يفتح في علامة تبويب جديدة

من عظيم نعمة الله على الخلق بإرسال محمد ﷺ

وبالجملة: فدينُ الحنيفيَّة -الذي لا دين لله غيره بين هذه الأديان الباطلة التي لا دين في الأرض غيرها- أخفى من السُّهَا تحت السَّحاب.

وقد نظر الله إلى أهل الأرض فَمَقَتَهُمْ عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب. فأطْلَعَ اللهُ شمسَ الرسالة في حَنَادِسِ تلك الظُّلَم سراجًا منيرًا، وأنْعَمَ بها على أهل الأرض نعمةً لا يستطيعون لها شُكورًا، وأشرقتِ الأرضُ بنورها أكْمَلَ الإشراق، وفاض ذلك النور حتى عمَّ النواحيَ والآفاق، واتَّسَقَ قمر الهدى أتَمَّ الاتِّساق، وقام دين الله الحنيفُ على ساق.

فلله الحمدُ الذي أنقذَنَا بمحمَّدِ صلى الله عليه وسلم من تلك الظُّلمات، وفتح لنا به باب الهدى فلا يُغْلَق إلى يوم الميقات، وأرانا في نوره أهْلَ الضلال وهم في ضلالهم يتخبَّطون، وفي سكرتهم يَعْمَهُونَ وفي جهالتهم يتقلَّبون، وفي رَيْبِهم يتردَّدُون، يؤمنون: ولكن بالجبت والطاغوت يؤمنون، ويعدلون: ولكن بربِّهم يعدلون، ويعلمونَ، ولكن: ظاهرًا من الحياة الدنيا، وهم عن الآخرة هم غافلون، ويسجدون، ولكن للصَّليب والوثن والشمس يسجدون، ويمكرون وما يمكرون إلَّا بأنفسهم وما يشعرون.

(لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) [آل عمران: 164].

(كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) [البقرة: 151].

والحمد لله الذي أغنانا بشريعتهِ التي تدعو إلى الحكمة والموعظة الحسنة، وتتضمن الأمْرَ بالعدل والإحسان، والنهيَ عن الفحشاء والمنكر والبغي، فله المِنَّةُ والفضل على ما أنعم به علينا وآثَرَنا به على سائر الأمم، وإليه الرغبة أن يُوزِعَنَا شُكْرَ هذه النعمة، وأنْ يفتحَ لنا أبواب التَّوبةِ والمغفرةِ والرَّحمة.

فأحبُّ الوسائل إلى المحسن التوسُّلُ إليه بإحسانه، والاعترافُ له بأنَّ الأمر كلَّه محضُ فضلِه وامتنانهِ.

فله علينا النِّعمة السَّابغةُ كما له علينا الحُجَّةُ البالغة، نبوءُ بنعَمِهِ علينا، ونبوء بذنوبنا وخطايانا وجَهْلِنا وظُلْمِنا وإسْرَافِنا في أمرنا؛ فهذه بضاعتنا التي لدينا، لم تُبْقِ لنا نِعَمُه وحقوقُها وذنُوبنا حسنة (نرجو بها) الفوزَ بالثَّواب والتخلُّصَ من أليم العقاب. بل بعض ذلك يستنفِدُ جميع حسناتنا، ويستوعبُ كلَّ طاعتنا. هذا لو خلصت من الشوائب، وكانت خالصةً لوجهه، واقعةً على وَفْقِ أمره، وما هو والله إلا التعلُّقُ بأذيال عفوه وحُسْنُ الظنِّ به، واللجوء منه إليه، والاستعاذةُ به منه والاستكانة والتذلُل بين يديه، ومدُّ يد الفاقة والمَسْكَنَةِ إليه، بالسؤال والافتقار إليه في جميع الأحوال.

فمَنْ أصابته نفحةٌ من نَفَحَاتِ رحمته، أو وَقَعتْ عليه نظرةٌ من نظرات رأفته: انتعشَ من بين الأموات، وأَنَاخَتْ بفنائِهِ وفودُ الخيرات، وترحَّلت عنه جيوش الهموم والغموم والحسرات.

وإذا نَظَرْتَ إليَّ نَظْرَةَ رَاحِمٍ … في الدَّهْرِ يومًا إنَّني لَسَعِيْدُ

هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى (ص: 17 – 20)

شارك هذا المقال:

مقالات مشابهة