ولدت أم كلثوم في مكة قبل البعثة وأسلمت مع أمها خديجة رضي الله عنهما .
هاجرت إلى المدينة المنورة وهي صابرة مستسلمة لله .
قال النبي ﷺ : «يتزوج عثمان من هي خير من حفصة» فتزوج عثمان أم كلثوم رضي الله عنها سنة (۳هـ).
قال رسول الله ﷺ لأم كلثوم : «زوجتك من يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله» .
– توفيت سنة (9هـ) في حياة أبيها ودفنت بالبقيع .
البَضْعَةُ النبوية
أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمية، إحدى بنات النبي ﷺ، وإحدى نساء أهل البيت النبوي الطاهر، تلك نسعد باللقاء معها في هذه الصفحات ليطيب الحديث عن سيرتها المعطاء المعطار.
ففي كنف البيت النبوي الطاهر نشأت أم كلثوم على أتقى التقى، حيث لقيت كل عناية، وصنعت على عين أمها الطاهرة خديجة رضي الله عنها، فغدت واحدة ممن حفظ الدهر مقامهن، وعرف نسوة القوم مكانتهن.
وهب الله عز وجل لمحمد أولى بناته زينب، وقد تزوجها ابن خالتها أبو العاص بن الربيع، ثم رقية، وتزوجها عثمان بن عفان، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة الزهراء.
وكانت رقية وأم كلثوم قد خُطبنا إلى عتبة وعتيبة ابني أبي لهب، وقد مرت معنا سيرة رقية رضي الله عنها، وانتقالها بفضل الله إلى بيت عثمان بن عفان، وها نحن مرسلو القول في أختها أم كلثوم رضي الله عنها وكيف أراد الله بها – هي الأخرى – خيراً، ففارقها عتيبة بن أبي لهب، وذلك قبل أن يدخل بها ، وأكرمها الله بأن نجاها مرارة العيش معه ومع والده ووالدته حمالة الحطب.
خَدِيجَةُ وَأَمْ كُلثوم
عاشت أم كلثوم حياة كريمة طيبة في رعاية أبوين كريمين، سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمها الطاهرة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها.
ولما بلغت أشدها واكتملت أنوثتها، كانت من أكمل فتيات قريش أدباً وسلوكاً وتربية وأخلاقاً، وكانت أختها رقية أكبر منها قليلاً، وإذ ذاك تقدم لخطبة رقية وأم كلثوم عتبة وعتيبة ابني أبي لهب فكانت رقية قد خُطبت لعتبة، وأم كلثوم لعتيبة.
كانت خديجة رضي الله عنها سعيدة إلى حد ما بهذه الخطبة، ولكن إحساساً غامضاً كان يرفرف على نفسها، فتشعر بشيء من الانقباض، وكثيراً ما كانت تفكر في أم جميل بنت حرب التي استولت على زوجها أبي لهب، فأصبح مسلوب الإرادة، لا يقوى على التصرف بأمر ما، دون أن يحصل على موافقتها.
ها هي خديجة رضوان الله عليها تتهلل بالفرح ، حتى إنها راحت تناجي الله عز وجل وتشكره بلسانها، وبكل جوارحها على أن اصطفى زوجها محمد بن عبد الله لرسالته، وها هو رسول الله ﷺ يلبي أمر ربه، وينذر عشيرته الأقربين بعد أن أوحى إليه ربه ما أوحى.
ولما كانت خديجة صديقة المؤمنات الأولى وأول خلق الله إسلاماً، كانت بناتها الظاهرات قد نظمن معها في عقد السبق إلى ساحة الإيمان، وكتب لهن الخلود في دنيا الخلود، ونلن قصب السبق في عداد الأولين، وما أدرك ما مكانة الأولين ؟!
وأسلمت أم كلثوم وجهها لله عز وجل، وعرفت لذة مناجاته، وراحت تتلقى المعارف عن أبيها، حتى غدت متعلقة القلب بالله عز وجل، تنظر بنور الله، وتعمل بنور الله .
أما خديجة الطاهرة أم المؤمنين رضي الله عنها فقد تهللت بالفرح، لما شهدت ابنتاها رقية وأم كلثوم بوحدانية الله عز وجل، ورسالة أبيها محمد، إلا أنها شعرت بوجيب قلبها قد أخذ يشتد وقد استولى عليها خوف غامض، لما فكرت في مآل ابنتيها رقية وأم كلثوم في دار أبي لهب حيث عتبة وعتيبة ألعوبتان في يد أمهما أم جميل؛ وأم جميل بنت حرب هذه امرأة قاسية القلب، عنيفة في عداوتها، كأنما فؤادها قد من حجر، وأما زوجها أبو لهب فقد أطلق لشهواته العنان، وراح يمضي أوقاته في المقامرة والشراب والتفاخر بالأموال والأولاد؛ ولم يكن يهمه في دنياه إلا الحصول على شهواته والانغماس في حماة المعاصي والأوحال.
ويبدو أن خديجة رضي الله عنها، قد أخذت تفكر في مصير ابنتيها رقية وأم كلثوم، إذ أصبح مستقبل كل واحدة منهما متأرجحاً، لا سيما وأن أمر رسول الله ﷺ قد استعلن في مكة، ومن حولها، ولم يدخل عتبة أو عتيبة أو أحد من دار أبي لهب في الإسلام، وربما ستغلق في وجه رقية وأم كلثوم أبواب الزواج، وستعود كل واحدة منهن وهي كسيرة الفؤاد.
كانت خديجة تفكر في هذا كله، وهي ترنو بعين البصيرة إلى أنوار اليقين التي تنبعث من بيتها، ولكن ماذا تستطيع أن تفعل ؟! إنها لا تملك إلا الاستسلام لمشيئة الله عز وجل الذي بيده مقاليد السماوات والأرض.
دعوة الأقربين
مضى رسول الله ﷺ يدعو الناس إلى الإسلام ، فاستجاب من استجاب، ودخل دار الأرقم ابن أبي الأرقم ومعه أصحابه يصلون ويتفقهون في أمر الدين ثم أوحى الله عز وجل إلى عبده أن يجهر بالدعوة ويعرض عن المشركين، فهو وليه وناصره.
وفي جلسة جمعت العشيرة الأقربين عرض الحبيب المصطفى ﷺ دعوته على أرقابه، فلم يستجب أحد منهم إلى الدعوة، ثم مرت أيام فجمعهم رسول الله ﷺ مرة ثانية، وأخذ يعظهم، وخطبهم ثم قال لهم : «إن الرائد لا يكذب أهله، والله لو كذبت الناس جميعاً ما كذبتكم، ولو غررت الناس جميعاً ما غررتكم، والله الذي لا إله إلا هو إني لرسول الله إليكم خاصة وإلى الناس كافة ، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، ولتجزون بالإحسان إحساناً، وبالسوء سوءاً، وإنها لجنة أبداً، أو لنا أبداً، والله يا بني عبد المطلب ما أعلم شاباً جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إني قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة».
فتكلم القوم كلاماً ليناً غير أبي لهب فإنه قال : يا بني عبد المطلب، هذه والله السوءة، خذوا على يديه قبل أن يأخذ على يديه غيركم، فإن أسلمتموه حينئذ ذللتم، وإن منعتموه قتلتم.
وكان في المجلس صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت عاقلة قد استنارت بنور الإيمان فقالت لأخيها أبي لهب أي أخي أيحسن بك خذلان ابن أخيك، فوالله ما زال العلماء يخبرون أنه يخرج من ضئضئ – أصل – عبد المطلب نبي فهو هو.
فقال أبو لهب في ضيق وقد أخذه هياج الغضب: هذا والله الباطل والأماني، وكلام النساء في الحجال، إذا قامت بطون قريش، وقامت معها العرب، فما قوتنا بهم، فوالله ما نحن عندهم إلا أكلة رأس.
وانصرف أبو لهب من ذلك المجلس غاضباً لا يرى أمامه من شدة ما نزل به، وبعد أيام كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهتف على جبل الصفا، ويدعو قومه إلى صراط العزيز الحميد، وإلى شهادة أن لا إله إلا الله ؛ وإذ ذاك قال أبو لهب : تباً لك سائر اليوم، وعاد إلى داره، وأخذ يروي على امرأته أم جميل ما سمعه من محمد ابن أخيه، فأحست بنار الحقد تسري في جوفها، وتغلي في أحشائها، وقررت تحطيم الدعوة الجديدة بكل ما تملك من وسيلة.
وأخذت وزوجها يكيدان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، ولكن الله عز وجل أوحى إلى رسوله محمد ﷺ قوله : {تبت يدا أبي لهب وتب. ما أغنى عنه ماله وما كسب. سيصلى ناراً ذات لهب. وامرأته حمالة الحطب. في جيدها حبل من مسد} [المسد : ١-٥]
وذاعت السورة في مكة، وأذيعت أمام أبي لهب، فعرف وزوجه أم جميل ما أنزل الله فيهما، من أليم العذاب وشديد العقاب، فاستبد بهما الحمق والحنق والغضب، وأرادا – بزعمهما – أن ينتقما من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرا ولديها عتبة وعتيبة أن يفارقا ابنتي محمد صلى الله عليه وسلم.
فأما عتبة، ففارق رقية دون أن يؤديها أو يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وقد سأله رسول الله ﷺ طلاق رقية، وسألته رقية ذلك، فقالت أم جميل لابنها عتبة : طلقها يا بني فإنها قد صبت. فطلقها.
وأما عتيبة فقد لعب به الغضب، وركبه الغرور، وأقسم بأنه سيؤذي محمداً في ربه، وفي شخصه، وطلق عتيبة أم كلثوم رضي الله عنها، وجاء إلى النبي ﷺ حين فارق أم كلثوم وقال : كفرت بدينك، وفارقت ابنتك، لا تحبني ولا أحبك، ثم سطا عليه فشق قميص النبي ﷺ، فقال : {اللهم ابعث عليه كلباً من كلابك} واستجاب الله عز وجل دعوة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وافترس الأسد عتيبة وهو في تجارة له إلى الشام، أما كيف استجيبت دعوة رسول الله ﷺ، فنحن مرسلو القول في ذلك إن شاء الله كيما نشهد مشهداً جليلاً من دلائل نبوة سيدنا وحبيبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكيما ندرك مكانة سيدتنا أم كلثوم بنت النبي رضي الله عنها .
الدَّعَوةُ المُسْتَجَابَةُ في عتيبة
روت المصادر الوثيقة خبر موت عتيبة بن أبي لهب بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان أبو لهب واسمه عبد العزى بن عبد المطلب، وابنه عتيبة قد تجهزا إلى الشام في تجارة لهما مع قافلة لقريش، وكانت الدعوة المحمدية قد أشرقت بنورها على مكة أم القرى، فآمن من آمن، وكَفَرَ مَنْ كَفر، وكان من بين الذين كفروا واشتدت أذيتهم للإسلام وأهله : عتيبة بن أبي لهب، فقال لأبيه : والله لأنطلقن إلى محمد ولأوذينه في ربه.
وانطلق عتيبة تاركاً القافلة وراءه، وأتى النبي ﷺ فقال : يا محمد، هو الذي يكفر بالذي {دنا فتدلى . فكان قاب قوسين أو أدنى} ثم تكلم كلاماً شنيعاً تنبو عنه الأخلاق الحميدة.
فقال النبي ﷺ : «اللهم ابعث عليه كلباً من كلابك» ثم انصرف عنه.
ورجع عتيبة إلى أبيه فقال له: يا بني ما قلت له؟ فذكر ما قال له من فحش وفاحش القول وسوء الكلام.
وأحس أبو لهب بخطر غريب يقتحم قلبه فقال لابيه عتيبة ما قال لك وبماذا رد عليك؟ قال عتيبة : قال : «اللهم سلط عليه كلباً من كلابك» فشعر أبو لهب بالأسى والخوف وقال: يا بني، والله ما أمن عليك دعاء محمد.
وانفصلت القافلة، وانطلقت لتغيب في الأفق البعيد، وأبو لهب لا تفارق مخيلته دعوة ابن أخيه على ابنه عتيبة، وهو يحذر كل الحذر أن يُصاب بسوء.
ظلت القافلة تسير حتى نزلت في مكان يسمى الشراة – وهي مأسدة – فنزلوا منزلاً قريباً إلى صومعة راهب، فأشرف عليهم الراهب من الدير وقال متعجباً : يا معشر العرب ما أنزلكم هذه البلاد؟! فإنما يسرح الأسد فيها كما تسرح الغنم! فقال أبو لهب لمن معه من رجال القافلة : إنكم قد عرفتم كبر سني وحقي عليكم .
فقالوا: أجل يا أبا لهب. قال: إن هذا الرجل ابن أخي، وقد دعا على ابني دعوة، والله ما أمنها عليه، فاجمعوا متاعكم إلى هذه الصومعة، وافرشوا لابني عليها، ثم فرشوا حوله.
وسقط الليل، وأرخى سدوله على مكان، وبات القوم حول عتيبة، وأبو لهب معهم أسفل، وبات عتيبة فوق ذلك المتاع ، وهو يظن أنه في مأمن وأمان . وفي هدأة الليل جاء أسد، وأخذ يشم وجوه القوم كأنه أس يجس عليلا، ويبدو أن الأسد لم يجد ما يريد وما يبغيه بين هؤلاء، فاستجمع قوته، ووثب وثبة شديدة، فإذا هو فوق المتاع ، يشم وجه عتيبة، وإذ ذاك وثب عليه، وضربه ضربة شديدة هشم بها رأسه. وشق سكون الليل صرخة عتيبة المفزوعة، وهب رجال القافلة من نومهم، ودب الذعر بينهم، فاستشعر الأسد بالخطر، فانسل بعيداً. والتف رجال القافلة حول عتيبة وهو يجود بأنفاسه بين يدي أبيه وهو يقول : يا ويل أمي، وهو والله كما دعا محمد علي، وهو بمكة وأنا بالشام.
ولاح في وجه أبي لهب الرعب الممزوج بالأسى، وأرسل زفرة كادت روحه تخرج معها وقال: قد عرفت أنه لا ينفلت من دعوة محمد.
ومن الجدير بالذكر أن عتبة بن أبي لهب قد أسلم، وأسلم معه أخوه معتب، وقد نظم بعض الفضلاء أسماء أولاد أبي لهب، وذكر إسلام عتبة ومعتب وكفر عتيبة فقال:
كرهت عتيبة إذ أجرما
وأحببت عتبة إذ أسلما
كذا مُعَذِّبٌ مُسلِم فاحترز
وخف أن تسب فتى مسلما
الصابرة المهاجرة
عادت الأختان رقية وأم كلثوم رضي الله عنهما إلى البيت النبوي، فأما رقية، فقد تزوجها عثمان بن عفان رضي الله عنه، وهاجرت معه إلى الحبشة الهجرتين جميعاً.
وأما أم كلثوم، فقد بقيت مع أختها الصغرى فاطمة الزهراء في بيت أبيهما رسول الله ﷺ بمكة المكرمة.
وفي البيت النبوي الطاهر، عاشت أم كلثوم تشهد الأحداث التي يمر بها رسول الله ﷺ والذين معه، وشهدت أم كلثوم جوانب العظمة، في حياة أمهما خديجة أم المؤمين، وتقتبس من أخلاقها الكريمة، ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً.
وتمضي الأيام والشهور والأعوام، وقريش تزداد ضراوة وعداوة للذين آمنوا، على الرغم من إسلام الفاروق عمر بن الخطاب، وإسلام عدد من شجعان قريش وشبابها.
ولكن هذا كله لم يرجع قريشاً عن غيها، وعن ائتمار مشركيها فيما بينهم على مقاطعة رسول الله ﷺ وبني هاشم، وسجلوا مقاطعتهم الغاشمة الظالمة في وثيقة علقوها في جوف الكعبة.
ودخلت نساء البيت النبوي الطاهر إلى شعب أبي طالب ليضرب عليهن الحصار، وكانت أم كلثوم وأختها فاطمة وأمهما خديجة في جملة المحاصرين، أما زينب ابنة خديجة فكانت عند زوجها أبي العاص بن الربيع، وأما رقية فكانت مهاجرة في الحبشة مع زوجها عثمان رضي الله عنه.
وعاشت أم كلثوم رضي الله عنها أيام الحصار في ضيق وضنك وشدة تقاسم أباها وأمها ضيق الحصار، حتى بلغ الجوع منهم مبلغاً عظيماً جعلهم يأكلون خين الطعام، وورق الشجر، وما شابه ذلك لسد غضب الجوع الرهيب …. وصبرت أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم صبراً جميلاً، وتحملت من المشقة والعناء ما تنوه بحمله راسيات الجبال، وكان شعارها وشعار نساء أهل البيت: {فصير جميل والله المستعان} [يوسف: ۱۸].
ويبدو أن الحصار الأليم الذي دام ثلاث سنين عدداً قد أوهن بعض الناس، وممن أثر فيه ذلك الحصار سيدة نساء العالمين أمنا خديجة رضي الله عنها، فقد كانت متقدمة في السن، وقد أضناها الحصار الزنيم، ورقدت في فراش المرض، وسهرت أم كلثوم على رعايتها، حتى أذن الله عز وجل بالفرج ، ونقضت الصحيفة الغاشمة التي كتبت فيها معاهدة قريش على المقاطعة الغاشمة الظالمة .
وخرج الموحدون من الشعب، وفيهم أم كلثوم وأمها خديجة وأختها الزهراء، إلا أن المرض أقعد السيدة خديجة، وألزمها الفراش، ولم تمكث فترة حتى انتقلت إلى دار السلام إلى عند مليك مقتدر لتحل في جنات ونهر، مبشرة من الرسول الكريم ﷺ، بما أعد الله لها من نعيم مقيم في بيت من قصب، لا صخب فيه ولا نصب.
وبكتها أم كلثوم بكاء شديداً، فهي الأم والصديقة والأخت، وهي فيض الحنان، ومنبع العطف وكل فضيلة.
كانت وفاة السيدة خديجة في اليوم العاشر من رمضان سنة عشر من البعثة النبوية، وحملت إلى الحجون، وهنالك نزل رسول الله ﷺ في حفرتها، وأودعها التراب بيديه الشريفتين، ثم عاد إلى بيته، وضم إليه ابنتيه أم كلثوم وفاطمة يواسيهما وتواسيانه على المصاب الفادح، ولكن؛ {فصبر جميل والله المستعان} [يوسف: ۱۸].
وتمضي الأيام والمسلمون يلقون ما يلقون ويلاقون من أذى قريش شيئاً عظيماً، حتى أذن الله عز وجل بالهجرة إلى المدينة المنورة، فهاجر رسول الله ﷺ تاركاً أم كلثوم وفاطمة وحيدتين، يكاد يقضي عليهما الأسى لولا رحمة الله التي فاضت ببركاتها على البيت الكريم، وعلى البنات الطاهرات.
ولما تمت هجرة النبي ﷺ إلى المدينة، أرسل زيد بن حارثة وأبا رافع – وهما موليا رسول الله ﷺ – ليأتيا بأهليهما، فذهبا وجاءا ببينتي الرسول أم كلثوم وفاطمة، وزوجته أم المؤمنين سودة بنت زمعة، وأم أيمن زوج زيد وابنها أسامة بن زيد.
هذا وقد كتبت أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في سجل المهاجرات إلى الله ورسوله، وحظيت بالتكريم الإلهي لما أعده الله لهؤلاء من الأجر والثواب.
وفي المدينة المنورة استقبلت نساء الأنصار أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحفاوة والتكريم، وراحت تتابع حياة الصبر والجهاد في المدينة المنورة.
ويأتي شهر رمضان من العام الثاني للهجرة، فإذا برقية أختها تلزم فراش المرض، وتقعدها حمى الحصبة في الفراش، وإذ ذاك، دعا داعي الجهاد إلى الخروج لبدر، وأذن رسول الله ﷺ لعثمان بالبقاء إلى جانب رقية ليقوم على تمريضها، بينما خرج الرسول صلى الله عليه وسلم والذين معه إلى بدر حيث أنزل الله عز وجل نصره عليهم، وأيديهم بجنود لم تروها، وجعل كلمة الذين كفروا هي السفلى وكلمة الله -هي العليا، وعاد رسول الله ﷺ والمؤمنون من بدر، وهم يلهجون بالثناء على الله الكبير المتعال الذي أيدهم بنصره.
وما أن جاء البشير إلى المدينة ليلقي بشارة النصر على الناس ، بما فتح الله على رسوله صلى الله عليه وسلم من ظفر، إلا وكانت رقية ابنة الرسول صلى الله عليه وسلم قد ماتت ورجع الناس من جنازتها، وحزن المؤمنون لوفاتها، وكان من أشدهم حزناً أختها أم كلثوم التي شهدت وفاتها، وأيامها الأخيرة وهي تغالب المرض والأسقام.
وسجلت أم كلثوم في سجل الصابرين المؤمنين أسمى آيات التسليم لقضاء الله وقدره، واقتدت بذلك بأبيها حتى نالت درجة رفيعة لم تبلغها واحدة من نساء آل البيت؛ مما جعل رسول الله ﷺ يطلق عليها اسم الخيرة، فما أجمل الحياة مع الخيرات
الخيرة والخيرات
عندما يصف رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته أم كلثوم بأنها خيرة، فلأنه أعرف الناس بالناس ، ورسول الله ﷺ {ما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى. علمه شديد القوى} [النجم: ٣ – ٥].
وقد عرف المكانة الكريمة التي اقتعدتها ابنته أم كلثوم، فأطلق عليها لقب الخيرة، ولعمري فإن هذا اللقب هو مجمع الفضائل كلها.
فقد ذكرت كتب الصحيح والسنن وغيرها من المصادر الوثيقة خبر زواج عثمان بن عفان من أم كلثوم الخيرة الفاضلة، وأوردوا ثناء رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها بما فيها من صفات الفضل التي تفوقت بها على حفصة بنت عمر التي غدت أم المؤمنين.
ذكروا أن خنيس بن حذافة زوج حفصة بنت عمر قد مات عنها عقب غزوة بدر، وكانت رقية ابنة الرسول ﷺ قد ماتت، ولما يقدم رسول الله ﷺ من بدر، وحزن عثمان بن عفان لوفاة زوجه حزناً شديداً، وأما عمر بن الخطاب، فقد أحب أن يخفف بعض حزن عثمان، فذهب إليه وحياه بتحية الإسلام، ومن ثم عرض عليه حفصة وقال: إن شئت أنكحتك حفصة.
ولكن جرح عثمان ما زال طرياً، ورقية لم تغب عن باله، رغم أن ثرى البقيع قد احتوى جثمانها الطاهر، ولم يشأ أن يتكلم برأي أو يصد رغبة عمر، وإنما قال له بلهجة ممسوحة بالحزن: سأنظر في أمري يا عمر.
ومكث عمر بضعة أيام، فإذا بعثمان لا يبدي رغبة في الزواج من حفصة بل لقي عمر، وأخبره أنه معرض عن الزواج في هذه الأيام.
وتركه عمر وشأنه، ولكنه وجد في نفسه بعض الحزن لإعراض عثمان عنه، وذهب عمر إلى أبي بكر الصديق رضوان الله عليه، وبث إليه ما يخبو في خفايا نفسه من زواج حفصة، وقال له: يا أبا بكر: إن شئت زوجتك حفصة.
ولكن أبا بكر الصديق لم ينطق بحرف واحد، ولزم الصمت أمام عمر الذي مضى والتأثر باد على محياه من موقف أبي بكر وعثمان، ولم يدر لماذا وقف كل واحد منهما هذا الموقف.
وانطلق عمر إلى الحبيب الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم يعرض عليه ما حدث ويشكو حاله، وكانت أم كلثوم رضي الله عنها تسمع شكوى وشكاية عمر، وإذ ذاك قال رسول الله ﷺ لعمر: «يتزوج حفصة من خير من عثمان، ويتزوج عثمان من هي خير من حفصة».
وكان قلب أم كلثوم رضي الله عنها قد شعر بما يقصده رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليس خير من حفصة سوى ابنة النبي ﷺ؛ وهذا ما كان فعلا، فقد تزوج عثمان بأم كلثوم في سنة ثلاث من الهجرة، وتزوج رسول الله ﷺ حفصة ابنة عمر.
أما كيف تزوج عثمان من أم كلثوم، فسيدنا أبو هريرة رضي الله عنه يذكر لنا ذلك فيخبرنا أن عثمان لما ماتت رقية امرأته بنت رسول الله ﷺ بكي، فقال رسول الله ﷺ: «ما يبكيك؟» قال: أبكي على انقطاع صهري منك.
قال: «فهذا جبريل عليه السلام يأمرني بأمر الله عز وجل أن يزوجك أختها»
وفي حديث آخر بمعناه : «أن أزوجك أختها أم كلثوم على مثل صداقها وعلى مثل عشرتها»
وتروي أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما خبر زواج أم كلثوم من عثمان رضي الله عنهما فتقول: لما زوج النبي ﷺ بنته أم كلثوم قال لأم أيمن: هيئي ابنتي أم كلثوم وزفيها إلى عثمان، وخفقي بين يديها بالدفء ففعلت ذلك، فجاءها النبي ﷺ بعد الثالثة، فدخل عليها فقال: «يا بنية، كيف وجدت بعلك؟» قالت: خير بعل. فقال النبي ﷺ : «أما إنه أشبه الناس بجدك إبراهيم، وأبيك محمد صلى الله عليهما»
وعن أم عياش – وكانت أمة لرقية بنت رسول الله ﷺ – قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: «ما زوجت عثمان أم كلثوم إلا بوحي من السماء» وهذا يشير إلى مكانة عثمان رضي الله عنه، وإلى مقامه بين الصحابة الكرام في عهد النبوة، ولعل عثمان قد احتل مساحة كبيرة من محبة رسول الله ﷺ ومن عطفه واحترامه لجليل صفاته، وكريم عطائه، ولعل أم كلثوم رضي الله عنها قد لاحظت هذا الاهتمام النبوي بعثمان، فازداد سرورها بذلك.
ويروى عن أم كلثوم رضي الله عنها أنها جاءت إلى النبي ﷺ ، فقالت : يا رسول الله، زوج فاطمة خير من زوجي ؟ قال : فأسكت النبي ملياً، ثم قال: «زوجتك من يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله» فولت، فقال: «هلمي، ماذا قلت؟» قالت: زوجتني من يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله.
قال: «نعم وأزيدك : لو قد دخلت الجنة فرأيت منزله لم تري أحداً من أصحابي يعلوه في منزله»
إذن فمنزلة عثمان رضي الله عنه عالية، ولهذا سمي بذي النورين.
قال الحسن – رحمه الله -: إنما سمي عثمان ذا النورين لأنه لا نعلم أحداً أغلق بابه على ابنتي نبي غيره .
وكان عثمان رضوان الله عليه من القانتين بآيات الله، آناء الليل ساجداً حذراً لآخرته، ورجاء لرحمة ربه، يحيي القرآن جل لياليه في ركعة حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخليفتيه، فلما ولي كان خير الخيرة، وإمام البررة.
قال ابن قتيبة – رحمه الله – : وكان عثمان رضي الله عنه محبباً في قريش وفيه يقول قائلهم :
أحبك والرحمان حب قريش عثمان
نعم فعثمان هو القانت ذو النورين والخائف ذو الهجرتين، والمصلي إلى القبلتين، عثمان بن عفان رضي الله عنه .
وفي بيت عثمان رضي الله عنه عاشت أم كلثوم رضي الله عنها قرابة ست سنين رأت فيها الإسلام قد بسط جناحيه على الجزيرة العربية، بقيادة أبيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان زوجها عثمان واحداً من فرسان مدرسة النبوة، وسفيراً للنبي ﷺ عند صلح الحديبية، وأدركت كذلك الفتح الأعظم فتح مكة، كما أدركت المسير إلى غزوة تبوك سنة تسع وشهدت يوم ذاك كرم زوجها عثمان وتجهيزه لجيش العسرة وبعد ذلك اقترب لقاؤها مع الله عز وجل، والرحيل إلى الدار الآخرة، لتكون مع أمها الطاهرة خديجة بنت خويلد أم المؤمنين، وأول خلق الله إسلاماً، ولتكون مع أختيها زينب ورقية رضي الله عنهن أجمعين.
وفي هذه الصفحات التالية تشهد رحلة الخلود لأم كلثوم رضوان الله عليها.
سَلَامٌ عَلَيْكُم ادخلوا الجنة
في شهر شعبان سنة تسع من الهجرة النبوية المباركة، شعرت أم كلثوم بلقاء الله عز وجل، وهبط عليها المرض، فأضحت طريحة الفراش؛ وفي صبح أحد تلك الأيام، كان صوت بلال ينسكب في أذان المسلمين، وتهيأ عثمان للخروج إلى المسجد النبوي الشريف، وألقى نظرة إشفاق على زوجه الصابرة الطاهرة أم كلثوم، ثم هبط ليصلي الفجر خلف رسول الله ﷺ.
كانت أم كلثوم رضي الله عنها ذابلة الجسد، قد نال منها الوهن، فتمددت في فراشها تغالب المرض، ولكن لسانها ظل يتحرك بذكر الله عز وجل، ودخلت عليها أم عياش، فألفتها في النّزع الأخير، فأرسلت إلى الرجال في المسجد النبوي الشريف، فأسرع عثمان زوجها إلى داره، فإذا بأم كلثوم تعالج سكرات الموت، فراح ذو النورين يناديها في وجد، وهو مشفق عليها، وعلى نفسه! كان يفزعه أن ينقطع بموتها نسبه برسول الله ﷺ.
وجاء الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر الصديق وعمر الفاروق، وعلي رضي الله عنهم وبعض الأنصار، ودخل النبي الكريم على ابنته، وهي تجود بآخر أنفاسها، فدمعت عيناه الشريفتان، وإن قلبه الشريف ليقطر أسى، ولسانه يتحرك بما يرضي الرب جل وعلا..
وصعدت روح أم كلثوم إلى ربها راضية مرضية تشهد شهادة الحق، وغسلتها أسماء بنت عميس وصفية بنت عبد المطلب وأم عطية الأنصارية رضي الله عنهن .
وصلى عليها النبي الكريم ﷺ، ومن ثم انطلقت الجنازة إلى البقيع، ووضعت أم كلثوم في قبرها .
ويروي سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه نبأ دفن أم كلثوم فيقول : رأيت النبي ﷺ جالساً على قبرها وعيناه تدمعان فقال: «هل منكم رجل لم يقارف الليلة؟» فقال أبو طلحة: أنا.
قال : «فانزل».
قال: فنزل في قبرها “
ونزل معه علي بن أبي طالب والفضل بن العباس وأسامة ابن زيد.
وعن أبي أمامة قال : لما وضعت أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ في القبر، قال رسول الله ﷺ: {ومنها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى} [طه: ٥٥]
ثم قال: «بسم الله وفي سبيل الله، وعلى ملة رسول الله»، فطفق يطرح إليهم الحبوب – التراب – ويقول : «سدوا خلال القبر» ثم قال: «إلا أن هذا ليس بشيء، ولكن يطيب بنفس الحي» .
ودفنت أم كلثوم رضي الله عنها في البقيع، وكان عثمان غارقاً في حزنه، تنفر الدموع من عينيه على إحدى فرائد البيت النبوي، وإحدى حبات عقده الفريد، ورأى رسول الله ﷺ عثمان وهو يسير مطرقاً، وفي وجهه حزن لما أصابه، فدنا منه وقال: «لو كانت عندنا ثالثة لزوجناكها يا عثمان» وأورد ابن سعد – رحمه الله – : «لزوجتهن عثمان»
في الطبقات : أن النبي ﷺ قال: «لو كن عشراً لزوجتهنّ عثمان»
والآن ما رأيك عزيزي ونحن في وداع السيدة أم كلثوم رضي الله عنها
تعطر الأفواه والأسماع .
بقول الله عز وجل : {الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} صدق الله العظيم.
(نساءُ أهل البيت في ضوء القرآن والحديث)










