك الفتح وبرزت قابلياته الممتازة في تلك المعارك على قيادة الرجال، لذلك أسند إليه عمر بن الخطاب مهمة فتح قسا و دارا بجرد من أهم ولايات فارس.
وسار سارية بجيشه نحو هدفه حتى انتهى إلى موضع تحشد القوات الفارسية، وهناك حاضرهم طويلا، إلا أنهم استمدوا فأمدهم أكراد فارس، وتكاثر العدو على المسلمين، حتى أصبحت قوات العرب في خطر عظيم…. عند ذاك التجأ سارية بجيشه إلى جبل قريب جعله وراء قواته، فواجه الفرس من اتجاه واحد، وكانوا قبل ذلك يواجهونهم من اتجاهات عديدة واستقتل المسلمون، فاستطاعوا التغلب على عدوهم المتفوق عليهم. تفوقا ساحقا بالعدد والعدد – العدو الذي كان يقاتل في بلاده مدافعا عن منطقة يعرفها كل المعرفة من كافة الوجوه؛ وكانت نتيجة انتصار المسلمين على الفرس في هذه المعركة هي استسلام ولاية دارا بجرد كلها للغرب، فدخلوا مدنها وقراها الكثيرة فاتحين.
الإنسان:
كان سارية خليعا في الجاهلية، وكان لصا كثير الغارة، وكان يسبق الخيل عدوا على رجليه، فلما أسلم حسن إسلامه فأصبح نزيها مستقيما ورعا شهما غيوراً وفيا صادقا كريما مضيافا، والحق أن تأثير الإسلام على نفسيته كان مدهشا لدرجة أنه غيره إلى رجل آخر مثالي؛ لذلك فسارية مثال حي ملموس على تأثير الإسلام الحاسم في نفوس المؤمنين به وقد سكت التاريخ عن أيامه الاخيرة، فلا نعلم عنها شيئا: ماذا قدم للمسلمين من خدمات عامة بعد الفتح؟ و أين استقر، ومتى وأين توفي؟
القائد:
ليس من شك، في أن قيادة سارية الحكيمة انقذت قواته من فناء أكيد؛ فقد كانت قواته قليلة بالنسبة إلى سعة هدفه وكثرة قوات أعدائه ومما زاد في جسامة الأخطار المحيقة بجيشه، أن خطوط مواصلاته كانت بعيدة للغاية عن قواعد المسلمين الأمامية في الكوفة والبصرة، فكان إمداده بالرجال يحتاج إلى وقت طويل، لذلك لم يكن أمامه إلا أن يشاغل عدوه حتى تحين له الفرصة المناسبة للاشتباك به في معركة فاصلة؛ فلما حانت تلك الفرصة لم يضيعها سارية عبثا، بل اهتبلها للقضاء على عدوه القوي العنيد فما هو سر انتصاره على عدوه الذي كان يقاتل في عقر داره وله كافة المحسنات التي يتفوق بها على المسلمين؟
لقد كان سارية يتحلى بالشجاعة الشخصية النادرة وبالإقدام النادر الذي يتخطى بجرأة عجيبة كل ما يعترضه من عقبات. وكان قديرا على تفهم تأثير طبيعة ساحة المعركة على نتائج المعركة؛ أو بتعبير آخر، كانت له قابلية لاختيار الأرض المناسبة للمعركة المناسبة، فقد كان في المراء حين كان يحاصر عدوه، فلما تفوق هذا العدو على المسلمين بعدده وعدده كان لا بد السارية أن يختار موضعا دفاعيا مناسبا يساعده على الدفاع، فاختار الجبل وترك السهل وكان سريع القرار صحيحه، بعيد النظر لمتاحا للفرص المناسبة لا يضيعها أبدا، وكان ذا إرادة قوية وشخصية نافذة، له ماض مشرف مجید.
تلك هي مزايا قيادته التي أمنت له النصر العظيم.
سارية في التاريخ:
تتضح لنا من دراسة الخريطة بإمعان الأهمية السوقية الاستراتيجية البالغة لولاية دارا بجرد، فهي بالإضافة إلى كثرة مدنها وقراها ووفرة مياهها وخيراتها وازدحامها بالسكان – مما كان له أثر كبير على إدامة المجاهدين المسلمين بالمال والرجال، فإنها تقع في قلب البلاد الفارسية، ومنها تسهل السيطرة على الولايات الفارسية الشمالية والجنوبية، كما أنها تصلح لتكون قاعدة متقدمة ينطلق الفاتحون منها باتجاه الشرق … إلى الصين تلك هي بعض أهمية هذه المنطقة من الناحية العسكرية، فهل بإمكان التاريخ أن ينسى لفاتحها ما أسداه للفتح الإسلامي من أفضال؟
إن هذه المنطقة كان لها أثر كبير في الفتح الإسلامي الذي امتد شرقا حتى الصين، كما أن سكانها لا يزالون يدينون حتى اليوم بالاسلام. ترى! هل يذكرون فاتحها كما يذكره التاريخ؟!
رضي الله عن الصحابي الجليل، القائد الفاتح، سارية بن زنيم الكناني.
(قادة فتح فارس، محمود خطاب شيت)










