عثمان بن أبي العاص الثقفي

فاتح أرمينية الرابعة وجزيرة بركاوان وبلاد فارس
وأول من هاجم السند

«انه كيّس وقد أخذ من القرآن صدرا»
( محمد رسول الله ).

إسلامه:

أسلم أبو عبدالله عثمان بن أبي العاص بن بشر بن عبد بن دهمان الثقفي في رمضان من السنة التاسعة للهجرة، فقد قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من غزوة تبوك في رمضان وقدم عليه في ذلك الشهر وفد ثقيف، وكان عثمان أحد رجال وفد ثقيف المؤلف من ستة رجال، وقد ذكر أحد رجال الوفد: «أن بلال بن رباح الحبشي كان يأتينا – حين أسلمنا وصمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بقي من رمضان – بفطرتا وسحورنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم).
وقد وصف المغيرة بن شعبة الثقفي إسلام ثقيف قائلا: «فدخلوا الإسلام، فلا أعلم قوما من العرب بني أب ولا قبيلة كانوا أصح إسلاما ولا أبعد أن يوجد فيهم غش لله ولكتابه منهم).

ولما أسلم وفد ثقيف وكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابهم أمر عليهم عثمان بن أبي العاص – وكان من أحدثهم سنا، وذلك أنه كان أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلم القرآن، فقال أبو بكر الصديق للنبي صلى الله عليه وسلم: “يا رسول الله إني قد رأيت هذا الغلام منهم، من أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلم القرآن”.

كان عثمان أصغر الوفد سنا، فكانوا يخلفونه على رحالهم يتعاهدها لهم، فإذا رجعوا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وناموا وكانت الهاجرة، أتى عثمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم قبلهم سرا منهم وكتمهم ذلك وجعل يسأل رسول الله عن الدين ويستقرئه القرآن، فقرأ سورا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان اذا وجد النبي صلى الله عليه وسلم نائماً عمد إلى أبي بكر الصديق فسأله واستقرأه، وإلى أبي بن كعب فسأله واستقرأه، فأعجب به الرسول صلى الله عليه وسلم وأحبه وأمره على ثقيف لما رأى من حرصه على الإسلام، وقال الرسول عنه: أنه كيس وقد أخذ من القرآن صدرا، وولاه الطائف وأمر النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بتعليم قومه شرائع الإسلام، ومما أمره به: أن يصلي بهم، وأن يقتدي بأضعفهم – أي لا يطول عليهم إلا على قدر قوة أضعف من يصلي وراءه – وأمره أيضا أن يتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا.

ولم يزل عثمان على الطائف حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلافة أبي بكر وخلافة عمر بن الخطاب، حتى إذا أراد عمر أن يستعمل سموا له عثمان بن أبي العاص، فقال عمر: “ذاك أمير أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم على الطائف فلا أعزله” فقالوا: يا أمير المؤمنين! تأمره يستخلف على عمله من أحب وتستعين به، فكأنك لم تعزله! فقال عمر: “أما هذا فنعم”.

وارتدت العرب بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، فوقف عثمان في قومه موقفا حازما لا ينسى أبدا، فقد همت ثقيف أن ترتد،فقام عثمان عامل النبي عليهم فقال: « يا أبناء ثقيف! كنتم آخر من أسلم، فلا تكونوا أول من أرتد، وبذلك استطاع تثبيتهم على الإسلام بينما ارتدت كل قبيلة أما عامة أو خاصة إلا قريشا وثقيفا، وكان لعثمان أثر حاسم في ثبات ثقيف على الإسلام.

جهاده:
1 – قبل الفتح:

كانت قواعد المسلمين التي يستندون عليها في إمدادهم بالرجال والقضايا الإدارية لإدامة حرب الردة في زمن أبي بكر الصديق، ثلاثة مدن: المدينة ومكة والطائف، وكان عثمان مسؤولا عن إدارة قاعدة الطائف، فكان لمجهوده الذي بذله في إقرار أهلها على الإسلام أولا، وتقوية معنويات المسلمين الذين حولها ومعاونتهم ماديا ومعنويا في مكافحة المرتدين من قبائلهم والقبائل الأخرى ثانيا، وإمداد قادة المسلمين بالرجال والمواد لقتال المرتدين – حتى وصلت بعوثه إلى اليمن – ثالثا
أثر خالد على انتصار المسلمين على المرتدين واعادة الوحدة إلى ما كانت عليها في أواخر أيام النبي صلى الله عليه وسلم.
وبقي عثمان على عمله أميرا على الطائف في عهد أبي بكر كما أسلفنا، كما بقي على عمله هذا سنتين في خلافة عمر بن الخطاب، وكان المسلمون حينذاك يسيرون من نصر إلى نصر في العراق وفي بلاد الشام، وكان الخليفة بحاجة شديدة إلى رجال ذوي عقول وأحلام وكفاءة لقيادة الجيوش خارج شبه الجزيرة العربية، لذلك أشار عليه الناس باستعمال عثمان على البحرين، ليقوم بادارة تلك المنطقة الحيوية التي أصبحت القاعدة المتقدمة للفتح الإسلامي باتجاه ارض الفرس، وليتحمل قسطه من الفتح الإسلامي؛ ولكن عمر تحرج من عزل عثمان، فأشار عليه الناس أن يطلب إلى عثمان أن يستخلف هو على عمله بالطائف من أحب ويذهب إلى عمله الجديد، فاستخلف عثمان على الطائف أخاه الحكم بن أبي العاص، وفي رواية: أنه استخلف خالا له من ثقيف وأنه وجه أخاه الحكم إلى البحرين وسار هو إلى عثمان، وهذا ما نرجحه ، لأن الحكم فتح كثيرا من البلاد الفارسية، وابتدأ بالفتح بعد تولي أخيه عثمان عمان والبحرين، مما يدل على أن عثمان استصحب أخاه الحكم بعد مغادرته الطائف إلى منصبه الجديد مباشرة.

٢ – الفاتح:
فتح أرمينية الرابعة:
وجه عياض بن غنم الفهري عثمان إلى أرمينية الرابعة، وذلك في سنة تسع عشرة للهجرة، فكان عندها شيء من قتال أصيب فيه صفوان ابن المعطل السلمي شهيدا، ثم صالح عثمان أهلها على الجزية على كل أهل بيت دينار.

ب – فتح بلاد فارس:
بعد معركة نهاوند الحاسمة، ازداد الفرس اضطرابا. وازدادت معنوياتهم انهيارا؛ فقرر عمر بن الخطاب أن يتفلفل بقواته في سائر ولايات الفرس؛ لذلك عقد بنفسه ألوية عهد إلى أصحابها بالانسياح في أرض فارس كلها، فجعل لواء اصطخر إلى عثمان بن أبي العاص الثقفي، وجعل ألوية المناطق الأخرى إلى قادة آخرين فأرسل عثمان بعداً من الرجال إلى ساحل فارس فقاتلوا هناك، ويمكن اعتبار هذا البعث غزوة استطلاعية لها ما بعدها، إذ اندفع المسلمون من البحرين لغزو ولاية فارس، فركب عثمان السفن عابرا الخليج العربي إلى جزيرة بر كاوان ففتحها وتخطاها إلى أرض فارس، فسار بجنوده إلى مدينة توج الحصينة وحاصرها حصارا طويلا: حتى استسلمت للمسلمين.
وسار عثمان يريد اصطخر عاصمة إقليم فارس وأكبر مدينة فيه فالتقى الطرفان في ضواحي مدينة جور، وبعد قتال عنيف ارتدت القوات الفارسية إلى اصطخر، ففتح المسلمون جور ثم استسلمت اصطخر على الجزاء والذمة، وبعد المعركة خطب عثمان الناس قائلا: “إن الله إذا أراد بقوم كفهم ووفر أمانتهم فاحفظوها فإن أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، فإذا فقدتموها جدد لكم في كل يوم فقدان شيء من أموركم.

وسار أبو موسى الأشعري بأمر عمر بن الخطاب من البصرة وانضم إلى عثمان بن أبي العاص في هذه المرحلة من قتال الفرس، ففتح معه أرجان صلحا على الجزية والخراج، ثم فتحا شيراز صلحا وفتحا سينيز من إقليم أردشير وصالح عثمان مدينة فسا ومدينة سابور.

بل إن عثمان كان أول من حاول فتح السند من قادة المسلمين، ثم لم تزل السند تغزى إلى زمان زياد بن أبيه وإلى زمن الحجاج بن يوسف الثقفي الذي افتتح باقي السند.

الإنسان:

كان عثمان بن أبي العاص صحابيا جليلا من أهل الطائف من قبيلة ثقيف المشهورة بشجاعتها الفائقة، وكان من شخصيات ثقيف المرموقة في الجاهلية بدليل اختياره أحد ستة من وفد ثقيف الذي قدم على النبي صلى الله عليه وسلم ليعلن إسلام ثقيف.

وكان حصيفا ذكيا متزنا حريصا على تفهم الدين، مما جعله موضع ثقة النبي صلى الله عليه وسلم فولاه إمارة الطائف فبقي عليها في عهده وعهد أبي بكر وعهد عمر حتى سنة خمس عشرة للهجرة إذ نقله دون أن يعزله عن الطائف إلى البحرين وعمان وبقي أميراً عليهما حتى استشهد عمر ابن الخطاب فأقره عثمان على ولايته حتى سنة ثمان وعشرين للهجرة على الأقل؛ ثم سكن البصرة واستقر فيها حتى مات بها في خلافة معاوية بن أبي سفيان سنة خمس وخمسين وقيل سنة أحدى وخمسين، وقيل سنة خمسين. والظاهر أنه تعاون مع عثمان بن عفان في صدر خلافته، حتى إذا شعر أن الرياح تجري على غير ما يريد ترك عمله واعتكف في البصرة دون أن يعاون في إثارة الفتنة في أواخر أيام عثمان بن عفان أو يلوث يديه بدماء المسلمين في الفتنة الكبرى بين علي ومعاوية
وكان أحد الصحابة الرواة، روى تسعة وعشرين حديثا عن رسول الله صلى الله وسلم، كما كان فقيها في الدين ومن أصحاب الفتيا من الصحابة وكان إداريا قديرا أثبت كفاءة ممتازة في إدارة الطائف في أحرج الظروف، كما أثبت كفاءة ممتازة في إدارة عثمان والبحرين فسيطر عليهما سيطرة كاملة وسار بهما على الطريق السوي في عنفوان أيام الفتح الإسلامي، فهو بدون شك ذو عقل وقوام وكفاية.

ولم يذكر لنا التاريخ أنه أثرى على حساب الفتح أو من استغلال النفوذ، إذ كان ينفق أمواله على الفقراء والمحتاجين وفي الجهاد، كما كان كريما مضيافا وكان كثير التدين مؤمنا قوي الإيمان، آلفا مألوفا وفيا شهما. صادق القول والعمل على حد سواء.

إنه مثال العربي في مزاياه والمسلم في أخلاقه، لقد كان من خيار الصحابة، وإليه ينسب شط عثمان بالبصرة.

القائد:

كان عثمان سريع القرار صائبه نتيجة لذكائه وكفاءته وبعد نظره وترتيباته الإستطلاعية التي كان يتخذها دائما قبل خوض معاركه، لذلك انتصر في كل معركة خاضها: داخلية ضد المرتدين، وخارجية في الفتح الإسلامي.
وكان شجاعاً مقداماً، يثق بقواته وتثق قواته به، له شخصية نافذة وإرادة قوية، يتحمل مسؤوليته كاملة، يبادله رجاله حبا بحب وثقة بثقة، له ماض ناصع مجيد قبل الإسلام وبعده.

وكان يحرص على اختيار مقصده وإدامته، كما كان قائدا تعرضيا يطبق مبدأ المباغتة في حروبه، ويعمل على تحشيد قوته قبل البدء بالقتال، ويضع مبدأ الأمن نصب عينيه دائما حتى يحافظ على قواته سالمة و يديم معنوياتها قبل المعركة وأثناءها وبعدها.

عثمان في التاريخ:

يذكر التاريخ عثمان بإعجاب شديد: لعقيدته الراسخة ولفتوحاته. يذكره لعقيدته الراسخة التي جعلته يسارع إلى الإسلام قبل أصحابه في وفد ثقيف، ويحرص على استيعاب الدين الجديد قبلهم، ثم يقف صامدا أمام الذين أرادوا نبذ الإسلام من ثقيف بعد التحاق النبي صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى – مما أدى إلى بقاء قومه في الطائف مسلمين يدافعون عن الإسلام.
ويذكر فتوحاته الواسعة التي شملت اكثر بلاد فارس موطن الفرس الأصلي الذي انبعثوا منه إلى أرجاء العالم القديم ليكونوا أقوى إمبراطورية لا تزال آثار حضارتها باقية حتى اليوم.
لقد فتح بالإضافة إلى فارس أرمينية الرابعة، وكان أول من هاجم السند فكانت معاركه التمهيدية فيها إيذانا بفتحها فيما بعد ونشر الإسلام في ربوعها.

إن عثمان بن أبي العاص مفخرة من مفاخر التاريخ العربي الإسلامي رضي الله عن الصحابي الجليل، الإداري الحازم، القائد الفاتح، عثمان بن أبي العاص الثقفي.

(قادة فتح فارس، محمود خطاب شيت)

شارك هذا المقال:

مقالات مشابهة