من قادة النبي ﷺ: جَعْفَر بن أبي طالب القُرَشِيِّ الهاشمي أول سفير في الإسلام والقائد الشهيد 

نسبه وأيامه الأولى 

هو جعفر بن أبي طالب، واسم أبي طالب: بن عبد مناف بن عبد المُطَّلِب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصَيّ القُرَشِي الهَاشِمِي، وهو ابن عَم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخو عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه لأبويه، يكنى : أبا عبد الله بابنه عبد الله.

أمّه: فاطمة بنت  أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قُصَي. وكان جعفر الثالث من أولاد أبيه أبي طالب، وكان طالب أكبرهم سنّاً، ويليه عَقِيْل، ويلي عَقِيلاً جعفر ويلي جعفراً عَلِيٌّ، وكلّ واحد منهم أكبر من شقيقه بعشر سنين، وعلي أصغرهم سناً، وأمهم جميعاً : فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، وفاطمة أمهم أول هاشمية تزوجها هاشمي، وقد أسلمت وهاجرت إلى المدينة، وتُوفيت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ونزل عليه الصلاة والسّلام في قبرها، وكان يكرمها. 

أسلم جعفر قبل أن يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم بن أبي الأرقم يدعو إلى الإسلام فيها، وقد أسلم بعد إسلام شقيقه علي بن أبي طالب الله عنه بقليل، وروي أن أبا طالب رأى النبي صلى الله عليه وسلم وعليا رضي الله عنه يصَلِّيان، وعلي على يمينه فقال لجعفر : “صِلْ جناح ابن عمك، وصَلِّ على يساره”، وقيل : أسلم بعد واحد وثلاثين إنساناً، وكان هو الثاني والثلاثين رضي الله عنه.


لقد كان جعفر من السابقين الأولين إلى الإسلام. 

المهاجر السفير

  1 ــ لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء، قال لهم: “لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإنّ بها ملكاً لا يُظْلَم عنده أحد، وهي أرض صِدْقٍ، حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه”، وكان بالحبشة مَلِك صالح يقال له النجاشي، لا يُظْلَم أحد بأرضه، وكان يثنى عليه وفيه صلاح فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة، وكان ذلك في السنة الخامسة من النبوة، أي في السنة الثامنة قبل الهجرة، مخافة الفتنة وفراراً إلى الله بدينهم، فكانت هذه الهجرة أوّل هجرة في الإسلام. وهي الهجرة الأولى إلى أرض الحبشة.

وكما كان جعفر أحد السابقين الأولين إلى الإسلام، كان أحد المهاجرين الأولين إلى الحبشة، فقد هاجر إليها ومعه امرأته أسماء بنت عُمَيْس بن النعمان بن كعب بن مالك بن قُحَافَة بن خَثعَم الخَثعَمِيَّة،  فولدت له هناك : عبد الله، وعَوْناً، ومحمد. 

وبعث النبي صلى الله عليه وسلم كتاباً إلى النجاشي مع جعفر هذا نصه: 

بسم الله الرحمن الرحيم  من محمد رسول الله 

إلى النجاشي الأصحم ملك الحبشة:

“سلم أنت، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، الملك، القدوس السلام المؤمن، المُهَيْمِن، وأشهد أن عيسى ابن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريمَ البتُولِ الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى، فخلقه الله من روحه ونَفْخِهِ كما خلق آدم بيده ونَفْخِه. وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة له على طاعته، وأن تتبعني وتؤمن بالذي جاءني فإني رسول الله. 

وقد بعثتُ إليك ابن عمي جعفراً، ونفراً معه من المسلمين، فإذا جاءك، فأقرهم، ودَعْ التجبر ، فإني أدعوك وجنودك إلى الله، فقد بلغتُ ونصحت، فاقبلوا نصحي.  والسلام على من اتَّبَعَ الهُدَى”.

وقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمه جعفراً هذا الكتاب إلى النجاشي وقت هجرة جعفر إلى الحبشة طالباً من النجاشي العادل الاعتناء بحال اللاجئين الغرباء في بلاده من المسلمين وهم المهاجرون الأولون من المسلمين إلى أرض الحبشة، كما دعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام. 

وذكر العبارة: «… وقد بعثت إليك ابن عمي جعفراً ونفراً معه من المسلمين، فإذا جاءك، فأقْرِهِمْ…» ، لا يمكن أن تتعلق بالكتاب المرسل في السنة السادسة الهجرية مع عمرو بن أُميّة الضَّمْرِي، حيث كان قد مضى  خمس عشرة سنة على هجرة جعفر إلى الحبشة وكان على وشك الرجوع  إلى دار الإسلام.

والمصادر التي لم تذكر هذه العبارة في متن الكتاب النبوي متأخرة عن الطبري الذي ذكرها فليس ذكرها سهوا من الطبري، بل عدم ذكرها سهو من المتأخرين .

2 – ولما رأت قريش أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمنوا واطمأنوا بأرض الحبشة، وأنهم قد أصابوا بها داراً ،وقراراً، ائتمروا أن يبعثوا فيهم منهم رجلين من قريش جليدين إلى النجاشي فيردّهم عليهم، ليفتنوهم في دينهم، ويخرجونهم من دارهم التي اطمأنوا بها وأمنوا فيها، فبعثوا عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص بن وائل وجمعوا لهما الهدايا للنجاشي وبطارقته، ثم بعثوهما إليه فيهم، وأمروهما أن يدفعا إلى كلّ بطريق هديته قبل أن يُكلِّما النجاشي في المسلمين المهاجرين إلى أرض  الحبشة.  وخرجا حتى قدما على النجاشي، فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يُكلِّما النجاشي، وقالا لكل بطريق منهم: «إنه قد ضَوَى إلى بلد الملك منّا غِلْمَان سُفَهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينكم، وجاءوا بدين مُبْتَدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردّهم إليهم، فإذا كلّمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا، ولا يُكلِّمهم، فإنّ قومهم أعلى بهم عيناً وأعلم بما عابوا عليهم، فقالوا لهما: «نعم». 

وكان أمير المؤمنين على المهاجرين إلى الحبشة جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه. 

وقدم عمرو بن العاص وصاحبه هداياهما إلى النجاشي، فقبلها منهما، فكلماه في المسلمين الذين هاجروا إلى بلاده ليردّهم إلى قريش، فأرسل النجاشي إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما جاءوا، وقد دعا النجاشي أساقفته، فنشروا مصاحفهم حوله، فسألهم وقال لهم: «ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا ديني ولا دين أحد من هذه الملل؟»، فأجابه جعفر عن المسلمين المهاجرين فقال له:

«أيها الملك ! كنّا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة ونأتي الفواحش، وقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده، ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكفّ عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقَذْفِ المُحْصَنَةِ، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام – وعَدَّد عليه أمور الإسلام – فصدقناه وآمنا به واتَّبَعْناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده لم نُشرك به شيئاً، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحلّ لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك واخترناك على مَنْ سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا تُظْلَم عندك أيها الملك»،

فقال له النجاشي: «هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟»، فقرأ عليه صدراً من: (كهيعص)، فبكى النجاشي حتى اخْضَلَّت لحيته، وبكت أساقفته حتى أخْضَلُّوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم ثم قال النجاشي: إنّ هذا والذي جاء به عيسى لَيَخْرُج من مشكاة واحدة فلا والله لا أسلمهم إليكما، ولا يُكادون. 

ولما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص: والله لآتينه غداً عنهم بما أستأصل به خضراء هم”، فقال عبد الله بن أبي ربيعة، وكان أتقى الرَّجلين: “لا تفعل، فإنّ لهم أرحاماً، وإن كانوا قد خالفونا”، فقال: “والله لأخبرته أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد”.  وغدا على النجاشي من الغد، فقال: «أيها الملك! إنّهم يقولون في عيسى ابن مريم قولاً عظيماً، فأَرْسِل إليهم فَسَلْهُم عَمَّا يقولون فيه».

وأرسل النجاشي إلى المسلمين المهاجرين ليسألهم عن عيسى، فلما دخلوا عليه قال لهم: “ماذا تقولون في عيسى بن مريم؟» فقال جعفر: “نقول فيه الذي جاءنا به نبينا هو : عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول”، فضرب النجاشي بيده إلى الأرض، فأخذ منها عوداً، ثم قال: “والله ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العود. اذهبوا فأنتم الآمنون، مَنْ سبّكم غرم، ما أحبّ أن لي جبلاً من ذهب وأني آذيت رجلاً منكم .. ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لي بها»،

فخرجا عمرو بن العاص وصاحبه من عنده مقبوحين مردوداً عليهما ما جاءا به،  وأقام المسلمون في أرض الحبشة عند النجاشي في خير دار مع خير جار.  وهكذا أدى جعفر واجبه في الدفاع عن المسلمين المهاجرين إلى أرض الحبشة وفي شرح تعاليم الإسلام للنجاشي ورجاله، فنجح في إخفاق عمرو بن العاص وصاحبه في مهمته إلى أرض الحبشة، فعادا أدراجهما  خائبين. 

ولما هاجر النبي من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، وأذن للمسلمين بالهجرة إليها، وبدأ بوضع أسس المجتمع الإسلامي بالمؤاخاة، آخى بين جعفر ومُعَاذ بن جَبَل من بني سلمة الأنصار، وكان جعفر غائباً بالحبشة.  وأكثر الذين أرخوا لجعفر لم يذكروا هذه المؤاخاة بينه وبين مُعاذ بن جبل، فقد كانت المؤاخاة بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وقبل غزوة بدر الكبرى فلما كان يوم بدر نزلت آية الميراث وانقطعت المؤاخاة، وجعفر غائب يومئذ بأرض الحبشة. 

وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن أُمَيَّة الضَّمْرِي سفيراً إلى النجاشي يدعوه  إلى الإسلام سنة ست الهجرية، وكتب إلى النجاشي، فأسلم النجاشي، وأمره أن يزوجه أمْ حَبِيْبة بنت أبي سُفْيَان بن حَرْب ويرسلها ويرسل مَنْ عنده من المسلمين. 

فقد آمن النجاشي بالنبي صلى الله عليه وسلم، واتبعه وأسلم على يد جعفر بن أبي طالب، وأرسل إليه ابنه في ستين من الحبشة، فغرقوا في البحر، وبعث النجاشي بكسوة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأرسل النجاشي إلى النَّوَاتِي (الملاحين الذين يديرون السفن) فقال: «انظروا ما يحتاج فيه هؤلاء القوم من السفن؟»، فقالوا يحتاجون إلى سفينتين فجهزهم. 

وكلّم قوم النجاشي من الحبشة أسلموا في أن يبعث بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسَلِّموا عليه وقالوا نصاحب هؤلاء، فنجذف بهم في البحر، ونغنيهم، فأذن لهم، فشخصوا مع عمرو بن أمية، وأمر عليهم جعفر بن أبي طالب.

ويبدو أن النبي صلى الله عليه وسلم، أرسل عمرو بن أمية إلى النجاشي في أواخر سنة ست الهجرية، فعاد من سفارته في أوائل سنة الهجرية، لأن مهاجري الحبشة وعلى رأسهم جعفر، عادوا من أرض الحبشة إلى المدينة المنوّرة، في أعقاب غزوة خَيْبَر التي كانت في شهر محرم من سنة سبع الهجرية.

وقدم جعفر في جماعة من المسلمين من أرض الحبشة بإثر فتح خَيْبَر، فالتزمه رسول الله وقَبَّلَ ما بين عينيه واعتنقه، وقال: «والله صلى الله عليه وسلم ما أدري بأيهما أنا أَسَر! أبقدوم جعفر، أم بفتح خيبر» أو قال: «والله ما أدري أبقدوم جعفر أنا أُسَرّ وأفرح، أم بفتح خيبر». وأنزله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنب المسجد وقسم له من غنائم خيبر، واختط له إلى جنب  المسجد.

وهكذا كانت لجعفر هجرتان: هجرة إلى الحبشة، وهجرة إلى المدينة. وقد استقر في المدينة المنوّرة قاعدة المسلمين الرئيسة، بعد أن طال غيابه عن وطنه ردحاً طويلاً من الزمن استمر أكثر من أربع عشرة سنة في بلاد الحبشة، من السنة الثامنة قبل الهجرة إلى أوائل السنة السابعة الهجرية، كان خلالها المسؤول الأول عن المسلمين المهاجرين إلى أرض الحبشة، فأسلم على يديه النجاشي وغيره من الحبشة، كما أسلم غير النجاشي وغير الذين أسلموا على يدي جعفر من الأحباش على أيدي غيره من المسلمين المهاجرين.

ولا مجال للشك في إسلام النجاشي، ولا مجال للتشكيك  في إسلامه، ولا يقبل الشك في إسلامه ولا التشكيك فيه مسلم حق، لأن إسلام النجاشي ثابت، فقد صلّى عليه النبي صلاة الغائب حين بلغه موته، كما ثبت ذلك في صحيح البخاري ومسلم والنسائي وفي جميع مصادر الحديث الشريف والفقه الإسلامي لا تُصلّي صلاة الغائب إلا على المسلمين حسب، وكان اسم النجاشي الذي أسلم وصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الغائب: أَصْحَمَة. صلى

في سَرِيَة مُؤْتَة

بعث النبي الله عليه وسلم سرية مُؤتَة في جمادى الأولى من سنة ثمان الهجرية، وكان سبب بعث هذه السرية أن النبي الله بعث الحارث بن عُمَيْر الْأَزْدِي أحد بني لهب إلى ملك يُصْرَى بكتاب يدعوه فيه إلى الإسلام، فلما نزل مُؤْتَة عرض له شُرَحْبيل بن عمرو الغَسّاني فقتله، ولم يقتل لرسول الله صلى الله عليه وسلم رسول غيره، فاشتد ذلك عليه وندب النّاس فأسرعوا، وعسكروا خارج المدينة المنوّرة بالجُرْف، وهم ثلاثة آلاف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمير الناس زيد بن حارثة، فإن قتل فجعفر بن أبي طالب، فإن قتل فعبد الله بن رَوَاحَة، فإن قُتِل فَلْيَرْتَضِ المسلمون بينهم رجلاً، فيجعلوه عليهم». 

وعقد رسول الله ، لواء أبيض دفعه إلى زيد بن حارثة، وأوصاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتوا مقتل الحارث بن عُمَيْر، وأن يدعوا مَنْ هناك إلى الإسلام، فإن أجابوا وإلا استعانوا عليهم الله وقاتلوهم. وخرج عليه الصلاة والسّلام مشيّعاً لهم حتى بلغ ثَنِيَّة الوداع، فوقف وودعهم، فلما ساروا من معسكرهم نادى المسلمون: دفع الله عنكم، وردّكم صالحين غانمين. 

فقال عبد الله بن رواحة :

 لكنني  أسأل الـرحمــن مغفرة وضربة ذات فرع تقذف الـزبـدا

ولما فصل المسلمون من المدينة سمع العدو بمسيرهم، فجمعوا لهم، وقام فيهم شَرْحَبِيْل بن عمرو، فجمع أكثر من مائة ألف، وقدم الطلائع أمامه.  ونزل المسلمون (مُعَان) من أرض الشّام، وبلغ الناس أن هرقل قد نزل (مَآب) من أرض البَلْقَاء في مائة ألف من بَهْراء ووائل وبكر ولَحْم  وجُذام. 

وأقام المسلمون في مُعَان ليلتين لينظروا في أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتخبره الخبر …. ولكن عبد الله بن رواحة شجّع المسلمين على المُضِي قُدماً إلى هدفهم تنفيداً لأوامر النبي صلى الله عليه وسلم، فمضوا إلى  مؤتة. 

ولما وصل المسلمون إلى (مُؤْتَة)، وافاهم المشركون هناك، فجاءهم ما لا قبل لأحدٍ به من العَدَد والسلاح والكُراع والديباج والحرير والذهب، فالتقى المسلمون بالمشركين، وقاتل الأمراء يومئذ على أرجلهم .

وأخذ اللواء زيد بن حارثة، فقاتل، وقاتل معه المسلمون على صفوفهم، حتى قتل طعناً بالرماح  رحمه الله . 

وأخذ اللواء، جعفر بن أبي طالب فترجل عن فرس له شقراء، فعرقبها، فكانت أوّل فرس عُرْقِبَت في الإسلام، وقاتل حتى استشهد رضي الله عنه، ضربه رجل من الروم، فقطعه نصفين، فوجد في نصفيه بضعة وثلاثون جرحاً، ووجد فيما أقبل من بَدَن جعفر ما بين منكبيه تسعون ضربة بين طعنة برمح وضربة بسيف، وفي رواية أخرى اثنتان وسبعون ضربة بسيف وطعنة برمح.

وأخذ اللواء عبد الله بن رَوَاحة فقاتل حتى قتل رضي الله عنه، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد فسحب قوات المسلمين من ساحة المعركة وحمى بالساقة انسحابهم، وعاد بهم إلى المدينة. 

وهكذا مضى جعفر إلى ربِّه شهيداً، مقبلاً غير مدبر، يقاتل الرّوم وحلفاءهم من الغساسنة وهو يقول: 

يا حَبَّذا الجَنَّةُ واقترابُها طَيِّبَةً وبارداً شَرَابُهـا

والرُّوم روم قد دَنا عَذابُها كافرةً بَعِيدَةً أَنْسَابُهـا

عَلَيَّ إِذْ لَا قَيْتُهَا ضِرابها 

فأخذ جعفر اللواء بيمينه فَقُطِعَتْ، فأخذه بشماله فقطعت، فاحْتَضَنَه بِعَضُدَيه حتى قتل، فسقط مضرجاً بدمائه دون أن يسقط اللواء، فقد رفعه أحد المسلمين عالياً. 

وتلك شجاعة فذة، وبطولة نادرة، وإقدام لا يتكرر إلا قليلاً. 

الإنسان 

كانت سنّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه يوم أسلم إحدى عشرة سنة على أصح ما ورد من الأخبار في إسلامه، وقيل: ثلاث عشرة، وقيل: سبع سنين، والثابت إحدى عشرة سنة، لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث وهذه سُنُوه، فأقام معه بمكة ثلاث عشرة سنة، أي أن عليّاً كان في الرابعة والعشرين  فأقام  من عمره حين هاجر النبي صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة.

وكان جعفر أكبر من علي بن أبي طالب بعشر سنين. أي أن جعفراً كان في الرابعة والثلاثين من عمره حين هاجر النبي صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة إلى المدينة المنوّرة . 

وقد استشهد جعفر بمُؤْتَة من أرض الشام مقبلاً غير مدبر مجاهداً للروم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم في شهر جمادى الأولى من سنة ثمان الهجرية (629 م)، أي أنه استشهد وكان له من العمر اثنان وأربعون سنة.

وولد جعفر: عبد الله ومحمّداً وعَوْناً أمهم: أسماء بنت عُمَيْس الخَنْعَمية، ولما هاجر جعفر إلى أرض الحبشة حمل امرأته أسماء بنت عُميس، فولدت له هناك: عبد الله، ومحمّداً وعَوْناً.

 ثمّ وُلد للنجاشي بعدما ولدت أسماء بنت عُمَيْس ابنها عبد الله بأيام فأرسل إلى جعفر: «ما سمّيت ابنك؟»، قال: «عبد الله». فسمى النجاشي ابنه عبد الله، فأخذته أسماء وأرضعته حتى فطمته بلبن عبد الله بن جعفر ونزلت بذلك عندهم منزلة،  فكان مَنْ أسلم بالحبشة يأتي أسماء بَعْدُ، تخبُرُ خَبَرَهُم. فلما ركب جعفر بن أبي طالب أصحاب السفينتين، مُنْصَرَفهم من عند النجاشي، حمل معه أسماء بنت عُمَيْس وَوَلَده الذين ولدوا هناك: عبد الله، ومحمداً، وعَوْناً، حتى قدم بهم المدينة، فلم يزالوا بها حتى وجه النبي صلى الله عليه وسلم جعفراً إلى مؤتة، فمات بها شهيداً. 

ولجعفر ثلاثة أبناء من أسماء بنت عُمَيْس، انقرض عقب محمد من قبل ابنه القاسم، ولم يكن له غيره ولعَوْن عقب غير مشهور، وولد عبد الله بن جعفر وأولهم عليّ بن عبد الله بن جعفر، وفيه الكثرة والعدد وأمه زينب بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنه من فاطمة بنت رسول الله  صلى الله عليه وسلم. 

ولما استشهد حمزة بن عبد المطلب، خلف ابنة واحدة، فرآها علي بن أبي طالب تطوف حول الكعبة بين الرجال فأخذ بيدها وألقاها إلى فاطمة في هَوْدَجها. واختصم فيها عليّ بن أبي طالب، وجعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة حتى ارتفعت أصواتهم فأيقظوا النبي صلى الله عليه وسلم من نومه، فقال: «هَلُمّوا أَقْضِي بينكم فيها وفي غيرها»، فقال علي: «ابنة عمي، وأنا أخرجتها وأنا أحق بها وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها عندي»، وقال زيد: ابنة أخي، فقال في كل واحدٍ قولاً رضيه، فقضى بها لجعفر، وقال: «الخالة والدة»، فقام جعفر فحجل  حول النبي صلى الله عليه وسلم، دار عليه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما هذا؟»، قال: «شيء رأيتُ الحبشة يصنعونه بملوكهم.

وخالة بنت حمزة أسماء بنت عُميس، وأمّها سَلْمَى بنت عميس.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم لجعفر حين تنازع هو وعلي وزيد في ابنة حمزة: “أَشْبَهَ خَلْقُكَ خَلْقِي، وخُلْقُكَ خُلْقِي”، وفي رواية أخرى: «أَشْبَهْتَ خَلْقِي وخُلْقِي»، وفي رواية ثالثة: “إِنَّكَ شَبِيْهُ خَلْقِي وخُلْقِي”، فهو أحد المعدودين من المشتهين بالنبي صلى الله عليه وسلم.

وكان اسم ابنة حمزة رضي الله عنه: أُمَامَة، زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم سَلْمَة ابن أبي سَلْمَة، وكان يقول: “هل جزيت سَلْمَة؟»، يعني حين زوجه بنت حمزة بتزويجه إياه أمه أمّ سَلَمَة. 

وقد تزوّج أسماء بنت عُمَيْس بعد جعفر أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ثم تزوّجها عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه. 

ولما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل جعفر كما روت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، فقالت: «عرفنا في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم الحزن، ثم أمهل عليه الصلاة والسّلام آل جعفر ثلاثاً أن يأتيهم، ثم أتاهم فقال: «لا تبكوا على أخي بعد اليوم»، ثم قال: ائتوني ببني أخي»، فجيء بنا كأننا أفراخ، فقال: «ادعوا إليّ الحلاق»، فدعي، فحلق رؤوسنا، ثمّ قال: “اللهم اخلف جعفراً في أهله، وبارك لعبد الله في صفقة يمينه” ثلاث مرات، فجاءت أسماء وذكرت يتم أولادها، فقال: «العَيْلَة تخافين عليهم، وأنا وليهم في الدنيا والآخرة؟». 

وصلى النبي صلى الله عليه وسلم على جعفر، ودعا له، ثمّ قال: «استغفروا لأخيكم جعفر، فإنّه شهيد وقد دخل الجنة، وهو يطير فيها بجناحين من ياقوت حيث شاء من الجنّة». 

وذُكر عن عبد الله بن جعفر أنّه قال: «أنا أحْفَظُ حين دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمي، فنعى لها أبي، فأَنْظُرُ إليه، يمسح على رأسي، وعيناه تهرقان بالدموع، حتى تقطر لحْيَتُهُ، ثمّ قال: «اللَّهُمَّ إِنَّ جعفراً قدم إلي أحسن الثواب فاخلفه في ذريته بأحسن ما خلفت أحداً من عبادك في ذُرِّيَّته»، ثم قال: «يا أَسْماءُ ! أَلا أَسُرُّكِ؟» قالت: «بَلَى، بأبي أنت وأمي»، قال: «إن الله جعل لجعفر جناحين يطير بهما في الجنة»، قالت: «بأبي أنت وأُمِّي يا رسول الله، فأعلم الناسَ ذلك»، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذ بيدي حتى رَقِيَ المِنْبر، وأجلسني أمامه على الدرجة السفلى، والحُزْنُ يُعرَف عليه، فتكلّم، فقال: «إنّ المرء كثير بأخيه وابن عمه، ألا إن جعفراً قد استشهد، وقد جعل الله له جناحين يطير بهما في الجنّة»، ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل بيته، وأدخلني وأمر بطعام فصنع لأهلي، وأرسل إلى أخي، فتغدينا عنده والله غداءً طيباً مباركاً: عمدَتْ سَلْمَى خادمه إلى شعير، فطحنته، ثمّ نسفته فأنضَجَتْه، وأَدَمَتْهُ بزيت، وجعلت عليه فُلفلا، فتغديت أنا وأخي معه، فأقمنا ثلاثة أيام في بيته، ندور معه، كلما صار في بيت إحدى نسائه، ثم رجعنا إلى بيتنا”.

وفي صحيح البخاري أن عبد الله بن عمر بن الخطاب كان إذا سلّم على ابن جعفر قال: «السّلام عليك يا ابن ذي الجناحين”، لأنه قاتل في مؤتة فقطعت يداه والراية معه لم يُلقها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أبدله الله جناحين يطير بهما في الجنة. 

ولما نعى رسول الله صلى الله عليه وسلم جعفراً إلى زوجه أسماء بنت عُمَيْس، قامت وصاحت وجمعت النساء، فدخلت عليها فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم وهي تبكي وتقول: «واعماه!»، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “على مثل جعفر فَلْتَبْكِ البواكي”، ودخله من ذلك هم شديد ولما رجع عليه الصلاة والسلام إلى أهله قال: “لا تغفلوا آل جعفر، فإنهم قد شُغلوا”. فأعدوا لآل جعفر طعاماً، وأوصى أسماء زوج جعفر بقوله : «لا تقولي هُجْراً، ولا تضربي صدراً».

 وكان مما بُكِي به شهداء مُؤْتَة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قول  حسان بن ثابت: 

تَأَوَّبَنِي لَيْلٌ بِيَشْرِبَ أَعْسَرُ وَهَمٌ إِذا ما نَوَّمَ النَّاسُ مُسْهِرُ

لِذكِرى حَبِيْبِ هَيَّجَتْ لِيَ عَبْرَةٌ سَفُوحاً وأَسْبَابُ البُكَاءِ التَّذَكُرُ

 بَلَى إِنَّ فُقَدَانَ الحَبِيْبِ بَلِيَّةٌ وَكَمْ مِنْ كَرِيْمِ يُبْتَلَى ثُمَّ يَصْبِرُ

رَأَيْتُ خِيَارَ المُؤْمِنِينَ تَوَارَدُوا شَعُوبَ وَخَلْفَا بَعْدَهُم يَتَأَخَّرُ

فلا يُبْعِدَنَ اللهُ قَتْلَى تَتَابَعُوا بِمُؤْتَةِ مِنْهُمْ ذو الجناحَيْنِ جَعْفَرُ 

وَزَيْدٌ وَعَبْدُ اللَّهِ حِيْنَ تَتَابَعُوا جميعاً وأسبابُ المَنِيَّةِ تَخْطِر

غَداةَ مَضَوا بالمؤمنينَ يَقُوْدُهُمْ إلى المَوْتِ مَيْمُوْنُ النَّقِيْبَة أَزْهَرُ

أغر كضوء البدر من آل هاشم  أبِيّ إِذا سِيْمَ الظُّلامَةَ مِجْسَرُ

فَطَاعَنَ حتى مال غيرَ مُوَسَّدِ  بِمُعْتَرَك فيه قَناً مُتَكَسْرُ

فصار مع المُسْتَشْهَدينَ ثَوابُهُ جنَانٌ ومُلْتَفُ الحدائق أخْضَرُ

وكُنَّا نَرَى في جَعْفَرٍ من مُحَمَّدٍ وَفَاءً وأمْراً حازماً حينَ يَأْمُرُ

وما زال في الإسلام من آل هاشم دَعَائمُ عِزّ لا يَزُلْنَ ومَفْخَرُ

هُم جَبَلُ الإسلام والنَّاسِ حَوْلَهُمْ رِضَامُ إلى طَوْدِ يَرُوقُ وَيَبْهَرُ

بَهَالِيْلُ مِنْهُم جَعْفَرٌ وابنُ أُمِّهِ علي ومنهم أَحْمَدُ المُتَخَيَّرُ

وحَمْزَةُ والعَبَّاسُ مِنْهُمْ ومنهمُ عَقِيلٌ وماء العُوْدِ من حيثُ يُعْصَرُ

بِهِمْ تُفْرَجُ اللأَوَاهُ في كلِّ مَأْزِقٍ عَمَاس إذا ما ضاق بالنّاس مَصْدَرُ

هم أولياءُ اللَّهِ أَنْزَلَ حُكْمَهُ عليهم وفيهم ذا الكتاب المُطهَّرُ

وقال كعب بن مالك يرثي جعفر بن أبي طالب:

هَدَتِ العيون ودَمْعُ عَيْنَك يَهْمُلُ سَعًا كَمَا وَكَفَ الطَّبَابُ المُخْضِلُ 

في لَيْلَةٍ وَرَدَتْ عَلَيَّ هُمُومُها طَوْراً أَحْنُ وَتَارَةٌ أَتَمَلْمَلُ

وَاعْتَادَنِي حَزْنٌ فَبِتُ كَأَنَّني بِبَنَاتِ نَعْش والسَّمَاكُ مُوَكَّلُ

وكأنَّمَا بينَ الجَوانِحِ والحَشَا مما تأَوَّبَنِي شِهَابٌ مُدْخَلُ

وجداً على النَّفَرِ الذين تابعوا يوماً بمُؤْتَةَ أُسْندُوا لم يُنقلوا

صَلَّى الإله عليهم من فِتْيَةٍ وسَقَى عِظَامَهُمُ الغَمَامُ المُسْبِلُ

 صَبروا بمُؤْتَةَ للاله نفوسَهُمْ حَذَرَ الرَّدَى وَمَخَافَةٌ أَنْ يَنْكُلُوا

فَمَضَوْا أَمَامَ المسلمين كأنهم فَنَقٌ عليْهِنَّ الحَدِيدُ المُرْفَلُ

 إذْ يَهْتَدونَ بجعفر ولـــوائِهِ قُدَّامَ أَوَّلهم فَنِعْمَ الأَوَّل

حتى تفَرَّجَتِ الصُّفوف وجعفر حيث التقى وَعْثَ الصُّفوف مُجَدَّل

فَتَغَيَّرَ القَمَرُ المنيرُ لفَقْدِه والشَّمْسُ قد كُسِفَتْ وكادَتْ تَأْفُلُ

قَرْمٌ عَلَا بُنْيَانُهُ من هاشم فَرْعاً أَشَمَّ وسُؤْدَداً مَا يُنْقَلُ 

قَوْمٌ بهمْ عَصَمَ الإِلهُ عِبَادَهُ وعليهم نَزَلَ الكتابُ المُنْزَلُ

فَضَلُوا المُعَاشِرَ عِزَّةٌ وتَكَرُّماً وتَغَمَّدَتْ أَحْلَامُهُمْ مَنْ يَجْهَلُ

لا يُطْلِقُوْنَ إِلى السَّفَاهِ حُبَاهُمُ وتَرى خَطِيبَهُمْ بِحَقِّ يَفْصِلُ

بِيضُ الوجوه تَرى بُطُونَ أَكُفِّهِمْ تَنْدَى إذا اعْتَذَرَ الزَّمانُ المُمْحِلُ

وبِهَدْيِهِمْ رَضِيَ الإِلهُ لخَلْقِهِ وبِحَدِّهم نُصِرَ النَّبِيُّ المُرْسَلُ

 وقال حسان بن ثابت يبكي جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه: 

ولقد بَكَيْتُ وعَزَّ مَهْلِكُ جَعْفَرٍ حبُّ النبـي علـى البــريــة كُلّهـا

ولقد جزِعْتُ وقلتُ حين نُعِيْتَ لي مَنْ للجلادِ لَدَى العُقَابِ وَظِلُّها

بالبيض حين تُسَلُّ من أغمادها ضَرْباً وَإِنْهَـالِ الرِّماحِ وَعَلَّها

بعد ابن فاطمة المبارك جَعْفَر خيرِ البَرِيَّة كلها وأجلها

رزءاً وأكرمها جميعاً مَحْتِـداً وأعزها مُتَظَلماً وأذلها

للحق حيـــن يـنــوبُ غيرَ تَنَخُلِ كذِباً وأنـداهـا يداً وأقلها

فُحْشاً وأكثرها إذا ما يُجْتَدى فَضْلاً وأنداها يداً وأبلها

بالعُرْفِ غيرَ مُحَمَّدٍ لَا مِثْلُهُ حَيٌّ مِن أحياء البَرِيَّةِ كلها

 والشعر في رثائه كثير، اكتفينا بجزء منه. 

لقد كانت لجعفر مواقف مشهورة ومقامات محمودة وأجوبة سديدة وأحوال رشيدة، وقال فيه أبو هريرة: «ما احتذى النعال ولا انتعل، ولا ركب المطايا ولا لبس الثياب من رجل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من جعفر بن أبي طالب”، وكأنه إنما يفضّله في الكرم، فأما  في  الفضيلة الدينية، فمعلوم أنّ الصديق والفاروق بل وعثمان بن عفان أفضل منه. وأما أخوه علي بن أبي طالب فالظاهر أنّهما متكافئان أو عليّ أفضل منه، وإنما أراد أبو هريرة تفضيله بالكرم، بدليل ما رواه البخاري عن أبي هريرة: “كان خير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب، وكان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته، حتى إن كان ليخرج إلينا العُكَّة التي ليس فيها شيء، فنشقها، فنلعق ما فيها” تفرد به البخاري، فهو الجواد أبو الجواد بحق .

وكان أبو هريرة كما روى البغوي يقول: كان جعفر يحب المساكين ويجلس إليهم ويخدمهم ويخدمونه (يحدثهم ويحدثونه)، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكنيه: “أبا المساكين». 

ولما عاد جعفر من أرض الحبشة مهاجراً إلى المدينة، وقدم مع المسلمين في السفينتين على رسول الله صلى الله عليه وسلم في خَيْبَر، أسهم لهم من غنائم خيبر ولم يسهم لمن لم يحضرها غير أهل السفينتين، فكانت حصة جعفر خمسين وسقاً من تمر في كل سنة. 

وقد ورد ذكر جعفر في (المختصر)، وفي مواضع من (المهذب)، منها: باب التكبير في العيد والتعزية، والشّرط في الطلاق، والحضانة.

روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وروى عنه ابنه عبد الله وبعض أهله وأمّ سَلَمَة وعمرو بن العاص وابن مسعود وروى له النسائي في اليوم والليلة حديثاً واحدا من رواية ابنه عبد الله عنه في كلمات الفرح والمحفوظ عن عبد الله بن جعفر عن علي بن أبي طالب. 

وكان عبد الله بن جعفر يقول: ما سألت عليّاً فامتنع، فقلت له:  بحق جعفر، إلا أعطاني. 

وكان علي بن أبي طالب يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم يكن قبلي نبي إلا قد أعطي سبعة رفقاء نجباء وزراء، وإني أعطيت أربعة عشرة، وعدد أسماءهم ومنهم جعفر وكان أحد حواري رسول الله وهم أبو بكر، وعمر، وعلي، وحمزة، وجعفر، وأبو عُبَيْدَة بن الجراح، وعثمان بن عفان، وعثمان بن مَطْعُون، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عُبَيْد الله، والزبير بن العوام رضي الله عنهم، وقيل : الزبير بن العوام وحده  حواري رسول الله. 

وصدقت زوجه أسماء بنت عُمَيْس حيث وصفته بعد موته قائلة: 

“ما رأيتُ شاباً من العرب كان خيراً من جعفر، ولا رأيت كهلاً خيراً  من  أبي بكر».
 وصدقت في رثائه حين قالت: 

فاليت لا تَنْفَتُ نفسي حزينة عليك ولا ينفك جلدي أغبرا

فللّه عَيْناً مَن رأى مثله فتى أكر وأحمـى فـي الهياج وأصبر

ومناقب جعفر كثيرة مشهورة. 

القائد 

عاد جعفر إلى المدينة المنوّرة مهاجراً إليها من هجرته إلى أرض الحبشة في أعقاب غزوة خَيْبَر التي كانت في شهر محرم من سنة سبع الهجرية، كما ذكرنا من قبل. 

وكانت غزوة مؤتة في شهر جمادى الأولى من السنة الثامنة الهجرية،  فمكث مع النبي صلى الله عليه وسلم سنة وثلاثة أشهر لم يكن فيها من الأحداث المهمة غير عُمْرَة القضاء التي كانت في شهر ذي القعدة من السنة السابعة الهجرية التي شهدها النبي صلى الله عليه وسلم وغير بعض السرايا التي قادها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

ثم جاءت سرية مؤتة وهي من أهمّ سرايا النبي صلى الله عليه وسلم، لأنها كانت على الرُّوم في أرض الشام وحلفائهم من العرب الغساسنة النصارى وحلفاء الغساسنة من العرب النصارى والمشركين فكانت أول سرية تتعرض بالدولة البيزنطية وهي أكبر دولتين في العالم حينذاك: الرّوم والفرس، كما كانت أوّل سريّة تنهض بتعرّض خارجي على نطاق دولي لا على نطاق محلي قبلي، لذلك احتفل النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الغزوة، وحشد لها ثلاثة آلاف مجاهد من المسلمين ووَلّى قيادتها أكفأ قادته زيد بن حارثة الكلبي، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة . 

وبالرغم من قصر المدة التي بقي فيها جعفر إلى جانب النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنه شارك في سرية مُؤْتَة قائداً، فخاض معركة مهمة جداً من معارك المسلمين على الرّوم وحلفائهم، وهي المعركة التمهيدية الحقيقية لفتح بلاد الشام التي حملت المسلمين على تأسيس أوّل ركن لدولة الإسلام خارج شبه الجزيرة العربية على شواطىء البحر الأبيض المتوسط الشرقية.

ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم إلى جانب تبليغه الدعوة الإسلامية إلى قادة العالم في وقته، كان قائداً ماهراً يقظاً لا يغض الطرف عن أي مظهر عدواني قد يحط من شأن دعوته أو يعمل على النيل منها، فلم يقف ساكتاً إزاء استشهاد رسوله الذي بعثه إلى أمير الغساسنة في بُصْرَى فأرسل سرية مؤتة للأخذ بثأر رسوله الشهيد وهناك عند مُؤْتَة على حدود البلقاء إلى الشرق من الطرف الجنوبي للبحر الميت، التقى المسلمون بقوّات الرُّوم. 

ومهما تكن الخاتمة التي لقيتها سرية مُؤتَة فإن نتائجها وآثارها كانت بعيدة المدى، فبينما رأى الرّوم تلك السرية (غارة) من الغارات التي اعتاد البدو شنّها للنهب والسلب، كانت تلك السرية في الواقع ومعركتها من نوع جديد لم تقدر دولة الرُّوم أهميتها فهي حرب منظمة كانت لها مهمة خاصة، جعلت المسلمين يتطلعون جديّاً لفتح أرض الشام. 

وفي العام التالي أي في السنة التاسعة الهجرية (630 م)، قاد النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه غزوة تبوك، فأظهر قوة المسلمين، وعاد إلى المدينة  منتصراً.  لقد قدر الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام بعمق ودقة أهمية سرية مُؤتة وأهمية المعركة التي تخوضها وخطورتها على حاضر المسلمين ومستقبلهم، لذلك جعل على تلك السرية ثلاثة قادة من أبرز قادته وألمعهم، إذا سقط الأول شهيداً، تولى القيادة الثاني، فإذا استُشهد الثاني تولاها الثالث، فإذا استُشهد اصطلح المسلمون على قائد يختارونه.

وما ولى النبي قبل سرية مؤتة ولا ولّى بعدها ثلاثة قادة أو قائدين على سرية واحدة، ولكن بُعْدَ نظره عليه الصّلاة والسّلام وتقديره لأهمية هذه السرية وخطورتها هو الذي جعله يولي ثلاثة قادة على سرية واحدة، مرة واحدة فقط في حياته العسكرية كلها، وقد صدقت الأحداث ما توقعه فانهزمت السرية تعبوياً ولكنّها انتصرت سَوْقياً، وأثرت في معنويات الروم تأثيراً عظيماً.

والهزيمة التعبوية لا تُعَدُّ شيئاً بالنسبة للانتصار السَّوْقي كما هو معلوم.

وتولية جعفر القيادة في سرية مُؤْتَة على أهميتها وخطورتها دليل على كفايته القيادية وأنّه قائد من طراز فريد. 

وليس من الصعب اكتشاف سمات جعفر القيادية، فقد كان من أولئك القادة ذوي العقيدة الراسخة، الذين يضحون أرواحهم من أجل عقيدتهم، ويعتبرون الشهادة فوزاً عظيماً.  وحين رفع اللواء جعفر بعد استشهاد سلفه زيد بن حارثة، كان يعلم بالتأكيد أنه يسلك طريق الشهادة فأقبل على مصيره المرتقب مُقبلاً غير مدبر بإصرار وعناد واستقتال وهذا دليل على شجاعته النادرة التي لا تتكرّر إلا في المجاهدين الصادقين المحتسبين من ذوي العقيدة الراسخة والإيمان  العميق . 

وكان يتمتع بعقل سديد ومنطق صائب وذكاء وقاد، مما يؤدي إلى أن  تكون قراراته سريعة صحيحة.  وكان ذا إرادة قوية ثابتة يتحمّل المسؤوليّة ويحبّها ولا يتهرب منها أو يلقيها على عواتق الآخرين.  وكان ذا نفسية لا تتبدل في حالتي النصر والاندحار ثابتة على الخطوب والأحداث، والإيمان بالقضاء والقدر يقوي هذا الاتجاه.

وكان يعرف نفسيات رجاله وقابلياتهم ويكلف كل فرد منهم ما يستطيع أن يؤديه بكفاية وإتقان . 

وكان يثق برجاله ويثقون به وكان موضع ثقة النبي صلى الله عليه وسلم وثقة أصحابه الكاملة، وكان يحبّ رجاله ويحبونه ويعتمد عليهم ويعتمدون عليه .

وكان ذا شخصية قوية نافذة يضبط رجاله ويسيطر عليهم، ويتحلّى بالطاعة التي هي الضبط المتين في أجلى مظاهره. 

وكان ذا ماض ناصع مجيد نسباً وفي خدمة الدين الحنيف. 

وكان غارقاً بمبادىء الحرب: يختار مقصده ويديمه، يتخذ مبدأ التعرّض سبيلاً لمعركته يحشد قوته ويقتصد بمجهوده، ويطبق مبدأ الأمن على قوته ويديم معنوياتها ويرعى قضاياها الإدارية.

ولم يطبق مبدأ المباغتة في هذه السرية، فقد كان من الصعب إخفاء حركتها في تلك الظروف التي كان العدو يتوقع أن يهاجمهم المسلمون بعد مقتل رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أمير الغساسنة، إذ من الصعب السكوت عن قتله أو إهماله، وهو رسول من رُسل الدعوة والرُّسل لا تُقْتل أبداً، بل تُكرّم بموجب العُزف السائد حينذاك حتى بين القبائل العربية التي تسكن الصحراء البعيدة عن معالم الحضارة . 

لقد كان قائداً متميزاً، وحسبه أن يكون من خريجي مدرسة الرسول القائد العظيمة عليه الصّلاة والسّلام في القيادة والعقيدة. 

السفير

 كانت مزايا جعفر سفيراً واضحة المعالم أهلته للنهوض بواجبه في تبليغ رسالة النبي صلى الله عليه وسلم للنجاشي ملك الحبشة على أحسن وجه، وأهلته للنهوض بواجب الدعوة إلى الله في أرض الحبشة فآمن على يديه النجاشي وكثير من بني قومه، وأهلته للدفاع عن المسلمين المهاجرين إلى أرض الحبشة تجاه مكايد سفيري مشركي قريش اللذين كانا أثيرين لدى النجاشي ولدى المقربين إليه من رجال الدين والسُّلطة ولديهما الهدايا والمال الذي  يغرون به النجاشي ورجاله المقرّبين، بينما لم يكن لدى جعفر ما يتقرب به من الهدايا والمال للنجاشي وغيره من أصحاب السلطان، وكان يعاني الفقر والعوز والحرمان. 

كما أهّلته تلك المزايا لقيادة المسلمين المهاجرين الذين قدموا معه أرض الحبشة من مكة وقيادة المسلمين الجُدد من الأحباش الذين اعتنقوا الإسلام على يديه وعلى أيدي إخوانه المهاجرين الآخرين، فقد كان جعفر أمير المؤمنين على المسلمين المهاجرين إلى الحبشة وعلى المسلمين في أرض الحبشة كافة مادام مهاجراً في أرض الحبشة حتى التحق بالنبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة المنوّرة، فكان جعفر نِعْمَ السفير القوي الأمين، ونِعْمَ الداعية الحصيف الحكيم، ونعم المدافع الجريء البليغ، ونعم القائد الحازم المقتدر .

أوّل هذه المزايا الانتماء والإيمان فقد كان انتماؤه للإسلام حاسماً جازماً، وكان من الذين سارعوا إلى اعتناق هذا الدين، فكان من السابقين الأولين، ولعلّ الدليل القاطع على إيمانه العميق هجرته إلى أرض الحبشة، مخلّفاً أهله وماله وبلده من أجل عقيدته، وصبره الجميل على الغربة سنين طويلة في ظروف معاشية قاسية أو غير مريحة على أقل تقدير. وانتماؤه وإيمانه، هو الذي حفّزه لرعاية إخوانه في الدين، فكانت رعايته لهم لا تقل في حال من الأحوال عن رعاية أهله وزوجه وبنيه، وأدى إلى الانسجام معهم في حياتهم الجديدة انسجاماً خفّف عليهم معضلات الغُربة في ديار الغُربة، ذلك لأنّ الثقة الكاملة كانت متبادلة بين جعفر والمسلمين المهاجرين، وبين المسلمين المهاجرين وجعفر، فكان بحق الأب والأخ والقائد والأمير للمسلمين المهاجرين وللمسلمين غير المهاجرين من الأحباش أيضاً. 

كما أن الانتماء المطلق للإسلام والعقيدة الراسخة بتعاليمه، أشاع الانسجام الفكري بين المجتمع أفراداً وجماعات وهذا يؤدي إلى التعاون  المثمر بغير حدود . 

وكان جعفر يتميز بالفصاحة، فهو رجل من قريش أفصح العرب، ومن بني هاشم أفصح قريش، وعرضه قضية المسلمين المهاجرين أمام النجاشي وبحضور عمرو بن العاص وصاحبه خير دليل على فصاحته المتميزة ومنطقه الواضح السليم. 

لقد كان أسلوبه البياني ذلك السهل الممتنع، الذي لا يشق فهمه على أحد، ولكن يشق الإتيان بمثله على كل أحد إلا نادراً. 

وكان عالماً في الدين، يحفظ ما نزل من القرآن الكريم، ويتلوه على أسماع الآخرين دليلاً على شرح الإسلام وجواباً على اعتراض المعترضين  وتساؤل المتسائلين . 

وكان على جانب عظيم من حسن الخُلُق، فقد كان أخير الناس للمسكين، وما احتذى النعال ولا ركب المطايا ولا ركب الكور بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من جعفر، وقال عليه الصلاة والسلام: «أما أنت يا جعفر، فأشبهت خَلقي وخُلقي»، وحسبه بذلك دليلاً على أنه كان على  خُلق عظيم .

 ولا شيء كالخُلق الكريم يؤدي إلى نجاح السفير في سفارته، لأنه يستقطب القلوب حوله، ويشد الناس إليه، ويجعله موضع ثقتهم، فيحقق ما يصبو  إليه من  أهداف دون عناء.

لقد كان جعفر ومَنْ معه من المسلمين المهاجرين إلى أرض الحبشة  لاجئين، فلما تأكد النجاشي أنّهم على حق، وأنّهم أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله بسط حمايته عليهم ومنعهم من أعدائهم مشركي قريش، وبالتدريج تطوّر حال جعفر من حال إلى حال، حتى أصبح النجاشي رجلاً من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم، وانتهى الأمر بالمسلمين المهاجرين أن عادوا إلى وطنهم مكرّمين معززين برعاية النجاشي الكاملة وحمايته ولم يكن هذا التطور من حسن إلى أحسن إلا ثمرة من ثمرات الخُلق الكريم لجعفر بخاصة وللمسلمين المهاجرين بعامة . 

وكان جعفر يتميّز بالصبر والحكمة، وقد برز صبره الجميل في تحمّل أخطار الهجرة من مكة إلى أرض الحبشة والتسلل من مجتمع مشركي قريش الذين كانوا يناصبون أشدّ العداء للإسلام والمسلمين، ويحرصون على بقاء المسلمين في مكة، ليتصرّف كلّ مشرك بما يشاء حين يشاء في إلحاق الأذى بالمسلمين القادرين على إلحاق الأذى بهم والذين لا يقدرون على الدفاع عن أنفسهم، وحتى لا ينجو المسلمون من أذى مشركي قريش ورقابتهم. وكان مشركو قريش يطاردون المسلمين المهاجرين، ويمنعونهم بشتى الوسائل من الهجرة والذين يلقون القبض عليهم من المسلمين  المهاجرين لا يفلتون من العقاب الصارم .

 وبرز صبره الجميل في غربته الطويلة التي امتدت أكثر من أربع عشرة سنة، بعيداً عن أهله وقومه ووطنه .  كما برز صبره الجميل في مصاولة سفيري المشركين من قريش: عمرو بن العاص وصاحبه ومصاولة أشياعهما الأحباش المقربين من النجاشي، والذين كان هواهم مع المشركين على المسلمين.  لقد كان في محنة طاحنة متصلة تغلب عليها بالصبر الجميل،  واجتازها بنجاح يدعو إلى الإعجاب، ولكن بعناء شديد. 

أما حكمته فتتجلى في مناقشة عمرو بن العاص وصاحبه بحضور النجاشي ورجالاته، وعمرو من دهاة العرب المعدودين، وقد ضمن بهداياه وأمواله حاشية النجاشي إلى جانبه ولكن حكمة جعفر ومنطقه الشديد، فوت الفرصة على عمرو وصاحبه وجعل كيدهما ومَنْ معهما من حاشية النجاشي هباءً تذروه الرياح فحاق المكر السيىء بأهله، وانتصر الحق  على الباطل، وجاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقاً. 

ولم يكن موقف جعفر في مناقشته الرائعة سهلاً على كل حال . وكان جعفر ألمعي الذكاء، لذلك كان واسع الحيلة، وطالما صادفته المشاكل والعراقيل منذ هاجر إلى الحبشة إلى أن هاجر إلى المدينة، ولكنه كان يجد لمشاكله ومعضلاته حلاً مناسباً ومخرجاً ملائماً .  وكان يتحلى برواء المظهر، فكان يملأ الأعين قذراً وجلالاً، وقد قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «أَشْبَهَ خَلْقُكَ خَلْقِي، وخُلْقُكَ خُلْقِي»، وفي رواية أخرى:”أَشْبَهْتَ خَلْقِي وخُلْقِي”، وفي رواية ثالثة: “إِنَّكَ شَبِيْهُ خَلْقِي وخُلْقِي”، فهو أحد المعدودين من المشبهين بالنبي صلى الله عليه وسلم ومن المعروف أن النبي الله لو كان متميزاً برواء مظهره، لا اختلاف في  ذلك . 

وما أصدق وصف زوجه أسماء بنت عُمَيْس له حين قالت: “ما رأيت شاباً من العرب كان خيراً من جعفر”، وقد قالت ما قالت بعد استشهاده، وبعد أن تزوّجت غيره وكانت في عصمة زوجها الجديد. 

لقد كان جعفر يتحلّى بمزايا السفير النبوي: الانتماء المطلق والإيمان العميق والفصاحة العالية والعلم المتين وحسن الخلق، والصبر الجميل  والحكمة النادرة وسعة الحيلة التي تستسهل الصعب وتحل المعضلات  ورواء المظهر الذي يخلب العقول والقلوب معاً. 

لذلك نجح في مهمته سفيراً نجاحاً باهراً، كما نجح في مهماته  الأخرى التي لا تقل أهمية عن سفارته.

جعفر في التاريخ

 يذكر التاريخ لجعفر، أنه كان من السابقين الأولين إلى الإسلام، وأنه أسلم قبل أن يدخل الرسول صلى الله عليه وسلم دار الأرقم بن أبي الأرقم.  ويذكر له أنه هاجر الهجرتين من مكة إلى أرض الحبشة، من  الهجرة الأولى، وإلى المدينة من أرض الحبشة . 

ويذكر له أنّه كان من أوائل المهاجرين إلى أرض الحبشة، ومن  أواخر مَنْ عاد منها إلى المدينة من المهاجرين.

ويذكر له أنّه كان أمير المؤمنين لمهاجري الحبشة منذ هجرته إليها  من مكة إلى عودته منها إلى المدينة . 

ويذكر له، أنه كان أوّل سفير نبوي في الإسلام، وأنه أوّل مَنْ حمل  رسالة من رسائل النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملوك العصر وحكامه . 

ويذكر له أن النجاشي ملك الحبشة، أسلم على يديه، كما أسلم على يديه قسم من الأحباش . 

ويذكر له، أنّه دافع عن الإسلام والمسلمين أمام النجاشي دفاعاً  منطقياً مقنعاً، فجعل النجاشي مع المسلمين على أعدائهم المشركين . ويذكر له أنه كان أشبه الناس خَلْقاً وخُلُقاً برسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن  أحب الناس إليه وأقربهم إلى قلبه . 

ويذكر له، أنه كان جواداً من أجواد العرب المشهورين، وأنه كان الناس للمساكين من فقراء المسلمين . 

ويذكر له أنّه كان من قادة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه قاد سرية مؤتة في موقف حرج عصيب، فاستقبل السيوف والرماح مقبلاً غير مذير، يتقدم باللواء الذي يحمله إلى أمام. 

ويذكر له، أنّه سقط شهيداً في ساحة المعركة، دون أن يسقط لواء  النبي صلى الله عليه وسلم الذي رفعه بأسنانه بعد أن قطعت يداه . 

رضي الله عن السفير الخطير، الصحابي الجليل، القائد الشهيد،  جعفر الطيار بن أبي طالب الهاشمي القُرَشِي. 

(قادة النبي صلى الله عليه وسلم)

شارك هذا المقال:

مقالات مشابهة