في رحاب الإيمان
هذه واحدة من نساء أهل البيت النبوي الطاهر، اللائي عَقَدْنَ مع الإيمان عقدة مكينة متينة، وعقد الإيمان معها عقداً أميناً مباركاً، لتغدو إحدى كريمات البيت الطاهر ممن لهن في تاريخ الإسلام نصيب. وإذا أردنا أن نعرف مكانة هذه الجوهرة في رحاب الطهر والإيمان، فلا بد وأن نتعرف البيئة الطاهرة التي أنبتها الله عز وجل فيها، لتكون الصورة أضوا، ولتكون الحياة مرسومة في تاريخها بشيء من الدقة والوضوح.
فجدها لأمها سيدنا وحبيبنا محمد سيد الأولين والآخرين، ورسول رب العالمين، وأكرم خلق الله أجمعين. وجدتها لأمها خديجة رضي الله عنها، أم المؤمنين، وأول خلق الله إسلاماً، الطاهرة الكريمة، سيدة نساء العالمين.
وأمها زينب بنت رسول الله ﷺ، وأكبر إخواتها، الصابرة الطاهرة المهاجرة رضي الله عنها.
وخالتها فاطمة الزهراء، إحدى نساء الدنيا فضلاً ومكانة، وأفضل بنات النبي ﷺ ورضي عنها .
وزوجها فارس النبي وبطل الإسلام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه .
في هذه الرحاب العطرة الفواحة برحيق الإيمان، كانت نشأة أمامة بنت أبي العاص بن الربيع العبشيمة الأموية القرشية، حفيدة رسول الله ﷺ ، من ابنته السيدة زينب رضوان الله عليها.
ولدت أمامة بنت أبي العاص على عَهْدِ جدها رسول الله ﷺ، ودرجت في بيت أبويها، فقد كان أبوها أبو العاص بن الربيع العبشمي القرشي صهر رسول الله ﷺ أحد رجال مكة المعدودين بمحاسن المكارم، وكان يقال له الأمين إذ عُرف باستقامته في تجارته لقريش، وأداء الحقوق لأصحابها. كان أبو العاص بن الربيع مواخياً مصافياً لرسول الله ﷺ، وكان يكثر زيارته في منزله، وكان قد زوجه ابنته زينب أكبر بناته، وهي ابنة خالته خديجة.
وكان أبو العاص قد أبى أن يفارق زينب رسول الله ﷺ ، حينما مشى إليه مشركو قريش وساداتهم وكبار فجارهم فقالوا له: يا أبا العاص، فارق صاحبتك ابنة محمد، ونحن نزوجك أي امرأة من قريش شئت.
ولكن أبا العاص رد عليهم بحزم وصدق: لا والله لا أفارق صاحبتي وما أحب أن لي بامرأتي امرأة من قريش.
جرت هذه المحاورات عندما سطعت شمس الإسلام على أم القرى، لينتشر الضياء في الدنيا، وكان أبو العاص إذ ذاك مقيماً على شركه، ولكنه لم تعرف عنه مقاومة للدعوة إلى أن من الله عليه بالإسلام، وأسلم بعد الهجرة، وكتب في زمرة السعداء.
ولقد شكر رسول الله ﷺ مصاهرته الكريمة، وأثنى عليه بذلك خيراً أمام أصحابه الكرام في المسجد في خطبة من على المنبر وقال: «حدثني فصدقني ووعدني فأوفى لي …» الحديث.
أمَامَةُ وَذِكْرَيَاتُ البَيْتِ الطَّاهِرِ
نستخلص من الأخبار التي وصلتنا عن أمامة بنت أبي العاص أنها ولدت ونشأت في مكة قبل الهجرة، وأخذت مكانها في البيت النبوي الطاهر، حيث كانت الحفيدة الأولى لرسول الله ﷺ، وكانت المولودة التي احتلت مكانة كبيرة في قلوب آل البيت الأطهار.
أخذ نور الإسلام يملأ الدنيا، وكانت نساء أهل البيت أول النساء إسلاماً؛ خديجة وبناتها الطاهرات من اللاتي كن في سجل الأوائل. فقد كان رقم خديجة الإيماني هو الأول في الصفحة الناصعة لقائمة الأبرار الذين سارعوا إلى دوحة الإيمان، ولهذا أجمع أعلياء العلماء، وأكابرهم، بمسانيدهم الوثيقة بأن سيدتنا خديجة بنت خويلد هي أول خَلْقِ الله إسلاماً من الذكور والإناث، ثم تلاها بناتها الطاهرات، فنظمن في عقد السابقات.
وكانت زينب ابنة رسول الله ﷺ قد استجابت للإيمان وهي في بيت زوجها أبي العاص بن الربيع الذي تأخر إسلامه إلى ما بعد الهجرة.
أخذت زينب رضي الله عنها ترضع ابنتها الصغيرة أمامة حب الإيمان، وحب رسول الله ﷺ، وتزرع في نفسها الصغيرة محاسن الفضائل، وتغرس فيها حب التضحية في سبيل الله عز وجل.
وراحت الأم الكريمة زينب بنت الحبيب المصطفى تروي لصغيرتها قصص الوحي الذي ينزل على جدها الكريم ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وليدلهم ويهديهم إلى صراط العزيز الحميد.
روت زينب لابنتها أمامة قصة جدتها الطاهرة خديجة سيدة نساء العالمين وحكت لها مواقفها العظيمة وتألقها المبارك في بداية ظهور الإسلام، ثم كيف توفاها الله عز وجل وكيف حزن عليها رسول الله ﷺ.
كانت الصغيرة أمامة تسمع هذه الأخبار عن أصل دوحتها فتزداد حباً وفخراً بهذا البيت الكريم الذي اختصه الله عز وجل بالنبوة.
وأخذت الأم تتابع حديثها لابنها أمامة، فقصت عليها أخبار هجرة رسول الله ﷺ، وبصحبته الصديق وكيف استقبله الأنصار في عرينهم خير استقبال، وهم يهتفون : الله أكبر.. جاء رسول الله
الله أكبر… جاء محمد… الله أكبر.. الله أكبر … جاء رسول الله .
ولا شك في أن الدموع قد ملأت عين زينب، وهي تحكي لابنتها شذرات ذهبية من تاريخ أهلها، وتذكرت أنه لا يوجد أحد بالقرب منها. فرسول الله في المدينة المنورة بين أصحابه وأنصاره.
وأمها خديجة بنت خويلد، قد ضمها ثرى مكة منذ بضعة أعوام.
وأخواتها رقية وأم كلثوم وفاطمة قرب أبيهم ينعمن بعطفه وحبه.
وأما أخواها القاسم عبد الله، فقد ماتا وهما في سن الطفولة، وعمر الزهر.
وها هو زوجها أبو العاص بن الربيع، قد خرج إلى المدينة مع قريش لمحاربة أبيها وأصحابه، ولا تدري بماذا تنقشع هذه السحابات التي ظللت حياتها
أمَامَةً وَأَسْرُ أَبِيْهَا وَقِلادَةُ أَمّهَا
في رحلة البغي ومرحلة الفسوق والعدوان خرجت قريش تصاحبها مسحة الغرور التي تقودها إلى حتفها، خرجت عصبة الكفرة الفجرة، يقودهم غرور أبي جهل، وفسوق عتبة بن ربيعة، وكفر أمية بن خلف وغيرهم، ليحاربوا رسول الله ﷺ ذلك الذي سفَّه أحلامهم، وعاب عليهم آلهتهم التي لا تعقل شيئاً، وأراد أن يأخذ بأيديهم إلى شاطىء الأمن والأمان والإيمان على قارب النجاة الذي يحمل عنوان الفوز: لا إله إلا الله محمد رسول الله .
خرج أبو العاص مع قريش تتنازعه عواطف شتى، وتنثال على رأسه الأفكار تلو الأفكار؛ كيف يحارب رسول الله أبا زوجه زينب التي يحبها ويحبه ؟! بل ما هو موقفه لو لقي رسول الله في ساحة المعركة ؟! لم يستطع أن يجيب عن مثل هذه الأسئلة …… خرج أبو العاص بعد أن طبع قبلة حنان على وجه ابنته أمامة التي لا تعرف أين سيذهب، بل لا تعرف معنى لتلك الأحقاد التي تحتل قلوب قريش، وتعتمل في صدورهم؛ ودعها وودع زوجه البارة زينب وقد لاحظ أن الدموع قد طفرت من عينيها، وارتسم الحزن على وجهها.
في بدر التقى الجمعان وقضي الأمر، وجعل الله كلمة الذين كفروا السفلى وكلمته العليا، وقُتِل صناديد قريش، وأسر فريق من أبطالهم وفرسانهم، وفر سائرهم، وكان أبو العاص بن الربيع مع فريق المأسورين، وكان في المدينة عند رسول الله ﷺ، فأوصى بالإحسان إلى الأسرى قائلاً: «استوصوا بالأسرى خيراً».
في مكة ذاغت وأذيعت الأخبار التي تحكي هزيمة قريش في غزاة بدر، ومقتل صناديدهم، بينما أصبح أكابرهم وذوو الرأي منهم مقرنين في الأصفاد، يرهق وجوههم فتر الذل والهوان وخافت زينب وابنتها أمامة على أبي العاص من أن يكون من الذين لقوا حتفهم، ولاقوا منيتهم بأيدي فرسان المسلمين، إلا أن الأنباء جاءت لتؤكد أن أبا العاص هو أسير، وهو في عداد الأسرى، وتحت رعاية رسول الله صلى الله عليه وسلم
أخذ المشركون من أهل مكة يعدون العدة، كيما يذهبون في فداء الأسرى وتجهز عمرو بن الربيع أخو أبي العاص ليقدم مكة في فداء أخيه.
وفي تلك اللحظات، رأت الفتاة الصغيرة أمامة بنت أبي العاص موقفاً عطراً لأمها، لا تزال ذكراه تلوح في ذاكرتها طيلة حياتها، وكذلك يلوح ذلك الموقف في ذاكرة العابدين إلى يوم يبعثون.
رأت أمامة والدتها زينب وهي تنتزع قلادة لطيفة من عنقها، لتبعثها في فداء أبيها أبي العاص، وكانت زينب قد روت لابنتها أمامة قصة هذا العقد النفيس وكيف أهدتها إياه أمها خديجة في يوم زفافها، وظل هذا العقد الكريم اللطيف يذكرها بالطاهرة خديجة التي تثوي عنها غير بعيد.
انطلق عمرو بن الربيع يحمل الفداء وفي المدينة المنورة تقدم فقال لرسول الله : بعثتني زينب بنت محمد بهذا في فداء زوجها؛ أخي أبي العاص بن الربيع.
وأخرج عمرو بن الربيع العقد الفريد النفيس كيما يقدمه لرسوله الله صلى الله عليه وسلم، فإذا به يرى رسول الله ﷺ قد رق رقة شديدة، وبدأ وجهه الشريف وقد ظهر عليه التأثر، فقد تذكر الطاهرة خديجة، وتذكر ابنته زينب، وتذكر حفيدته وسبطته أمامة.
في صوت ملائكي عذب جميل، توجه النبي الكريم ﷺ نحو أصحابه وقال لهم: «وإن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها، وتردوا عليها مالها، فافعلوا» وهتف الصحابة الكرام في قلوب خاشعة مؤمنة: نعم يا رسول الله، حباً وكرامة .
ورد العقد ليصير إلى صاحبته، بينما أطرق أبو العاص خجلاً من ذلك الموقف الذي زرع في نفسه بذور الإيمان، وقبل أن يغادر أبو العاص المدينة، أخذ عليه الرسول ﷺ العهد أن يخلي سبيل زينب وأمامة حتى تهاجران إلى المدينة إلى رسول الله ؛ فهل وفى أبو العاص بما وعد ؟!
المهاجرة الصغيرة
قَفَل أبو العاص راجعاً إلى مكة يدفعه شوق إلى صغيرته أمامة، وإلى زوجه الطاهرة البارة زينب بنت رسول الله ﷺ، فاستقبلته زينب بدموع حائرة حارة، بينما احتضن صغيرته أمامة التي أحست بأن شيئاً ما قد حدث في غياب أبيها. وقفت أمامة لتسمع من أبيها، وهو يخاطب أمها قائلا: لقد وعدت أباك أن أبعثك للرحيل، وأكرمي أمامة. تجهزت زينب، وأعدت ما تحتاجه في هجرتها، وراحت تجهز ابنتها أمامة، كانت عواطفها موزعة بين أبيها وزوجها، ولكن طاعة الله ورسوله أولى، وهمست في هدوء متضرعة إلى الله تعالى أن يشرح صدر زوجها إلى الإسلام، فيسعد مع السعداء، فقد كانت زينب وابنتها أمامة من المستضعفين من النساء والولدان ولا تملك إلا الدعاء واللجوء إلى الله أن يفرج عنها كربتها. وخرجت زينب وابنتها أمامة يصحبهما كنانة بن الربيع أخو أبي العاص كان الوقت نهاراً، وساء قريش أن تخرج هذه الظعينة من بين أظهرهم في رابعة النهار، فأظلمت الدنيا في أعينهم، وخرج رجال من قريش في طلبها حتى أدركوها بذي طوى، وهناك روّعها هبّار بن الأسود بالرمح، ونخس البعير، فألقى راكبته على الأرض، ورأت أمامة ذلك المشهد فتأثرت لهؤلاء الأجلاف الذين خرجوا ليقفوا بوجه امرأة ضعيفة بكامل سلاحهم!! هؤلاء أنفسهم هم الذين ولوا الأدبار في يوم بدر، وما يوم بدر منهم ببعيد.
وعادت زينب وأمامة إلى مكة وهي تشعر بالمرض ، ثم نشطت بعد ذلك فخرجت مهاجرة، وقد صحبت ابنتها لتكتب في قائمة المهاجرين إلى الله ورسوله ﷺ. وفي المدينة المنورة، استقبل الحبيب المصطفى ابنته زينب وحفيدته أمامة وجعلها في مكان قريب منه، وراح يغدق من عطفه وحبه على الصغيرة أمامة التي كانت أول مولودة لبناته، فكان لها مكانة عظمى في قلبه. لقيت أمامة ابنة أبي العاص من أخلاقي جدها، ما جعلها تنشأ نشأة متميزة فريدة في ظلال الآداب النبوية الكريمة لتغدو واحدة من نساء الإسلام الشهيرات، وواحدات من نساء أهل البيت الطاهر الذي أذهب الله عنه الرجس وطهره تطهيراً، فقد كانت ترى مكارم الأخلاق النبوية، وتلمس ذلك العطف النبوي الذي عوضها عن عطف أبيها الذي لا يزال في مكة مشغولاً بتجارته وأمواله.
وكانت الأيام والشهور تمر، وأمامة تعيش في كنف جدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، تلقى الأنس والطيب والرعاية الكاملة، إلى أن من الله عز وجل على أبيها بنعمة الإيمان قبل فتح مكة، ورد عليه رسول الله ابنته زينب.
روى الإمام أحمد وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: رد النبي ﷺ ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع بعد ست سنين بالنكاح الأول، ولم يحدث نكاحاً.
وسعدت أمامة بإسلام أبيها، وعاد إلى البيت ذلك الهدوء اللطيف، وذلك الوئام ، ونعم أبو العاص بنعيم الإسلام، كما نعم بقرب ابنته أمامة التي كان يرى فيها صورة جدتها الطاهرة خديجة رضوان الله عليها. كان صوت أمامة يرن في جنبات الدار، وكانت أمها زينب سعيدة بها غاية السعادة، بينما كان أبو العاص يشعر بفيض من الحنان يغمر قلبه ويغزو نفسه، فلا يملك أحاسيسه، فيقبل على صغيرته، ويضمها إلى صدره في عطف، ثم يقبلها في حب أبوي، وتستخرج ما بنفسه من ينابيع المودة والعطف والرحمة.
وكان رسول الله ﷺ من أكثر الناس سروراً بإسلام صهره أبي العاص بن الربيع، ويبدو وأن سروره، نابع من وفائه للطاهرة خديجة أم المؤمنين رضوان الله عليها، فقد كانت خديجة تعد ابن أختها أبا العاص بن الربيع بمنزلة ولدها، وكان يكرمه إكراماً لها، وتمنى لو أن الطاهرة خديجة قد شهدت إسلام ابن أختها الأثير لديها، وإن نفسه لتحب كل من أحبت خديجة رضي الله عنها .
مَكَانَةُ أَمَامَةً وَحُبُّ النَّبِيِّ لَهَا
عرف الصحابة الكرام رضوان الله عليهم رأفة النبي بالأولاد، وعطفه عليهم، وتعلموا منه هديه في تربيتهم والإحسان إليهم، والعطف عليهم.
ولأمامة ابنة أبي العاص رضي الله عنها نصيب وافر من حب النبي الكريم ﷺ، ومساحة واسعة من ودّه ورحمته بها، ولئن كان للحسن والحسين رضي الله عنها مكانة عظيمة عنده، لقد كان لأمامة مكانة لا تقل عن مكانة ابني خالتها فاطمة الزهراء. كانت أمامة ابنة زينب رضي الله عنها كلما تقبل نحو رسول الله ﷺ، يهفو قلبه الشريف إليها، إنه يحبها بكل جوارحه. إن قلبه الكبير يسع حب أبنائه وحب بناته، وحب أحفاده، وكذلك حب أصحابه وحب المسلمين، وحب البشر أجمعين، فما أرسله الله إلا رحمة للعالمين، وكذلك وصفه بأنه {بالمؤمنين رؤوف رحيم} [التوبة : ۱۲۸].
لقد كان لأمامة رضي الله عنها مكانة متميزة عند رسول الله ﷺ، فقد كان يصحبها معه أحياناً إلى المسجد النبوي الشريف، ويحملها في الصلاة على عاتقه، فإذا ركع وضعها، وإذا رفع رأسه الشريف من السجود أعادها. فقد ورد في الصحيح والسنن وغير ذلك مصداق ما ذكرناه؛ ففي صحيح مسلم – رحمه الله – عن أبي قتادة أن رسول الله ﷺ كان يصلي، وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ، ولأبي العاص بن الربيع، فإذا قام حملها وإذا سجد وضعها.
وفي رواية أبي داود – رحمه الله – صورة واضحة عن مكانة أمامة رضي الله عنها؛ فقد أخرج أبو داود بسنده عن أبي قتادة صاحب رسول الله ﷺ قال: بينما نحن ننتظر رسول الله ﷺ في الظهر، أو العصر، وقد دعاء بلال للصلاة، إذ خرج إلينا، وأمامة بنت أبي العاص بنت ابنته على عنقه، فقام رسول الله ﷺ في مصلاه، وقمنا خلفه، وهي في مكانها الذي هي فيه.
قال: فكبر فكبرنا .
قال : حتى إذا أراد رسول الله أن يركع، أخذها فوضعها، ثم ركع وسجد، حتى إذا فرغ من سجوده ثم قام، أخذها فردها في مكانها، فما زال رسول الله ﷺ يصنع بها ذلك في كل ركعة حتى فرغ من صلاته.
وكان الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم يكرم حفيدته أمامة إكراماً عظيماً، ويخصها بعطفه، ويحبها محبة شديدة، فربما فضلها على أهل بيته بمحبته لها، وربما خصها بالهدية كيما يدخل السرور إلى قلبها، وكيما يعرف نساء أهل البيت النبوي مكانة أمامة من قلبه الشريف، وهذا الذي لاحظته فاطمة الزهراء رضي الله عنها، مما جعلها تقتدي بأبيها، وتهتدي بهديه، ولعلها أوصت زوجها علي بن أبي طالب وهي مريضة – أن يتزوج أمامة بنت أبي العاص – كما سنرى ..
ولعل حب النبي ﷺ لحفيدته أمامة، قد فجّر ذات مرة الغيرة في نفوس نسائه الطاهرات وخاصة أمنا عائشة، ولكنها لما علمت أن هذا الحب وهذا الاهتمام منصرف إلى هذه الحفيدة الكريمة الغالية، ذهبت عن نفوسهن بوادر الغيرة.
روت المصادر الوثيقة، عن أمنا عائشة الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها أنها قالت: أهدي لرسول الله ﷺ قلادة من جزع ملمعة بالذهب، ونساءه مجتمعات في بيت كلهن، وأمامة بنت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي بنت أبي العاص بن الربيع، جارية تلعب في جانب البيت بالتراب.
فقال رسول الله : – أي لنسائه – : وكيف ترين هذه؟
فنظرنا إليها فقلنا: يا رسول الله ما رأينا أحسن من هذه قط ولا عجب!
فقال: أرددنها إليّ.
فلما أخذها قال: والله لأضعتها في رقبة أحب أهل البيت إليه.
قالت عائشة رضي الله عنها : فأظلمت على الأرض بيني وبينه خشية أن يضعها في رقبة غيري منهن، ولا أراهن إلا قد أصابهن مثل الذي أصابني، ووجمن جميعاً، فأقبل بها حتى وضعها في رقبة أمامة بنت أبي العاص، فسري عنا.
لقد اعتقدت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن تلك القلادة الجميلة الحسنة، ستكون من نصيبها، فهي تدرك مكانتها المتميزة عن أمهات المؤمنين في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن رسول الله ﷺ أَعْلَق القلادة في عنق أمامة رضي الله عنها، وهذه منقبة كريمة لأمامة إحدى نساء أهل البيت الطاهر الذي أذهب الله عنه الرجس وطهره تطهيراً.
وقد حظيت أمامة أكثر من مرة بهدية نبوية تنمّ عن حب النبي ﷺ لها، ورعايته لشأنها، وكان من شدة حبه لها واهتمامه بها يدعوها «يا بنية». عن أسماء بنت أبي بكر الصديق عن أختها عائشة أم المؤمنين، أن النجاشي ملك الحبشة – أهدى رسول الله ﷺ حلية فيها خاتم من ذهب، فأخذه، وإنه امعرض عنه، فأرسل به إلى ابنة ابنته زينب فقال: «تحلي بهذا يا بنية»
فراقُ الأحباب
في بداية السنة الثامنة من الهجرة النبوية، وبعد أن مضى عام على إسلام أبي العاص بن الربيع بدأت زينب ابنة رسول الله ﷺ رحلة الخلود، وكانت قد لزمتها الأمراض منذ أن هاجرت إلى أبيها، وها هي في أيامها الأخيرة تنظر إلى ابنتها أمامة نظرة إشفاق، وتذكرت في تلك اللحظات أمها خديجة عندما أهدتها قلادة يوم زفافها، ولكن ماذا ستقدم هي لابنتها أمامة ؟! إن المرض بدأ يغالبها، ويتغلب عليها، وفي مستهلّ سنة ثمان من الهجرة توفيت زينب ابنة رسول الله ﷺ، وشعرت أمامة بالفراغ الكبير الذي تركته أمها، ولم تملك إلا دموعها، وهي ترى أنها مسجاة في فراشها، وقد ودعت الدنيا لتكون عند مليك مقتدر.
وجاء رسول الله ﷺ ليشهد وفاة ابنته، وكانت أم عطية الأنصارية قد غسلتها، فدفع لها إزاره، واستودعها الله عز وجل.
روت أم عطية رضي الله عنها ذلك فيها أخرجه البخاري عنها قالت: دخل علينا رسول الله ﷺ ونحن نغسل ابنته، فقال: «اغسلنها وتراً أو خمساً، أو أكثر من ذلك بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافوراً، فإذا فرغتن فآذنني» فلما فرغنا آذناه، فألقى إلينا حِقوه فقال : «أشعرنها إياه»
وأصبحت أمامة ترى دار أمها ساكنة سكون القبور، موحشة بلا حياة، فقد ذهبت الحبيبة التي كانت نبض بهجتها، وروح أنسها، وأنس روحها، ونظرت أمامة فرأت قلادة أمها، تلك القلادة التي كانت لجدتها خديجة، ولطالما حدثتها أمها عن جدتها خديجة، وعن مكانة هذه القلادة عند رسول الله ﷺ، وكيف أكرم رسول الله أباها عندما وقع أسيراً في غزوة بدر.
تذكرت أمامة كل هذا فاستعبرت، فضمها أبو العاص إلى صدره في حنان، وأخذ يمسح عن عينيها دموع الحزن، فقد وجد في ابنته ما يخفف بعض حزنه على زوجه زينب. وكان رسول الله ﷺ يكرم أمامة، فقد وجد فيها ما يخفف حزنه على زينب ويذكره بذكرى عطرة، ذكرى الطاهرة خديجة رضي الله عنها التي قضت نحبها منذ أكثر من عقد من الزمن.
عاشت أمامة مرعية الجانب في البيت النبوي، ويبدو أنها عاشت في كنف خالتها فاطمة الزهراء رضوان الله عليها، وراحت الزهراء تفيض عليها من حنانها وعطفها ما تغمر به أولادها الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم؛ وكانت تعدها لتكون إحدى النساء الشهيرات في دنيا الفضيلة والفضائل؛ وما ظنك بإمرأة يشرف عليها رسول الله ﷺ، وتكرمها فاطمة الزهراء رضي الله عنها ؟! ومضت الأيام والحبيبة النبوية أمامة تنعم في كنف أكرم بيوت الدنيا، ولكن ما إن جاء شهر ربيع الأول من السنة الحادية للهجرة حتى توفي رسول الله ﷺ، وانتقل إلى الرفيق الأعلى، فدخل حزن عظيم على قلب أمامة بفقده، وكذلك أصيب المسلمون به جميعاً، وأحست أمامة بأنها فقدت الركن الكبير في حياتها بوفاته . وعاشت أمامة رضي الله عنها تحت رعاية خالتها فاطمة الزهراء، وصنعت على عينها، إلا أن فاطمة الزهراء رضي الله عنها لم تمكن بعد أبيها طويلا، وإنما مرضت، وذوى جسمها، وأخذ الموت يزحف إليها كيما تلحق برسول الله ﷺ، تحقيقاً لما أخبرها به بأنها أول أهله لحوقاً به.
وجاءت أمامة، وألقت نظرة على خالتها فاطمة الزهراء، فتسور الحزن صدرها، واعتصر الأسى قلبها، فقد عاشت في كنف خالتها الزهراء بعد موت الأحبة، أنها زينب، وجدها رسول الله ﷺ، فآنستها الزهراء بعطف حنانها، وحنان عطفها، وحبها لها، آلام اليتم، وإيلام الفراق، فكانت لها أما بعد أمها، وسدت بعض الحب و العطف بعد جدها رسول الله ﷺ، وقفزت إلى ذهن أمامة فكرة صعبة، ماذا لو ماتت خالتها فاطمة الزهراء ؟! إنها ستكون قد تجرعت قسوة اليتم مرتين، بل ثلاث
أمها، جدها وخالتها.
ولكن الزهراء لم تلبث إلا ستة أشهر بعد وفاة أبيها رسول الله ﷺ، وماتت لتلحق به في عليين، بعد أن أوصت زوجها علياً أن يتزوج أمامة ابنة أبي العاص. وبكت أمامة خالتها فاطمة الزهراء بكاء مريراً، ووجدت لفقدها، وأحست باليتم الحقيقي، لقد ذهب الأحبة واحداً تلو الآخر، وها هي تنظر إلى أبيها أبي العاص الذي بقي أملها الوحيد في هذه الحياة. وفي السنة الثانية عشرة من الهجرة، وفي شهر ذي الحجة من السنة نفسها، كان أبو العاص بن الربيع يودع الأيام الخيرة من دنياه، وقد ألزمه المرض الفراش، فإذا به يلقي نظرة على ابنته أمامة التي فقدت الأحبة، وها هو في طريقه إليهم في رحلة خلود. رأى أبو العاص ابنته أمامة وقد تخطت مرحلة الطفولة، إنها تذكره بأمها وجدتها خديجة، ووقع نظره على القلادة في جيدها، إنها قلادة خديجة التي قدمتها إلى زينب في ليلة زفافها ترى من يقدم القلادة لأمامة الآن؟! تلاشت الأفكار والذكريات من رأس أبي العاص، ورفت على شفتيه ابتسامة رقيقة، كأنه تذكر أن سيلحق برسول الله ﷺ وخديجة وزينب، كانت أمامة تقف أمام أبيها وهو يجود بأنفاسه الأخيرة، لتصعد روحه إلى بارئها راضية مرضية.
هنالك شعرت أمامة بأنها أضحت وحيدة في هذه الدنيا بعد فقدان الأحبة. أمها .. جدها .. خالتها .. وأبوها . ولكن الله عز وجل سيكرمها، وستغدو إحدى النساء الفاضلات في دنيا الفضل، وكيف لا ؟ وهي من أهل بيت حظي بإكرام الله عز وجل
زَوَاجُهَا مِنْ فَارِسِ الْمُسْلِمِينَ
أصبحت أمامة بنت أبي العاص رضوان الله عليها وحيدة بعد ذهاب الأحباب، إلا أنها استسلمت لقضاء الله وقدره، فإذا بصوت خالتها فاطمة الزهراء يرن في وجدانها، وهي توصي علي بن أبي طالب – عندما كانت تجود بأنفاسها – أن يتزوج أمامة بنت زينب.
هذا وقد كان أبو العاص بن الربيع رضي الله عنه أوصى قبل وفاته ابن خاله الزبير بن العوام رضي الله عنه ليكون ولياً لأمامة، وعاشت أمامة في كنف الزبير وزوجه أسماء بنت الصديق رضي الله عنهم جميعاً.
وكان الزبير وزوجه أسماء يكرمان أمامة أشد الإكرام، فهما يعلمان مكانتها من قلب رسول الله ﷺ، لذا فقد كانا يحرصان كل الحرص على مرضاته حياً وميتاً. وفي خلافة الفاروق عمر، تزوجها سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقد زوجها الزبير بن العوام، وبهذا نفذت وصية فاطمة الزهراء رضي الله عنها.
أقامت أمامة مع علي رضي الله عنهما طيلة الخلافة الراشدة تقتبس من معين معارفه الواسعة، ثم شهدت معه وقائع العصر الراشدي، كما شهدت انتقاله إلى الكوفة، وظلت معه أكثر من ربع قرن من الزمن إلى أن قبل غدراً سنة أربعين في ليلة الأحد لإحدى وعشرين ليلة مضت من شهر رمضان، وبكته أمامة رضوان الله عليها بكاء مراً، وكان مشهدها وهي تنظر إليه إذ هو على فراشه يؤثر بالنفوس، ويفتت الأكباد.
وتبارى الشعراء في رثاء سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ووصف حال أمامة التي آلمها موت زوجها .
قالت أم الهيثم بنت الأسود النخعية ترثي علياً، وتذكر أمامة بنت أبي العاص من قصيدة طويلة، نقتطف منها بعض الأبيات الكاشفة ومطلعها :
الا ياعين ويحك أسعد ينا … ألا تبكي أمير المؤمنينا
ثم تقول :
أفس شهر الصيام فجعتمونا
بخير الناس طرّا اجمعينا
ولو أنا سئلنا المال فيه
بذلنا المال فيه البنين
اشاب ذؤابتي وأطال حزني
أمامة حسين فارقت القرينا
تطوف بها لحاجتها إليه
فلما استياست رفعت رنينا
في سجل الخالدات
عندما كان سيدنا علي رضوان الله عليه على فراش الموت بعد تلك الضربة الغادرة، وأيقن بالشهادة، دعا زوجه أمامة إليه وأوصاها قائلاً:
“إن كان لك في الرجال حاجة فقد رضيت لك المغيرة بن نوفل عشيراً” وأوصاها الا تخرج عن رأي المغيرة بن نوفل.
مكثت أمامة بعد علي رضي الله عنها حتى انقضت عدتها، ثم انقضت عدتها، ثم انتقلت أمامة إلى المدينة المنورة، وكان واليها مروان بن الحكم. فلما انقضت عدتها، بعث معاوية رضي الله عنه كتاباً إلى واليه مروان بن الحكم بأمره أن يخطبها عليه، وبذل لها مبلغاً كبيراً من المال، وهنالك تذكرت أمامة وصية علي رضي الله عنه، فجاءت إلى المغيرة تستأمره، فقال لها : أنا خير لك منه، فاجعلي أمرك إلي؛ ففعلت.
وإذ ذاك دعا المغيرة بن نوفل المطلبي الهاشمي رجالاً من بني هاشم فيهم الحسن بن علي رضي الله عنهما، وأشهدهم على زواجها، وتزوجها، وبهذا نفذت وصية سيدنا علي رضوان الله عليه.
أقامت أمامة زمناً مع المغيرة، حتى وافاها الأجل في دولة معاوية رضي الله عنه، ولم تلد لعلي ولا للمغيرة.
ولا تعرف الزمن الذي قضته أمامة مع المغيرة بن نوفل، ولكنا نعرف أنها توفيت عنده.
وبموت أمامة ابنة أبي العاص انقطع عقب زينب بنت رسول الله ﷺ وكذلك لم يكن لرقية أو أم كلثوم عقب، بل بقيت الذرية الطاهرة لفاطمة الزهراء رضي الله عنها.
وفي مجموعة الخالدات من أهل البيت النبوي الطاهر، تظل أمامة بنت أبي العاص إحدى نسائه الظاهرات اللاتي يلن محبة النبي ﷺ، وقرن بشهادة الطهارة الربانية التي عنوانها: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} [الأحزاب: ۳۳] – رضي الله عن أمامة، وأحلها دار المقامة.
(نساءُ أهل البيت في ضوء القرآن والحديث)










