فاتح الأهواز والسوس” وأصبهان والدينور وماسبذان وقسم وقاشان
«سيد الفوارس أبو موسی»
(محمد رسول الله)
مع النبي صلى الله عليه وسلم:
أبو موسى الأشعري هو: عبدالله بن قيس بن سليم بن حضار بن حرب بن عامر الأشعري. وأمه ظبية بنت وهب بن عك؛ وهو من بني الأشعر من قحطان.
ولد في زبيد باليمن وقدم مكة مع إخوته في جماعة من الأشعريين، فحالف سعيد بن العاص بن أمية أبا أحيحة، ثم أسلم بمكة وهاجر الى أرض الحبشة؛ وقيل: بل رجع الى بلاده وقومه ولم يهاجر الى الحبشة؛ والصحيح ، أن أبا موسى انصرف إلى قومه بعد إسلامه، فأقام بها، ثم قدم مع إخوته وبعض الأشعريين نحو خمسين رجلا في سفينة، فألقتهم الريح إلى النجاشي بأرض الحبشة،
فوافقوا خروج جعفر بن أبي طالب وأصحابه منها عائدين الى المدينة المنورة، فأتوا معهم وقدمت السفينتان معا: سفينة الأشعريين وسفينة جعفر وأصحابه – على النبي صلى الله عليه وسلم في حين فتح خيبر.
ولما علم النبي صلى الله عليه وسلم بقدوم أبي موسى و جماعته، بشر اصحابه بمقدمهم قائلا: «يقدم عليكم اقوام هم أرق منكم قلوبا» ، فقدم الأشعريون فيهم أبو موسى؛ فلما دنوا من المدينة المنورة جعلوا يرتجزون:
اليوم نلقى الأحبه
محمدا وصحبه
ولما نزلت الآية الكريمة: {فسوف يأتي الله بقوم ، يحبهم ويحبونه} قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «هم قوم هذا»
يعني: أبا موسى الاشعري.
وكانت خیبر أول مشاهد أبي موسى و برز اسمه في غزوة حنين ، فقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا عامر الأشعري عم أبي موسى لمطاردة المنسحبين من المشركين بعد حنين باتجاه أوطاس، إذ تجمعت هوازن هناك، ولكن أبا عامر استشهد فأخذ أبو موسى الرّاية وشدّ على قاتل عمه فقتله؛ وقيل: أن أبا موسى قتل يومئذ تسعة إخوة من المشركين: يدعو كل واحد إلى الإسلام ثم يحمل عليه فيقتله؛ وكانت نتيجة هذه المعركة انتصار المسلمين بقيادة أبي موسى على المشركين.
وعاد أبو موسى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فدعا لعمه الشهيد ودعا له قائلا: «اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه وأدخله يوم القيامة مدخلا كريما».
لقد كان أبو موسى موضع لغة النبي صلى الله عليه وسلم: بعثه ومعاذ بن جبل إلى اليمن ، وولاه زبید و عدن و رمع والساحل ؛ وكان احد اثنين أذنا عليه.
ولما ولد لأبي موسى غلام أتى به النبي صلى الله عليه وسلم، فسماه: ابراهيم ، وحنكه بتمرة؛ مما يدل على ثقة الرسول صلى الله عليه وسلم بأبي موسى وتقريبه له واعتماده عليه
جهاده:
1 – كان أبو موسى على عمله باليمن حين ظهر بها الأسود العنسي مدّعيا النبوة، وذلك في أواخر أيام النبي صلى الله عليه وسلم؛ فلما اشتد أمر الأسود العنسي لحق أبو موسى مع أمراء اليمن الآخرين بحضرموت، فبذلوا أقصى جهودهم للقضاء على الأسود العنسي، فنجحوا في قتله وتفريق شمل رجاله، وعادت اليمن إلى الإسلام قبل أيام قليلة من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فوصل البشير إلى المدينة حيث وجد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد التحق بالرفيق الأعلى وارتد أهل اليمن ثانية في عهد الصديق أبي بكر، فكان لصمود أبي موسى مع من ثبت على الإسلام أثر كبير في انتصار المسلمين على أهل الردة وعودة المرتدين إلى الاسلام.
٢- وبقي أبو موسى عاملاً على زبيد و رمع و عدن والساحل طيلة أيام أبي بكر، ولكنه آثر الجهاد في عنفوان موجة الفتح الإسلامي؛ فكان مع عياض بن غنم في فتح الجزيرة حيث أرسله لفتح نصيبين فشهد فتحها
٣ـ والتحق أبو موسى بأبي عبيدة بن الجراح بأرض الشام بعد فتح الجزيرة فشهد بعض فتوحات الشام تحت لواء أبي عبيدة وبقي مع أبي عبيدة حتى مات بالطاعون فشهد أبو موسى موته.
٤ـ ولما عزل عمر بن الخطاب المغيرة بن شعبة عن البصرة استعمل أبا موسى عليها وكانت البصرة حينذاك من أكبر قواعد المسلمين؛ منها تسير الجيوش لفتح المشرق، فجمع أبو موسى قواته ودفعها إلى مدينة الأهواز ففتحها، كما شهد فتح مدينة السوس، إذ كان على أهل البصرة وكان القائد العام هو أبو سبرة بن أبي رهنم ، فشهد أبو موسى فتح هذه المدينة.
وسار أبو موسى إلى تستر على رأس أهل النصرة فشهد فتحها، ولكن عمر بن الخطاب رده إلى البصرة. وقبل فتح تستر قدم وفد من وجوه أهل فارس إلى أبي موسى لمفاوضته، فقال رئيس الوفد:
إنا قد رغبنا في دينكم فنسلم على أن نقاتل معكم العجم ولا نقاتل معكم العرب؛ وإن قاتلنا أحد من العرب منعتمونا منه، وننزل حيث شئنا ونكون فيمن شئنا منكم، وتلحقونا بأشراف العطاء، ويعقد لنا الأمير الذي فوقك بذلك
فقال أبو موسى: بل لكم ما لنا وعليكم ما علينا
قالوا: لا نرضى!
وكتب أبو موسى بذلك إلى عمر، فكتب عمر إلى أبي موسى: (أعطهم ما سألوك)، فكتب إليهم أبو موسى، فأسلموا وشهدوا معه حصار تستر فألحقهم أبو موسى على قدر البلاء في أفضل العطاء
وهذا يدل على أن الذين يسلمون من العجم ويقاتلون مع المسلمين ينالون أوفر العطاء ويحتلون أرفع المراكز
ذلك هو تسامح الإسلام حتى مع المغلوبين في ساحات القتال!
– وشهد ابو موسى على رأس اهل البصرة معركة نهاوند الحاسمة تحت لواء النعمان بن مقرن المزني، فلما فتحها المسلمون غادر أبو موسى نهاوند فمرّ بالدينور وأقام عليها خمسة أيام فصالحه أهلها على الجزية، كما صالح اهل ما سبذان و سیروان (٤١) على الجزية أيضا.
٦ – ولما بعث عمر بن الخطاب عبدالله بن عبدالله بن عتبان إلى أصبهان آمده بأبي موسى، فدخل عبدالله وأبو موسى أصبهان فاتحين، فرد عمر أبا موسى إلى البصرة ثمّ ولّاه الكوفة بعد عمار ابن ياسر فبقي فيها سنة ثم صرفه عمر إلى البصرة، ففتح هو وعثمان بن أبي العاص الثقفي مدينة شيراز و أرجان وفتحا سينيز على الجزية. كما انه فتح قم و قاشان، كما أنه استعاد فتح سابور بعد نقضها العهد.
لقد فتح أبو موسى بلادا شاسعة جدا من أرض فارس وشهد كثيراً من فتح الجزيرة وأرض الشام.
الإنسان:
بقي أبو موسى واليا على البصرة حتى مقتل عمر بن الخطاب ، فأقره عثمان عليها ثم صرفه، ولكنه عاد فولاه الكوفة بطلب من أهلها. وعندما أثار الشعب على عثمان بعض رجال الكوفة ، قام أبو موسى خطيبا فقال : “أيها الناس! لا تنفروا في مثل هذا ولا تعودوا لمثله. الزموا جماعتكم والطاعة، وإياكم والعجلة!” فقال الذين شغبوا على عثمان: فصل بنا قال: «لا ، إلا على السمع والطاعة لعثمان بن عفان».
قالوا: السمع والطاعة لعثمان.
وهكذا ضرب أبو موسى مثلا رفيعا في العمل للمصلحة العامة ونكران الذات، اذ لم يفكر لحظة في الشغب على عثمان انتقاما منه على عزله عن البصرة دون مبرر.
ويبذل أبو موسى غاية جهده لعدم إشغال نيران الفتنة الكبرى بين المسلمين ، ولما علم بتجمع الحاقدين على عثمان من الأنصار في المدينة ، أرسل القعقاع بن عمرو التميمي على رأس جيش من أهل الكوفة لإنقاذ عثمان (٥٧) ، ولكن عثمان قتل قبل أن یدركه جيش القعقاع أو تدركه جيوش الامصار الأخرى وكان أبو موسى لا يزال أميرا على الكوفة حين قتل عثمان، فكتب إلى علي بن أبي طالب بطاعة اهل الكوفة وبيعتهم له ، وبين الكاره منهم للذي كان والراضي ومن بين ذلك ، حتى كان علي بن أبي طالب يشاهدهم ومع ذلك، كان من رأي أبي موسى القعود عن الفتنة ، وقد سأل علي رجلا قدم من الكوفة عن أبي موسى ، فقال له الرجل: إن اردت الصلح فأبو موسى صاحبه، وإن أردت القتال فليس بصاحبه.
وسأل أهل الكوفة أبا موسى عن رأيه في القتال ، فقالوا : ما ترى في الخروج ؟
فأجابهم : القعود سبيل الآخرة، والخروج سبيل الدنيا ، فاختاروا!
وخطب بالكوفة فكان مما قاله: “هذه فتنة سماء ، النائم فيها خير من اليقظان ، واليقظان خير من القاعد، والقاعد خير من القائم ، والقائم خير من الراكب ، والراكب خير من الساعي ؛ فكونوا جرثومة من جراثيم العرب ؛ فاعمدوا السيوف ، واتصلوا الأسنة ، واقطعوا الأوتار ، وأدوا المظلوم والمضطهد ، حتى يلتئم هذا الأمر وتنجلي هذه الفتنة”.
وأرسل علي بن أبي طالب ابنه الحسن وعمار بن ياسر إلى أبي موسى فخرج أبو موسى فلقي الحسن فضمه إليه. وأقبل على عمار فقال: يا أبا اليقظان! أعدوت فيمن عدا على أمير المؤمنين ، فأحللت نفسك مع الفجار
فقال: لم أفعل ولم تسوؤني!! .
وقطع الحسن عليهما ، فاقبل على أبي موسى فقال: لم تثبط عنا، فوالله ما أردنا إلا الإصلاح ، ولا مثل أمير المؤمنين يخاف على شيء.
فقال أبو موسى: صدقت بأبي أنت وأمي ، ولكن المستشار مؤتمن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «إنها ستكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم ، والقائم خير من الماشي ، والماشي خير من الراكب ، وقد جعلنا الله عز وجل إخوانا ، وحرم علينا أموالنا ودماءنا وقال: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل الا أن تكون تجارة عن تراض منكم ، ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما} وقال جل وعز : {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها ، وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما}.
فعزل علي بن أبي طالب أبا موسى عن الكوفة، وكان قد أقره قبل ذلك بينما عزل غيره من عمال عثمان واعتزل أبو موسى الفتنة ، ولكنه لم يفارق علينا ، وكان ممثله في التحكيم وكان ممثل معاوية عمرو بن العاص ، فاجتمع الناس ( بأذرح ) وحضرها سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وغيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقدم عمرو أبا موسى فتكلم فخلع عليا .
وتكلم عمرو فاقر معاوية وبايع له ، وتفرق الناس على غير هذا.
لقد كان أبو موسى يحرص أشد الحرص على إخماد نيران الفتنة بين المسلمين، ولست أشك أنه كان يعمل لآخرته أكثر مما كان يعمل لدنياه ، وكان راغبا عن الفتنة كارها لقتال المسلمين ، وكانت حجته الواضحة لتبرير موقفه ، هو أنه لا يمكن أن يقاتل قوما يؤمنون بالله ويصدقون رسوله صلى الله عليه وسلم ، ولا محل أبدا لزعم بعض المؤرخين أن أبا موسى كان مغفلا لا علم له بالسياسة ، لذلك غدر به عمرو بن العاص ، ولكنه كان يريد الله بكل أعماله ، وما اصدق الحسن في قوله : و كان الحكمان أبو موسى وعمرو بن العاص ، وكان أحدهما يبتغي الدنيا والآخر يبتغي الآخرة ) إن دراسة حياة هذا الصحابي الجليل بإمعان ، تؤكد انه لم يكن مغفلا وتنفي عنه الغفلة نفيا قاطعا ، وإلا لما ولاه الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر ، ولما اختاره أهل الكوفة لولاية مصرهم حين ظهرت الفتنة واشتدت أيام عثمان ، ولكنه كان رجلا ورعا تقيا سمح النفس رضي الخلق.
لقد كان ذكيا غاية الذكاء ، وكان لذكائه يقولون عنه : ما كنا نشبه كلام أبي موسى الأشعري إلا بالجزار الذي لا يخطىء المفصل
ومن اقواله في القضاء : ” لا ينبغي للقاضي أن يقضي حتى يتبين الليل من النهار” ، فبلغ قوله عمر فقال : صدق أبو موسى.
وقال ابن المديني : قضاة الامة اربعة : عمر وعلي وأبو موسی وزید بن ثابت.
وقال الشعبي : انتهى العلم إلى ستة ، وذكر أبا موسى فيهم.
وقال الحسن البصري : ما أتاها – يعني البصرة – راكب خير لأهلها منه – يعنى أبا موسى –
وكان أبو موسى أحد خمسة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يفتون في المدينة ويقتدى بهم ، على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة حديث وستين حديثا، كما روى عن الخلفاء الأربعة ومعاذ و ابن مسعود وأبي ابن كعب وعمار بن ياسر ؛ وروى عنه كثير من الصحابة والتابعين وكان دقيقا غاية الدقة في تحري العلم: في نقله وفي تعليمه ، وهو القائل: “من علمه الله علماً فليعلمه ، ولا يقولن ما ليس له به علم فيكون من المتكلفين ويمرق من الدين” وهو الذي فقه أهل البصرة وأقرأهم وكان بالإضافة إلى ذلك موضع ثقة الناس ، يثقون به ثقة لا حدود لها ، كتب عمر في وصيته : لا يقر لي عامل أكثر من سنة وأقروا الأشعري اربع سنين، وقال عمر عنه :انه كيس.
وقد انتخبه أهل الكوفة والياً عليهم في عهد عثمان ، فنزل عثمان على إرادتهم ، ومن النادر أن يرضى أهل الكوفة من أمير.
ولما بعث على ابن أبي طالب عمارة بن شهاب وكانت له هجرة واليا على الكوفة خلفا لأبي موسى ، علم وهو في طريقه إليها: أن أهلها لا يريدون بأميرهم أبي موسى بديلا ، فرجع عمارة الى علي بالخبر.
كما انتخبه الناس حكما عن جماعة علي بن أبي طالب واستكرهوا أمير المؤمنين على ذلك. كل هذا يدل على مبلغ ثقة الناس بأبي موسى ومقدار شعبيته الطاغية ، فهو زعيم شعبي بحق كما تعبر من أمثاله اليوم – ان كان له أمثال – وكان بالإضافة إلى كل ذلك إداريا حازما ، فهو الذي بني المسجد ودار الإمارة في البصرة وشق نهرا لها ؛ وكان يعمل للمصلحة العامة ناسيا مصلحته ، فقد خرج حين نزع عن البصرة وما معه إلا ستمائة درهم عطاء عياله، ولم يكن يحب الأمرة ، وكان يعتبرها تكليفا لا تشريفا ، ولم یکن أنانيا يرى نفسه ويحبها ولا يرى غيره ولا يحبه، وقد أطرى خلفه عبدالله بن عامر حين تولى البصرة خلفا له فقال : جاءكم غلام كثير العمات والخالات والجدات في قريش يفيض عليكم المال فيضا.
وشتان بين الأميرين
وكان كثير التدين ورعاً غاية الورع، وكان لشدة ورعه اذا نام لبس نيابا عند النوم مخافة أن ينكشف ، وكان يقول : إني لأغتسل في البيت الخالي فيمنعني الحياء من ربي أن أقيم صلبي ، وكان إذا اغتسل في بيت مظلم تجاذب وحنى ظهره حتى يأخذ ثوبه ولا ينتصب قائما وكان يؤمن بالقضاء والقدر إيمانا عجيبا ويسلم أمره كله لله تسليما مطلقا .
قال أحدهم لأبي موسى في طاعون وقع : ( أخرج بنا الى وابق تبدو بها، فقال: إلى الله أبق لا إلى وابق.
وقدم كتاب معاوية إليه وفيه :
(سلام عليك.
اما بعد.
فإن عمرو ابن العاص قد بايعني على الذي بايعني عليه ، وأقسم بالله لئن بايعتني على ما بايعني عليه لأبعثن بنيك أحدهما على البصرة والآخر على الكوفة ، ولا يغلق دونك باب ، ولا تقضى دونك حاجة ، وإني كتبت إليك بخط يدي فاكتب إلي بخط يدك!)
فكتب إليه ابو موسى بخط يشبه المقارب:
(أما بعد ، فإنك قد كتبت إلى في جسيم أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم: لا حاجة لي فيما عرضت علي)
ولما أتى أبو موسى معاوية بعد استشهاد علي بن أبي طالب ، كانت عليه عمامة سوداء وجبة سوداء ومعه عصا سوداء (۹۳) ، وكان السواد شعار العلويين وكان ارتداؤه حينذاك ذنبا عظيما لا يغتفر! إنه لم يكن مغفلا ، ولكنه كان يعمل لدينه عمل الصالحين الابرار .
وكان يرى أن المناصب ومنها الخلافة تكليف لا تشريف ، ويرى أنها يجب أن تعطى عن طيبة خاطر ولا تؤخذ قسرا ، فكان يقول : إن الأمرة ما اؤتمر فيها ، وأن الملك ما غلب عليه بالسيف.
وكان جميل الصوت رائعه سمعه النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن ، فقال: «لقد أوتي هذا من مزامير آل داوود!».
وكان عمر إذا رآه قال له: ذكرنا ربنا يا أبا موسى ، فيقرا القرآن عنده .
وقال عمر مرة : شوقنا إلى ربنا، فقرأ ابوغ موسى ، فقالوا : الصلاة : فقال عمر : أولسنا في صلاة ؟!
وكان رجلا خفيف الجسم ثطا قصيراً . ولما حضرته الوفاة منع أهله من البكاء عليه وإجراء المراسيم غير الشرعية عند تشییع جنازته. وقد مات بالكوفة سنة اثنتين وأربعين وقيل أربع وأربعين وهو ابن ثلاث وستين سنة فيكون مولده سنة إحدى وعشرين قبل الهجرة ، ودفن بالثوية وهناك من يذكر: أنه مات سنة خمسين للهجرة، ومن يذكر أنه توفي سنة اثنتين وخمسين للهجرة .
وأرجح أنه مات سنة اثنتين وأربعين أو أربع وأربعين لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ولاه عدن في زبيد و رمع والساحل من اليمن في حياته صلى الله عليه وسلم، فلا بد أن يكون عمره حين توليته مناسبا لمثل هذا المنصب الخطير في مثل تلك الظروف الخطيرة ، إذ لو أخذنا ببعض الروايات التي ذكرت أنه توفي سنة اثنتين وخمسين لكان عمره صغيرا جدا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم.
القائد:
كان أبو موسى من أشجع الشجعان ، وحسبنا أن نذكر قول الرسول القائد صلى الله عليه وسلم فيه :«سيد الفوارس أبو موسى»
وأن نذكر أنه قتل في معركة واحدة تسعة أخوة من المشركين؛ فكان يضرب لجنوده في القتال أروع الأمثال.
لقد كانت الحروب القديمة تحتاج إلى قائد يعمل بعقله وبسيفه : يعمل بعقله الإعداد للخطط العسكرية وتنفيذها وإدارة دفة المعركة ، ويعمل بسيفه في المعركة يبارز الأبطال ويصاول الرجال.
والحق أن أبا موسى كان مثالاً رائعاً للقائد الممتاز الذي يعمل بعقله وبسيفه معا في آن واحد، لذلك انتصر في كل المعارك التي خاضها ولم ينكص له لواء واحد طيلة حياته العسكرية الطويلة
كانت له قابلية بدنية ممتازة تعينه على تحمل المشاق العسكرية ، وكان متقشفا بطبعه لا يميل إلى الراحة والدعة ولذيذ العيش ، وكانت له طاقة نفسية عجيبة في الصبر على المكاره ، كل ذلك جمله يفضل دائما أن يكون في ساحات القتال على أن يكون بين أهله آمنا مطمئنا ، لهذا نراه قضى أكثر حياته مجاهداً، لأنه كان يعتبر الجهاد في سبيل الله من أعظم العبادات ، لا يبالي في جهاده أن يكون قائدا عاماً أو قائدا مرؤوسا يضع نفسه بأمرة غيره من القادة – حتى القادة الذين أرسلهم هو بنفسه إلى ساحات الجهاد
وهذا ما لا يقدر عليه إلا المجاهدون الصابرون والمؤمنون الصادقون .
لقد كان صحيح القرار ، ذا إرادة قوية وشخصية رصينة ، يتحلى بمزايا الضبط ويؤمن بمبادىء الطاعة : يتحمل المسؤولية إلى الحدود التي لا مخالفة في تحملها ، إذ هو لا يطيق الخلاف لذوي الأمر ، فهو من هذه الناحية قائد متشبع وليس قائدا مبتدعا .
له نفسية لا تتبدل في حالتي الرخاء والشدة ، يعرف نفسيات رجاله و قابلياتهم ويثق بهم ويحبهم ويثقون به ويحبونه ثقة وحبا لا مزيد عليهما، له ماض ناصع شریف مجيد.
وعند مقارنة أعماله العسكرية بمبادىء الحرب ، نجد أنه (يختار مقصده ويديمه ) دائما ولا يحيد عنه .
كل معاركه تعرضية يحاول أن يباغت بها عدوه كلما وجد إلى ذلك سبيلا.
وكان يعمل على تحشيد قوته قبل المعركة و يقتصد بالمجهود فلا يعطي خسائر في الأرواح بدون مبرر ، وكان يتعاون تعاوناً وثيقاً صادقاً مع غيره من القادة بكل رحابة صدر وعن طيبة خاطر ، كما أنه كان يحمل قواته على التعاون فيما بينها تعاونا وثيقا : يديم معنويات قواته بشجاعته الشخصية وقيادته الحكيمة وبتوالي انتصاراته وبمواعظه الحسنة وكان بالإضافة إلى ذلك يساوي بينه وبين رجاله ، بل كان يستأثر دونهم بالخطر ويؤثرهم بالأمن ، وكان يستشيرهم في كل أمر من أموره ويعمل بمشورتهم لقد كان قائداً مثالياً من كافة الوجوه
أبو موسى في التاريخ :
يذكر التاريخ لأبي موسى كثيرا من المآثر الخالدة – كل واحدة منها تكفي لتخليد أي إنسان في كل زمان ومكان .
يذكره قائدا فاتحا ضم إلى البلاد الإسلامية مناطق واسعة جدا ونشر الإسلام بين أهلها.
ويذكره التاريخ مؤمنا صادقا من أكثر المؤمنين الصادقين تمسكا بعقيدته ، وقد ضحى كثيرا في سبيل مبادئه وصبر صبر المؤمن المحتسب على ما أصابه في حياته من أذى ؛ ولعل بعض الأذى لا يزال يلاحقه حتى اليوم.
ويذكره التاريخ داعية من دعاة السلام النابع من تربتنا ومن صميم عقيدتنا وتقاليدنا : سلام المادة والروح ، لا سلام المادة بلا روح ؛ وسلام الاخوة والتسامح ، لا سلام الحقد والانتقام ، سلام السماء لا سلام الأرض.
ويذكره التاريخ إماما في الفقه ، إماما في الحديث ، إماما في التصوف الاسلامي الذي هو الورع والتقوى ، إماما في القضاء .
تری! هل يذكر الذين يعيبون عليه موقفه من اعتزال الفتن ، أنه كان يصدر في كل أعماله عن عقيدة راسخة يؤمن بها غاية الإيمان ويضحي من اجلها كل التضحية ، ولو كان يميل مع الهوى ويرجو لنفسه من الدنيا ما يرجو لأنفسهم أكثر الناس ، لكان سبيله إلى المجد الشخصي بينا ولنال ما يريده من متاع بيسر وسلام؟
تری! هل يذكر ذلك الذين يعيبون عليه موقفه الحيادي، فلا يرددون ثانية ما يعيبونه عليه ؟! أليس من العقوق أن تنحى باللائمة على رجل مثل أبو موسى خدم الإسلام وضحى من أجل عقيدته ، وعاش فقيرا ومات معدما ، وكل سلواه في حياته ، أنه خدم الإسلام ومبادئه بصدق و إخلاص! ألا يكفي أن يسخر المرء نفسه لعقيدته ولا يسخر عقيدته لنفسه ، لكي ينجو من اللوم والتثريب ؟!
ولكن ، ذلك هدى الله ، يهدي به من يشاء من عباده رضي الله عن الصحابي الجليل ، المؤمن الصادق ، الورع النقي ، المحدث الفقيه ، القاضي العادل ، القائد الفاتح ، أبي موسى الاشعري .
(قادة فتح فارس، محمود خطاب شيت)









