فاطمة بنت رسول الله رضي الله عنها

– سيدة نساء أهل الجنة، وأصغر بنات النبي ﷺ وأشهرهن، وفضائلها لا تحصى ولا تحصر .
تزوجها فارس الإسلام وبطل المسلمين علي بن أبي طالب وهي ام الحسنين، ومن رواة الحديث النبوي.
ـ قال رسول الله ﷺ : «إنما ابنتي بضعة مني يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها»
– اختص الله عز وجل فاطمة الزهراء بالذرية الطاهرة.
– قالت عائشة أم المؤمنين: ما رأيتُ أفضل من فاطمة غير أبيها .
ماتت فاطمة بعد أبيها بستة أشهر ودفنت بالبقيع.

الزَّهْرَاءُ وَالبِدَايَةُ العَطِرَةُ
لو قدر في يوم من الأيام، أن تُصَاغَ الكلمات من عبير الزهر، ورحيق الوَرْدِ، وتُكتب بها سير النبلاء، وحياة الفضلاء، لكانت سيدتنا الزهراء أحق الناس في هذا، كيما تكون سيرتها ندية شذيّة عطرة ؛ كتابة وقراءة وسماعاً وحفظاً .
فالزهراء رضوان الله عليها جوهرة فريدة بين النساء ؛ اختصت بمكارم حسان لم ترق إليها امرأة قط في عَصْرٍ من العصور؛ فهي البَضْعَةُ النبوية الطاهرة، وأم الفضائل الكريمة الباهرة، ابنة الرسول الكريم ﷺ، وابنة أحب أزواجه إليه، وهي زوج أقرب أصحابه منه، قد اختصت بالذرية الطاهرة من أولادها.
وليتني أستطيع كتابة حياة الزهراء على أوراق الوَرْدِ بفتات المسك، لتكون سيرتها حياة كل بيت، وتكون معالمها في كل وردة تفوح منها رائحة المسك، وليس هذا فحسب ، بل لتكون سيرتها قدوة لكل امرأة تريد مرضاة الله عز وجل في هذه الحياة الدنيا، لتفوز بنعيم الدار الآخرة.
إن سيرة نساء أهل البيت خير زاد لنساء الدنيا في كل الأزمان، حيث تجعل القلوب تتدفق بنور اليقين؛ وتتصل بحبل من التقى والتقوى، بأولئك اللاتي نُظِمْنَ فِي عِقْد فريد، وَنِلْنَ التشريف بالارتباط في بيت النبوة الكريم، فكن سادة النساء في دنيا السيادة .
الزهراء ؛ فاطمة بنت إمام المتقين رسول الله محمد بن عبد الله بن عبد المطلب القرشية الهاشمية التي يطيب الحديث عنها ومعها اليوم، فهي ريحانة البيت الطاهر الذي أحله الله عز وجل مكانةً رفيعة في قلوب المؤمنين، ونفوس المحبين، وهي سيدة نساء العالمين في زمانها، البضعة النبوية، والجهة المصطفوية، أم الحسَنَيْن رضي الله عنها وأرضاها. كانت فاطمة رضي الله عنها أصغر بنات النبي ﷺ، وأحبهن إليه، واختلف في أيتهن أصغر، والذي تسكن إليه النفس، ويرتاح له اليقين على ما تواترت به الأخبار من ترتيب بنات رسول الله ﷺ أن أكبر من زينب، تليها رقية، ثم ام كلثوم، ثم الرابعة فاطمة الزهراء رضي الله عنهن.
وذكر الإمام شمس الدين الذهبي – رحمه الله – أن فاطمة قد ولدت قبل البعثة بقليل في مكة أم القرى؛ وذكر الحافظ ابن حجر – رحمه الله – أنها تلقب بالزهراء، وكانت تكنى أم أبيها”

الزهراء أم أبيها
إذا أحببنا أن نجمل صفات فاطمة الزهراء رضوان الله عليها بكلمة واحدة تغني عن كلمات وكلمات، تستطيع أن نقول : إنها أم أبيها، حيث دَرَجَتْ في بيت أبويها، ومن أبواها ؟ سيدنا وحبيبنا رسول الله ﷺ أكرم خلق الله على الإطلاق، المبعوث رحمة للعالمين .
وسيدتنا وأمنا خديجة الطاهرة سيدة نساء العالمين، وأكرم امرأة على الرسول صلى الله عليه وسلم، وأحبهن إلى قلبه الشريف.
إذن، لقد خرجت فاطمة في دار عظيمة، كانت مقبلة على أمر عظيم، لم تكن في غيره من دور مكة، بل دور الدنيا … لا ريب أنك عزيزي القارىء تسألني ما الأمر العظيم إذ ذاك؟ أقول : هو أمر الدعوة الإسلامية التي اختص الله عز وجل نبيه محمداً بحملها وتبليغها إلى الناس كافة.
على مائدة التقى والطهر، فتحت فاطمة عينها، ونشأت على أنقى التقى، بين الصلوات والتسبيحات التي تنبعث من فم أبيها وأمها، وهذا كان له كبير الأثر في تكوين شخصيتها الفريدة بين نساء أهل البيت رضي الله عنهن، إذ كانت الزهراء الوحيدة – تقريباً – في بيت أبويها ، حيث تزوجت كبرى أخواتها زينب، ثم رقية، ولم تبق معها إلا أم كلثوم التي تكبرها بقليل.
في ربى رياض قلبين كبيرين؛ قلب أبيها، وقلب أمها، نعمت فاطمة الزهراء بحنانها، وقطفت من زهر رياضهما الحب والعطف والرحمة، فحظيت بالحنان منهما، لكونها أصغر الذرية الطاهرة في البيت المحمدي.
وفي جنة أبويها، تبوأت الزهراء مكاناً علياً، فتعلمت منهما ما لم تتعلمه فتاة في مكة أو غيرها .
تعلمت آيات من الذكر الحكيم، كان الوحي الأمين يهبط بها ندية على الرسول الأمين محمد صلى الله عليه وسلم.
ففي مهد الإيمان نشأت الزهراء نشأة جد واعتكاف نشأة وقار وحياء فكانت ساكنة النفس، قوية القلب صافية السريرة، لا تعرف إلا الإيمان، ولا يعرفها إلا الإيمان.
في تلك الدار المباركة علمت الزهراء – على مر السنين – أنها سليلة شرف لا يدانى، ومكانة لا تبارى، ونقاء لا يجارى جمعت إلى عراقة النسب، وكرامة المحتد، كريم الصفات، وجميل المحاسن، فغدت متفردة بين بنات قومها، بل بنات الدنيا
بأسرها.
بعد وفاة خديجة أم الزهراء، كانت الزهراء تنهض بأعباء البيت النبوي، وترعى أباها الكريم، وتفيض عليه من عطفها وحبها، حتى دعاها أصحاب رسول الله ﷺ بأم النبي أو أم أبيها … لقد نشأت فاطمة الزهراء رضي الله عنها وهي تسمع كلام أبيها أبلغ البلغاء، وأفصح الفصحاء، وسمعت آيات القرآن الكريم تتلى في الصلوات، وفي سائر الأحايين والأوقات، فغدت لا تخرج عن ضوء القرآن الكريم، أو الحديث الشريف في كل ما تقوم به من عمل.

الزَّهْرَاءُ والبَعْثَةُ المُحَمَّدِيَّة
لما ولدت فاطمة رضي الله عنها، استقبلها خير أب على الإطلاق، وخير أم بين الأمهات، فنشأت في خير نشأة، وأخذت عنهما صفاتها الجليلة، واقتسبت أعمالها الكريمة، فكانت سيدة نساء العالمين. ولما بعث الحبيب المصطفى كانت فاطمة الزهراء تعقل ما يقال، فأسلمت وهي صغيرة مع إسلام أمها وأخواتها زينب ورقية وأم كلثوم بأدب القرآن الكريم، مع نزول أولى آياته، وأول أحكامه، وترفد ذلك بأدب النبوة العظيم، حتى احتلت مكانة عظمى في نفس رسول الله ﷺ لم تبلغها واحدة من نساء آل البيت النبوي الطاهرات.
أرسل الله عز وجل رسوله بالهدى ودين الحق إلى الناس كافة، وراح محمد رسول الله ﷺ يدعو إلى الإسلام سراً وجهراً، وبلغ قريشاً ما يدعو إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذها ما قرب، وما بعد، وطالت أحلامها من هذا الذي سفه أحلامها، ويسفه أصنامها، وما ورثته عن الآباء والأجداد.
ظهرت شرذمة من المعاندين الذين ركبوا طريق اللدد، ولجوا في العداوة وأخذوا على عاتقهم محاربة رسول الله ﷺ ودعوته ما بل بحر صوفة.
وأشار القرآن الكريم والحديث الشريف، وكتب المصادر إلى هؤلاء الكفرة، الذين سولت لهم أنفسهم النيل من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي مقدمتهم : أبو لهب بن عبد المطلب، وأبو جهل بن هشام، وأبي بن خلف، والعاص بن وائل، والنصر بن الحارث، وأم جميل بنت حرب وعتبة بن ربيعة، وعقبة بن أبي معيط، وأمية بن خلف وغيرهم كثير ، وكان من أشدهم عداوة وضراوة أبو جهل الذي طغى في عداوته وعدوانه إلى حد لا يُطاق، فأخذه الله أخذ عزيز مقتدر، وكانت نهايته في غزاة بدر على يد من كان يستضعفهم.
كان لفاطمة الزهراء رضي الله عنها مواقف زاهرة وضيئة، مع هؤلاء في مطلع البعثة النبوية بمكة المكرمة، وتصدت لهم أكثر من مرة، فأسكنتهم جرأتها، وخافوا دعوة أبيها ﷺ.
تروي المصادر الوثيقة أن رسول الله ﷺ قد دخل إلى الحرم، ومعه بعض صحبه، وجلس المسلمون، وقام رسول الله ﷺ يُصلي، وقد نجر جمل قُرْبَ أَحَدِ الأصنام، وبقي روته في كرشه، وبعض الدماء والأقذار، وكان أبو جهل بن هشام وعقبة بن أبي معيط، وبعض كفار فجار قريش في مجلسهم قرب الكعبة.
ورأى أبو جهل رسول الله ﷺ ساجداً يصلي الله رب العالمين، فاستخفه الحقد الأسود، والتفت إلى المجلس وقال لمن عنده أيكم يأخذ سلا هذا الجزور فيضعه بين كتفي محمد وهو ساجد ؟! فقام عقبة بن أبي معيط أشقى القوم – وكان مغموز النسب بينهم – فأخذ ذلك الفرث وجاء به، فألقاه على ظهر رسول الله ﷺ وهو ساجد، والقوم ينظرون فاستضحكوا ببلاهة شديدة، وجعل بعضهم يميل على بعض من شدة الضحك والسخرية، ولم يجرؤ أحد من المسعفين أن يلقيه عن ظهر النبي ﷺ، وإذا بفاطمة الزهراء قد أقبلت، ورأت الروث بين كتفي أبيها، فأسرعت إليه وألقته عن ظهره الشريف، وغسلت ما لحق به من أذى، ثم نظرت إلى الجبان الرعديد أبي جهل وعقبة بن أبي معيط ومن كان هناك من المستهزئين، فسبتهم وشتمتهم، فلم يرجعوا إليها شيئاً، وفوضت أمرها وأمر أبيها إلى العليم الخبير الذي بيده مقاليد السماوات والأرض.
ولما قضى رسول الله ﷺ الصلاة، رفع يديه واستقبل ربه وقال: «اللهم عليك بشيبة بن ربيعة، اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، اللهم عليك بعقبة بن أبي معيط اللهم عليك بأمية بن خلف» فلما سمع الفجرة المستهزئون صوت رسول الله ﷺ ، اختفتْ ضَحِكَاتُهم، واختنقت أصواتهم، وذهب عنهم السرور المصطنع، وخافوا دعوته خوفاً شديداً، إذ يعلمون سوء ما يصنعون. {سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} [الشعراء: ۲۷۷].
سرى هذا الخبر في مكة، وسمع القرشيون ما أسمعته فاطمة الزهراء، القساة الأكباد هؤلاء الذين استخف بهم الشيطان، وأغراهم ووعدهم الباطل فلم يزدد هؤلاء إلا عناداً، بل أُغْرِمُوا في المخاصمة، وراحوا يكيدون أشد الكيد رسول الله ﷺ، ويحسدونه على ما أتاه الله من فضله، وذلك لخبث نفوسهم المتعفنة، ولتكبرهم وتعجبهم من هذا الذي نشأ يتيماً، ثم دعاهم إلى عبادة إله واحد، هو الإله الواحد القهار، ووجدوا أنفسهم في واد سحيق لا يملكون حتى أنفسهم، فقد تبع واتبع رسول الله ﷺ كثيراً من أولادهم وبناتهم، وآمنوا بتوحيد الله، وشهدوا برسالة محمد عليه الصلاة والسلام، فازدادت النيران اضطراماً في قلوبهم حسداً وبغياً، وبدت البغضاء من أفواههم، وما تخفي صدورهم أكبر، وطفقوا يُسْمِعُونَ رسول الله ﷺ ما تعافه النفوس الكريمة، ولكنهم كانوا في ضلالاتهم يعمهون .
خرجت فاطمة الزهراء رضي الله عنها إلى الحرم ، فأَلْفَتْ أكابر المجرمين بقيادة أبي جهل، وهم جالسون في الحجر، وكانوا يتحدثون عن الدين الجديد وعن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين معه وراحوا يتحاورون، وقد سَمِعَتِ الزهراء إذ قالوا :إذا مر محمد فليضربه كل واحد منا ضربة وأسرعت فاطمة عليها سحابات الرضوان، ودخلت على أبيها، وقالت وهي تسترسل في البكاء : تركت الملأ من قريش قد تعاقدوا في الحجر، وحَلَفُوا باللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، وإساف ونائلة إذا هم رأوك يقومون إليك فيضربونك بأسيافهم فيقتلونك.
فقال الحبيب المصطفى لفاطمة في حنان وفي ثقة عظيمة بالله عز وجل : «يا بنية لا تبكي فإن الله تعالى مانع أباك».
وذهب وتوضاً، ثم خرج، فدخل عليهم المسجد، فرفعوا رؤوسهم ثم نكسوا، فأخذ قبضة من تراب فرمى بها نحوهم ثم قال: «شاهت الوجوه» ووقف رسول الله ﷺ وهو يصلي ولا يستطعون أن يتكلموا بحرف واحد، وألجمهم الخوف وركبهم الفزع، ووقفوا ينظرون إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام كأنهم خشب مسندة، وكانت الآيات الكريمة تنزل منذرة هؤلاء الأشرار بسوء المنقلب وبالخزي والعار.
ولفاطمة الزهراء رضوان الله عليه مواقف لا تنسى في مجال تحدي زعماء قريش ورؤسائهم، وقد تضيق الصفحات – هنا – عن الاسْتِيْعَابِ لِلمَا أَوْرَدَه تاريخ فاطمة الزهراء رضي الله عنها في التصدي لأبي جهل ومن شايعه من أكابر المجرمين؛ ومن الإصابة أن نشير إلى قصة تدل على ثبات فاطمة الزهراء في موقف عظيم زاخر بالجرأة زاهر بالعطاء من جوهرة النساء، فاطمة الزهراء.
يحكي تاريخ فاطمة الزهراء الزاهر، ما حدث بينها وبين لعين الكفر والوثنية الجبان أبي جهل بن هشام، فقد كانت فاطمة الزهراء رضي الله عنها تمر ذات يوم بأبي جهل، فإذا به يرميها بنظرة قاسية، ثم يلطمها لطمة قوية يودعها كل بغضه وحقده لأبيها ولها، وتتألم سيدة النساء فاطمة الزهراء ألماً شديداً لهذه اللطمة الحاقدة، وتنظر إلى الرعديد أبي جهل الذي تطاول على فتاة لا تملك سلاحاً، ولا قوة، فيضربها، فتنزل منزلته إلى الحضيض في ذلك المجتمع الذي يحتقر مثل هذه الأعمال.
وأبصرت فاطمة الزهراء أبا سفيان بن حرب – وكان حاكماً في قريش – فشكت إليه ما فعل النذل الجبان أبو جهل، فإذا بأبي سفيان تأخذه حمية الحق، فيرجع بفاطمة الزهراء إلى حيث يجلس أبو جهل، ثم يقول لها: الطميه قبحه الله … وتلطم فاطمة الزهراء رضي الله عنها أبا جهل كما لطمها، وتقتص لنفسها، وإذا بأبي جهل ينكس رأسه خزياً، وقد جلله العار من إقدامه على هذه الفعلة المشينة الشنيعة.

وتذهب فاطمة الزهراء رضوان الله عليها، إلى أبيها رسول الله ﷺ وتقص عليه القصص بما كان، فيقول : «اللهم لا تنسها لأبي سفيان» واستجاب الله عز وجل للرسول الكريم دعوته، وفتح على بصيرة أبي سفيان، فأسلم عام الفتح فكان في ركب السعداء.

الزُّهْرَاءُ وَعَامُ الْحُزْنِ

كانت السنون تمر ورسول الله يدور على مجالس قريش، يدعوهم إلى عبادة الله الخالق الباري، المصور، وإلى الإسلام الدين القيم القويم، فيلقون إليه أسماعهم مرة، ويعرضون عنه مستهزئين مرات، والرسول الكريم صابر يصدع لأمر الله، وكان يلقى من عطف زوجه خديجة، ورعاية ابنته فاطمة الزهراء، ما ينسبيه قسوة ما يتحمل من الام وإيلام.
وكانت فاطمة الزهراء رضي الله عنها تنظر بعين البصيرة إلى أمها خديجة حاضنة الإسلام، وهي تمسح لوعة الأسى عن قلب رسول الله ﷺ حينما يؤذيه قومه، وكانت ترى أمها خديجة أيضاً وهي تهون عليه ما يقاسيه من عذاب واضطهاد، وتزوده بثقة في نفسه، وتؤيده بكل ما تملك من قوة مادية وروحية، فكانت فاطمة الزهراء رضي الله عنها تسلك الطريق نفسه في رعاية أبيها رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يأخذ بيد البشرية إلى ينابيع النور، وروافد الإخلاص، ومناهل العرفان، وحبل الاعتصام بتقوى الله عز وجل.
مضت بضع سنين على الدعوة المحمدية، فإذا بكفار قريش يجتمعون قرب الكعبة ووجوههم باسرة، وعقولهم مشتتة، وقلوبهم تنزف غضباً وحقداً وكراهية فأمر محمد رسول الله ﷺ يشتد، وأتباعه يزيدون يوماً بعد يوم، وها هو سيد فتيان قريش حمزة بن عبد المطلب يعلن إسلامه، ثم يتلوه عمر بن الخطاب، ويعلو أمر المسلمين، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل أطار عقول الكافرين أن بعض هؤلاء المسلمين، قد تمكنوا من أن ينسلوا إلى الحبشة، وأن ينزلوا بلداً أصابوا به أمناً، وكانوا في خير دار عند خير جار.
راح رؤوس ورؤساء الكفار يتشاورون في أمرهم، فرأوا أن هناك أمراً قد يجدي نفعاً لهم، واقترح النضر بن الحارث أحد أحلافهم وكبارهم حلا، ظن أنه سيلقي الستار على الدعوة المحمدية، ومن ثم تتلاشى إلى الأبد.
وأخذ النضر بن الحارث يعرض ما أتى به، واقترح على عصبة الشرك منابذة بني هاشم، وبني المطلب، وإخراجهم من مكة، وحضرهم في شعب أبي طالب والتضييق عليهم بمنع حضور الأسواق، وأضاف إلى اقتراحه الخبيث بأن لا يناكحوهم، وألا يقبلوا لهم صفحاً، ولا تأخذهم بهم رأفة، حتى يسلموا رسول الله ﷺ لهم كيما يقتلوه .
كان الملأ الفاجر، يستمع لما يقوله الفاجر النضر بن الحارث، فارتفعت الأصوات مؤيدة مرددة ما قاله النضر، وحسبوا أنهم سيفلحون، وسيصلون إلى مآربهم الدنيئة بهذه الفعلة الشنيعة.
وكتبوا بذلك صحيفة، وعلقوها في الكعبة توكيداً على أنفسهم أنهم قطعوا كل علاقة مع بني هاشم وبني المطلب، ودخل رسول الله ﷺ وبنو هاشم وبنو المطلب إلى الشعب، وكان دخولهم هلال شهر المحرم من سنة سبع من النبوة.
دخلت فاطمة الزهراء، ونساء أهل البيت النبوي وغيرهن من نساء بني هاشم وبني المطلب شعب أبي طالب، ومرت الأيام والزهراء ومن معها في ضيق، فقد نقد ما كان عندهم، وخوت البطون، وزاغت العيون، وتفككت الأوصال، وبكى الصغار، وراحوا يطلبون الطعام، وكانت دموع النساء تنهمر وأكباد الرجال تكاد تتفتت. راح الجوع يطارد بني هاشم والمطلب مؤمنهم وكافرهم، ولكن لم ينل ذلك منهم، وإنما ازدادوا إصراراً على نصرة محمد صلى الله عليه وسلم حتى مضت على الحصار الظلوم ثلاثة أعوام، هذبت فيها نفوس المؤمنين، ولقيت فاطمة الزهراء رضي الله عنها خلالها أذى شديداً، فوهن جسمها، ومرضت أمها خديجة نتيجة الحصار الأليم.
وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبنو هاشم والمطلب من الشعب بعد ثلاثة أعوام وهم يكبرون: الله أكبر الله أكبر، ولم تزدهم هذه المحنة إلا إيماناً وتسليماً.
في تلك الأثناء كانت أم المؤمنين خديجة تكابد ألواناً من الأسى والأمراض، فقد أثر في صحتها ذلك الحصار الأليم، مما جعلها طريحة الفراش، وقد قامت ابنتها الزهراء وابنتها أم كلثوم على شؤونها ورعايتها.
لكن الأيام لم تكن طويلة، فقد توفيت أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، وشعرت فاطمة الزهراء أنها فقدت ينبوع الحنان بينما تفجرت ينابيع الأسى بين ضلوع نساء أهل البيت لفقد خديجة وزيرة الإسلام، وحاضنة الدعوة منذ أن أزهرت إلى أن أينعت وأتت أكلها.
ومنذ أن توفيت خديجة راحت فاطمة الزهراء تقص آثارها، وتهتدي بهديها لتكون – فيما بعد – أشهر امرأة في نساء أهل البيت، بل في دنيا النساء.

الزَّهْرَاءُ وَأَحْدَاثُ الهِجْرَةِ
في العام العاشر من البعثة لحقت خديجة بالرفيق الأعلى، وبدأ المشركون يُلْحِقُونَ الأذى بالرسول الكريم ﷺ ، وبدأت فاطمة الزهراء رضي الله عنها تشهد الأحداث العظيمة التي يمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعاشت تفاصيلها ساعة فساعة ويوماً فيوم .
ومنذ أن ماتت خديجة رضي الله عنها نزل بدارها حزن عميق، شمل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفاطمة الزهراء، وأخواتها، فقد كانت خديجة تفيض على البيت النبوي من حنانها وكرمها ما جعله من البيوت المباركة الميمونة وخاصة بوجود سيدة نساء العالمين فاطمة بنت الرسول ﷺ ورضي الله عنها.
وخرج رسول الله ﷺ إلى الطائف يدعو أهلها إلى الله عز وجل، ولكنه قوبل بالاستهزاء، فرجع وهو يناجي ربه أعذب وأرق مناجاة تشير إلى عظمة رسول الله ﷺ الذي أرسله الله رحمة للعالمين.
دخل الحبيب المصطفى مكة، فخفت فاطمة الزهراء وأم كلثوم إليه يقبلانه والدموع تنهمر من أعينهما، وقص رسول الله ﷺ على فاطمة الزهراء ما فعل به سفهاء أهل الطائف، وتضاحكهم من دعوته، ولكنه أنبأها بأن الله عز وجل ناصر دينه، ومظهر نبيه، وأن الأمر بيده، وله الحكم، وسيجعل الله بعد عسر يسراً. وفتح الله عز وجل على قلوب الأنصار، واستقبلوا دعوة الدين الجديد بقلوب مفعمة بالحب والإعجاب، ودعوا رسول الله ﷺ ليحل في دارهم يمنعونه من الأحمر والأسود، ويمنعونه بما يمتعون نساءهم.
وأتى أمر الله سبحانه بالهجرة، فهاجر المسلمون إلى عرين الأنصار، ثم لحق رسول الله ﷺ أصحابه إلى المدينة.
أقامت فاطمة الزهراء وأختها أم كلثوم في بيت النبي ﷺ بمكة المكرمة،  وكانت معهما أم المؤمنين سودة بنت زمعة التي خطبها بعد خديجة، ثم جاء رسول من النبي ﷺ فصحب نساء البيت النبوي إلى المدينة، وكتب الله عز وجل لسيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء الهجرة في زمرة المهاجرين إلى الله ورسوله.
ذكر ابن إسحاق – رحمه الله – في السيرة أنه في طريق الهجرة إلى المدينة المنورة، لقيت فاطمة الزهراء بعض الأذى، فقد طارد بعض مشركي قريش الركب المهاجر، ولحق الحويرث بن تقيد القرشي الركب، ونحس بعير فاطمة وأم كلثوم فرمى بهما إلى الأرض، وباء الحويرث بغضب من الله ورسوله ﷺ
ويبدو أن فاطمة الزهراء رضي الله عنها كانت نحيلة الجسم، ضعيفة القوة، حيث أتعبتها الأحداث الجسام بعد وفاة والدتها خديجة، وترك الحصار قبل ذلك أثره في جسمها، بينما زاد يقينها قوة بالخالق البارئ.
تابعت فاطمة الزهراء رضي الله عنها والركب معها الهجرة إلى المدينة المنورة، وكانت متعبة مما لاقته من الحويرث بن نقيذ القرشي ، ولما وصلت المدينة رحب رسول الله ﷺ بمقدمها، وأخذت مكانتها بين نساء المسلمين لتبدأ عهداً جديداً في المدينة المنورة، ولتكون مع فارس المسلمين وفدائي الإسلام سيدنا علي بن أبي طالب أوفى زوجة في تاريخ النساء

الزهراء وَعَلِيُّ رضي الله عنهما
إذا علمنا أن فاطمة الزهراء رضي الله عنها هي الحبيبة القريبة من نفس رسول الله ﷺ ، فلنعلم أن سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه سيد الفرسان وفارس الأسياد هو ربيب البيت النبوي، وأحد رجال أهل البيت الأطهار الأخيار الأبرار الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، ولهذا فقد كان أحد أصهار الحبيب المصطفى ، وأحد أبطال مدرسة النبوة، وأحد عظماء التاريخ الذين سجلهم الزمان في تاريخ العظماء، ولا جرم أن مكانة علي رضي الله عنه مستمدة من عظمة رسول الله ﷺ رأس البيت الطاهر، وسيد الأولين والآخرين.
ويطيب الحديث عن الزهراء كما يطيب الحديث عن علي بن أبي طالب وتلذ الأسماع بسيرة الأطهار الأخيار من أهل البيت النبوي، فسيرتهم غذاء للأرواح ، ونزهة للمجالس، وأنس للقلوب، وزاد للمعاد، حيث تبعث سيرتهم على الفضائل والشمائل الكريمة لتكون قدوة للناس في كل زمان ومكان.
ما أبدع الحديث عن ربيب الحبيب علي رضي الله عنه! بل كان لعلي رضي الله عنه في رسول الله أسوة حسنة، حيث تخلق بالأخلاق المحمدية منذ نعومة أظفاره، ففاق أقرانه لما بلغ أشده واستوى.
ولما كانت غزاة بدر، أبلى علي بلاء حسناً، وعُرف بعد بدر بفارس الإسلام وحظي بالتكريم النبوي مرات ومرات، ولكن ذلك كله، كان يزيده تواضعاً وزهداً وتقى وورعاً، ألم أقل لكم: إن علياً فاق أقرانه في المكارم، وفي الفضائل ؟! لهذا كان رسول الله ﷺ يحله مكاناً علياً بين أصحابه، واختاره ليكون زوجاً لفاطمة الزهراء رضي الله تعالى عنها.
تروي المصادر المتعددة المتنوعة خطبة الصحابة لفاطمة الزهراء إلى أن تقدم علي لخطبتها.
تقول المصادر مع الجمع بينهما: جاء سيدنا أبو بكر الصديق عليه سحائب الرضوان إلى الحبيب الأعظم رسول الله ﷺ يخطب فاطمة الزهراء، فأطرق قليلا ثم قال لأبي بكر الصديق: «أنتظر بها القضاء»
ويبدو أن فاطمة الزهراء قد علمت بخطبة أبي بكر إياها، وسمعت ما قال أبوها وترقبت قضاء الله عز وجل فيها.
ثم جاء بعد ذلك سيدنا عمر الفاروق إلى رسول الله ﷺ يخطب فاطمة الزهراء، فأجابه الإجابة نفسها وقال: «أنتظر بها القضاء» ويبدو أن العمرين قد فطنا إلى أن رسول الله ﷺ قد ادخر فاطمة الزهراء لفارس الإسلام، وابن عمه علي بن أبي طالب، فجاءا إلى علي يشيران عليه أن يخطب فاطمة الزهراء، ووافق قولهما مكاناً خالياً في نفس علي رضي الله عنه، فانطلق إلى النبي ﷺ، وسأل في أدب واستحياء: تزوجني فاطمة؟ فابتسم وأمهله حتى يستشيرها، فدخل عليها وقال: «أي بنية، إن ابن عمك علياً قد خطبك، فماذا تقولين ؟!» وانهمرت الدموع من عيني فاطمة، وبكت، ثم قالت: كأنك يا أبت إنما ادخرتني لفقير قريش ولكن الحبيب المصطفى ﷺ قال منبهاً لها لفضل وفضائل علي: «مالك تبكين يا فاطمة! فوالله لقد أنكحتك أكثرهم علماً، وأفضلهم حلماً، وأولهم سلما»

الزَّهْرَاءُ وَخَطْبَةُ الزَّوَاجِ
تهلل وجه رسول الله ﷺ بالبشر، وارتسم السرور على محياه الشريف عندما جعلت فاطمة الزهراء رضوان الله عليها رضاء الله ورسوله نصب عينها، ورضيت بالزواج من سيدنا علي رضوان الله عليه.
وجاء علي إلى الحضرة النبوية، بعد أن علم موافقته على زواجه من فاطمة الزهراء، ولكن لا بد من مهر، وعلي رضي الله عنه من أئمة الزاهدين ولا مال كثير لديه، فسأله النبي صلى اللّه عليه وسلم: «هل عندك من شيء؟»
قال علي: «كلا يا رسول الله» .
فقال : «وأين درعك الخطمية ؟»
فقال علي: عندي.
قال : «فأعطها إياها»

دفع علي بالدرع إلى غلامه ليبيعها، فانطلق بها إلى السوق، وباعها بأربعمئة درهم، فأمره أن يجعل ثلثها في الطيب، وثلثها في المتاع ففعل.
ثم قال النبي ﷺ لأنس بن مالك رضي الله عنه: «انطلق وادع لي أبا بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وبعدتهم من الأنصاره.» فانطلق أنس رضي الله عنه فدعاهم ليحضروا، فلما أخذوا مجالسهم، التفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى سيدنا علي وقال له: «يا علي اخطب لنفسك»
فقام علي بين يدي رسول الله ﷺ والحياء يملأ صفحة وجهه وقال في أدب مرفود يتبع القرآن الكريم والبلاغة النبوية : الحمد لله شكراً لأنعمه وأياديه، وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة تبلغه وترضيه، وهذا محمد رسول الله ﷺ زوجني ابنته فاطمة على صداقي مبلغه أربعمئة درهم، فاسمعوا ما يقول واشهدوا.
وإذ ذاك خطب رسول الله ﷺ خطبة الزواج وقال : «الحمد الله المحمود بنعمته المعبود بقدرته المطاع لسلطانه، المهروب إليه من عذابه، النافذ أمره في أرضه وسمائه، الذي خلق الخلق بقدرته، ونيرهم بأحكامه، وأعزهم بدينه، وأكرمهم بنبيه محمد. إن الله عز وجل جعل المصاهرة نسباً لاحقاً، وأمراً مفترضاً، وحكماً عادلاً وخيراً جامعاً، أوشح بها الأرحام، وألزمها الأنام، فقال الله عز وجل : {وهو الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً وكان ربك قديراً)} [الفرقان : ٥٤] وأمر الله يجري إلى قضائه، وقضاؤه يجري إلى قدره، ولكل أجل كتاب، يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب، ثم إن الله تعالى أمرني أن أزوج فاطمة من علي، وأشهدكم أني زوجت فاطمة من علي على أربعمئة مثقال فضة، إن
رضي علي بذلك على السنة القائمة، والفريضة الواجبة، فجمع الله شملهما، وبارك لهما، وأطاب نسلهما، وجعل نسلهما مفاتيح الرحمة، ومعادن الحكمة، وأمن الأمة، أقول هذا، وأستغفر الله لي ولكم»
  وبدا السرور على وجه علي رضي الله عنه وقال: رضيت يا رسول الله .
ثم إن علياً خر ساجداً شكراً لله عز وجل، فلما رفع رأسه قال رسول الله ﷺ : «بارك الله لكما وعليكما، وأسعد جدكما، وأخرج منكما الكثير الطيب» ثم إن رسول الله ﷺ أمر لأصحابه الكرام، بطبق فيه تمر، فأكلوا منه، ودعوا الله عز وجل أن يكتب السعادة لكلا الزوجين.

الزُّهْرَاءُ وَبَرَكَةُ الزَّوَاجِ
كان الجهاز الذي جهزت فيه فاطمة الزهراء رضي الله عنها في غاية البساطة والتواضع، وأجمع الذين نقلوا لنا الأخبار عن جهازها أنه لم يكن غير سرير مشروط، ووسادة من أدم حشوها ليف، وإناء يُغسل فيه، وسقاء ومنخل ومنشفة، وقدح، ورحى للطحن، وجرتان.
هذا هو جهاز سيدة نساء العالمين، وهذا ما جهز به سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنها بيته كيما يستقبل به، فاطمة البتول، ابنة الرسول ﷺ، وهو كما ترى بيتاً عنوانه الزهد ليس غير.
جاءت ليلة الزفاف، وفرح بنو عبد المطلب فرحاً شديداً، كما سرى الفرح في جميع دور المسلمين من المهاجرين والأنصار، ويومها قال الحبيب المصطفى للربيب الأديب سيد الرجال والشجعان علي بن أبي طالب: «يا علي لا بد للعروس من وليمة» فقال سعد بن معاذ رضوان الله عليه عندي كبش، وجمع له رهط من الأنصار أضوعاً من ذرة، وأولم رسول الله ﷺ
ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي عندما أراد أن يبتني بها: «لا تحدث شيئا حتى آتيك» يريد صلى الله عليه وسلم أن يدعو لهما
روى الطحاوي في شرح مشكل الآثار: عن بريدة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي: «لا تحدث شيئا حتى تلقاني» فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ماءاً فتوضأ به ثم أفرغه على عليٍ ثم قال صلى الله عليه وسلم: «اللهم بارك فيهما، وبارك عليهما، وبارك في نسلهما».

الزَّهْرَاءُ وَالبَيْتُ القَرِيبُ
تشير الأخبار الواردة إلينا من المصادر الحديثية، والتاريخية، وكتب السيرة وغيرها أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قد أصاب منزلاً بعيداً عن بيوت النبي ﷺ عندما تزوج فاطمة الزهراء رضي الله عنها. ولما كان رسول الله إنساناً عظيماً، ومجمعاً للفضائل والمكارم، فإنه كان يحنو على ابنته فاطمة الزهراء رضي الله عنها، ويعطف عليها، ولا يكاد يصبر على فراقها، فلما تحولت عن داره الشريفة قرب المسجد النبوي الشريف بعد زواجها، لم تمض أيام حتى جاء النبي ﷺ إلى فاطمة الزهراء يزورها، وقال لها : «إني أريد أن أحولك إليّ»
فقالت فاطمة الزهراء رضوان الله عليها في استحياء : فكلم حارثة بن النعمان أن يتحول عني – تريد أن يتحول لي عن منزله
فقال رسول الله ﷺ : «وقد تحول حارثة عنا حتى قد استحييت». فبلغ ذلك حارثة بن النعمان الأنصاري، فتحول، وجاء إلى النبي ﷺ فقال : يا رسول الله ! إنه قد بلغني أنك تحول فاطمة إليك، وهذه منازلي وهي أسْقَب – أقرب – بيوت بني النجار بك، وإنما أنا ومالي لله ولرسوله، والله يا رسول الله للذي تأخذ مني أحب إلي من الذي تدع.
فقال رسول الله ﷺ : «صدقت وبارك الله عليك». فحول رسول الله ﷺ فاطمة الزهراء، إلى بيت حارثة لتكون ملاصقة لحجراته الشريفة.
وفي كتابه المبارك وفاء الوفاء ذكر السمهودي أن بيت فاطمة الزهراء رضي الله عنها في الزور الذي في القبر، بينه وبين بيت النبي ﷺ خوخة .
فيه كوة إلى بيت عائشة رضي الله عنها، فكان رسول الله ﷺ إذا قام اطلع من الكوة إلى فاطمة فعلم خبرهم، وأن فاطمة رضي الله عنها قالت لعلي: إن ابني أمسيا عليلين، فلو نظرت لنا أدماً تستصبح به! فخرج علي إلى السوق، فاشترى لهم أدماً، وجاء به إلى فاطمة، فاستصبحت .
فأبصرت عائشة المصباح عندهم في جوف الليل – وذكر كلاماً وقع بينهما – فلما أصبحوا سألت فاطمة النبي ﷺ أن يسد الكوة فسدها … وهكذا انتظمت الحياة لفاطمة وعلي رضي الله عنهما في السكن الجديد القريب من الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، واقتدى الزوجان في معيشتهما بالبيت النبوي الطاهر، فكانت حياتهما حياة كفاف وخدمة يتعاونان عليها لتحقيق مرضاة الله عز وجل.

الزَّهْرَاءُ وَحَيَاةُ الزُّهْد
إذا كان رسول الله ﷺ إمام المتقين، وإمام الزاهدين، فلا شك أن فاطمة الزهراء رضي الله عنها من أزهد النساء في الدنيا إن لم تكن أزهدهن، حيث كانت سعيدة في حياتها على الرغم من الشظف والفاقه، وما كان حطام الدنيا وزخرفها عند الزهراء ليساوي مثقال ذرة من هباء. عرفت فاطمة الزهراء رضي الله عنها أن مرضاة الله عز وجل، ومرضاة رسوله صلى الله عليه وسلم فوق متاع الدنيا، وكان شعارها قول الله عز وجل : {قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى}[النساء : (۷۷]
ولهذا فقد وضعت فاطمة الزهراء رضي الله عنها الآخرة نصب عينيها، وسعت لها ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، لتكون ممن عناهم الله عز وجل بقوله: {ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكوراً} [الإسراء: ١٩].
على الطريق الموصل إلى رضا الله الباري سبحانه، سارت فاطمة الزهراء وهي تستضيء بنور الله عز وجل كيما تحظى بما أعد للمؤمنات الصابرات من أجر ومن نعيم مقيم، ومن جنات وعيون ومقام كريم، فعاشت مع زوجها علي رضوان الله عليهما حياة زهد وصبر على شظف العيش.
كان سيدنا علي رضي الله عنه من أئمة الزاهدين، ولم يكن ينظر إلى الدنيا إلا بما يبلغه الآخرة، فكان فقيراً زاهداً، لم يستطع أن يشتري خادماً أو يستأجر خادماً في البيت المتواضع، ليكفي فاطمة الزهراء رضي الله عنها عمل المنزل، ورعاية شؤونه، ولذلك قال لأمه فاطمة بنت أسد رضي الله عنها: اكفي فاطمة بنت رسول الله ﷺ الخدمة خارجاً، وتكفيك هي العمل في البيت، والعجن والخبز والطحن.
ويبدو أن سيدنا علياً رضي الله عنه، قد صعب عليه أن يرى زوجه البتول فاطمة الزهراء رضوان الله عليها قد أنهكها عمل الطحن حتى أثر في يديها وأضحى جسمها نحيلاً خائر القوى، وهو لا يملك المال لاستقدام خادماً يخفف عنها عبء العمل.
وذات يوم وصلت بعض الغنائم والسبايا إلى رسول الله ﷺ من إحدى الغزوات، ويبدو أن علياً رضي الله عنه قد وجد الفرصة مناسبة ليفصح عما يجول في داخله؛ فقال لزوجه فاطمة الزهراء رضي الله عنها : والله لقد سنوت – تعبت – من سقاية الماء حتى اشتكيت صدري، وقد جاء الله عز وجل أباك بسبي، فاذهبي فاستخدميه، واطلبي خادماً تعينك على ما أنت فيه.
فقالت فاطمة الزهراء تشكو ما بها أيضاً : وأنا والله قد طحنت حتى تجلت يداي وأثر فيهما.
وقامت فاطمة الزهراء عليها سحائب الرضوان وأتت النبي ﷺ فقال لها : «ما جاء بك يا بنية؟» قال: جئت لأسلم عليك يا رسول الله، واستحيت أن تسأله شيئاً، ورجعت إلى بيتها.
فقال لها سيدنا علي رضوان الله عليه: ما فعلت يا فاطمة؟ قالت فاطمة رضوان الله عليها : والله لقد استحييت أن أسأله فرجعت.
ويبدو أن علياً وفاطمة قد شجع كل واحد منها الآخر لكي يذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقاما وهما يمشيان في حياء وعلى استحياء، حتى أتيا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأوضحا له حالهما، وطلبا منه أن يخدمهما خادماً مما أفاء الله عليه . فقال رسول الله ﷺ في رفق هامس : «لا والله لا أعطيكما، وأدع أهل الصفة تطوي بطونهم لا أجد ما أنفق عليهم، ولكني أبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم».
ورجعا وهما يعرفان أن رسول الله ﷺ ما ينطق عن الهوى، ولا يقول إلا حقاً، ولا يفعل إلا حقاً، ولم يلبثا إلا قليلاً حتى أتاهما رسول الله ﷺ وقد دخلا في قطيفتهما من البرد، فكانا إذا غطيا رؤوسهما تكشف أقدامهما، وإذا غطيا أقدامهما تكشف رؤوسهما . فقاما لاستقبال الحبيب المصطفى ، فقال لهما : «مكانكما» ثم اقترب منهما وقال: «ألا أخبركما بخير مما سألتماني؟» فأجابا: بلى يا رسول الله .
قال: «كلمات علمنيهنّ جبريل؛ تسبحان الله في دبر كل صلاة عشراً، وتحمدان عشراً، وتكبران عشراً، وإذا أويتها إلى فراشكما تسبحان ثلاثاً وثلاثين، وتحمدان ثلاثاً وثلاثين، وتكبران ثلاثاً وثلاثين»
ثم إن رسول الله ﷺ ودعهما وانصرف بعد أن ترك أعظم الأثر وأبقاه في نفس الزهراء وعلي رضي الله عنهما، ولم يتركا هذه الكلمات المباركات إلى أن لقي كل واحد منهما ربه.

الزُّهْرَاءُ وَالحَنَانُ النبوي
إن الحنان النبوي الفياض الذي تعودته فاطمة الزهراء من أبيها، جعلها تبحر في بحره، وتركن إلى عطفه الذي يفيض من قلبه الشريف.
ويبدو أن كل حنان أو عطف – بعد ذلك الذي يصدر عن أبيها – قريب من القسوة عند فاطمة الزهراء رضي الله عنها، حيث حنان رسول الله ﷺ لا يشبهه حنان .. هذا وقد ظهر هذا الحنان الحنون في حالات مختلفة لظروف في حياة فاطمة الزهراء رضوان الله عليها، إذ لم تخل حياة زوجين من ساعات خلاف، أو ساعات شكاية وشكوى، فربما شكت فاطمة الزهراء، وربما شكى علي، وربما وجدت فاطمة الزهراء بعض الشدة من علي – وما هي بشدة – لأن علياً رضي الله عنه كان يعرف مكان فاطمة الزهراء من قلب رسول الله ﷺ. كانت السعادة تغمر دار فاطمة الزهراء، وترفرف بأجنحتها على البيت الذي أذهب الله عنه الرجس وطهره تطهيراً؛ ففاطمة الزهراء رضي الله عنها سعيدة بزوجها على التقي النقي، وهو سعيد ببنت رسول الله ﷺ، ولكنه كان يعود أحياناً إلى بيته، فيقسو على زوجه قسوة لم تكن تألفها، فكانت تشكو ما لقيت من علي إلى النبي ﷺ، وكان يصلح بينها، وقد رئي ذات يوم وهو يسعى إلى دار ابنته فاطمة الزهراء، تبدو عليه علامات الهم، فأمضى هناك وقتاً ثم خرج منه منطلق الأسارير، يفيض وجهه الشريف بالبشر، فسأله سائل من الصحابة الكرام : يا رسول الله، دخلت وأنت على حال، وخرجت ونحن نرى البشر في وجهك؟ فيجيب ويقول: «وما يمنعني وقد أصلحت بين أحب اثنين لي» وفي رواية : «ولم لا وقد أصلحت بين أحب الناس إلي».
بهذا الحنان الأبوي الفريد الذي يحلق عالياً في سماء العطف، كان رسول الله ﷺ يعامل فاطمة الزهراء، ولذلك كانت فاطمة الزهراء رضي الله عنها لا تصبر علي شدة على أحياناً، ففي يوم من الأيام ظهرت بعض قسوة من سيدنا علي على فاطمة الزهراء رضي الله عنهما فقالت: «والله لأشكونك إلى رسول الله ﷺ». فانطلقت، وانطلق علي بأثرها، فقام حيث يسمع كلامهما، فشكت فاطمة الزهراء إلى رسول الله ﷺ غلط علي وشدته عليها ، فقال : «يا بنية، اسمعي واستمعي واعقلي، إنه لا إمرة بامرأة لا تأتي هوى زوجها وهو ساكته» قال علي: فكففت عما كنت أصنع، وقلت والله لا أتي شيئاً تكرهينه أبداً.
لكن نبع الحنان النبوي لم ينضب، وظل يرفد فاطمة الزهراء بطيب سلسبيله، فتتغذى روحها بذلك وهي تشعر بتدفق العطف الأبوي النبوي نحوها فيرفعها مكاناً علياً.
ففي لحظة من لحظات الحياة بين علي وفاطمة، يبلغ الحنان النبوي أوجه على فاطمة الزهراء، وينتصر لها.
وسنعيش لحظات تستروح خلالها عبير الحنان الأبوي المحمدي، الذي عطر أجواء فاطمة الزهراء بأنفس وأحلى العبير.
فقد أسلمت ابنة أبي جهل بن هشام المخزومية، وهم علي بن أبي طالب بما رآه سائغاً من خطبة هذه الفتاة، وذاع الخبر في المدينة المنورة حتى بلغ سيدة النساء فاطمة الزهراء رضي الله عنها، فاستولى عليها حزن عميق، وشق عليها ذلك، وانطلقت إلى نبع الحنان، ومنهل العطف إلى أبيها الحبيب المصطفى سيد الرحماء، والدموع في عينيها وقالت: يزعم قومك أنك لا تغضب لبناتك، وهذا على ناكح بنت أبي جهل.
وأثرت دموع فاطمة الزهراء رضي الله عنها في نفس النبي الكريم ﷺ، فإذا به يغضب لابنته، ويقف بشدة ليحول بين علي، وبين هذا الأمر الذي أهم فاطمة الزهراء سيدة النساء رضي الله عنها.
روى هذا أصحاب الصحيح وأصحاب السنن عن المسور بن مخرمة قال: سمعت رسول الله ﷺ على المنبر وهو يقول: إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا علي بن أبي طالب، فلا أذن لهم، ثم لا أذن لهم، ثم لا أذن لهم، إلا أن يحب ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم، فإنما ابنتي بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما أذاها. وأخرج أحمد والترمذي والحاكم في المستدرك عن عبد الله بن الزبير، عن النبي ﷺ أنه قال: «إنما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها وينصبني ما أنصبها»
بروائع هذا الفيض الرحماني، ترك علي الخطبة رعاية لأبي الزهراء، ورعاية للزهراء، وانقشعت تلك السحابة التي عكرت صفو الحياة الزوجية حيناً من الزمن، وعاد سيدنا علي إلى فاطمة الزهراء يسترضيها، ويمسح عنها دموعها الحزينة، فرضيت وعادت حياة المودة والصفاء إلى بيت الزوجية التي هبت عليها عواصف هوجاء، أرقت كل من في البيت النبوي، حتى وضع النبي ﷺ حداً وحلا لهذه العاصفة التي تلاشت أمام حنانه العظيم، ونبع عطفه الكريم، وحسن رعايته لفاطمة الزهراء رضي الله عنها.
ويبدو أن الحنان النبوي ظل يغمر فاطمة الزهراء في جميع أحوالها، فتشعر بدفء هذا الحنان، وتشم أريج زهره المعطار، وخاصة عندما يشعرها رسول الله ﷺ بمكانتها من قلبه الشريف.
روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: دخل رسول الله ﷺ على علي وفاطمة وهما يضحكان، فلما رأيا النبي ﷺ سكتا، فقال لهما: «ما لكما كنتما تضحكان، فلما رأيتماني سكتما؟» فبادرت فاطمة فقالت: بأبي أنت يا رسول الله قال هذا: أنا أحب إلى رسول الله منك. فقلت: بل أنا أحب إلى رسول الله منك. فتبسم رسول الله ﷺ وقال : «يا بنية لك رقة الولد، وعلي أعز علي منك»
وسأل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة
فقال: يا رسول الله، أيما أحب إليك : أنا أم فاطمة؟ قال: «فاطمة أحب إلي منك، وأنت أعز علي منها». واخرج الطبراني بإسناد رجاله رجال الصحيح عن ابن جريج قال: قال لي غير واحد كانت فاطمة أصغر ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحبهن إليه .
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال لفاطمة : «فداك أبي وأمي» . وهكذا نجد أن الحنان النبوي معين ثَرّ لا ينضب، كما نجد الزهراء أهلاً لهذا الحنان من الأب الكريم الذي وصفه الله عز وجل بأنه : {بالمؤمنين رؤوف رحيم} [التوبة: ۱۲۸].

الزُّهْرَاءُ وَمَرْضَاةُ النَّبِيِّ ﷺ
إذا كان الحبيب المصطفى إمام الزاهدين، وسيد العالمين في كل مكرمة فلا شك أن فاطمة الزهراء رضي الله عنها كانت تقتفي آثاره الكريمة، وتحرص على مرضاته في جميع أمورها، وهل هناك شيء أعز من مرضاة الله ورسوله ؟! هل هناك شيء أفضل من طاعة رسول الله ؟! أليس الله عز وجل يقول: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} [النساء : ۸۰]
إذن، فلتحرص فاطمة الزهراء على مرضاة الله ورسوله كيما تفوز بالفوز العظيم، وهذا ما كان منها رضي الله عنها، وسترى من خلال الخبر التالي مدى حرصها، لتحصل على مرضاة أبيها رسول الله ﷺ.
أوردت المصادر الوثيقة ذلك فقالت : كان النبي ﷺ إذا قدم من سفر، أتى فاطمة، فدخل عليها، وأطال عندها المكث، فخرج مرة في سفر، وصنعت فاطمة مسكتين من ورق وقلادة وقرطين، وسترت باب البيت لقدوم أبيها وزوجها، فلما قدم رسول الله ﷺ دخل عليها، ووقف أصحابه على الباب لا يدرون أيبقون أم ينصرفون لطول مكثه عندها فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد عرف الغضب في وجهه حتى جلس على المنبر، ففطنت فاطمة أنه فعل ذلك لما رأى من المسكتين والقلادة والستر، فنزعت قرطيها وقلادتها ومسكتيها، ونزعت الستر، وبعثت به إلى رسول الله ﷺ، وقالت للرسول : قل له ؛تقرأ ابنتك عليك السلام وتقول لك: اجعل هذا في سبيل الله ، فلما أتاه قال : «قد فعلت فداها أبوها، قد فعلت فداها أبوها، قد فعلت فداها أبوها» – ثلاثاً – «ليست الدنيا من محمد، ولا من آل محمد، ولو كانت الدنيا تعدل عند الله من الخير جناح بعوضة، ما سقى كافراً منها شربة ماء». ارأيت – عزيزي القارىء – كيف تبذل فاطمة الزهراء رضي الله عنها نفسها الإرضاء ومرضاة رسول الله ؟! إن فاطمة الزهراء عليها سحائب الرضوان لم تكن تحفل بما تحفل به النساء من حلي وأساور وغير ذلك، بل لم تكن تحفل بالدنيا وزخرفها، ولا تريد منها ما يزيد عن حاجتها تقتدي بذلك بقول الحبيب المصطفى الذي كان دعاؤه اللهم اجعل رزق آل محمد كفافاً.
ويبدو أن فاطمة الزهراء رضي الله عنها، قد سبقت نساء عصرها في الورع والزهد طلباً لمرضاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتخلت في لحظة من اللحظات عن سلسلة من ذهب كانت أثيرة لديها، حيث أهداها لها سيدنا علي رضي الله عنه، ولكن مرضاة الله ورسوله فوق كل رغبة وفوق كل حب للأشياء.
أخرج النسائي – رحمه الله – بسنده عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال : جاءت بنت هبيرة إلى رسول الله ﷺ وفي يدها فتح فجعل رسول الله ﷺ يضرب يدها، فدخلت على فاطمة بنت رسول الله ﷺ تشكو إليها الذي صنع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانتزعت فاطمة سلسلة في عنقها من ذهب وقالت: هذه أهداها إلي أبو حسن، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، والسلسلة في يدها فقال: «يا فاطمة أيغرك أن يقول الناس: ابنة رسول الله في يدها سلسلة من ناره؟!» ثم خرج ولم يقعد، فأرسلت فاطمة بالسلسلة إلى السوق، فباعتها، واشترت بثمنها غلاماً فأعتقته، فحدث بذلك فقال : «الحمد لله الذي أنجى فاطمة من النار» .
إن في خلائق فاطمة الزهراء رضي الله عنها مدد صالح للحصول على مرضاة الله ورسوله ﷺ، فكانت تتحرى ذلك ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، وبهذا تفردت بين نساء العصر النبوي بهذه الصفات الفريدة الكريمة النادرة، فحق لها أن تكون سيدة نساء العالمين، وتقتعد سدة السيادة في الفضائل ، وهاتيك منزلة اختصها بها الله عز وجل، وهو العليم الخبير.
ولهذه الصفات العالية كان رسول الله ﷺ يحبُّ فاطمة الزهراء، بل كان أحب النساء إلى رسول الله ﷺ من أهل بيته فاطمة، وكان أحب الرجال إليه ، فأهل البيت كثر رجالاً ونساء، ولكن رسول الله ﷺ آثر هذين الكريمين بحبه.
أخرج الإمام الترمذي – رحمه الله – في جامعه بسنده عن عبد الله بن عطاء، عن ابن بريدة، عن أبيه قال : كان أحب النساء إلى رسول الله ﷺ فاطمة، ومن الرجال علي – يعني من أهل بيته ..

الزهراء وَفَضْلُ الجِهَادِ
عندما يتتبع الباحث حياة سيدتنا فاطمة الزهراء رضي الله عنها، يجدها سباقة إلى كل فضيلة تقوم بها امرأة في عصرها إلى وقتنا الحاضر، وحينها رحت أتفيأ في ظلال سيرتها المعطار، وأدرس جانب الجهاد في حياتها الخيرة، ألفيتها قدمت الكثير في ميادين الجهاد، بما يتوافق مع طبيعتها.
ولما كان الرسول الكريم هو القائد الأعلى لجنود الرحمن، والمرجع الأول في الأمور العسكرية، والمتخصص في أحكام الجهاد، أبان دور المرأة، وأصدر أحكاماً تتناسب وطبيعة المرأة التي قطرها الله عليها.
أباح رسول الله ﷺ خروج المرأة إلى الجهاد، كيما تقدم خدماتها في التمريض، وتداوي الجرحى ضمن الحدود التي شرعها الله عز وجل، كما كلفها بأشياء تعين المجاهدين على المضي قدماً في قتال أعداء الله، فأباح لها إعداد الطعام وإيصاله مع الماء إلى المجاهدين.
هذا وقد كانت بعض النسوة، ومنهن نساء رسول الله ﷺ يخرجن إلى الغزوات في معية الرسول .
ويبدو أن فاطمة الزهراء رضي الله عنها أحبت أن تضيف إلى رصيدها الإيماني رصيداً آخر في ساحات الجهاد لتحظى برضوان من الله ورسوله ﷺ.
ففي غزاة أحد كانت فاطمة الزهراء رضي الله عنها مع أبيها وزوجها، ولما يمض على زواجها سنة، فقد كان زواجها بعد غزوة بدر في السنة الثانية من الهجرة، وكانت غزوة أحد في السنة الثالثة من الهجرة. التقى الجمعان في أحد، فأما المسلمون فقلبهم ينبض بالتوحيد، وأما المشركون فتنبض قلوبهم بالحقد على المسلمين الذين هزموهم – بإذن الله – في غزاة بدر من العام الفائت.
وحمي وطيس المعركة، ولاحت تباشير النصر للمسلمين في بدايتها، وراح علي بن أبي طالب يجول في صفوف المشركين يجندل أبطالهم، ويقتطف رؤوس فرسانهم وهو ينادي بشعار المعركة أمت.. أمت..
لكن وجه المعركة قد تغير، لما ترك بعض الرماة مواضعهم من على جبل أحد، وعطف المشركون على المسلمين، وأعملوا فيهم السيف، فاختلط الأمر على المسلمين، واستشهد عدد منهم، بينما انهزم بعضهم، وكادوا يلوذون بالفرار. وثبتت فئة حول الرسول صلى الله عليه وسلم، يقاتلون ويدافعون عنه، وفي تلك اللحظات برزت إحدى بطلات الإسلام، وهي نسيبة بنت كعب المازنية التي فعلت الأفاعيل بالمشركين.
وكان أربعة من قريش قد تعاهدوا وتواصوا فيما بينهم بقتل رسول الله ، وصرحوا بذلك، وعرف المشركون نيتهم اللئيمة هذه، وكان هؤلاء الأشقياء هم: عبد الله بن شهاب الزهري، وعتبة بن أبي وقاص الزهري، وعمرو بن قميئة أحد بني الحارث بن فهر، وأبي بن خلف الجمحي. ولما كانت معركة أحد دائرة بين الفريقين، أخذ هؤلاء الفجرة على عاتقهم تنفيذ ما بينوه من قبل.
فأما عبد الله بن شهاب، فقد شج رسول الله ﷺ في جبهته الشريفة حتى سال الدم على وجهه الشريف.
وأما عتبة بن أبي وقاص، فقد أصاب شفة النبي السفلى، وكسر رباعيته اليمنى.
وأما عمرو بن قمئة، فقد أصاب وجنته الشريفة، وضربه بالسيف على عاتقه، وظل رسول الله يجد ألم هذه الضربة شهراً.
وأما أبي بن خلف، فقد شد على رسول الله وهو يقول : يا كذاب أين تقر ؟! فطعنه رسول الله ﷺ بحربة في عنقه، فمال عن فرسه بخور، ثم مات في طريق عودة المشركين إلى مكة.
وانتهت المعركة، وقد أصيب الحبيب المصطفى في بدنه ووجهه، وتدفق دمه الشريف من وجهه المنير، وخرج علي بن أبي طالب حتى ملا درقته ماء، وغسل به وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فترايد الدم من وجهه، وهنا تأتي فاطمة الزهراء رضي الله عنها، لتقوم بدورها في هذه الساعة العصيبة.
تحدث الإمام البيهقي – رحمه الله – عن دور فاطمة الزهراء يومذاك فقال : خرج نساء من المهاجرات والأنصار، فحملن الماء والطعام على ظهورهن، وخرجت فيهن فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، فلما أبصرت أباها والذي به من الدماء اعتنقته، وجعلت تمسح الدماء عن وجهه، ورسول الله ﷺ يقول: «اشتد غضب الله على قوم دموا وجه رسول الله»
وروى الإمام البخاري ومسلم رحمهما الله عن سهل بن سعد قال: جرح رسول الله وكسرت رباعيته، وهمت البيضة على رأسه، فكانت فاطمة بنت رسول الله ﷺ تغسل الدم وعلي يسكب الماء عليه بالمجن، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة، أخذت قطعة من حصير أحرقتها، حتى إذا صارت رماداً، الصقتها بالجرح فاستمسك الدم.
وعاد رسول الله والذين معه من أحد، وقد دفن هناك عمه حمزة بن عبد المطلب أسد الله ، وثلة من فرسان المسلمين من الذين رزقهم الله الشهادة في غزاة أحد، وراحت فاطمة الزهراء تقوم على رعاية أبيها حتى برىء من جراحه .
وتمضي الأيام في المدينة المنورة، وتتوالى غزوات رسول الله ﷺ، وتشارك فاطمة الزهراء رضي الله عنها بدورها في المغازي، فلما كانت غزوة الخندق، كان لها دور عظيم مع نساء المسلمين حتى تم نصر الله للمؤمنين، وهزم الأحزاب وحده، وأرسل جنوداً من عنده، وفرح المؤمنون بنصر الله لهم، وسعدت فاطمة الزهراء بانحسار الجموع المتحلقة حول المدينة المنورة. وفي السنة السابعة من الهجرة، دعا داعي الجهاد للخروج إلى خيبر وكانت فاطمة الزهراء رضي الله عنها ممن خرج إلى هذه الغزوة بمعية أبيها وزوجها، وفتحت حصون خيبر، ودكت أمام جنود الرحمن، وأفاء الله على رسوله، وعلى المسلمين من الغنائم، وكان نصيب فاطمة الزهراء في هذا الغزاة خمسة وثمانين وسقاً من قمح خيبر..
ما زلنا في رحاب جهاد فاطمة الزهراء رضي الله عنها، وجهاد فاطمة الزهراء يدل على شخصيتها المتفردة بين نساء الصحابة، ونساء آل البيت بالحزم والالتزام بعهد الله وعهد رسوله صلى الله عليه وسلم.
ففي رحاب غزوة الفتح كان لفاطمة الزهراء موقف عطر فريد، يرشح بصدقي وفاء العهد، ويشير إلى مكانة فاطمة الزهراء، وصدارتها في البيت النبوي.
فقد انساب أبو سفيان بن حرب في المدينة لتوثيق العهد مع المسلمين، وكان حلفاؤه قد نقضوا العهد، فلم يحفل به أحد في المدينة المنورة، حتى ابنته أم حبيبة أم المؤمنين، أقصت عنه فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم تستقبله بابتسامة مشرقة، وإنما استقبلته استقبالاً لا حرارة فيه ولا شوق، فهو لا يزال على شركه، وخرج من بينها حائفاً، ورجا أن يكون عند أبي بكر شيء من حرارة الاستقبال، وأن يزيد في مدة العهد، ولكن أبا بكر الصديق رضوان الله عليه، أجابه بأن جواره في جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يمكن أن يخالف رسول الله ﷺ في شيء، وفعل كذلك عمر وعثمان رضي الله عنهما وقالا : إن جوارهما في جوار رسول الله ، ولا يستطيعان أن يكلما الحبيب المصطفى في هذا أبداً.
وسقط في يد أبي سفيان، ولم يدر ما يفعل، وفجأة سقط شعاع من أمل على ذهنه، تذكر فاطمة الزهراء وزوجها علي بن أبي طالب فارس الفرسان، فلعله تتحرك فيه فروسيته، فيكلم له رسول الله ﷺ في تجديد العقد، وزيادة المدة.
ودخل بيت علي وعنده فاطمة الزهراء رضي الله عنهما، وكان الحسن بن علي ما يزال غلاماً يدب بين يديها، فقال له أبو سفيان بلهجة أمل ورجاء: يا علي إنك أمس القوم بي رحماً، وإني قد جئت في حاجة فلا أرجعن كما جنت خائباً، اشفع لي إلى محمد.
فقال له سيدنا علي رضي الله عنه : ويحك يا أبا سفيان! لقد عزم رسول الله ﷺ على أمر ما نستطيع أن تكلمه. وأحس أبو سفيان أن الأرض تميد من تحت قدميه، وشعر بأن خنجراً مسموماً قد صوب إلى قلبه، فالتفت إلى فاطمة الزهراء وقال في صوت يرشح بالأنين يا ابنة محمد، هل لك أن يجيرني بين الناس؟ فقالت رضي الله عنها: إنما أنا امرأة.
ولكن أبا سفيان تذكر أن أختها زينب قد أجارت زوجها أبا العاص بن الربيع، فطمع أن تجيره فاطمة الزهراء، وقال لها : لقد أجارت أختك زوجها،وأجاز ذلك أبوك! فقالت فاطمة الزهراء بلسان اليقين: إنما ذاك إلى رسول الله ، وأبت عليه.
وفهم أبو سفيان أن فاطمة الزهراء رضي الله عنها لا تريد أن تجير في الناس كي لا تغضب أباها .
نظر أبو سفيان، فإذا بكنانة أفكاره لم يبق فيها إلا سهماً واحداً، وأحب ألا يترك مهمته هذه دون أن يرمي بسهمه الأخير، فلعله يصيب به ما يصبو إليه، ونظر إلى ابنها الحسن، فأحب أن يحرك كوامن العطف نحوه بأن يجيره هذا الطفل، فقال لفاطمة الزهراء: هل لك أن تأمري ابنك هذا فيجير بين الناس، فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر؟ ولكن فاطمة الزهراء ردت سهم أبي سفيان بكلام شاب كاف واف، وقالت: والله ما يبلغ بيني ذلك أن يجير بين الناس، وما يجبر أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعاد أبو سفيان بخفي حنين، لم ينل شيئاً مما أراد، ثم كان الفتح الأعظم، ودخل الحبيب المصطفى مكة
ولما اغتسل كانت فاطمة الزهراء هي التي تستره بثوبه، ثم صلى ثماني ركعات. وعادت فاطمة الزهراء إلى المدينة كيما تتابع حياتها في ظلال البيت النبوي، وفي رعاية زوجها، وكانت المشيئة الإلهية قد منت على هذا البيت بنفحات إنعامها، ومن الله عليه بالذرية الطاهرة، كيما تظل ذرية رسول الله في أولاد فاطمة الزهراء سيدة النساء رضي الله عنها.

الزهراء والذرية الطيبة
لما كانت ليلة زفاف الزهراء رضي الله عنها، كان من دعاء رسول الله ﷺ لهما: «اللهم بارك فيهما، وبارك عليهما، وبارك في نسلهما» وتمضي الأيام، فإذا بالزوجين الكريمين فاطمة الزهراء وعلي رضي الله عنهما يترقرق البشر في محياهما، وتملأ نفس كل واحد منهما الغبطة التي تملأ كل زوج يرقب قدوم وليده الأول. وأخذ علي يلاطف فاطمة الزهراء رضي الله عنها، فقد نزلت السعادة بالدار الصغيرة المتواضعة، وانسكب فيض من أمل في القلوب التي تفيض بالدعاء إلى الله أن يهبهما الذرية الطيبة.
وأطل شهر شعبان من السنة الثالثة من الهجرة، وحان يوم ولادة فاطمة الزهراء، فتوجه علي إلى ربه ضارعاً أن يكرم زوجه ويهون عليها آلام الوضع .. وظل علي قلقاً إلى أن مزق الهواء صوت الوليد صارخاً باكياً، فانتشت روحه وسكنت طمأنينة قلبه، ونادى مناد من البيت: أن بشراك يا علي بغلام .
وصل الخبر السعيد إلى الحبيب المصطفى أن قد ولدت فاطمة الزهراء غلاماً زكياً، فجاء ، فأخرج له المولود في خرقة صفراء، فرمى بها، وقال لهم : «ألم أنهكم أن تلفوا الولد في خرقة صفراء؟» ثم أمر أن يلف الوليد في خرقة بيضاء، فلقوه وجاءوا به. وفرح به النبي أشد الفرح، وفي اليوم السابع الميلادي، عقَّ عنه كبشاً، وأعطى القابلة فخذاً وديناراً، وحلق رأسه، وأمر أن يتصدق بزنة شعره فضة.
أتي الحبيب المصطفى منزل فاطمة الزهراء، كيما يرى السبط الوليد ولنترك الحديث لوالد الغلام سيدنا علي رضي الله عنه، حيث يروي ذلك فيما أخرجه البيهقي في الدلائل قال : لما ولد الحسن، جاء رسول الله ﷺ فقال: «أروني ابني ما سميتموه؟» قلت حرباً.
قال: بل هو حسن .
ودلف السرور إلى نفس علي رضي الله عنه وأرضاه، وانسكبت أنوار السعادة في قلبه، فقد وهبه الله عز وجل هبة كريمة، وهبه ذرية طيبة من نسل رسول الله ﷺ، وخر علي ساجداً لله عز وجل، وطفق يقول : اللهم إني أعيذه بك وولده من الشيطان الرجيم.
ويبدو لي أن سيدنا علياً قد توجه إلى ربه ضارعاً قائلاً داعياً، بما دعا قبله سيدنا زكريا عليه السلام قال: {واجعله رب رضياً} [مريم : ٦].
ويتمثل لي أن الشاعر قد عناه بقوله مادحاً ومهنئاً :
هنئت بالولد السعيد فقد أتى
وفق المراد وانت وفق مراده
الله يبقيه ويبقيكم له
حتى ترى الأولاد من أولاده
أما فاطمة الزهراء، فقد كان سرورها عظيماً، فقد انشرح صدرها بوليدها الحسن الذي زرع السعادة في نفسها، وكانت ترقصه وهي سعيدة به أشد السعادة، وكانت تقول له :
أشبه أباك يا حسن
واخلع عن الحق الرّسن
واعبد إلها ذا منن
ولا توالي ذا الإحَن
وروى صاحب العقد الفريد أن فاطمة الزهراء رضي الله عنها، كانت إذا رقصت ابنها الحسن غنت له فقالت:
وبابي شبه النبي
غير شبیه بعلي
وتطل السنة الرابعة من الهجرة، ويدخل شهر شعبان، وفي اليوم الخامس منه، وضعت الزهراء ابنها الثاني؛ الحسين، وسعد به الأبوان، كما فرح لمقدمه جده رسول الله ﷺ، وسماه حسينا، وعق عنه كما عق عن أخيه، وأذن في أذنه اليمنى.. ثم ولدت الزهراء ابنتها زينب في السنة الخامسة، وفي السنة السابعة ولدت ابنتها أم كلثوم .
وكان رسول الله يكرم سبطيه ويحبهما غاية الحب.
يقول أنس بن مالك رضي الله عنه فيما رواه الترمذي قال: كان رسول الله ﷺ يقول لفاطمة رضي الله عنها: «ادعي لي ابنَيّ فإذا ما جاءا إليه شمهما وضمهما».
وكان يحمل الحسن على عاتقه الشريف ويقول: «اللهم إني أحبه فأحبه» وصح عنه أنه قال عن سبطيه : «هما ريحانتاي من الدنيا»«
ويبدو أن الأخوين الصغيرين كانا يلعبان، والرسول الكريم مسرور بهما؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان الحسن والحسين يصطرعان بين يدي رسول الله ﷺ، فجعل يقول: «هي حسين؟»- أي أسرع فيما أنت فيه – فقالت فاطمة : لم تقول: «هي حسين؟» فقال: «إن جبريل يقول: هي حسين»
وقد أكرم الله سبحانه وتعالى فاطمة الزهراء رضي الله عنها، واختصها بفضله من نساء آل البيت النبوي بالذرية الطاهرة، إذ لم يكن للنبي ﷺ عقب من سواها.
هذا وقد كان سيدنا بلال رضي الله عنه يؤذن للصلاة، فينسكب صوته العذب في الأذان، فتنشط النفوس، وتخف إلى الصلاة، لتتصل بخالقها، وأذن بلال بصلاة الصبح، فأتى الحبيب المصطفى ﷺ باب فاطمة الزهراء وقال: السلام عليكم أهل البيت.. الصلاة …. الصلاة …. الصلاة، {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} ووقف رسول الله ﷺ يصلي بالمسلمين، فجاء الحسن والرسول ساجد، فجلس على ظهره الشريف، فرفعه رفعاً رفيقاً رقيقاً، فلما فرغ من صلاته، وضعه في حجره الشريف، فكان يدخل أصابعه في لحيته الشريفة، والنبي الكريم ﷺ يضمه ويقبله في عطف وحنان ويقول: «اللهم إني أحبه». ورأى الصحابة الكرام هذا الحب الدافق المتدفق فقالوا : يا رسول الله، إنا رأيناك تصنع بهذا الصبي شيئاً ما رأيناك تصنعه بأحدا. فقال : «إن هذا ريحانتي من الدنيا» وإن هذا ابني سيد، وعسى الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين.ونهض النبي ﷺ وحمل الحسن، فنظر إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: نعم المركب ركبت یا غلام فقال : «ونعم الراكب هو» ودخل النبي ﷺ دار فاطمة الزهراء فرأى الحسين، فوضع الحسن، وراح يستدرج الحسين حتى إذا أقبل عليه غدا يرقصه ويداعبه ويقول: «حُزُّقة. حُزُّقة.. تَرقَّ عينَ بَقَه»
وبلغ من اهتمامه بفاطمة الزهراء وابنيها أنه كان يبيت عندهم حيناً بعد حين، ففي إحدى الليالي، سمع سبطه الحسن يستسقي، فقام إلى قربة، ثم ملأ القدح، فتناوله الحسين، فمنعه وبدأ بالحسن، فقالت فاطمة الزهراء رضي الله عنها: كأنه أحب إليك.
فقال : «إنما استسقى أولا» كان الحبيب المصطفى يحب ولديها حباً شديداً، فهما ريحانتاه من الدنيا، ويظهر هذا الحب في أوجه عندما ينزل من على المنبر ليضعهما بجانبه.
قال أبو بريدة : كان رسول الله ﷺ يخطبنا، إذ جاء الحسن والحسين – عليهما السلام – عليهما قميصان أحمران، يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله ﷺ من المنير، فحملهما، ووضعهما بين يديه، ثم قال: «صدق الله {إنما أموالكم وأولادكم فتنة} [التغابن : ١٥]
فنظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران، فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما» وأخرج الترمذي وأحمد وأبو يعلى عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله : «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وفاطمة سيدة نسائهم إلا ما كان لمريم بنت عمران»

الزهراء والقرآن
في القرآن الكريم مواضع تشير إلى مكانة فاطمة الزهراء رضي الله عنها، ومكانة أولادها في البيت النبوي الذي أذهب الله عنه الرجس وطهره تطهيراً.
وفي سورة آل عمران لمحات لطيفة إلى فاطمة الزهراء وأولادها رضوان الله عليهم، في وقد نجران وقصة المباهلة.
ونجران – كما نعلم – بلد قديم، متسع الأرجاء من بلدان الجزيرة العربية الجنوبية على حدود اليمن، كانت في الزمن القديم مجموعة كبيرة من القرى، تربو على المئة قرية، وهي على سبع مراحل من مكة المكرمة، مسيرة يوم للراكب السريع سير العهد القديم، وهي من المدينة المنورة أبعد، وفي إحدى قراها كانت حادثة الأخدود المذكورة في القرآن الكريم في سورة البروج.
كانت وفادة أهل نجران في السنة التاسعة من الهجرة، وكان قوام الوقد ستون رجلاً، منهم أربعة عشر – وقيل أربعة وعشرون – من الأشراف فيهم ثلاثة كانت إليهم زعامة أهل نجران أحدهم: ولقبه العاقب كانت إليه الإمارة والحكومة، واسمه عبد المسيح .
والثاني: ولقبه السيد؛ كانت تحت إشرافه الأمور الثقافية والسياسية، واسمه الأيهم، أو شرحبيل.
والثالث: الأسقف وكانت إليه الزعامة الدينية والقيادة الروحية، واسمه : أبو حارثة بن علقمة.

ونزل الوفد النجراني بالمدينة، ولقي الحبيب المصطفى ﷺ، فسألهم وسألوه، ثم دعاهم إلى الإسلام، وتلا عليهم القرآن، فامتنعوا وأبوا، وسألوه عما يقول في عيسى بن مريم عليه السلام، فمكث رسول الله ﷺ يومه ذاك حتى نزل عليه قول الله عز وجل: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كُن فيكون. الحق من ربك فلا تكن من الممترين. فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم تبتهل فنجعل لعنة الله على الكافرين} [آل عمران: ٥٩ و ٦٠ و ٦١].
ولما أصبح رسول الله ﷺ أخبرهم بقوله في عيسى ابن مريم – عليه السلام – في ضوء هذه الآية الكريمة، وتركهم ذلك اليوم، كيما يفكروا في أمورهم، وكيما يتشاوروا بينهم، فأبوا أن يقروا بما قال في عيسى من أنه عبد لله.
وأصبح النجرانيون، وقد أبوا عن قبول ما عرض عليهم رسول الله ﷺ من قوله في عيسى، وأبوا عن الإسلام، فدعاهم رسول الله ﷺ إلى المباهلة، ثم أقبل مشتملا على الحسن والحسين في خميل له، وفاطمة الزهراء تمشي عند ظهره، وقال «لا بنيه وأمهما الزهراء وإذا دعوت فأمنوا».
فقال أسقفهم عندما رآهم : إني لأرى وجوهاً لو سألوا الله أن يزيل جبلاً من جباله لأزاله.
ورأى الوفد النجراني الجد والتهيؤ من رسول الله ﷺ فخلوا وتشاوروا، فقال كل من العاقب والسيد للآخر: لا تفعل ولا تباهل، فوالله لئن كان نبياً، فلاعننا لا نفلح نحن، ولا عقبنا من بعدنا، فلا يبقى على وجه الأرض منا شعرة، ولا ظفر إلا هلك.
ثم اجتمع رأيهم – وقد عرفوا نبوة رسول الله ﷺ – على تحكيم رسول الله في أمرهم، فجاءوا وقالوا: يا أبا القاسم، لا نلاعتك، وإنا نعطيك ما سألتنا؛ فقبل رسول الله ﷺ منهم الجزية، وصالحهم على ألفي حلة، ألف في رجب، وألف في صفر، ومع كل حلة أوقية، وأعطاهم ذمة الله وذمة رسوله، وترك لهم الحرية الكاملة في دينهم، وكتب لهم بذلك كتاباً، وطلبوا منه أن يبعث عليهم رجلاً أميناً، فبعث عليهم أمين هذه الأمة سيدنا أبا عبيدة بن الجراح، ليقبض مال الصلح.
هذا وقد ورد ذكر فاطمة الزهراء رضي الله عنها في مواضع أخر من القرآن الكريم، حيث ورد في سورة الأحزاب ما يشير إلى ذلك إشارة بينه واضحة. فقد ورد في التفاسير والصحاح والسنن أن رسول الله ﷺ كان يمر بباب فاطمة سنة أشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر ويقول: «الصلاة يا أهل البيت الصلاة؛ {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} [الأحزاب: ۳۳].
وورد أن رسول الله ﷺ وضع على الحسن والحسين وعلي وفاطمة كساء ثم قال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً»
ويشير القرآن الكريم إلى فاطمة الزهراء وأخواتها الطاهرات رضي الله عنهن إشارة واضحة في سورة الأحزاب في نداء رباني كيما يرخين ويسدلن عليهن جلابيبهن، قال عز وجل: {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفوراً رحيماً} [الأحزاب: ٥٩].
تحدث ابن جماعة – رحمه الله – عن بنات رسول الله ﷺ فقال: وأما بناته فأربا : أكبرهن: زينب زوجة أبي العاص بن الربيع ثم رقية زوجة عثمان ثم أم كلثوم زوجته بعدها ثم فاطمة وهي أفضلهن، وجميعهن من خديجة رضي الله عنهن.
وفي سورة الشورى إشارة إلى الزهراء وبنيها في قوله تعالى :{قُلْ لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى} [الشورى: ٢٣].
قال المفسرون: هي مودة أقاربه لأهله . وقيل : هم بنو فاطمة رضي الله عنها . وأخرج الإمام أحمد والطبراني وابن أبي حاتم والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنها، أن هذه الآية الكريمة لما نزلت قالوا: يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم ؟ قال : «علي وفاطمة وابناها». ويبدو أن هذه الآية الكريمة قد راقت ورقت لكثير من العلماء الشعراء الأدباء، فأغرموا في نظم الشعر بما يتوافق مع مفهوم الآية، وأسباب نزولها، ومن أبدع ما قيل في اقتباس هذه الآية، ما نظمه الشيخ شمس الدين بن العربي – رحمه الله – حيث قال:
رأيت ولائي آل طه فريضة
على رغم أهل البعد يورثني القربا
فما طلب المبعوث أجراً على الهدى  يتبليغه إلا المودة في القربى

وشمل القرآن الكريم كذلك جانباً من سيرة فاطمة الزهراء رضوان الله عليها، وتحدث عن جانب من جوانب الخير في حياتها المباركة المعطاء، ففي سورة الدهر أثنى الله عز وجل على البيت الطاهر الذي عاشت فيه سيدتنا فاطمة الزهراء، كما أثنى على زوجها علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
ذكر أهل التفسير أن الحسن والحسين قد مرضا، فنذر علي وفاطمة وجارية لهما اسمها فضة إن عوفيا صيام ثلاثة أيام، فبرأ، فصاموا أول يوم، ووضعوا العشاء أقراصاً من شعير، فوقف سائل، فآثروه وطووا، ثم وقف عليهم في الليلة الثانية يتيم، فآثروه وطووا، وفي الليلة الثالثة وقف عليهم أسير، فآثروه وطووا، فنزل قول الله عز وجل : {يُوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شره مستطيراً. ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً. إنما نطعمكم لوجه الله لا تريد منكم جزاء ولا شكورا} [الإنسان: ٧-٩]
ذكر بعض المفسرين كالثعلبي والقشيري والنقاش وغيرهم قصة في سيدنا علي وسيدتنا فاطمة الزهراء وجاريتهما، وقد أوردوا حديثاً تباروا في بسطه ونظمه في ثنايا تفاسيرهم، ونقل عنهم بعض كتاب التراجم والسيرة هذه القصة الطويلة العريضة، وفيها أشعار «مشعورة» تخص المسكين واليتيم والأسير، يخاطبون بها بيت النبوة الطاهر، وكذلك أوردوا أشعاراً لفاطمة رضي الله عنها تخاطب كل واحد من هؤلاء، ومن الطريف أن ظاهرها الاختلاق، فألفاظها من الركاكة والسفساف بما لا يستقيم مع فصاحة أمير البيان سيدنا علي، ولا يستقيم أيضاً مع سليلة بنت النبوة ومعدن الفصاحة سيدتنا فاطمة الزهراء، ناهيك بأبياتها المكسورة، ومعانيها الهابطة، التي لا يقبلها من له أدنى معرفة بأساليب البيان، وأسباب الفصاحة فكيف بأمراء البيان، وفرسان الفصاحة ورجال اللغة والأدب : أهل البيت رجالهم ونساؤهم؟!! إن هذا لشيء عجيب! وإني مقتطف لك – عزيزي القارىء – قطعة من هذه القصة الموضوعة المصنوعة كيما تكون على بصيرة من الأمر… تقول القصة:
لما وقف المسكين بباب علي وفاطمة وطلب الطعام، أنشأ علي يقول:
فاطم ذات الفضل واليقين
يا بنت خير الناس أجمعين
أما ترين البائس المسكين
قد قام بالباب له حنين
يشكو إلى الله ويستكين
يشكو إلينا جائع حزين
فأنشأت فاطمة رضي الله عنها تقول: أمرك عندي يابن عم طاعه
ما بي من لؤم ولا وضاعه
غديت في الخبز له صناعه
أطعمه ولا أبالي الساعه
وفي يوم اليتيم قال علي: 
فاطم بنت السيد الكريم
بنت نبي ليس بالزنيم
لقد أتى الله بذي اليتيم
من يرحم اليوم يكن رحيم
وتجيبه فاطمة الزهراء رضي الله عنها: أطعمه اليوم ولا أبالي
وأوثر الله على عيالي
امسوا جياعاً وهم أشبالي
أصغرهم يقتل في القتال
وعلى مثل هذا الكلام تمضي القصة وفيها رجم من الغيب الذي لا يعلمه إلا العليم الخبير، والذي يبدو لي – والله أعلم – أن القصة وضعت وصنعت وحيكت بعد وقعة كربلاء بزمن، لأن في الأبيات الشعرية إشارات إلى ذلك، وإلى مقتل الحسين بن علي رضي الله عنهما.
هذا وقد أحبيت أن أورد نموذجاً من القصة والشعر لكي يعرف القارئ الكريم، ومن يحب أهل البيت الأطهار، أن الله عز وجل قد خصهم بالبيان والفصاحة، فكيف ينزلون إلى هذا الدرك الأسفل من ضحالة المعاني، وشح الألفاظ، وسقم العاطفة ؟! ونحن نعلم كمال فصاحة فاطمة الزهراء، وتعلم جمال فصاحة علي رضي الله عنه، فهل يعقل أن تصدر عنه مثل تلك الأشعار والمعاني الهزيلة ؟! إن الآثار التي وصلتنا عن فصاحة سيدنا علي رضي الله عنه تشير إلى امتلاكه ناصية البيان النابع من فيض نور القرآن، والمرفود بأدب النبوة الكريم، إن ذلك كله يختلف اختلافاً متبايناً مع ما قرأنا في ثنايا القصة الفائتة

الزهراء والبركة
أنبت الله عز وجل فاطمة الزهراء نباتاً حسناً، ويسر لها أسباب القبول، فقد عاشت في أكرم بيت في الدنيا، ألا وهو بيت الرسول الكريم ﷺ، واقتبست من معالم النبوة، ما جعلها من سيدات نساء العالمين، اللاتي قرن بالصلاح، وقرن بالعلم والخير والدين. هذا وقد كان النبي ﷺ يحب فاطمة الزهراء ويكرمها، وكانت صابرة دينة خيرة صينة قانعة شاكرة لله عز وجل، وطرح في طعامها البركة والنماء، فإنها كانت من أولياء الله الصالحين.
نقل الإمام الحافظ ابن كثير – رحمه الله – في التفسير وغيره كرامة لفاطمة الزهراء عن الحافظ أبي يعلى بسنده إلى جابر رضي الله عنه: أن رسول الله ﷺ ، أقام أياماً لم يطعم طعاماً حتى شق ذلك عليه، فطاف في منازل أزواجه، فلم يجد عند واحدة منهن شيئاً، فأتى فاطمة فقال : «يا بنية هل عندك شيء أكله، فإني جائع ؟!»
قالت: لا والله – بأبي أنت أمي
فلما خرج من عندها، بعثت إليها جارة لها برغيفين وقطعة لحم، فأخذته منها، فوضعته في جفنة لها
وقالت: والله لأوثرن بهذا رسول الله ﷺ على نفسي ومن عندي، وكانوا جميعاً محتاجين إلى شبعة طعام .
فبعثت حسناً أو حسيناً إلى رسول الله فرجع إليها، فقالت: بأبي أنت وأمي، قد أتى الله بشيء فخبأته لك.
قال: «هلمي يا بنية» قالت: فأتيته بالجفنة، فكشفت عنها، فإذا هي معلومة خيزاً ولحماً، فلما نظرت إليها بهت، وعرفت أنها بركة من الله .. فحمدت الله، وصليت على نبيه، وقدمته إلى رسول الله ، فلما رأه حمد الله، وقال: «من أين لك هذا يا بنية ؟» قالت: يا أبت {هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} [آل عمران: ۳۷]
فحمد الله وقال: «الحمد لله الذي جعلك يا بنية شبيهة بسيدة نساء بني إسرائيل» – أي مريم – فإنها كانت إذا رزقها الله شيئاً ومثلت عنه قالت: {هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} .
فبعث رسول الله ﷺ إلى علي، ثم أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكل علي وفاطمة وحسن وحسين، وجميع أزواج النبي ﷺ ، وأهل بيته حتى شبعوا جميعاً. قالت: وبقيت الجفنة كما هي.
قالت: فأوسعت ببقيتها على جميع الجيران، وجعل الله فيها بركة وخيراً كثيراً .
ومن البركات التي اختصت بها فاطمة الزهراء رضي الله عنها أنها حظيت بدعوة مباركة من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد أورد القاضي عياض في الشفاء أن النبي ﷺ قد دعا الله عز وجل ألا يجيع فاطمة، واستجاب الله عز وجل دعاءه، تقول فاطمة رضي الله عنها : فما جعت أبداً.

الزَّهْرَاءُ وَالفَضَائِلُ الكَرِيمَةُ
إذا اجتمعت الفضائل في طاقة فواحة بأريج العطر الزكي، ففاطمة الزهراء عنوانها؛ وكيف يستطيع الإنسان أن يجمع فضائل سيدة نساء أهل الجنة في کتاب ؟!! ولما رحت أقرأ فضائل فاطمة الزهراء، وأستروح عبير سيرتها، وجدتني أعيش في رياض أنيقة جميلة مباركة، لا تسلوها النفس، ولا تملها القلوب، ووجدت في هذه الرياض ما تشتهيه الأنفس من كريم الصفات، ومن قصور المحامد التي شيدتها الزهراء بالفضائل الحسان، والشمائل العظيمة.
ويبدو أن أم المؤمنين عائشة الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها كانت ترى أن فاطمة الزهراء أفضل الناس خلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكما تعلم، فعائشة رضوان الله عليها أفقه نساء الأمة على الإطلاق، بل أكثر نساء النبي ﷺ حفظاً وعلماً، فهي ترى بعين بصيرتها وبصرها أن فاطمة الزهراء لا يمكن أن تكون كسائر النساء: وصفتها الصديقة بنت الصديق بقولها : ما رأيت أفضل من فاطمة غير أبيها.
وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها تصفها بشدة الشبه بالكلام والسمت بأبيها رسول الله ﷺ فتقول : ما رأيت أحداً أشبه سمتاً ودَلاً وهَدْياً برسول الله منها، في قيامها وقعودها من فاطمة بنت رسول الله.
كانت إذا دخلت على رسول الله ﷺ قام إليها فقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان النبي ﷺ إذا دخل عليها قامت من مجلسها فقبلته وأجلسته في مجلسها.
ومن أرفع فضائلها أن رسول الله ﷺ كان يرضى لرضاها ويغضب لغضبها، فقد أخرج البخاري – رحمه الله – بسنده إلى المسور بن مخرمة قال: قال رسول الله : «فاطمة بَضْعَةٌ مِنِّي، فَمَنْ أغضبها فقد أغضبني» ولعل محبة رسول الله ﷺ لفاطمة الزهراء كان يعتبر معقد الفضيلة، فالرسول الكريم لا يحب إلا طيباً، وناهيك بفاطمة الزهراء طيب أصل، وكرم منبت.
عن بريدة رضي الله عنه قال : كان أحب النساء إلى رسول الله ﷺ فاطمة، ومن الرجال علي.
هذا وقد وردت كثير من الأحاديث النبوية الشريفة، التي تشهد بفضل سيدتنا فاطمة الزهراء رضي الله عنها. عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: «أفضل نساء أهل الجنة خديجة وفاطمة»
وقد نظمت فاطمة الزهراء رضي الله عنها في عقد واحد مع سيدات نساء العالمين في مختلف العصور، وهل هناك مكانة أرفع من مكانة هؤلاء اللاتي نطق القرآن والحديث بفضلهن ؟ فلنقرأ معاً حديث رسول الله ﷺ الذي يرويه أنس بن مالك رضي الله عنه فيما رواه الإمام أحمد : «وحسبك من نساء العالمين أربع :مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون» هذا وقد حازت فاطمة الزهراء، قصب السبق في الكمال الذي لم تحققه إلا بضع نساء في دنيا النساء، بينما كمل من الرجال كثير، وقد شهد الحبيب المصطفى لها بذلك فقال: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام» ومن الفضائل الحسان التي اختصت بها فاطمة الزهراء دون أحد من نساء أهل البيت، ما أورده صاحب الاستيعاب حيث يقول : كان رسول الله ﷺ إذا قدم من غزو أو سفر، بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين، ثم يأتي فاطمة، ثم يأتي أزواجه. ومن فضائل فاطمة الزهراء وكرامتها، أن سيدنا علياً رضي الله عنه لم يتزوج عليها حتى ماتت، وتنفرد الزهراء كأمها خديجة بهذه الخصوصية الكريمة.
ولو رحنا نتتبع فضائل فاطمة الزهراء التي هي منبع فضائل نساء أهل البيت النبوي، كما وسعنا المقام لذكرها، ولكنا اكتفينا بما أوردناه من غرر مآثرها وفضائلها التي عطرت الأفواه والأسماع، وبوركت فيها الأوقات والساعات، وانتفعت بسيرتها وفضائلها نساء الدنيا ورجالها.
ونرجو الله عز وجل أن تكون سيرتها قدوة لنا ولأهلنا، كيما نفوز مع من فاز بحب أهل البيت النبوي الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.

الزهراء وَنَصَائِحُها للمرأة
لا شك أن سيدة النساء وقدوتهن سيدتنا فاطمة الزهراء رضي الله عنها أعرف النساء بشؤون النساء، وأعرف النساء بما للمرأة وما عليها، وكيف لا، وقد نشأت أكرم نشأة وأطهرها في أحضان سيدة الطاهرات، وأطهر السيدات أمنا خديجة رضوان الله عليها، ثم صنعت على عين رسول الله ﷺ لتغدو درة في عقد فريد لن يتكرر في هذه الحياة الدنيا.
ولهذا نجد أن فاطمة الزهراء رضي الله عنها حريصة كل الحرص على تقديم النصيحة لبنات جنسها، ولبنات حواء بشكل عام، فهي مصدر كل فضيلة ومنبع الفوائد، ومن ينابيع مودتها ترتوي كل امرأة تنشد الفضيلة أينما وجدت، وتبحث عن الحقيقة أينما كانت.
والآن، لتكن حليتنا من الحلية حيث نستمع إلى نصيحة فاطمة الزهراء لكل امرأة تؤمن بالله، وتؤمن برسوله، وتؤمن بالفضيلة أنها خير تاج تضعه المرأة على رأسها، بل خير ستر لصوتها وعفافها.
أخرج أبو نعيم – رحمه الله – في الحلية بسند عن الحسن عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله ﷺ : «ما خير للنساء ؟» فلم تدر ما تقول، فسار علي إلى فاطمة فأخبرها بذلك.
فقالت: فهلا قلت له : {خَيرٌ لهن أن لا يرين الرجال ولا يرونهن} فرجع فأخبره بذلك.
فقال له : «من علمك هذا ؟» قال – علي -: فاطمة . قال – -: «وإنها بَضْعَةٌ مني» إن فاطمة الزهراء رضي الله عنها ترى أن خير شيء للمرأة ولعفافها أن تكون  بمعزل عن الرجال، وعدم الاختلاط بهم، وقد أخذ الشيخ يوسف النبهاني – رحمه الله – هذا المعنى من السيدة فاطمة وصاغه شعراً فقال:
وخلطة النساء بالرجال
في شرعنا من أقبح الخصال
وسمة الفساق والجهال
ومن أجل موجبات الطرد
ولعل الخير كله فيما ذكرته فاطمة الزهراء رضي الله عنها من ابتعاد النساء عن الرجال، وقد كانت فاطمة الزهراء تدرك الأثر الكبير الذي يجره الاختلاط، لذلك كانت القدوة الحسنة للنساء في هذا المجال، بل وفي كل مجال.
وهل أتاك حديث علي عن فاطمة رضي الله عنها ؟! وصف سيدنا على زوجه فاطمة الزهراء بأنها مجمع الفضيلة، وقدوة كل امرأة في بيتها، وفي طاعتها لله عز وجل، فقال يحدث أحد أصحابه ويدعى ابن أعبد . قال علي يا ابن أعبد، ألا أخبرك عني وعن فاطمة ؟! كانت ابنة رسول الله ﷺ وأكرم أهله عليه، وكانت زوجتي، فجرت بالرحاء حتى أثر الرحاء بيدها، واستقت بالقربة حتى أثرت القربة بنحرها، وقمت البيت حتى اغبرت ثيابها ، وأوقدت تحت القدر حتى دنست ثيابها، وأصابها من ذلك ضر.
واعتقد أن سيدنا علياً رضي الله عنه إنما تحدث بذلك عن فاطمة الزهراء رضي الله عنها كيما تنهج النساء نهجها على مر الزمان، وأعتقد أن اللاتي ينهجن نهجها، قد يفرن بمرضاة الله عز وجل – إن شاء – وينضوين تحت نساء أهل البيت اللاتي كن القدوة الحسنة في كل حسنة.

الزهراء وأَهل البيت وَثَرْوَةً أدبية
في رحلتي الميمونة المباركة مع سيدتنا فاطمة الزهراء رضي الله عنها، لاحظت عظيم الأثر الذي تركته بصماتها المعطار في سطور علماء الأدباء، وأدباء العلماء، كالشافعي، وأبي نعيم الأصبهاني، وابن جابر الأندلسي، والذهبي، وغيرهم كثير ممن لا يحصون.
وعندما وضعت نصب عيني الحديث عن فاطمة الزهراء، وجدت أمامي ثروة عظيمة من تراث الفكر، ومن نفحات ورشحات الأفلام التي جادت بها قرائح أعلياء العلماء، وأكابر السادات، وسادات الأكابر، في كل فن من فنون المعرفة، ولو جمعت تلكم الآثار الحسان لتحصل عندنا مجلدات كبيرة، قد لا نستطيع حصرها ضمن مئات الصفحات.
سنعيش لحظات في ظلال تلك النفحات الندية التي سمحت بها القرائح في مختلف العصور من علماء وأدباء وشعراء استلهموا فن معارفهم من فاطمة الزهراء، ومن أهل البيت النبوي الكريم، فجاءوا بسحر حلال، يهمس بأعماقي القلوب، فيأخذ بمجامعها، ويروي ظمأ النفوس التي تود الاستزادة من شرب رحيق سير هؤلاء الأطهار، ومن منا لا يرتوي من معين سيرتهم ؟! افتتح الحافظ أبو نعيم الأصبهاني – رحمه الله – ترجمته لفاطمة الزهراء بنت رسول الله ﷺ بقوله اللطيف ومن ناسكات الأصفياء، وصفيات الأتقياء، فاطمة رضي الله تعالى عنها، السيدة البتول، البضعة الشبيهة بالرسول، الوط – الصق – أولاده بقلبه الصوقاً، وأولهم بعد وفاته به الحوقا، كانت عن الدنيا ومتعتها عازفة، وبغوامض عيوب الدنيا وآفاتها عارفة.
ونقل القسطلاني – رحمه الله – ما يخص فاطمة الزهراء من أشياء لطيفة تضاف إلى الرصيد الأدبي، فقد ذكر أنها سميت فاطمة، لأن الله قد فطمها وذريتها عن النار يوم القيامة، وقال أيضاً: لانقطاعها عن الدنيا إلى الله.
ولم يكن الرسول الله ﷺ عقب إلا من ابنته فاطمة الزهراء رضي الله عنها، فانتشر نسله الشريف منها من جهة السبطين الحسن والحسين فقط. ويقال للمنسوب لأولهما: حسني.
ولثانيهما: حسيني.
هذا وقد أغرم فقهاء المسلمين في التسابق المحمود إلى إبراز فضائل فاطمة الزهراء، وأهل البيت النبوي؛ ذكر الإمام فخر الدين الرازي، أن أهل بيته ساووه في خمسة أشياء: في الصلاة عليه وعليهم في التشهد، وفي السلام والطهارة، وفي تحريم الصدقة، وفي المحبة. وقد نص الإمام الشافعي – رحمه الله – على هذا فأنشد:
يا آل بيت رسول الله حبكم
فرض من الله في القرآن أنزله
يكفيكم من عظيم الفخر أنكم
من لم يصل عليكم لا صلاة له
وقد أغرم الحسن بن جبير – رحمه الله – في نظم القصائد الكثيرة، بامتداح أهل البيت النبوي الطاهر، وذكر بأنهم هم: رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفاطمة الزهراء، وعلي، والحسن والحسين رضي الله عنهم، ولكنه لا ينسى أن يثني على بقية الصحابة الكرام، فيقول:
احب النبي المصطفى وابن عمه
علياً وسبطيه وفاطمة الزهرا
همو أهل بيت أذهب الرجس عنهم
وأطلعهم أفق الهدى أنجما زهرا
موالاتهم فرض على كل مسلم
وحبهموا أسنى الذخائر للأخرى
وما أنا للصحب الكرام بمبغض
فإني أرى البغضاء في حقهم كفرا
همو جاهدوا في الله حق جهاده
هم نصروا دين الهدى بالظبا نصرا
عليهم سلام الله ما دام ذكرهم
لدى الملأ الأعلى وأكرم به ذكرا

ومن المحاسن الحسان التي صاغها الشعراء، هذه القلادة الشعرية الجميلة، التي تنضح بعبير الحب والود لأهل البيت عموماً، فقال بعض شعراء العصر الخالي:
هم القوم من أصفاهم الود مخلصاً
تمسك في أخراء بالسبب الأقوى
هم القوم فاقوا العالمين مناقباً
محاسنهم تجلى وآثارهم تروى
موالاتهم فرض وحبهمو هدى
وطاعتهم ود وودهمو تقوى
ومن فقهاء العلماء، وشعراء الفقهاء الإمام الشافعي – رحمه الله – الذي شارك في شعره الموزون بامتداح الحضرة النبوية، وخص آل البيت النبوي الطاهر، بغرر من لوامع أنوار كلامه، فقال فيهم:
آل النبي ذريعتي
و همو إليه وسيلتي
ارجو بهم أعطى غدا
بيدي اليمين صحيفتي

ويبدو أن الشيخ محيي الدين بن العربي – رحمه الله – قد افتتح أحد فصوله في الفتوحات بامتداح أهل البيت الأسياد الأطهار فقال:
فلا تعدل بأهل البيت خلقاً
فأهل البيت هم أهل السياده
فبغضهم من الإنسان خسر
حقيقي وحبهم عباده
ومما تلد له الأسماع، ما أنشده أبو الفضل الواعظ – رحمه الله – في ذكر أهل البيت قال: حب آل النبي خالط عظمي
وجرى في مفاصلي فاعذروني
أنا والله مغرم بهواهم
عللوني بذكرهم عللوني

وتظل فاطمة الزهراء رضوان الله عليها تحظى بأرفع المكانة في نفوس الناس على اختلاف مشاربهم، فكان الشعراء ينسبون أولادها إليها، وبعضهم ينادي رسول الله ﷺ بأبي الزهراء، ولعلنا نتذكر قول الفرزدق يمتدح زين العابدين علي بن الحسين؛ حيث يقول قصيدته الشهيرة التي مطلعها: هذا الذي تعرف البطحاء وطأته
والبيت يعرفه والحل والحرم

ومن أبيات هذه القصيدة الرائعة قوله ينسب زين العابدين إلى جدته فاطمة الزهراء، فيقول:
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله
بجده أنبياء الله قد ختموا

وفي العصر الحالي نجد الشاعر أحمد شوقي يمتدح رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويناديه بأبي الزهراء، فيقول:
أبا الزهراء قد جاوزت قدري
بمدحك بيد أن لي انتسابا

ولعل العلماء والأدباء لم يتركوا باباً فيه امتداح لأهل البيت إلا وطرقوه، ولم يجدوا معنى طريقاً إلا وذكروه، فهذا بعض الأدباء الشعراء يلجأ إلى الاقتباس من أي الذكر الحكيم مع ما يتوافق مع هواه في امتداح آل النبي الكرام، فيقول:
مديح آل النبي عندي وخير من اللهو ومن التجارة
انجو بهم من عذاب نار
وقودها الناس والحجارة
وباب الأدب هذا باب واسع جداً، ليس له حدود، ولا تزال أكله تؤتى كل حين إلى ما شاء الله

الزُّهْرَاءُ وَوَفَاةُ الرَّسُول
كانت فاطمة الزهراء رضي الله عنها تجد كل أنس، وكل نعيم إلى جانب أبيها رسول الله ﷺ، فقد استلهمت كل فضيلة من حياة أبيها الذي كان يغمرها بحبه، ويشملها برعايته وعطفه.
ويبدو أن فاطمة الزهراء رضي الله عنها كانت قريرة العين بأن وهبها الله عز وجل الذرية الطبيبة من البنين والبنات، وقد لقي هؤلاء كل حب ورعاية من الحبيب الأعظم ، ومن الصحابة الكرام رضي الله عنهم. وبدأت رحلة الخلود، فقد أحست فاطمة الزهراء بفراق رسول الله ﷺ.
روي هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما نزلت {إذا جاء نصر الله والفتح}  [النصر:]  دعا النبي ﷺ فاطمة، فقال لها :«نعيت إلى نفسي» فبكت فقال: «لا تبكين فإنك أول أهلي لاحقاً بي» فضحكت واشتد المرض برسول الله ﷺ ، وكانت أزواجه الطاهرات يجتمعن عنده في بيت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنهن جميعاً، وكانت فاطمة الزهراء رضي الله عنها تأتي لزيارته دائماً وتفقد أحواله الشريفة، فإذا بوجهه الشريف يشرق بابتسامة رقيقة رفيقة، ويخفق قلبه الشريف ابتهاجاً وبهجة بالزهراء، فالزهراء تذكره بخديجة وزينب، وأم كلثوم، ورقية، بأولئك الأحبة الذين رحلوا، وتركوا في القلب الآثار الحسان.
ويبدو أن فاطمة الزهراء رضي الله عنها كانت تصحب أولادها معها لزيارة جدهم ، وكان يرنو إلى حفيدتيه زينب وأم كلثوم ابنتي فاطمة الزهراء التي حملت كل واحدة منهما اسم خالتها الراحلة زينب زوج أبي العاص بن الربيع وأم كلثوم زوج عثمان بن عفان، وكان رسول الله يفيض بحنانه وعطفه على هاتين الطفلتين الكريمتين؛ وكانت ابتسامته التي ترتسم على شفتيه كلما وقعت عيناه على زينب وأم كلثوم الصغيرتين تفجران الحنان في قلبه الشريف. كانت فاطمة الزهراء رضي الله عنها تنظر إلى ذلك المشهد الرقيق في سرور، وتكاد الدموع أن تبلل عينيها من الفرح، نعم، فقد كانت فاطمة الزهراء بضعة من أبيها، وكان كل واحد منهما متعلق قلبه بالآخر، بل كان النبي ﷺ إذا قدم من سفر، يصلي ركعتين لله، ثم يبدأ بزيارتها قبل أن يعود إلى داره.
وظلت فاطمة الزهراء رضي الله عنها تقوم بزيارة أبيها في مرضه، وذات يوم خفت لزيارته والسؤال عنه، فإذا به يدنيها منه، ويسر إليها بحديث فتبكي ثم تضحك، وتستغرب أم المؤمنين عائشة لذلك فلنترك الحديث الآن لأمنا عائشة كيما تخبرنا عن هذه الواقعة.
أخرج الحافظ أبو يعلى – رحمه الله – بسنده عن الشعبي عن مسروق – رحمهما الله – عن عائشة – رضي الله عنها – قالت : أقبلت فاطمة تمشي كان مشيتها مشية رسول الله ﷺ ، فقال: «مرحباً بابنتي» وأجلسها عن يمينه – أو عن يساره – وأسر إليها حديثاً فبكت، ثم أسر إليها حديثاً فضحكت فقلت: ما رأيت كاليوم حزناً أقرب من فرح! أي شيء أسر إليك رسول الله ؟ قالت: ما كنت لأفشي سير رسول الله ﷺ. فلما قبض سألتها، فقالت: قال: «وإن جبريل كان يأتيني فيعارضني القرآن مرة وإنه أتاني العام فعارضني به مرتين، ولا أرى أجلي إلا قد حضر، ونعم السلف أنا لك، وإنك أول أهل بيتي لحوقاً» فبكيت لذلك، فقال: «وأما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين – أو نساء هذه الأمة» ، قالت: فضحكت وفي شهر ربيع الأول من السنة الحادية عشرة للهجرة، اشتد الوجع برسول الله ﷺ، وأخذ في الموت، فصار يغمى عليه، ثم يفيق، وكان عنده – وقد اشتد به الأمر – قدح فيه ماء، فصار يدخل يده الشريفة في القدح، ثم يمسح وجهه بالماء ويقول: اللهم أعني على سكرات الموت.
ورنت فاطمة الزهراء رضي الله عنها إلى أبيها ، فرأته يتألم أشد الألم، فأحست ناراً تضرم في داخلها، فراحت تقول واكرب أبتاه، ولكن الحبيب المصطفى راح يقول في صوت لطيف خافت لابنته فاطمة الزهراء : «وليس على أبيك كرب بعد اليوم». ووجدت عائشة رضي الله عنها رسول الله ﷺ يثقل في حجرها، فذهبت تنظر في وجهه الشريف، فإذا بصره قد شخص وهو يقول: «اللهم الرفيق الأعلى من الجنة» فقالت عائشة : خيرت فاخترت، والذي بعثك بالحق.
وقبض رسول الله ﷺ يوم الاثنين بين سحر عائشة ونحرها، وارتفع صوت فاطمة الزهراء تبكي أباها رسول الله، وقالت في صوت حزين والِه : يا أبتاه! أجاب رباً دعاه يا أبتاه من جنة الفردوس مأواه يا أبتاه إلى جبريل ننعاه.
ونزل بقلوب الناس حزن ثقيل، وخيم الأسى على مدينة رسول الله ﷺ، بينما راح سيدنا علي بن أبي طالب، وأسامة بن زيد، والعباس بن عبد المطلب وولداه الفضل وقثم يشتغلون بجهاز رسول الله ﷺ وتولى على غسله.
وبعد ذلك تهيأ المسلمون لدفنه والصلاة عليه، أما كيف كانت عملية دفنه والصلاة عليه، فذلك مما يرويه سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما حيث يقول:
لما أرادوا أن يحفروا لرسول الله ، وكان أبو عبيدة بن الجراح يصرح – يحفر – لأهل مكة، وكان أبو طلحة زياد بن سهل – الأنصاري – هو الذي كان يحفر لأهل المدينة، وكان يلحد، فدعا العباس رجلين، فقال لأحدهما : اذهب إلى أبي عبيدة. وللآخر: اذهب إلى أبي طلحة.
ثم قال: اللهم خر لرسولك .

فوجد صاحب أبي طلحة أبا طلحة، فجاء به، فلحد لرسول الله ﷺ، فلما فرغ من جهاز رسول الله ﷺ يوم الثلاثاء، وضع على سريره، وقد كان المسلمون اختلفوا في دفنه، فقال قائل: ندفنه في مسجده. وقال قائل : بل يُدفن مع أصحابه.
فقال أبو بكر: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول : «ما قبض نبي إلا دفن حيث قبض» فرفع فراش رسول الله ﷺ الذي توفى فيه، فحفر له تحته، ثم دعي الناس أرسالا؛ الرجال، حتى إذا فرغ منهم، أدخل النساء، حتى إذا فرغ من النساء، أدخل الصبيان، ولم يؤم الناس على رسول الله ﷺ أحد، فدفن رسول الله ﷺ من أوسط الليل ليلة الأربعاء، وكانت فاطمة الزهراء رضي الله عنها، وأهل بيت النبيﷺ يبكون تلك الليلة، لم يناموا، وسمعوا صوت المساحي وهم يدفنون الرسول  ﷺ ، وبكت فاطمة الزهراء فرقاً على أبيها، وقالت لأنس بن مالك : يا أنس كيف طابت أنفسكم أن تحثوا التراب على رسول الله؟!
تقول ذلك من شدة حزنها على رسول الله صلى الله عليه وسلم

الزهراء ووفاةُ رسول الله ﷺ
لا شك أن وفاة رسول الله ﷺ ترك أثراً كبيراً في دنيا المعرفة والمعارف، وخاصة من الرثاء الذي اشتهر به العرب في بث أحزانهم.
وهناك شعر إسلامي – غزير – دولته كتب السيرة. وكتب الطبقات والتاريخ والأدب وتاريخه، الشعراء وشاعرات من أصحاب رسول الله ﷺ، ومن أهل بيته الأطهار، وكله قد قيل في رثاء الحبيب المصطفى ، ولكني أحببت أن أنوه – في هذه الفقرة – إلى أشياء كثيرة في هذا الموضوع من خلال دراستي لفن الرثاء في العصر النبوي. وأحببت أن توضع النقاط على الحروف في مواضعها السليمة كيما تكون على بصيرة من الأمر، وكيما تعرف مقام سيدتنا فاطمة الزهراء معرفة تتوافق ومقامها الكريم في عقد آل البيت الفصحاء البلغاء.
ولا ريب في أن كثيراً من الأبيات والمقاطع الشعرية التي وصلتنا عن سيدتنا فاطمة الزهراء وغيرها، يحوم من حولها الشك، ولعل السبب في ذلك الأحداث التاريخية، والملابسات الأخرى، كل ذلك أتاح للخرافة – وأحياناً العاطفة – أن تنسج خيوطها حول أولئك الطاهرات من آل البيت الطاهر الكريم، فحيكت بذلك أساطير شتى، وطفق بعض المحبين – بحسن نية – ينسبون لفاطمة الزهراء ولعلي والحمزة ولأبي بكر الصديق وغيرهم أشعاراً وأقوالاً لا تتفق مع فصاحتهم وبلاغتهم. إذن لتكن رحلتنا علمية، وزادنا في ذلك حب المعرفة ليس غير، لنحظى بمرضاة الله عز وجل، وليكون عملنا خالصاً لوجهه الكريم، ولكي نؤدي واجبنا نحو سيدتنا فاطمة الزهراء رضي الله عنها التي أكرمنا الله عز وجل بسيرتها وأنعم علينا بالحديث عنها، كما تطيب نفوسنا وتطمئن قلوبنا، وتهفو أرواحنا نحو البيت الطاهر، وأهل البيت الأخبار الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.
قال الإمام الذهبي – رحمه الله -: وما ينسب إلى فاطمة ولا يصح:
ماذا على من ثم تربة أحمد
الا يشم مدى الزمان غواليا
صُبّت على مصائبٌ لو أنها
صُبّت على الأيامِ عُدْنَ لياليا
فالإمام الذهبي – رحمة الله – ببصيرته العلمية يرى أن هذه الأبيات لا تصح نسبتها إلى فاطمة الزهراء، ومثله رأى ابن سعد – من قبل – الرؤيا نفسها في كتابه «الطبقات الكبرى».
وإنني من خلال حياتي مع سيرة فاطمة الزهراء في مكة، ثم في المدينة، والنظر نظرة فاحصة في فصاحتها وبلاغتها، وجدت أنه لم يؤثر عنها أنها نطقت بالشعر، ولم يؤثر أنها كانت تروي شيئاً من الشعر، بل لم يعرف عنها أنه كان لها ميل إلى شيء من هذا، وإنما كانت مناجاتها مع الله عز وجل، وكانت موصولة القلب به، لا تكاد تفتر عن الذكر والتسبيح والتكبير بحسب ما أوصاها رسول الله ﷺ عندما طلبت منه خادماً – كما مر معنا.
ففاطمة الزهراء رضوان الله عليها التي نشأت في البيت النبوي، ونهلت من معين القرآن الكريم، ومن أساليب الفصاحة النبوية، وعرفت بلاغة زوجها علي بن أبي طالب فهي أرفع مستوى من هذا الشعر المصنوع الذي نسب إليها، لأنها تأدبت بأدب النبوة العظيم، وكانت ترى أباها، في هذه المواقف لا يقول ما يغضب الرب عز وجل، وإنما كان يُسلم أمره إلى الله العلي الكبير المتعال، ولا شك بأنها كانت تنهج النهج نفسه في هذا المضمار، والذي ورد في الصحيح يغني عن هذه الروايات.
ومما ينسب إلى سيدتنا فاطمة الزهراء بضعة أبيات في رثاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت تقولها وهي قائمة على قبره؛ منها:
إنا فقدناك فقد الأرض وابلها
وعاب مذ غبت عنا الوحي والكُتُبُ

والذي ظهر أن هذه الأبيات لإحدى شاعرات الصحابة، وهي هند بنت أثاثة القرشية المطلبية التي رثاِ النبي ﷺ ببضعة قصائد أوردها ابن سعد في طبقاته ، مما جعل بعض الناس ينسبها إلى فاطمة الزهراء رضي الله عنها.
ويبدو أن هند بنت أثاثة هذه، قد خاطبت فاطمة الزهراء في رثاء أبيها، وتأثرت هند لحزن فاطمة الشديد فقالت تدعوها للصبر الجميل:
أشاب ذؤابتي وأذل ركني
بكاؤك فاطم الميت الفقيدا
أفاطم فاصبري فلقد أصابت
رزيئتك التهائم والنجودا

وتقول هند بنت أثاثة في قصيدة أخرى:

الا ياعين بكّي لا تمّلي
فقد بَكَرَ النعي بمن هويت
أفاطم إنه قد هد ركني
وقد عظمت مصيبة من رزيت

من خلال البحث في رثاء النبي ﷺ ، الفيت أن بعض الذين تركوا أشعاراً في الرثاء من شعراء وشاعرات، يوجهون خطابهم وعزاءهم لفاطمة الزهراء رضي الله عنها؛ وأعتقد أن كثيراً من الناس – فيما بعد – قد نسجوا بعض الأشعار والمقطعات، ونسبوها إلى فاطمة الزهراء، وهي بريئة منها براءة واضحة، لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
من تلك الأشعار، ما ذكره ابن سيد الناس – رحمه الله – بأن فاطمة الزهراء رضي الله عنها، قالت لما دفن رسول الله ﷺ :
اغبر أفاق السماء وكورت
شمس النهار وأظلم العصران
الأرض من بعد النبي كتيبة
أسفاً عليه كثيرة الرجفان

أما الذين خاطبوا فاطمة الزهراء رضي الله عنها في رثائهم لرسول الله ﷺ ، فلا يتسع المقام لذكرهم، ويعتقد أنهم أرادوا بذلك التقرب لمرضاة فاطمة الزهراء من ناحية، ومن ناحية أخرى لأنها الوحيدة التي عاشت بعد الرسول ﷺ من أولاده.

ومن الشاعرات اللاتي رئين رسول الله ﷺ، وذكرن فاطمة الزهراء : أروى بنت عبد المطلب حيث قالت من قصيدة: ألا يا رسول الله كُنتَ رَجَاءنا
وكنت بنا براً ولم تك جافيا
وكنت بنا رؤفاً رحيماً نبينا
لبيك عليك اليوم من كان باكيا
أفاطم صلى الله رب محمد
على جَدَثٍ أمسى بيثرب ثاويا

وقالت صفية بنت عبد المطلب رضي الله عنها من قصيدة:
أفاطم بكي ولا تسأمي
بصبحك ما طلع الكوكب
هو المرء يبكى وحق البكاء
هو الماجد السيد الطيب
فيكي الرسول وحقت له
شهود المدينة والغُيَّب

ونقل ابن عبد البر عن ابن إسحاق، أن أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، قد بكى النبي ﷺ ورثاه، وذكر فاطمة الزهراء برثائه فقال :
أرقت فبات ليلي لا يزول
وليل أخي المصيبة فيه طول
لقد عظمت مصيبتنا وجلت
عشية قيل قد قبض الرسول
أفاطم إن جزعت فذاك عذر 
  وإن لم تجزعي ذاك السبيل
فقبر أبيك سيد كل قبر
وفيه سيد الناس الرسول

ومثل هذه القصائد كثيرة في تراثنا، وقد لاحظنا من خلالها أن معظم الشعر الذي قيل في رثاء النبي ﷺ فيه خطاب لفاطمة الزهراء، ولم نجد أن المصادر الوثيقة قد أتت بدليل قاطع يقول : إن فاطمة الزهراء قد رثت رسول الله ﷺ ؛ وإنما وجدنا أن العلماء قد نفوا ذلك عن فاطمة الزهراء رضي الله عنها.

الزَّهْرَاءُ وَأَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُا
قال رسول الله ﷺ : «إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة» أتت فاطمة الزهراء رضي الله عنها – بعد وفاة النبي ﷺ – أبا بكر الصديق خليفة رسول الله ﷺ، وقد تعلقت آمالها بميراثه، ولكن أبا بكر الصديق رضوان الله عليه حدثها بأن تقلع عن التماس ميراثها، لأنه سمع من النبي ﷺ بأنه «لا نورث» .
أخرج أصحاب الصحيح والسنن وغيرهم عن عائشة رضي الله عنها أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ سألت أبا بكر بعد وفاة رسول الله ﷺ أن يقسم لها ميراثها مما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما أفاء الله عليه من المدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر.
فقال لها أبو بكر: إن رسول الله ﷺ قال: «لا نُورَثُ ما تركناه صدقة»وفي رواية مسلم : «لا نورثُ ما تركناه صدقة، إنما يأكل آل محمد في هذا المال» وإني والله لا أغير شيئاً من صدقة رسول الله ﷺ عن حالها التي كانت عليها، ولأعملن فيها بما عمل به رسول الله ﷺ.
وفكرت فاطمة الزهراء رضي الله عنها فيما قاله أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فهي لم تسمع ذلك من أبيها، وقد علمت أن أزواج النبي ﷺ أَرَدْنَ أَنْ يبعثن عثمان بن عفان إلى أبي بكر رضي الله عنهما ليسألنه ميراثهن، فقالت عائشة : اليس قد قال رسول الله ﷺ : «لا نورث ما تركناه صدقة» إن فاطمة الزهراء رضي الله عنها لو كانت سمعت ذلك من أبيها ما طالبت بميراثه، وظنت فاطمة الزهراء أنها ترث النبي ﷺ ، فكان جواب الصديق : لست بالذي أقسم من ذلك شيئاً، ولست تاركاً شيئاً، كان رسول الله ﷺ يعمل به فيها إلا عملته، وإني أخشى إن تركت أمره، أو شيئاً من أمره أن أزيغ .
  ولما لم يعطها أبو بكر الصديق شيئاً مما طلبت، قامت فاطمة الزهراء رضوان الله عليها مغضبة، وحلفت لا تكلم أبا بكر أبداً، ثم هجرته. وساء أبو بكر الصديق غضب فاطمة الزهراء وهجرتها إياه، ثم إن فاطمة الزهراء رضي الله عنها تشاغلت عنه وتلهت؛ ولكن أبا بكر رضي الله عنه أوجس خيفة من غضبها، فانطلق إلى منزلها، واستأذن عليها – وكانت مريضة – فقال لها سيدنا علي رضي الله عنه : يا فاطمة، هذا أبو بكر يستأذن عليك. فقالت: أتحب أن أذن له. قال : نعم. فأذنت لأبي بكر، فدخل عليها يترضاها، وقال: والله يا ابنة رسول الله، ما تركت الدار والمال والأهل والعشيرة، إلا ابتغاء مرضاة الله ورسوله، ومرضاتكم أهل البيت. ثم إن أبا بكر ما زال يترضاها حتى رضيت، وانصرف أبو بكر برضائها مسروراً.
ويبدو أن سيدتنا فاطمة الزهراء رضي الله عنها قد تذكرت أنها ذهبت مرة بالحسن والحسين إلى رسول الله ﷺ
وقالت له : يا رسول الله، هذان ابناك فورثهما شيئاً.
فقال: «أما الحسن فإن له هيبتي وسؤددي
وأما الحسين فإن له جرأتي وجودي».
فلو كان هناك ميراث غير هذا لذكر ذلك. ولرب سائل يسأل : لم نازعت الزهراء الصديق في الميراث؟ فالجواب : إن منازعة سيدتنا فاطمة الزهراء رضي الله عنها لأبي بكر الصديق رضي الله عنه في ميراث النبي الكريم ليس بمستغرب، وليس بمستنكر . ففاطمة الزهراء رضي الله عنها لم تكن تعلم بما قاله رسول الله ﷺ عن ميراث الأنبياء، وظنت أنها ترثه، كما يرث الأولاد آباءهم، وكما كان رسول الله ﷺ يقضي بالميراث بين الناس، وقد شهدت ذلك الميراث أكثر من مرة، وسمعت آيات الله تتلى في هذا المجال.
ولكن سيدنا أبا بكر الصديق رضوان الله عليه عندما أبلغها قول رسول الله ﷺ ، بشأن ميراث الأنبياء، كفت وتركت هذا الطلب أدباً مع الله ورسوله، وعملت بالذي قاله أبوها، فكانت من أشد الناس طاعة له حياً وميتاً، وهذا من وفور عقلها وتمام دينها، وقد عُرفت بحكمة البلغاء، وبلاغة الحكماء، وكيف لا، وهي ابنة سيد الأنبياء، وخاتم المرسلين ؟! إن هذا وذلك كله من تمام إكرام الله عز وجل لفاطمة الزهراء، ومن تمام التوفيق لها . – والله أعلم
ويبدو لي أن سيدتنا فاطمة الزهراء – عليها سحائب الرضوان – بالإضافة إلى سيادتها نساء العالمين، فهي كذلك سيدة الزاهدات في دنيا الزهد، فالرسول ﷺ إمام المتقين، وإمام الزاهدين، فلا عجب أن تنهج فاطمة الزهراء نهجه في نظرتها إلى الدنيا كيما تأخذ حاجتها منها لما يبلغها إلى الدار الآخرة، إذ الآخرة خير وأبقى .

الزَّهْرَاءُ ورواية الحديث النبوي
سيدتنا فاطمة الزهراء رضي الله عنها، واحدة من نساء أهل البيت اللواتي حفظن حديث رسول الله وروينه ونقله إلى أئمة الحفاظ، والعلماء والفقهاء؛ فقد كانت فاطمة الزهراء رضي الله عنها حافظة واعية، وهي الوحيدة من بنات النبي الطاهرات اللاتي روين الحديث الشريف. قال الإمام أبو الفرج ابن الجوزي – رحمه الله – : ولا نعلم أحداً من بنات رسول الله ﷺ أسند عنه غير فاطمة رضي الله عنها.
روت سيدتنا فاطمة الزهراء عن أبيها رسول الله ﷺ؛ وروى عنها الحديث من الرجال: ابناها الحسن والحسين رضي الله عنهما، وأبوهما علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكذلك أنس بن مالك رضي الله عنه.
وروى عنها الحديث النبوي الشريف عدد من النساء: فمن أمهات المؤمنين عائشة الصديقة بنت الصديق وأم سلمة رضي الله عنهما .
ومن الصحابيات: سلمى أم رافع مولاة رسول الله ﷺ.
ومن التابعيات : حفيدتها فاطمة بنت الحسين بن علي، وقد روت عنها الحديث مرسلاً.
ورواية فاطمة الزهراء في الكتب الستة.
روت فاطمة الزهراء رضي الله عنها ثمانية عشر حديثاً، توزعت في كتب الصحيح والسنن والمسانيد؛ منها حديث واحد، اتفق عليه الشيخان البخاري ومسلم.
ومن مروياتها التي وردت في الصحيح والسنن، ما روته أن رسول الله ﷺ حدثها: «أن جبريل كان يعارضه بالقرآن كل سنة مرة، وإنه قد عارضني به العام مرتين، ولا أرى الأجل إلا قد اقترب، فاتقي الله واصبري، فإني نعم السلف أنا لك»، قالت: فبكيت، فلما رأى جزعي قال : «يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين، أو سيدة نساء هذه الأمة ؟» ومما أخرجه لها الحافظ أبو يعلى – رحمه الله – بسنده عن عبد الله بن الحسن عن فاطمة بنت رسول الله قالت : كان رسول الله ، إذا دخل المسجد قال: «بسم الله، والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج» قال: «بسم الله والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك»

الزهراء والأَيَّامُ الأَخِيرَةُ والنَّعِيمُ الْمُقِيمُ
لم تضحك فاطمة الزهراء رضي الله عنها من مات أبوها رسول الله ﷺ، بل بانت تذوب حزناً عليه، وشوقاً إليه، وحق لها أن تكون كذلك، ولله در من قال :
فما فقد الماضون مثل محمد
ولا مثله حتى القيامة يفقد

مرضت فاطمة الزهراء أم أبيها، فراح أولادها يرنون إليها في إشفاق وجزع، إنها تذوي كما يذوي القضيب من الزبد والموت يزحف إليها لتلحق برسول الله ﷺ، وبالأحبة أخواتها زينب ورقية وأم كلثوم . وفتحت فاطمة الزهراء عينين واهنتين، فرأت زوجها علياً والهاً حزيناً، والحسن والحسين وفي أعينهما الدموع، بينما كانت ابنتاها زينب وأم كلثوم تكادان تذوبان من الأسى، فأرادت الزهراء أن تواسيهم جميعاً، إلا أن الكلمات رقدت على شفتيها، ولم تتكلم.
كان الموت يطلبها، وإنها لتترك الدنيا غير آسفة على فراقها، فما تنافست في عزها وفخرها، وما بهرتها زينتها ونعيمها وزخرفها، إنها ستصبح ميتاً يبكى، وستترك من ورائها دنيا لا خير في شيء من أزوادها إلا التقوى، نعم، فإن خير الزاد التقوى، وخير لباس التقوى، وقد كان التقوى لباسها وزادها.
وعادتها – زارتها – أسماء بنت عميس – وكانت زوج أبي بكر – فهمت إلى أسماء
قائلة : إني أستقبح ما يُصنع بالنساء، يُطرح على المرأة الثوب فيصفها.
فقالت أسماء : يا ابنة رسول الله، ألا أريك شيئاً رأيته بالحبشة ؟ – وكانت أسماء من مهاجرة الحبشة –
فقالت فاطمة الزهراء رضي الله عنها: فأرينيه.
عندئذ دعت أسماء بجرائد رطبة، فحنتها، ثمَّ جَعَلَتْ على السرير نعشاً، ثم طرحت عليها ثوباً .
فلما رأته فاطمة الزهراء رضي الله عنها تبسمت – وما رُئيت مبتسمة إلا يومئذ –
ثم قالت الأسماء بصوت هادى رفيق : ما أَحْسَنَ هذا وأجمله! تعرف به المرأة من الرجل، سترك الله كما سترتني، إذا مت فغسليني أنت وعلي، ولا يدخلن أحد علي. وفي يوم الثلاثاء، لثلاث خلون من رمضان سنة إحدى عشرة من الهجرة، فاضت الروح المطمئنة، ورجعت إلى ربها راضية مرضية. توفيت فاطمة الزهراء، فأجهش زوجها بالبكاء، وراح الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم يذرفون الدموع على أعظم أم في الوجود؛ فاطمة الزهراء سيدة نساء أهل الجنة، وابنة سيدة نساء أهل الجنة.
وقام علي بن أبي طالب، وأسماء بنت عميس، وسلمى أم رافع، وراحوا يغسلون الجسد الطاهر، وعيونهم تذرف الدموع، واجتمع الناس في المسجد النبوي، وقد نزل بقلوبهم حزن ثقيل، فقد جدد موت فاطمة الزهراء أحزانهم على فراق أبيها رسول الله ﷺ، وقد توفيت بعده بستة أشهر، وأوصت أن تدفن بليل . وصلى عليها زوجها علي، وعمه العباس بن عبد المطلب؛ وفي سكون الليل، خرجت الجنازة إلى البقيع إلى حيث تثوي زينب ورقية وأم كلثوم، ودفنت على أضواء المشاعل، ونزل في حفرتها علي والعباس والفضل بن العباس رضوان الله عليهم.
وشعر علي رضي الله عنه بنار الحزن تلسع فؤاده، فلم يقدر على أن يكتم ما به من حزن شديد، واسترجع، وصبر، وتمثل قائلا:
لكل اجتماع من خليلين فرقة
وكل الذي دون الممات قليل
وإن افتقادي فاطماً بعد أحمد
دليل على ألا يدوم خليل

هذا وقد روى ابن عساكر – رحمه الله – الأبيات في قصة ذكرها عن سعيد بن المسيب – رحمه الله – قال : دخلنا مقابر المدينة مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقام علي إلى قبر فاطمة رضي الله عنها، وانصرف الناس، فتكلم وأنشأ يقول :
لكل اجتماع من خليلين فرقة
وإن بقائي بعدكم لقليل
وإن افتقادي واحداً بعد واحد
دليل على أن لا يدوم خليل
أرى علل الدنيا علي كثيرة
وصاحبها حتى الممات عليل

وبعد – عزيزي القارىء – فالحياة مع سيدتنا فاطمة الزهراء رضي الله عنها معين لا ينضب، وشمس لا تغرب، فهل هناك أجمل من هذه الحياة ؟! رضي الله عن فاطمة الزهراء، وجعلنا معها في جنات ونعيم، إنه سميع مجيب.

(نساءُ أهل البيت في ضوء القرآن والحديث)

شارك هذا المقال:

مقالات مشابهة