سرية النبي ریحانة بنت زید رضي الله عنها

ـ دخلت البيت النبوي سنة ست من الهجرة، فاتخذها النبي ﷺ سرية له .
ـ كانت ذات مكانة في قومها، وعُرِفَتْ بكمال عقلها، وسلامة رأيها .
ـ قال النبي ﷺ لريحانة : «إن اخترت الله ورسوله اختارك رسول الله لنفسه» فقالت: إني أختار الله ورسوله .
ـ كان شعارها قول الله عز وجل : {الحمد لله رب العالمين} .
ـ توفيت بعد رجوع النبي ﷺ من حجة الوداع ودفنت بالبقيع في المدينة .

إلى رِحَابِ البَيْتِ النبوي
هَزَمَ الله عز وجل الأحزاب وحده بعد أن زاغت أبصار المؤمنين، وبلغت القلوب الحناجر، وظنوا بالله الظنون، وانهارت آمال الأحزاب في استئصال المسلمين، ورجع الرسول الكريم ﷺ من الخندق بعد حصار شديد دام خمس عشرة ليلة، ابتلي فيه المؤمنون الصابرون، وزلزلوا زلزالاً شديداً.
وبلغ رسول الله ﷺ المدينة وقت الظهر، فصلى بالناس صلاة الظهر، ثم دخل بيت عائشة، ودعا بماء فاغتسل، وقد وَضَعَ السلاح، فإذا جبريل – عليه السلام – يقول له : أوقد وضعت السلاح يا رسول الله ؟! قال : «نعم».
قال جبريل : ما وضعت السلاح…
وكيف يضع جبريل السلاح، وهناك بنو قريظة الذين خانوا الله ورسوله، ونقضوا العهد أثناء المعركة ولولا فضل الله عز وجل ورحمته لقضي على الإسلام وعلى المسلمين ؟! ثم إن جبريل – عليه السلام – قال: إن الله يأمرك يا محمد بالمسير إلى بني قريظة، فإني عامد إليهم فمزلزل بهم الحصون. وأمر بلالاً أن يؤذِّنَ فِي النَّاسِ : مَنْ كانَ سامعاً مطيعاً فلا يُصَلِّينَ العَصْرَ إلا في بني قريظة وأراد الرسول الكريم ﷺ بهذا الحث على الإسراع للمسير إلى يهود وانطلق المسلمون حتى حاصروا بني قريظة، ومرت الأيام، ويهود بني قريظة في الحصون واستمر المسلمون في حصار القرظيين الذين ألقى الله في قلوبهم الرعب، وقد ملات جريمتهم نفوسهم، لأنهم خانوا رسول الله ﷺ والذين معه، وظاهروا عليهم الأحزاب والمشركين.
لم يبق لبني قريظة أمام حصار المسلمين لهم إلا أن يشهدوا شهادة الإسلام ويؤمنوا بالرسالة النبوية، أو يموتوا جوعاً أو كمداً.
وطلب بنو قريظة بعد ذلك أن ينزلوا على حكم رسول الله ﷺ، فنزلوا على حكمه، فأمر بهم فكتفوا، وجعلوا ناحية، وكانوا سبعمئة وخمسين مقاتلاً، وأخرج النساء والذراري من الحصون، وجعلوا ناحية وكانوا ألفاً.
أحب بنو قريظة أن ينزلوا على حكم حليفهم سعد بن معاذ الأشهلي وكان سعد قد أصيب يوم الخندق بسهم – فقال صلى الله عليه وسلم: «اجعلوه في خيمة رفيدة حتى أعوده عن قرب».
وجاء الوقت الذي حدد للاستماع إلى حكم سعد ابن معاذ، ذلك الرجل لا تأخذه في الله لومة لائم، وأخذ العهد على بني قريظة أن الحكم ما حكم به، فأجابوه:
نعم.
فقال سعد: فإني أحكم فيهم أن تقتل الرجال، وتغنم الأموال، وتسبى الذراري والنساء، وتكون الديار للمهاجرين دون الأنصار.
فقال رسول الله ﷺ لسعد : «لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات» وأمر النبي ﷺ أن يجمع ما وجد في حصونهم من السلاح، وغير ذلك، ثم عاد إلى المدينة، وانطلق أسرى بني قريظة والأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون، وقد نكسوا رؤوسهم خزياً، وحبس الأسارى في دار أسامة بن زيد، ووضع النساء والذرية في دار بنت الحارث.
نفذ الحكم ببني قريظة، وقضي الأمر، ثم أمر رسول الله ﷺ بالغنائم، فجمعت، وكان من نصيبه امرأة دخلت إلى البيت النبوي، لتكون واحدة من نسائه اللاتي صنعن التاريخ، وصاغتهن عناية البيت النبوي، فكن القدوة في الفضيلة، وفي كل مكرمة.
ريحانة بنت زيد بن عمرو من بني النضير، هي التي حظيت بدخول البيت النبوي، فانتظمت في عداده، ولكن كيف تخلت عن يهوديتها، وانضوت تحت نور دعوة الإسلام ؟! هذا ما ستكشفه الصفحات التالية إن شاء الله .

البشرى بإسلام رَيْحَانَة
ذكر البلاذري – رحمه الله – في كتابه أنساب الأشراف، بسنده عن عبد الله بن أبي بكر قال : كان لرسول الله ﷺ صفي من المغنم، حضر رسول الله ﷺ أو غاب، قبل الخمس ، عبد أو أمة، أو سيف أو درع، فأخذ يوم بدر ذا الفقار، ويوم بني قينقاع درعاً، وفي غزاة ذات الرقاع جارية، وفي غزاة المريسيع عبداً أسود يقال له رباح، ويوم بني قريظة ريحانة بنت زيد، ويوم خيبر صفية بنت حيي، وفي يوم حنين فرساً أشقر.
كانت ريحانة متزوجة رجلاً من بني قريظة يقال له : الحكم، وذكر أهل العلم أن ريحانة كانت تعيش حياة هنية مع زوجها، وكان زوجها محباً لها يكرمها ويحسن إليها .
والذي يبدو من أخبار ريحانة أنها كانت امرأة قد رزقت حظاً من الجمال وكانت تحظى بمكانة رفيعة في قومها، كما كانت معروفة بكمال عقلها، وحسن تدبرها للأمور، فلما وقع السبي على بني قريظة سباها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن ريحانة بعد السبي – أبت الإسلام، فعزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وَوَجَدَ في نفسه لذلك، وبينما هو في مجلس أصحابه، إذ سمع وقع نعلين خلفه، فأخبر أصحابه أن قد جاء من يبشره بإسلام ريحانة.
فقد جاء عند ابن سعد – رحمه الله – في طبقاته أنه لما سبى رسول الله ﷺ ريحانة، عرض عليها الإسلام، فأبت وقالت: أنا على دين قومي.
فقال رسول الله ﷺ: «إن أسلمت اختارك رسول الله لنفسه».
فأبت، فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في أصحابه إذ سمع خفق نعلين فقال : «وهذا ابن سعية يبشرني بإسلام ريحانة» فجاءه فأخبره أنها قد أسلمت .
وسر رسول الله ﷺ لإسلام ريحانة ، كما سر أيضاً لخروجها من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان .

إِنِّي أَخْتَارُ الله وَرَسُولَهُ
هذه المرأة واحدة من نساء كتبت لهن أسباب السعادة، فكانت من الخالدات، ومن المتوقع أن ريحانة قبل أن تقع في السبي، كانت قد سمعت كثيراً عن نبي الإسلام، وسمعت كثيراً عن أصحابه الكرام، وعرفت وفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولمست غدر قومها أكثر من مرة، كما تلمست غدر يهود المدينة منذ قدوم  النبي ﷺ مهاجراً إليها، ولاحظت الحقد الدفين الذي توضَّع في نفوسهم المريضة، والذي حملهم على نكث العهود، ونقض المواثيق، وغدر نبي الاسلام، وغدر أصحابه الكرام.
لهذا كله، فقد وَقَرَ في نفس ريحانة أن الإسلام دين حق، ودين وفاء وعدل، وأن محمد بن عبد الله رسول الله، وهو هو النبي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في كتبهم، ولكنها لم تفكر في يوم من الأيام، أنها ستغدو في عداد المسلمات المؤمنات.
أورد أصحاب الأخبار أن ريحانة بنت زيد كانت مما أفاء الله على رسوله، وكانت امرأة جميلة وسيمة، وفي غزاة قريظة قبل زوجها مع مَنْ قُتِلَ مِنْ يهود قريظة، ووقعت ريحانة في السبي، فكانت صفي رسول الله ﷺ يومذاك، فأمر بها فعزلت حتى انتهى من تقسيم الغنائم.
ولما عزلت ريحانة شعرت بطمأنينة تتوضع وتستقر في أعماق قلبها، وكان الله عز وجل قد خار لها الخير كله، ثم إن رسول الله ﷺ أرسل بها إلى منزل الصحابية الجليلة أم المنذر سلمى بنت قيس الأنصارية ، ومكثت ريحانة في بيت أم المنذر أياماً حتى انتهى رسول الله ﷺ من بني قريظة، وفرق السبي، ثم جاء أم المنذر، ودخل على ريحانة، فتوارت حياءً منه صلى الله عليه وسلم، واستحيت حياءً شديداً، ولكنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاها، فأتت على استحياء، وجلست بين يديه، وكلمها كلاماً لطيفاً، وبين لها محاسن الإسلام، ومن ثم قال : «إن اخترت الله ورسوله، اختارك رسول الله لنفسه ؟!» وأي سعادة أعظم لريحانة من هذا؟ إنها لا تكاد تصدق نفسها ما تسمعه الآن – من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن سعادتها كانت تصاحبها منذ أن سبيت، وإذ ذاك قالت – بعد أن كشفت لها أنوار اليقين وحقيقة الخلود -: إني أختار الله ورسوله.
ثم نطقت ريحانة بالشهادتين، وأسلمت، وبعد ذلك أعرس بها رسول الله ﷺ في بيت أم المنذر في المحرم سنة ست من الهجرة النبوية، وحظيت بالمكانة النبيلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان معجباً بها، لا تسأله شيئاً إلا أعطاها.
ومنذ ذلك اليوم البهيج الذي دخلت فيه ريحانة في الإسلام، نظمت في عداد نساء أهل البيت الطاهر.

رَيْحَانَهُ وَخِيَارٌ مُوَفِّقُ
عندما رحت أبحث في سيرة ريحانة بنت زيد رضي الله عنها، وقفت طويلاً أمام مسألة مفادها : هل كانت ريحانة من أمهات المؤمنين، وهل انتظمت في عقدهن، أم هي سرية من سراري رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! والحقيقة، فقد وجدتني أمام فريقين من العلماء : فريق يزعم أنها من نساء النبي ﷺ.
وفريق يزعم أنها سرية من سراري النبي ﷺ .
والذي تميل إليه النفس أنها سرية الرسول صلى الله عليه وسلم، ويبدو أن ريحانة نفسها قد طلبت أن تكون ذلك، فقد ورد أن الحبيب المصطفى خيرها في هذا، وسألها عما تحبه وقال: «إن أحببت أن أعتقك وأتزوجك فعلت، وإن أحببت أن تكوني في ملكي فعلت» فقالت: يا رسول الله أكون في ملكك أخف علي وعليك؛ فكانت في ملك رسول الله صلى الله عليه وسلم ومما يزيد النفس طمأنينة ما أورده البلاذري – رحمه الله – في أنسابه، بسند عن ابن سيرين – رحمه الله – أن رجلاً لقي ريحانة بالموسم – بالحج – فقال لها : إن الله لم يرضك للمؤمنين أماً.
فقالت: وأنت فلم يرضك الله لي ابنا.
وهذه الإجابة من ريحانة رضوان الله عليها تعتبر من بدائع البدائه، ومن الأجوبة المسكنة التي تشير إلى عقلها الكبير، وإلى حصافة رأيها وتفكيرها، ويشير من ناحية أخرى إلى أن ريحانة ظلت ملك اليمين، ويعزز هذا ما أورده البلاذري أيضاً بسنده عن الإمام الزهري – رحمه الله – أنه كان للنبي ﷺ سريتان : مارية القبطية، وريحانة.
ومما يزيدنا ثقة بأن ريحانة من سراري رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما نظمه العلماء في أزواج النبي ﷺ اللواتي توفي عنهن – أو توفين في حياته – ولم يذكروا ريحانة أو مارية رضي الله عنهن جميعاً فقال أحدهم:
توفي رسول الله عن تسع نسوة
إليهن تعزى المكرمات وتنسب
فعائشة ميمونة وصفية
وحفصة تتلوهن هند وزينب
جويرية مع رملة ثم سودة
  ثلاث وست ذكرهن مهذب

روحُ وَرَيْحَانَ
نعمت ريحانة رضي الله عنها بضع سنين في ظلال البيت النبوي الطاهر، ورأت في خلال حياتها مع رسول الله ﷺ الشرف والكرامة والرفعة والنمو الروحي، ونور الله الذي أضاء نفسها، فأحالها إلى امرأة سعيدة بما أفاء الله عليها من نعم كثيرة ظاهرة وباطنة، ورأس هذه النعم الإيمان بالله، والحياة مع الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وأدركت ضلال اليهود وإضلالهم، وما كانوا يعيشون في جحيم الباطل.
في بيت الحبيب الأعظم محمد أضحت ريحانة تشعر بلذة الهدى والهداية، وأضحت ذات جوهر فريد يتألق بأنوار اليقين، بعد أن اعتنقت الإسلام، ومن ثم أضحى شعارها: الحمد لله رب العالمين.
لم تكن حياة ريحانة طويلة في رحاب البيت النبوي الطاهر، وإنما لقيت وجه ربها في حياة النبي ﷺ ، وماتت عندما رجع من حجة الوداع في السنة العاشرة من الهجرة، ودفنها في البقيع إلى جوار السلف الصالح، وإلى جوار نساء أهل البيت الطاهر.
وبهذا تنتهي حياة هذه المرأة التي سعدت ونعمت بالإسلام، وسعدت بالدخول إلى رحاب البيت النبوي، فكانت من الخالدات، ومن النساء اللاتي لهن في تاريخ الإسلام نصيب.
رضي الله عن ريحانة، وأكرمها بالروح والريحان، ورضي الله عن أهل البيت النبوي جميعاً، وأكرمنا بحبهم وحشرنا معهم، وجعلنا من رفقائهم، وحسن أولئك رفيقا.

(نساءُ أهل البيت في ضوء القرآن والحديث)

شارك هذا المقال:

مقالات مشابهة