رقیة بنت رسول الله رضي الله عنها


ـ تزوج عثمان رقية بنت رسول الله ﷺ في مكة المكرمة.
– هاجرت إلى الحبشة بصحبة زوجها عُثمان، فكانت سيدة نساء المهاجرين، ثم هاجرت إلى المدينة.
ضربت أروع الأمثلة في الصبر والاستسلام لأوامر العزيز الحميد .
كانت رقية أول بنات النبي ﷺ وفاة بالمدينة المنورة ودفنت بالبقيع .
ماتت في حياة أبيها في السنة الثانية من الهجرة عقب غزاة بدر.

نور الله
في الساعات الأولى التالية لشروق فجر الرسالة النبوية، أشرقت نفس خديجة بنت خويلد وبناتها رضي الله عنهن بنور الإيمان، وصنعن على عيني رسول الله ﷺ الذي صنعمِنْ نَفَحَاتِ الإِنْعَامِ الإلهي
لا شك في أن العناية الإلهية كانت تحف البيت النبوي الكريم، وكانت نفحات الإنعام الإلهي المباركات تجود ببركاتها على أهل البيت الطاهر، فلا يخار الله لمن طهرهم إلا الخير وإلا الخيرات، ولا يضعهم إلا في المواضع الطيبة التي تريدها مشيئته سبحانه وتعالى.
وهذا ما كان من السيدة المؤمنة البضعة النبوية، رقية رضوان الله عليها، إذ اختصها الباري سبحانه بمكارم النفحات العطرة، ونفحات المكارم الندية، منذ أن أيفعت، إلى أن لقيت وجهه الكريم.
قال أصحاب السيرة وكتاب التراجم والطبقات: كانت السيدة رقية رضي الله عنها قد خطبها عتبة بن أبي لهب، وخطب أختها أم كلثوم أخوة عتيبة بن أبي لهب، ولكن الله عز وجل قد أكرم البيت النبوي بأن خلصه من أبي لهب وزوجه أم جميل بنت حرب ، بأن جعل المقادير تجري لصالح رقية رضي الله عنها، وتصرف ابن أبي لهب عن الخطبة، وعن الزواج. فلنعش سويا مع البيت النبوي تلك اللحظات التي تنزلت فيها نفحات الإنعام عليه، وظلت تحفه إلى غير نهاية.
راح سيدنا رسول الله ﷺ ، يدعو إلى الإسلام سراً، فاستجاب الله عز وجل من شاء من الرجال، ومن النساء والولدان.
وأوحى الله عز وجل إلى عبده: {وأنذر عشيرتك الأقربين. واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين. فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون . وتوكل على العزيز الرحيم} [الشعراء: ٢١٤ – ٢١٧].
توكل الحبيب المصطفى على العزيز الرحيم، وقام بتنفيذ أمر ربه الذي تنزل ندياً بقوله عز وجل: {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين} [الحجر: ٩٢].
ويبدو أن عمات رسول الله قد نصحنه ألا يدعو عمه أبا لهب لكيلا ينقض حياة ابنتيه رقية وأم كلثوم، ولكيلا تثور هائجته، فلا يدري بما يتكلم وحتى لا تنفث زوجه أم جميل سمومها في بنات النبي ﷺ فقد كان أبو لهب وأولاده ألعوبة في يد أم جميل التي تنهش الغيرة قلبها إذا ما أصاب غيرها خير.
بلغ رسول الله ﷺ الدعوة، وأخبر أقرباءه بأن الله عز وجل أمره أن ينذر عشيرته الأقربين، وأنه لا يملك لهم من الدنيا منفعة، ولا من الآخرة نصيباً إلا أن يقولوا : لا إله إلا الله .
وهنا وقف أبو لهب يلعب به الغرور، ويركبه الطيش الأحمق المجنون وقال: تباً لك سائر اليوم!!! وانصرف أبو لهب تصاحبه اللعنات، وترمقه عيون الأقربين بشيء من الاحتقار، وسأله أحد القرشيين: يا أبا لهب ما تفعل إن كان ما يقوله محمد حقاً؟ فقال أبو لهب في سخرية حقيرة: إن كان ما يقوله محمد حقاً افتديت منه بمالي وولدي .
ورجع أبو لهب إلى داره، وراح يروي لامرأته الحاقدة أم جميل بنت حرب ما كان من أمر محمد ابن أخيه الذي أخبرهم أنه رسول الله إليهم ليخرجهم من الظلمات إلى صراط العزيز الحميد، وراحت أم جميل تشارك أبا لهب في سخريته وهزته.
ويبدو أن أم جميل قد غلَّف الحقد قلبها، واستولى الغدر على نفسها، وران الغضب على شخصيتها، فأضحت كتلة من الحقد والسوء، وأضحت الأنانية تحتل أعماقها، فلا تطيق الخير لغيرها، فهي تستشعر بنار الحقد ترعى في أحشائها، وخاصة كلما وصف قومها خديجة بالطاهرة، وكلما أثنوا عليها، وخلعوا عليها فضائل الصفات، وجميل المكارم؛ ولولا الخشية من أن تكشف عن خبيثة نفسها الحاسدة الحاقدة الخبيثة، لأعلنت على الملأ القرشي سب خديجة، وشتم كل من سارع إلى دوحة الإيمان.
ولعب شيطان الحقد في نفسها، وأحست برغبة عنيفة في داخلها للانتقام من أقرب الناس إليها من رقية وأم كلثوم رضي الله عنهما، وإن كان هذا الانتقام سيؤذي ولديها عتبة وعتيبة، ولكنها مادامت ستفرغ كل حقد ممكن لديها، وتقيء كل عصارة كيد في جوانب نفسها، فلا مانع من ذلك كيما تحطم – بزعمها – الدعوة المحمدية.
وانسلت كالأفعى الرقطاء، لتدور على بيوت قريش وهي تسب الحبيب الأعظم محمداً، وتنال من خديجة كيما تشفي حقدها، بل سرطان قلبها، وتحرض كفار الفجار على من جعل الآلهة إلهاً واحداً، بل زعم أنه يكلم من السماء.
وطفقت أم جميل تنفث من سمومها في كل مكان تكون فيه، ولم تكتف بكشف خبيئة نفسها الخبيثة، ولكنها راحت تزين للناس مقاومة الدعوة واجتثاث أصولها، لأنها تفرق بين المرء وأخيه، وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، وفصيلته التي تؤيه.
ولما انتهت من تطوافها، وهي تزرع بذور الفتنة، وتبغي نشر الحقد والفساد، راحت تجمع الحطب لتضعه في طريق رسول الله ﷺ لتؤذيه، وفي هذا دليل على بخلها الذي جبلت عليه.
ولكن القرآن الكريم تنزل على الحبيب المصطفى ﷺ ندياً رطباً، نزل عليه يشير إلى المصير المشؤوم لأم جميل بنت حرب، وزوجها المشؤوم أبي لهب، قال الله تعالى: {تبت يدا أبي لهب وتب. ما أغنى عنه ماله وما كسب. سيصلى ناراً ذات لهب . وامرأته حمالة الحطب. في جيدها حبل من مسد}. [المسد: ١-٥].
وهنا تتبدى النفحات الإلهية تسري في جنبات البيت النبوي، وتحفظ نساء أهل البيت من كل سوء، ومن كل ما يمس نقاء الإيمان، وصفاء القلوب الموصولة بالله عز وجل، وأكرم الله رقية وأم كلثوم بأن جعلهما في كتف ذي النورين عثمان بن عفان بعد فراق ابني أبي لهب لهما. على عين الله عز وجل، فحمل نور الله، وهدى الله ، وكلمة الله إلى الدنيا بأسرها.
ومن بين صفوف نساء قريش، سيصوغ الإسلام امرأة منهن لتكون واحدة من حبات العقد الفريد، والدر النضيد في البيت النبوي الطاهر، الذي أذهب الله عنه الرجس وطهره تطهيراً.
ترى من هذه الجوهرة؟ وأين مكانها في ذلك العقد الثمين الذي يفيض من نور الله ؟! إنها رقية بنت رسول الله ﷺ الهاشمية، فهل أتاك حديث صبرها، وهل أتاك حديث إيمانها وهجرتها وجهادها؟ إن الحديث عن هذه المكارم لحديث عذب مستعذب، تشتهيه الأنفس، وتلذ له الأسماع، وتتحلى به الأفواه، وخاصة إذا كان عن سيدتنا رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا كان حديثنا فيما مضى عن سيدتنا خديجة أم المؤمنين ينضح بعرف الطيب، وطيب العرف، فلا شك أن رقية رضي الله عنها قد استمدت كثيراً من شمائل أمها، وتمثلتها قولاً وفعلاً في حياتها من أول يوم تنفس فيه صبح الإسلام إلى أن كانت رحلتها الأخيرة إلى الله عز وجل.
وعندما رحت أقرأ سيرة حياة السيدة رقية رضي الله عنها، استوقفتني كنوزها الغنية بمكارم الفضائل ونفحات الإيمان، ورشحات التسليم والاستسلام لله عز وجل، فكنت أعاود الوقوف مرات ومرات أتزود من هذه الكنوز التي تغني المرء عن الدراهم والدنانير، بل عن أموال الدنيا كلها، حيث كنوز السيدة رقية تجعل النفوس تحلق في أجواء طيبة، لا يستطيع أصحاب الأموال الوصول إليها، ولو صرفوا أموالهم.
إن من يتذوق طعم الحياة مع الأبرار، يترفع عن الحياة التي لا تعرف إلا الدرهم، وإلا الدينار، فدعونا نتذوق حلاوة الحياة مع الأبرار، ونمتثل سيرتهم عملاً وعلماً في حياتنا، وحياة النساء في كل زمان ومكان.

مِنْ نَفَحَاتِ الإِنْعَامِ الإلهي
لا شك في أن العناية الإلهية كانت تحف البيت النبوي الكريم، وكانت نفحات الإنعام الإلهي المباركات تجود ببركاتها على أهل البيت الطاهر، فلا يخار الله لمن طهرهم إلا الخير وإلا الخيرات، ولا يضعهم إلا في المواضع الطيبة التي تريدها مشيئته سبحانه وتعالى.
وهذا ما كان من السيدة المؤمنة البضعة النبوية، رقية رضوان الله عليها، إذ اختصها الباري سبحانه بمكارم النفحات العطرة، ونفحات المكارم الندية، منذ أن أيفعت، إلى أن لقيت وجهه الكريم.
قال أصحاب السيرة وكتاب التراجم والطبقات: كانت السيدة رقية رضي الله عنها قد خطبها عتبة بن أبي خلهب، وخطب أختها أم كلثوم أخوة عتيبة بن أبي لهب، ولكن الله عز وجل قد أكرم البيت النبوي بأن خلصه من أبي لهب وزوجه أم جميل بنت حرب ، بأن جعل المقادير تجري لصالح رقية رضي الله عنها، وتصرف ابن أبي لهب عن الخطبة، وعن الزواج. فلنعش سويا مع البيت النبوي تلك اللحظات التي تنزلت فيها نفحات الإنعام عليه، وظلت تحفه إلى غير نهاية.
راح سيدنا رسول الله ﷺ ، يدعو إلى الإسلام سراً، فاستجاب الله عز وجل من شاء من الرجال، ومن النساء والولدان.
وأوحى الله عز وجل إلى عبده: {وأنذر عشيرتك الأقربين. واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين. فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون . وتوكل على العزيز الرحيم} [الشعراء: ٢١٤ – ٢١٧].
توكل الحبيب المصطفى على العزيز الرحيم، وقام بتنفيذ أمر ربه الذي تنزل ندياً بقوله عز وجل: {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين} [الحجر: ٩٢].
ويبدو أن عمات رسول الله قد نصحنه ألا يدعو عمه أبا لهب لكيلا ينقض حياة ابنتيه رقية وأم كلثوم، ولكيلا تثور هائجته، فلا يدري بما يتكلم وحتى لا تنفث زوجه أم جميل سمومها في بنات النبي ﷺ فقد كان أبو لهب وأولاده ألعوبة في يد أم جميل التي تنهش الغيرة قلبها إذا ما أصاب غيرها خير.
بلغ رسول الله ﷺ الدعوة، وأخبر أقرباءه بأن الله عز وجل أمره أن ينذر عشيرته الأقربين، وأنه لا يملك لهم من الدنيا منفعة، ولا من الآخرة نصيباً إلا أن يقولوا : لا إله إلا الله .
وهنا وقف أبو لهب يلعب به الغرور، ويركبه الطيش الأحمق المجنون وقال: تباً لك سائر اليوم!!! وانصرف أبو لهب تصاحبه اللعنات، وترمقه عيون الأقربين بشيء من الاحتقار، وسأله أحد القرشيين: يا أبا لهب ما تفعل إن كان ما يقوله محمد حقاً؟ فقال أبو لهب في سخرية حقيرة: إن كان ما يقوله محمد حقاً افتديت منه بمالي وولدي .
ورجع أبو لهب إلى داره، وراح يروي لامرأته الحاقدة أم جميل بنت حرب ما كان من أمر محمد ابن أخيه الذي أخبرهم أنه رسول الله إليهم ليخرجهم من الظلمات إلى صراط العزيز الحميد، وراحت أم جميل تشارك أبا لهب في سخريته وهزته.
ويبدو أن أم جميل قد غلَّف الحقد قلبها، واستولى الغدر على نفسها، وران الغضب على شخصيتها، فأضحت كتلة من الحقد والسوء، وأضحت الأنانية تحتل أعماقها، فلا تطيق الخير لغيرها، فهي تستشعر بنار الحقد ترعى في أحشائها، وخاصة كلما وصف قومها خديجة بالطاهرة، وكلما أثنوا عليها، وخلعوا عليها فضائل الصفات، وجميل المكارم؛ ولولا الخشية من أن تكشف عن خبيثة نفسها الحاسدة الحاقدة الخبيثة، لأعلنت على الملأ القرشي سب خديجة، وشتم كل من سارع إلى دوحة الإيمان.
ولعب شيطان الحقد في نفسها، وأحست برغبة عنيفة في داخلها للانتقام من أقرب الناس إليها من رقية وأم كلثوم رضي الله عنهما، وإن كان هذا الانتقام سيؤذي ولديها عتبة وعتيبة، ولكنها مادامت ستفرغ كل حقد ممكن لديها، وتقيء كل عصارة كيد في جوانب نفسها، فلا مانع من ذلك كيما تحطم – بزعمها – الدعوة المحمدية.
وانسلت كالأفعى الرقطاء، لتدور على بيوت قريش وهي تسب الحبيب الأعظم محمداً، وتنال من خديجة كيما تشفي حقدها، بل سرطان قلبها، وتحرض كفار الفجار على من جعل الآلهة إلهاً واحداً، بل زعم أنه يكلم من السماء.
وطفقت أم جميل تنفث من سمومها في كل مكان تكون فيه، ولم تكتف بكشف خبيئة نفسها الخبيثة، ولكنها راحت تزين للناس مقاومة الدعوة واجتثاث أصولها، لأنها تفرق بين المرء وأخيه، وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، وفصيلته التي تؤيه.
ولما انتهت من تطوافها، وهي تزرع بذور الفتنة، وتبغي نشر الحقد والفساد، راحت تجمع الحطب لتضعه في طريق رسول الله ﷺ لتؤذيه، وفي هذا دليل على بخلها الذي جبلت عليه.
ولكن القرآن الكريم تنزل على الحبيب المصطفى ﷺ ندياً رطباً، نزل عليه يشير إلى المصير المشؤوم لأم جميل بنت حرب، وزوجها المشؤوم أبي لهب، قال الله تعالى: {تبت يدا أبي لهب وتب. ما أغنى عنه ماله وما كسب. سيصلى ناراً ذات لهب . وامرأته حمالة الحطب. في جيدها حبل من مسد}. [المسد: ١-٥].
وهنا تتبدى النفحات الإلهية تسري في جنبات البيت النبوي، وتحفظ نساء أهل البيت من كل سوء، ومن كل ما يمس نقاء الإيمان، وصفاء القلوب الموصولة بالله عز وجل، وأكرم الله رقية وأم كلثوم بأن جعلهما في كتف ذي النورين عثمان بن عفان بعد فراق ابني أبي لهب لهما. كانت رقية وأم كلثوم ابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتب ابني عمهما، ولما نزلت سورة المسد، وذاعت في مكة، بل في الدنيا بأسرها، ومشى بعض الناس بها إلى أبي لهب وأم جميل، اربدَّ وجه كل واحد منهما، واستبد بها الغضب والحنق، ثم أرسلا إلى ولديهما عتبة وعتيبة وقالا لهما : إن محمداً قد سبهما، ثم التفت أبو لهب إلى ولده عتبة وقال في غضب: رأسي من رأسك حرام إن لم تطلق ابنة محمد؛ فطلقها قبل أن يدخل بها، وأما عتيبة، فقد استسلم لسورة الغضب وقال في ثورة واضطرب: لآتين محمداً فلأوذينه في ربه.
وانطلق عتيبة بن أبي لهب إلى رسول الله ﷺ فشتمه ورد عليه ابنته، وطلقها، فقال: «اللهم سلط عليه كلباً من كلابك» واستجيبت دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، فأكل الأسد عتيبة في إحدى أسفاره إلى الشام.

رُقَيَّةً وَ عُثْمَانَ
طنت أم جميل بنت حرب وزوجها أبو لهب أنها بتسريح رقية وأم كلثوم رضي الله عنهما، سيصيبان من البيت المحمدي مقتلا، أو سيوهنانه، ولكن الله عز وجل خار لرقية وأم كلثوم الخير، ورد الشقيين أم جميل وأبا لهب بغيظهما لم ينالا خيراً، وكفى الله البيت النبوي شرهما، وكان أمر الله قدراً مقدوراً.
وها هو عثمان بن عفان أحد فتيان قريش مالاً، وجمالاً، وعزاً، ومنعة، تصافح سمعه همسات دافئة تدعو إلى عبادة العليم الخبير الله رب العالمين، وها هو يسمع من الملأ القرشي بأن محمداً قد أنكح عتبة بن أبي لهب رقية ابنته – وكانت رقية ذات جمال رائع – ويبدو أن عثمان قد داخلته الحسرة؛ لم لا يكون قد سبق عتبة إلى ذلك الشرف العظيم ؟! وذهب عثمان إلى منزله وهو يفكر في ذلك، فوجد خالته سعدى بنت كريز أخت أمه أروى بنت كريز، وكانت خالته قد تكهنت عند قومها، وتعلمت الخط في الرمل، والذي يشبه التنجيم، فلما رأت ابن أختها عثمان – وكان وضيئاً، حسناً جميلا، أبيض، مشرباً صفرة، جعد الشعر، تعلوه سمات الجمال – أنشدت تقول:

أبشير وحييت ثلاث تترى
ثم ثلاثاً وثلاثاً أخرى
ثم بأخرى كي تتم عشرا
أتاك خَيْرٌ وَوُقِيتَ شَرًا
انكحت والله حصانا زهرا
وأنت بكر ولقيت بكرا
وافيتها بنت عظيم قدرا
بنيت أمراً قد أشاد ذكرا

وعجب عثمان من قولها، والتفت إليها وقال: يا خالة ما تقولين، فأخذت تقول :
عثمان يا عثمان یا عثمان
لك الجمال ولك اللسان
هذا نبي معه البرهان
أرسله بحقه الديان
وجاءه التنزيل والفرقان
  فاتبعه لا تغتالك الأوثان

وازداد عجب عثمان، وازدادت حيرته مما يسمع من خالته وقال لها : يا خالة! إنك لتذكرين شيئاً ما وقع ذكره ببلدنا، فأبينيه لي.
فقالت: محمد بن عبد الله رسول من عند الله، جاء بتنزيل الله، يدعو به إلى الله، مصباحه مصباح، ودينه فلاح، وأمره نجاح ثم إنها قامت بعد ذلك، وانصرفت إلى منزلها.
ووقع كلام سعدى في قلب عثمان، وجعل يفكر فيها كانت تقول خالته من كلام، وكان لعثمان عند أبي بكر مجلس، فجاءه فوجده في المجلس ليس عنده أحد، وجلس عثمان قرأه أبو بكر متفكراً، فسأله أبو بكر عما به، فأخبره عثمان بما سمع من خالته سعدى بنت كريز، فقال له أبو بكر: ويحك يا عثمان، إنك لرجل حازم، ما يخفى عليك الحق من الباطل، ما هذه الأوثان التي يعبدها قومنا ؟! اليست من حجارة صم، لا يسمع ولا يبصر، ولا تضر ولا تنفع ؟! قال عثمان : بلى والله إنها لكذلك يا أبا بكر.
فقال أبو بكر: إذن، فقد صدقتك خالتك ابنة كريز هذا رسول الله محمد بن عبد الله، قد بعثه الله برسالته إلى خَلْقِهِ، فهل لك أن تأتيه فتسمع منه؟ فقال عثمان : نعم.
ويصف لنا عثمان رضي الله عنه مشهد إيمانه فيقول : فوالله ما كان أسرع من أن مر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه علي بن أبي طالب يحمل ثوباً، فلما رآه أبو بكر، قام إليه، فساره في أذنه بشيء، فجاء رسول الله ﷺ فقعد، ثم أقبل علي فقال : يا عثمان، أجب الله إلى جنيه، فإني رسول الله إليك وإلى خلقه.
قال عثمان : فوالله ما تمالكت حين سمعت قوله أن أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ثم لم ألبث أن تزوجت رقية بنت رسول الله ﷺ.
فكان يقال: أحسن زوج رآه إنسان: رقية وزوجها عثمان.
وفي زواج وإسلام عثمان تقول خالته سعدى بنت كريز:
هدى الله عثماناً بقولي إلى الهدى
وأرشده والله يهدي إلى الحق
فتابع بالرأي السديد محمداً
وكان برأي لا يصد عن الصدق
وأنكحه المبعوث بالحق بنته
فكانا كبدر مازج الشمس في الأفق
فداوك يابن الهاشميين مهجتي
وأنت أمين الله أرسلت في الخلق


وسعدت رقية رضي الله عنها بهذا الزواج من التقي النقي عثمان بن عفان رضي الله عنه، وولدت له غلاماً سماه عبد الله، واكتنى به، فبلغ الغلام بنت سنين، فنقر ديك عينه، فتورم وجهه ومرض ومات، فلم تلد له بعد ذلك.

رقية والهِجْرَةُ إلى الحبشة
كان المسلمون وفي مقدمتهم رقية وعثمان رضي الله عنهما في كرب عظيم، فكفار قريش لا ينفكون ينزلون بهم صنوف العذاب، وألوان البلاء والنقمة، {وما نقموا بهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد} [البروج: ٨].
ولم يكن رسول الله ﷺ بقادر على إنقاذ المسلمين مما يلاقونه من البلاء المبين، وجاءه عثمان وابنته رقية يشكوان مما يقاسيان من فجرة الكافرين، ويقرران أنهما قد صاقا باضطهاد قريش وأذاهم. وجاء نفر آخرون ممن آمن من المسلمين، وشكوا إلى الرسول الكريم ﷺ ما يجدون من أذى قريش، ومن أذى أبي جهل زعيم الفجار.
وأطرق النبي ﷺ هنيهة، ثم أشار عليهم أن يخرجوا إلى جهة أرض الحبشة، إذ يحكمها ملك رفيق لا يظلم عنده أحد، ومن ثم يجعل الله للمسلمين فرجاً مما هم عليه الآن.
أخذت رقية وعثمان رضي الله عنها يعدّان ما يلزم للهجرة، وترك الوطن الأم مكة أم القرى.
وتبدو أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها وهي تودع ابنتها رقية، وهي تجود بدمع غزير، على فراق ابنتها إلى بلاد بعيدة، ولكن خديجة – كما عودتنا – على استعداد لأن تجود بكل شيء كيما تكون كلمة الله هي العليا، ويشرق نوره على الوجود، وإن فراق الأحبة ليهون في وجهه الكريم.
وراحت خديجة تنقل بصرها بين فلذة كبدها رقية، وبين صهرها عثمان لتتزود منها بنظرات هامسة همس الحنان وذلك قبل الرحيل، وخَفَقَ قلبها هنيهة ودار في خلدها سؤال عن كيفية حياة ابنتها في تلك الديار البعيدة البعيدة؛ ولكن هذا الخاطر سرعان ما انقشع وتلاشى، ليحل محله الاستسلام التام لأمر الله عز وجل.
لقد تعلمت خديجة وبناتها رضوان الله عليهن في مدرسة رسول الله ﷺ لذة التضحية في سبيل مرضاة الله عز وجل ورجاء رحمته.
وانطلق المهاجرون نحو الحبشة تتقدمهم رقية وزوجها عثمان، حتى دخلوا على النجاشي، فأكرم وفادتهم، وأحسن مثواهم، فكانوا في خير جوار، لا يُؤْذَوْنَ، يقيمون شعائر دينهم في أمن وأمان وسلام.
ومع وجود هذا الأمن، وهذا الاستقرار، فإن رقية رضي الله عنها كانت في شوق واشتياق إلى أبيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى أمها الطاهرة خديجة سيدة نساء العالمين رضي الله عنها، ولكن المسافة بعيدة، وإن كانت الأرواح لتلتقي في الأحلام، وإن كان في الحبشة ذوو قربى لرقية وعثمان.
ويبدو لي أن السيدة رقية رضي الله عنها كانت أكثر أهل الهجرة شوقاً وحنيناً إلى مكة، ففيها الحبيب المصطفى أبوها، وفيها أمها أطهر الطاهرات، وصديقة المؤمنات خديجة رضي الله عنها، وفيها الأخوات المؤمنات الحبيبات الطاهرات : زينب وأم كلثوم وفاطمة، وهؤلاء أساس البيت النبوي الطاهر، ولحمته وسداه، ولذلك ظلت رقية ترقب الأخبار التي تتساقط على الحبشة من مكة لتروي ظمأ شوقها في سماع أخبار الأهل والأحباب.
وجاء من أقصى مكة رجل من أصحاب رسول الله ، فاجتمع به المسلمون في الحبشة، وأصاخوا إليه أسماعهم حيث راح يقص عليهم خبراً أثلج صدورهم، خبر إسلام حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب، وكيف أن الله عز وجل قد أعز بهما الإسلام.
واستبشر المهاجرون بإسلام حمزة وعمر، وعاودهم الحنين إلى الوطن، إلى أم القرى، إلى البيت العتيق، وألح عليهم شوق الأحبة بالعودة إلى مكة، فخرجوا راجعين، وقلوبهم تخفق بالأمل والرجاء، وخصوصاً سيدة نساء المهاجرين رقية بنت رسول الله ﷺ التي تعلق فؤادها وأفئدة المؤمنين بنبي الله محمد صلى الله عليه وسلم.
ولما أن وصل المهاجرون العائدون مشارف مكة، لقوا ركباً، فسألوهم عن قريش، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن المسلمين، فقالوا : ازدادت العداوة بين قريش والمسلمين ضراماً.
وإذ ذاك توقف المهاجرون وأئتمروا بينهم؛ أيرجعون إلى الحبشة، أم يدخلون مكة ؟! ولكن أنى للقلوب التي أضناها الحنين إلى البيت العتيق، أن تعود وبينها وبين الأحباب ساعة من نهارا فاستقر رأيهم أن يدخلوا مكة، ويطفئوا الأشواق بلقاء الأحبة وقالوا: قد بلغنا مكة فندخل ننظر ما فيه قريش، ويحدث عهداً من  أراد بأهله، ثم ترجع.
ودخلوا مستخفين خائفين يترقبون خشية أن يراهم سفهاء قريش، وانطلق كل منهم إلى الأحباب، ومشت رقية وعثمان إلى دار الطاهرة خديجة رضي الله عنها، وهب من في الدار يستبقون الباب لاستقبال العائدين، وكان من أشدهم فرحاً، رقية التي سعدت بأبيها المصطفى صلى الله عليه وسلم، وبأمها سيدة النساء خديجة عليها سحابات الرضوان.
وفي تلك الليلة اللطيفة، كان الحبيب المصطفى وخديجة رضي الله عنها وفاطمة الزهراء وأم كلثوم، ومن في البيت النبوي يصغون في اهتمام ، إلى ما كان بين المسلمين والنجاشي ملك الحبشة من كريم الحفاوة، وحفاوة التكريم، وحسن الاستقبال من في مكة، وتروي آلام وآمال الغربة في أرض الحبشة إلى أن أتوا مكة.

رقَيَّةُ وَالعَوْدَةُ إلى الحبشة
علمت قريش برجوع المؤمنين المهاجرين، فسارعوا إلى إيذائهم أكثر من ذي قبل، واشتدت عداوتهم على جميع المؤمنين، مما جعل أصحاب رسول الله ﷺ في قلق، وإن كانوا على نور من ربهم، وإن كان القرآن ينزل فيزيدهم إيماناً مع إيمانهم، فظلم قريش لهم كان عظيماً، وقتل منهم من قبل تحت وطأة العذاب ومزقت السياط جلود كثير منهم، ولكنه الصبر الذي اعتصموا به، زاد من ضراوة المشركين، وزاد من عذابهم.
وراح الفجرة الكفرة، يشددون على المسلمين في العذاب، وفي السخرية حتى ضاقت عليهم مكة، وقاسى عثمان بن عفان رضي الله عنه من ظلم أقربائه وذويه شيئاً كثيراً والله در القائل:
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة
على المرء من وقع الحسام المهتد
ولكن عثمان صبر، وصبرت معه زوجه رقية مما جعل قريش، تضاعف وجبات العذاب للمؤمنين، فذهبوا إلى رسول الله ﷺ يستأذنونه في الهجرة إلى الحبشة، فأذن لهم، فقال عثمان بن عفان رضي الله عنه : يا رسول الله، فهجرتنا الأولى، وهذه الآخرة إلى النجاشي، ولست معنا.
فقال رسول الله ﷺ: «وأنتم مهاجرون إلى الله وإلي، لكم هاتان الهجرتان جميعاً » فقال عثمان رضي الله عنه : فحسبنا يا رسول الله.
وهاجرت رقية ثانية إلى الحبشة بصحبة زوجها عثمان وثلة من المؤمنين الذين بلغوا ثلاثة وثمانين رجلاً.
وبهذا تتفرد رقية ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنها الوحيدة من بناته الطاهرات التي تكتب لها الهجرة إلى بلاد الحبشة، ومن ثم عدت من أصحاب الهجرتين؛ وناهيك بفضل هؤلاء الغر الميامين الذين سارعوا إلى مغفرة من ربهم ورضوان.
قال الإمام الذهبي – رحمه الله – عن هجرة رقية وعثمان رضي الله عنهما : هاجرت معه إلى الحبشة الهجرتين جميعاً.
وفيهما قال رسول الله ﷺ : «إنها لأول من هاجرا إلى الله بعد لوط» وفي رواية : … .. «بعد إبراهيم ولوط عليهما السلام». وظل المسلمون في الحبشة في رعاية ملكها النجاشي ، حتى إن قريشاً بعثت من لدنها وفداً إلى النجاشي، وأغروه بشتى وسائلهم الدنيوية، كيما يصرف عن أرضه المسلمين، أو يردهم إلى قريش، ولكن وسائلهم الرخيصة المهزولة، باعت بالخسران المبين، وعادوا إلى مكة يجرون أذيال الخيبة، بينما أكرم النجاشي المسلمين، وزاد في الإحسان إليهم، حتى إن أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها كانت تقول : فكنا عنده في خير منزل، حتى قدمنا على رسول الله ﷺ وهو في مكة .

العودة إلى مكة والهجرة إلى المدينة 

مكثت رقية بصحبة زوجها عثمان في الحبشة، وهما يعبدان الله عز وجل في أمن، وكذلك بقية المهاجرين، بينما كانت قلوبهم جميعاً متعلقة بالبيت العتيق، وبأهليهم في أم القرى.
وكانت رقية رضي الله عنها في لهفة شديدة لرؤية أمها خديجة، بينما كانت تتوقع أنه سيأتي يوم خديجة في مكة ينتابها الشعور نفسه، إلا أن خديجة لم تكن تتوقع  تكون فيه ابنتها في أرض بعيدة.
ومرضت خديجة رضي الله عنها، وهي تتلهف على أن ترى ابنتها رقية قبل أن تموت، إنها في شوقي عظيم لأن تشم ريحها، فهي تشعر بقرب اللقاء مع الله عز وجل، ولكن هيهات! ربما تذهب دون أن تودع فلذة كبدها، ويبدو أن وداعها الأخير كان في اليوم الذي خرجت فيه ثانية إلى الحبشة.
وتوفيت خديجة رضي الله عنها، ولم ترها ابنتها رقية، ولم ترَ هي رقية، بينما كانت رقية، وبعض نسوة المهاجرين ورجالهن في الحبشة، يتجهزون للعودة إلى مكة حيث وردت إليهم الأنباء بكثرة الداخلين في الإسلام من أهل مكة، فهفت قلوبهم إلى العودة إلى مكة، وتهيأ الذين غلبهم الحنين وخرجوا نحو مكة، وفي مقدمتهم رقية وعثمان رضي الله عنهما.
وفي مكة سألت رقية عن أبيها وأمها، فاستقبلتها أختاها أم كلثوم وفاطمة، وأخبرتاها بأن رسول الله ﷺ قد خرج لرؤية العائدين من أصحابه، بينما اثاقلت كل واحدة منهما عن إخبار رقية بوفاة أمها خديجة رضي الله عنها، ولما علمت رقية بوفاة أمها، أخذها حزن عميق على صديقة المؤمنات الأولى، وشكت بثها وحزنها إلى الله العليم الخبير.
وظلت رقية رضي الله عنها في مكة تأنس بأبيها رسول الله ﷺ، ويزوجها عثمان رضي الله عنهما، وبأختيها أم كلثوم وفاطمة، بينما كانت أختها زينب لا تزال في بيت زوجها أبي العاص بن الربيع، ولم يطل مقام رقية بمكة، فقد أذن بالهجرة إلى عرين الأنصار في المدينة المنورة، فكانت وزوجها في مقدمة المهاجرين، وهناك في المدينة سعدت بقرب الأنصار الذين وصفهم الله تعالى بالكرم، وأثنى على جودهم وإيثارهم حيث {يحبون من هاجروا إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ..} [الحشر: ٩].
ولو لم يكن لرقية رضي الله عنها إلا كونها ابنة النبي الكريم ﷺ، وكونها هاجرت الهجرتين، لكان في ذلك البلاغ.

«فَنِعْمَ عُقْبَى الدار»
بعد أن هاجرت رقية إلى المدينة المنورة مع المؤمنين أخذت هنالك مكانتها بين نساء أهل البيت، ورحبت بمقدمها نساء الأنصار اللواتي سمعن كثيراً عن مکارم صفاتها، وعن صبرها وهجرتها إلى أرض الحبشة.
أما المؤمنون، فقد كانوا ينعمون بأنعم العبادة، ويصلون ما أمر الله به أن يوصل، ويحفون بالحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، ويعملون على طاعته، والائتمار بأمره، وكان من أسرع الناس امتثالاً لأمره عثمان بن عفان عليه سحائب الرضوان.
وكانت رقية رضي الله عنها تنعم بقرب أبيها وزوجها في المدينة المنورة، إلا أن المرض لم يتركها، فقد أصيبت بمرض الحصبة ، ولزمت الفراش في الوقت الذي دعا فيه رسول الله ﷺ للخروج إلى بدر لقتال المشركين.
وسارع عثمان رضي الله عنه الامتثال للأوامر المحمدية، إلا أنه تلقى أمراً بالبقاء إلى جانب رقية لتمريضها ، وامتثل هذا الأمر أيضاً بنفس راضية، وبقي إلى جوار زوجه الصابرة الطاهرة رقية ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ اشتد بها المرض، وطاف بها شبح الموت.
راح عثمان يرنو بعينين حزينتين إلى وجه رقية الدايل، فيغص حلقه بالألم ، وترتسم الدموع في عينيه، وتنثال على رأسه الذكريات البعيدة، ورأى رقية وهي في الحبشة تحدث المهاجرات حديثاً يدخل البهجة إلى النفوس، ويبعث الآمال الكريمة في الصدور، وتقص عليهن ما كانت تراه من مكارم أبيها رسول الله ﷺ، وحركت هذه الذكريات أشجان عثمان، وزادت في مخاوفه، وكان أخشى ما يخشاه أن تموت رقية، فينقطع نسبه لرسول الله ﷺ.
ورنا عثمان ثانية إلى وجه زوجه الدابل، ففرت سكينته، ولفه حزن شديد ممزوج بخوف واضطراب، حيث كانت الأنفاس المضطربة التي تلتقطها رقية في جهد، تدل على فناء صاحبتها التي سقطت صريعة حمى الحصبة.
كانت رقية رضي الله عنها تغالب المرض، ولكنها لم تستطع أن تقاومه طويلاً، فأخذت تجود بأنفاسها، وهي تتلهف لرؤية أبيها الذي خرج إلى بدر، وتتلهف لرؤية أختها زينب في مكة، وجعل عثمان رضي الله عنه يرنو إليها من خلال دموعه، والحزن يعتصر قلبه، مما كان أوجع لفؤاده أن يخطر على ذهنه، أن صلته الوثيقة برسول الله ﷺ توشك أن تنقطع .
إنه الآن صهر رسول الله ﷺ وسيظل زوج ابنته ما دامت رقية على قيد الحياة، إلا أن الموت كاد أو يكاد يختطف الروح الطاهرة، ويترك عثمان وحده، حليف الوحدة والأحزان، إن فجيعته في رقية مزدوجة، فقد الزوجة الوفية الطاهرة وانقطاع نسبه برسول الله ﷺ.
وراحت الأفكار تجول في أقطار رأسه أتموتُ رقية قبل أن يعود أبوها من غزوته ؟! أتموت دون أن يكون آخر من تراه وجه أبيها؟! إن عثمان يكاد أن ينهار، لولا أنه يتجلد حتى لا يزيد من آلام رقية التي تعاني سكرات الموت.
ورفرفت على شفاه رقية الذابلة آخر ما يرفرف على شفاه الأبرار، حيث راحت تودع نبض الحياة وتشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.
ولحقت رقية بالرفيق الأعلى، وكانت أول من ألحق بأم المؤمنين خديجة من بناتها، لكن رقية توفيت بالمدينة، وخديجة توفيت بمكة قبل بضع سنين، ولم ترها رقية، وتوفيت رقية، ولم تر أباها رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث كان ببدر مع أصحابه الكرام، يُعلون كلمة الله، فلم يشهد دفنها.
وجهزت رقية، ثم حمل جثمانها الطاهر على الأعناق، وقد سار خلفه زوجها عثمان وهو واله حزين، حتى إذا بلغت الجنازة البقيع، دفنت رقية هنالك، وقد انهمرت دموع المشيعين.
وسوي التراب على قبر رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيها هم عائدون، إذا بزيد بن حارثة قد أقبل على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشر بسلامة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتل المشركين، وأسر أبطالهم.
وتلقى المسلمون في المدينة المنورة هذه الأنباء بوجوه مستبشرة بنصر الله لعباده المؤمنين، وكان من بين الوجوه المستبشرة وجه عثمان الذي لم يستطع أن يخفي آلامه لفقده رقية رضي الله عنها.
وفي المدينة المنورة خرج رسول الله ﷺ إلى البقيع ، ووقف على قبر ابنته يدعو لها بالغفران.
لقد ماتت رقية ذات الهجرتين قبل أن تسعد روحها الطاهرة بالبشرى العظيمة بنصر الله، ولكنها سَعِدَتْ بلقاء الله في داره، فنعم عقبى الدار.
وضرب رسول الله ﷺ لعثمان بسهمه من بدر، فقال عثمان وأجري يا رسول الله ؟ قال : «وأَجْرُكَ» وبعد عزيزي القارىء، فهذه إشراقات روحية من سيرة رقية ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، عشنا معها في وجداننا، فهل تقتبس نساؤنا من سيرتها بقبس يضيء لهن دربهن في هذه الحياة؟

(نساءُ أهل البيت في ضوء القرآن والحديث)

شارك هذا المقال:

مقالات مشابهة