سرية النبي ماریة بنت شمعون رضي الله عنها

– مارية سُرّية النبي ﷺ وأم ولده إبراهيم .
كان لها منزلة كريمة عند النبي ﷺ وكانت طاهرة تقيَّة .
نَعِمَتْ مارية بنعيم الإسلام، وعاشت في كنف رسول الله ﷺ مرعية الجانب، وعدت من أهل البيت.
– ضربت مثلاً شروداً في الصبر والتسليم لقضاء الله عز وجل.
أوصى النبي ﷺ بالأقباط خيراً إكراماً لمارية، وتوفيت مارية سنة (١٦هـ) بالمدينة المنورة.

مِنْ صَانِعَاتِ التَّارِيخ

تأتي هذه المرأة – اليوم – من مصر، لتكون في المدينة المنورة، ولتدخل البيت النبوي الطاهر، ولتنجب طفلاً لرسول الله ﷺ، ولتجدد ذكرى هاجر المصرية أم العرب التي كانت زوج نبي الله إبراهيم، وأم نبي الله إسماعيل عليهما السلام .
فَمَنْ تكون هذه المرأة؟ ومتى وكيف دخلت البيت النبوي؟ ذكر المفسرون والمؤرخون وكُتّاب السيرة والطبقات أن اسمها مارية بنت شمعون القبطية، إحدى نساء البيت النبوي اللاتي كُتِبَ لَهُنَّ الخلود في دنيا الخلود.
فكيف قدمت هذه المرأة المصرية لتحل درة في العقد الفريد، وتستظل في ظلال البيت النبوي الطاهر، وتغدو واحدة ممن صَنَعْنَ التاريخ ؟
السطور التالية تفصح عن ذلك …
قدمت مارية بنت شمعون المدينة المنورة بعد صلح الحديبية، وذلك في سنة سبع من الهجرة على ارجح الأقوال.
لما تم صلح الحديبية بين رسول الله ﷺ وبين المشركين في مكة، سرى الهدوء على الجزيرة العربية عقب هذا الصلح، وإذ ذاك وجدت الدعوة الإسلامية متنفساً ومجالاً كيما تعم نفحاتها الكرة الأرضية، وكيما يتم إبلاغ نور الإيمان إلى الناس كافة .
بدأ الحبيب المصطفى ﷺ هذه الخطوة المباركة في الدعوة الحكيمة، وأراد أن يكتب إلى ملوك العالم، وأمراء العرب، فقيل له: إنهم لا يقبلون كتاباً إلا بخاتم فصاغ رسول الله ﷺ خاتماً من فضة، نقشه : محمد رسول الله ، وكان هذا النقش ثلاثة أسطر سطر محمد، رسول سطر، الله سطر وكان على النحو التالي :

الله
رسول
محمد


وكتب رسول الله ﷺ كتباً يدعوهم فيها إلى الإسلام، وإلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، واهتم بذلك اهتماماً كبيراً، فاختار من أصحابه الكرام رسلاً لهم معرفة وخبرة، وأرسلهم إلى الملوك، ومن هؤلاء الملوك: هرقل ملك الروم وامبراطورهم، وكسرى أبرويز ملك فارس، والمقوقس ملك مصر، والنجاشي ملك الحبشة وغيرهم.
ويتبادر إلى الذهن الآن سؤال وهو: كيف تلقى هؤلاء الملوك هذه الرسائل الكريمة ؟! أقول : إن هرقل والنجاشي والمقوقس تلقوا رسائلهم، فتأدبوا وردوا رداً جميلاً رقيقاً رفيقاً.
وتحدثنا كتب السيرة أن النجاشي أكرم مثوى رسول رسول الله ﷺ، وأما المقوقس فقد أرسل هدايا منها ضيفة حلقتنا مارية القبطية أم إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما كسرى أبرويز، فقد مزق الكتاب لما قُرِىءَ عليه، وقال في استكبار وصلف: يكتب إليَّ هذا وهو عبدي؟ فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «مزق الله ملكه».
وتحققت دعوة المصطفى وتمزق ملك كسرى وتلاشي إلى الأبد.
قبل أن ينقضي عقد من الزمن، وبذلك تحققت نبوءة أخرى للرسول الكريم ﷺ عندما قال: «إذا هلك كسری فلا کسری بعده»

مَارِيَةُ هَدِيَّةُ المُقَوْقِسِ

قبل أن نتحدث عن هدية المقوقس إلى النبيّ الكريم ﷺ، دعونا نلقي الضوء على المقوقس ذاته حتى تتوضح الصورة بشكل أجود.
فالمقوقس هو حاكم الإسكندرية، والنائب العام للدولة البيزنطية في مصر، واسم المقوقس جُريج بن مينا – أو جريج بن متى-.
هذا وقد كانت مصر عصر ذاك من أغنى ولايات الدولة البيزنطية، وأكثرها خصوبة، وإنتاجاً وعمراناً، فقد ذكر ابن تغري بردي في كتابه «النجوم الزهراء» أن عمرو بن العاص قد وصفها بقوله : مصر تربة غبراء، وشجرة خضراء، طولها شهر، وعرضها شهر.
ولما أراد أن يرسل كتاباً للمقوقس اختار من أصحابه حاطب بن أبي بلتعة، وكان حاطب معروفاً بحكمته، وحسن منطقه وبلاغته وفصاحته.
كتب رسول الله ﷺ إلى المقوقس ملك مصر والإسكندرية ما نصه: «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد عبد الله ورسوله إلى المقوقس عظيم القبط سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت، فإن عليك إثم القبط {يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} [آل عمران : ٦٤].
وأخذ حاطب كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسار حتى وصل مصر، ودخل على المقوقس ، فرحب به وأحسن نزله فخاطبه حاطب بحكمة ولطف وقال له : إنه كان قبلك رجل يزعم أنه الرب الأعلى، فأخذه الله نكال الآخرة والأولى، فانتقم به، ثم انتقم منه، فاعتبر بغيرك، ولا يعتبر غيرك بك.
كان المقوقس يستمع إلى كلمات حاطب، واستبان صدق ما يقوله، فقال له يا هذا، إن لنا ديناً لن ندعه إلا لما هو خير منه.
فقال حاطب وقد لمح من المقوقس حكمته : ندعوك إلى دين الإسلام الكافي به الله فقد ما سواء، إن هذا النبي دعا الناس فكان أشدهم عليه قريش، وأعداهم له اليهود، وأقربهم منه النصارى، ولعمري ما بشارة موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى بمحمد، وما دعاؤنا إياك إلى القرآن، إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل، فكل نبي أدرك قوماً فهم أمته، فالحق عليهم أن يطيعوه، وأنت ممن أدركه هذا النبي، ولسنا ننهاك عن دين المسيح، ولكنا نأمرك به .
وكأن المقوقس قد أعجب بمقالة حاطب ووافق كلامه موقعاً في قلبه فقال الحاطب : إني قد نظرت في أمر هذا النبي فوجدته لا يأمر بمزهود فيه، ولا ينهى عن مرغوب فيه، ولم أجده بالساحر الضال، ولا الكاهن الكاذب، ووجدت معه آية النبوة بإخراج الحب والإخبار بالنجوى وسأنظر.
ثم إن المقوقس أخذ كتاب النبي صلى الله عليه وسلم، فجعله في حق من عاج، وختم عليه، ودفع به إلى جارية له، ومن ثم دعا كاتباً له يكتب بالعربية، فكتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم: “بسم الله الرحمن الرحيم، لمحمد بن عبد الله، من المقوقس عظيم القبط، سلام عليك، أما بعد: فقد قرأت كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه، وما تدعو إليه، وقد علمت أن نبياً بقي، وكنت أظن أنه سيخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك، وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم، وبكسوة، وأهديت إليك بغلة لتركبها والسلام عليك”.
ولم يزد المقوقس على هذا شيئاً، ولم يسلم، وإنما قال لحاطب : أنت حكيم جاء من عند حكيم، وهذه هدايا أبعث بها معك إلى محمد، وأرسل معك من يبلغك إلى مأمنك.
وكانت الهدية ثمينة لطيفة، وكان من الهدية جاريتان هما: مارية بنت شمعون، وأختها سيرين، وبغلة بيضاء اسمها دلدل – بقيت إلى زمن سيدنا معاوية – وأثواب من قباطي مصر، وكان مع الهدية أيضاً خصي يُسمى مابور، وغير ذلك .
وسار حاطب عائداً إلى المدينة ناجحاً بسفارته، وفي طريق عودته عرض على مارية الإسلام، ورغبها فيه، فأسلمت وأسلمت أختها، وهدوا إلى الطيب من القول، وهدوا إلى صراط الحميد، وأكرمها الله عز وجل بالإسلام.

المنزِلُ الكَرِيمُ

وصلت مارية وهدايا المقوقس المدينة المنورة، وكانت مارية قد شهدت شهادة الحق وهي في طريقها إلى عرين الأنصار.
في المدينة المنورة، نعمت مارية برعاية رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي اختارها لنفسه، أما أختها سيرين، فقد وهبها لشاعره الكبير، شاعر الدعوة المحمدية، وأمير شعراء الأنصار حسان بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه.
أنزل رسول الله ﷺ مارية منزلاً كريماً في المدينة عند حارثة بن النعمان الأنصاري ، ثم حولها إلى مكان تحمل اسمها فكان يقال له : مشربة أم إبراهيم في العالية.
كانت مارية رضي الله عنها بيضاء جميلة الطلعة، ولم تكن زوجة لرسول الله ﷺ، بل كانت ملك يمينه، وحلت له بهذه الملكية، وأنزلها منزلاً خاصاً بها.
أثار قدوم مارية الغيرة في نفس الصديقة عائشة رضي الله عنها، فقد شغلت هذه الجارية المصرية الشابة مساحة كبيرة من بيوت أزواج النبي ﷺ وراحت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ترقب باهتمام مظاهر اهتمام رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه المرأة التي أكثر من التردد عليها، وزاد من غيرتها، أنه كان يمكن عندها طويلاً عند فراغه.
وتفصح أمنا عائشة رضي الله عنها عن إحساسها بصراحة تامة فتقول: ما غرت على امرأة إلا دون ما غرت على مارية، وذلك أنها كانت جميلة جعدة – أو دعجة – فأعجب بها رسول الله ﷺ ، وكان أنزلها أول ما قدم بها في بيت الحارثة بن النعمان، فكانت جارتنا، فكان عامة الليل والنهار عندها، حتى فرغنا لها، فجزعت فحولها إلى العالية، وكان يختلف إليها هناك، فكان ذلك أشد علينا.

يَا بِشَرَايَ هَذَا غُلام

مضى عام على وجود مارية في المدينة المنورة، كانت خلالها تلقى كل رعاية من رسول الله ﷺ.
وفي يوم من الأيام العطرة في المدينة المنورة، زفت مارية إلى الحبيب الأعظم ﷺ نبأً جميلاً ملا قلبه سروراً.
قالت له بأنها حامل، وستلد بعد حين.
كان رسول الله ﷺ قد قارب السنين من عمره الشريف، وفقد أولاده خلا فاطمة الزهراء رضوان الله عليها، ولعل هذه البشرى العظيمة قد أعادته إلى الماضي البعيد، القريب، إلى أبيه إبراهيم عليه السلام، وزوجه هاجر المصرية التي قص الله خبرها ووليدها إسماعيل في كتابه العزيز.
مضت شهور الحمل، ومارية سعيدة بما في بطنها، وسعيدة بأن رسول الله ﷺ قد فرض عليها الحجاب، ولما جاءها المخاض، أولدتها أم رافع سلمى مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت أم رافع قابلة البيت النبوي الطاهر، وخبيرة بشؤون وشأن النساء في مثل هذا المجال.
ولدت مارية طفلاً جميلاً شديد الشبه بأبيه سيدنا وحبيبنا رسول الله ﷺ، وخرجت أم رافع إلى زوجها أبي رافع وأخبرته بولادة مارية، وبسرعة الرياح، انطلق أبو رافع إلى الحبيب المصطفى ﷺ وبشره بأن مارية قد ولدت غلاماً سوياً، فوهب له عبداً لهذه البشرى ولهذه البشارة التي ألقت الطمأنينة والسرور في نفس رسول الله  صلى الله عليه وسلم، ثم إن رسول الله ﷺ سماه يوم سابعه إبراهيم، تيمناً بأبيه إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام.
كان هذا الحدث السعيد ميلاد إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، في شهر ذي الحجة من السنة الثامنة للهجرة النبوية الشريفة، وبهذه الولادة أصبحت مارية حرة.
قال ابن عباس رضي الله عنهما : لما ولدت أم إبراهيم، قال رسول الله ﷺ: أعتقها ولدها. وعن ابن عباس أيضاً عن النبي ﷺ قال: وأيما أمة ولدت من سيدها فإنها حرة إذا مات، إلا أن يعتقها قبل موته.
وسرى خبر هذه البشارة في المدينة المنورة أن قد ولد لرسول الله ﷺ غلام من مارية القبطية، فأفعمت قلوب المؤمنين بفرح شديد، وخصوصاً الأنصار الذين عرفوا حب رسول الله ﷺ لمارية، وعلموا هواه فيها، وبوليدها إبراهيم فتنافسوا في رعاية الوليد المبارك، وأحبوا بكل معاني الحب أن يقوموا برعاية الوليد.
أما رسول الله ﷺ فقد فرح بولده إبراهيم الذي رزقه الله عز وجل بعد انقطاع الولد من زوجه الطاهرة خديجة رضي الله عنها، وكأن مارية رضي الله عنها قد جددت بهذه الولادة ذكرى أمنا خديجة، فأثنى عليها رسول الله ﷺ بكل خير وبكل ما هي أهله.

مَارِيَةً أُمَّ إِبْرَاهِيمَ

حظيت مارية رضي الله عنها بالمكانة الكبيرة بين نساء البيت النبوي الطاهر، وبين نساء الأنصار اللاتي تنافسن فيمن يرعاه، وفيمن يحظى بمرضاة رسول الله صلى الله عليه وسلم واختار الحبيب المصطفى مرضعاً من نساء الأنصار تسمى أم سيف كما في الصحيحين.
فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال النبي ﷺ : «ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم ودفعته إلى أم سيف امرأة في المدينة».
وأكرم رسول الله ﷺ أم سيف مرضعة ولده إبراهيم، وجعل عندها سبعة أرؤس من الماعز كيما ترضع ولده إبراهيم إذا ما لزم الأمر، ولتقر عين مارية بوليدها حتى يشتد عوده.
وتصدق الحبيب المصطفى على مساكين المدينة تعبداً وفرحاً بميلاد إبراهيم، ففي اليوم السابع لمولده الكريم عق له بكبش، وحلق رأسه أبو هند الأنصاري رضي الله عنه، وتصدق بوزن شعر ابنه فضة على المساكين الذين فرحوا أيضاً بمولده، ثم أخذوا شعره، ودفنوه في الأرض، وسماه إبراهيم، وكان الحبيب المصطفى ﷺ قد سماه إبراهيم منذ ولادته.
عن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ولدت مارية إبراهيم، فجاء جبريل عليه السلام إلى النبي ﷺ فقال : السلام عليك يا أبا إبراهيم، فاطمأن رسول الله ﷺ إلى ذلك.
وسر الرسول الكريم بولده إبراهيم، وصَحِبَه مرةً إلى عائشة وقال لها : انظري إلى شبهه، ولكن الغيرة هي التي نطقت على لسان الصديقة عائشة رضي الله عنها، فقالت: ما أرى شيئاً.
وتقبل رسول الله ﷺ ذلك من عائشة، وليغفر الله لابنة الصديق غيرتها، فعائشة نفسها أوضحت بلسان الصدق بأن الله عز وجل قد رَزَقَ النبي ﷺ من مارية الولد، وحرمت هي وأمهات المؤمنين الأخريات ذلك.
كانت مارية رضوان الله عليها تحرص كل الحرص على اكتساب مرضاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعمل كل ما يدخل السرور إلى قلبه، وكل ما يبهج نفسه، فقد كانت مارية تعلم مقدار حب الحبيب المصطفى لابنه إبراهيم، فكانت تحرص على أن يكون عندها كلما جاء لزيارتها في مشربتها، فصغيرها إبراهيم قرة عينه، ومصدر سعادته، وإنه لما يبهجها أن ترى رسول الله ﷺ سعيداً مسروراً.
وكما أسلفنا، فلم تعد مارية القبطية جارية ينطبق عليها أحكام الجواري فقد حررها ولدها، إذ الإسلام دين كريم يلتمس الأسباب الكريمة لتحرير الرق وفك الرقاب.
هذا وقد نعمت مارية بنعيم الإسلام، وعاشت في كنف رسول الله ﷺ مرعية الجانب، عزيزة المكانة تكسب احترام الجميع رضي الله عنها .

الطَّاهِرَةُ التَّقِيَّةُ

أخذت مارية رضي الله عنها تسلك سبيل الهدى، وتنعم بنعيم الإسلام وأحبت هذا الدين الذي رفعها عالياً، وجعل منها امرأة لها نصيب في تاريخ الدنيا في الفضائل والمكارم .
وقد كانت مارية رضي الله عنها، وضيئة النفس، طيبة القلب، نقية السريرة، خالطت روحها طهارة الإسلام، وغرست في قلبها محبة التقوى، فغدت تنطق وتتحدث بنور الله عز وجل، لذلك أكرمها رسول الله ﷺ لهذه الصفات الكريمة، ولأدبها الرفيع معه ، مما جعل بعض أصحاب القلوب المريضة التي ران عليها الوهن والحسد أن يتكلموا في حق مارية بما لا يليق .
وكما تحدث المنافقون والمرجفون بالإفك عن عائشة رضي الله عنها، تحدثوا عن مارية بما يشبه ذلك، لكن الله عز وجل لم يترك هذه الألسنة تسهب في الحديث، وإنما قطعها بالحجة الدامغة، ورد الله هؤلاء بغيظهم لم ينالوا خيراً، وأكرم الله مارية، وأحسن سيرتها في البيت النبوي الطاهر الكريم.
روي عن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه قوله : كانت أم إبراهيم سرية النبي في مشربتها، وكان قبطي يأوي إليها، ويأتيها بالماء والحطب.
فقال النَّاسُ : عِلْج يدخل على علجة. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فوجده على نخلة، ونظر علي إلى النخلة، فرأى القبطي مجبوباً، فرجع دون أن يقتله إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال : يا رسول الله، أرأيت إذا أمرت أحدنا بالأمر، ثم رأى في غير ذلك أيراجعك؟ قال: «نعم» وأخبر علي رضي الله عنه رسول الله ﷺ الخبر، فقال رسول الله : «أصبت، إن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب» ثم قال : «الحمد لله الذي يصرف عنا أهل البيت» .
وهكذا لم تنجح هذه الشائعة، بل كبت المرجفون بما جاءهم به علي بن أبي طالب رضي الله عنه من الحقائق التي دمعتهم، وكشفت عن سوء طويتهم، ورَفَعَتْ مِن مكانة مارية عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعند المسلمين، وشهد جميعهم بالتقوى والظهر. وحسبنا قول الرسول الكريم ﷺ ، والحمد لله الذي يصرف عنا أهل البيت.

مَارِيَة وَمَوْتُ إِبْرَاهِيمَ

كانت سعادة مارية رضي الله عنها بوليدها إبراهيم سعادة عظيمة، فقد أصبحت تشعر بأنس وألفة بما أكرمها الله من الذرية، وزاد الولد العزيز إبراهيم من حب رسول الله ﷺ لمارية، وتردده عليها، ورعايته لها، واهتمامه بأمرها، وأمر قومها.
وعاش إبراهيم ابن رسول الله ﷺ سنة وبعض السنة، وهو يحظى برعاية رسول الله ﷺ ولكنه مرض قبل أن ينتصف عامه الثاني، فجزعت مارية لذلك جزعاً شديداً، ولكنها لا تملك شيئاً تدفع به المرض عن وحيدها وحبيبها إبراهيم.
وذات يوم اشتد المرض بالصغير إبراهيم، وإذ ذاك ذهب البراء بن أنس زوج مرضعته إلى مسجد رسول الله ﷺ باسِر الوجه، ثقيل الخطوات، تكاد نفسه أن تذهب شعاعاً، وكان يتلفت دون أن تستقر عيناه على شيء، يحس كأنما يحمل أثقال الدنيا بأسرها، يتراقص على لسانه خبر أليم مفجع، خبر يود لو يستطيع أن يفديه بنفسه، أو بولده لفعل دون أن يتردد، أو يتأخر.
ورأى بعينين زائغتين الحبيب المصطفى جالساً في المسجد عند المحراب وعنده سيدنا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، فاشتد وجيب قلبه، واضطربت أنفاسه، وشحب لونه للخبر الأليم الذي يحمله، وتقدم وهو يترنح من الاضطراب حتى إذا ما بلغ رسول الله ﷺ استمسك حتى لا ينهار، ثم قال في صوت تخنقه العبرات: يا رسول الله، إن إبراهيم ابن مارية يموت.
وسبقت الدموع إلى وجنتيه وأجهش بالبكاء، وأحس رسول الله ﷺ أن قلبه يكاد أن يتصدع أسى على ابنه الحبيب إبراهيم، ونزل بصدره حزن عميق فلم يستطع أن يقوم، فاعتمد على يد عبد الرحمن بن عوف حتى نهض، ثم انطلق نحو مشربة أم إبراهيم معتمداً على يد صديقه من شدة ما به من الألم والحزن.
وطار هذا الخبر إلى سيدتنا فاطمة الزهراء رضي الله عنها، خبر احتضار أخيها إبراهيم، وأن أباها قد ذهب إلى بني مازن فسرى الحزن إلى نفسها، وشعرت بغصة في حلقها، فإبراهيم كان سلوى الحبيب المصطفى عن إخوته الذين ماتوا زينب ورقية، وأم كلثوم، والقاسم، وعبد الله ؛ إنها فاجعة تمزق نياط القلب، وتؤجج في النفس تيران الأحزان.
ورأت عن كثب سيدنا أنس بن مالك خادم الرسول فنادته، وأخبرته الخبر والتمست منه أن يبلغ صحابة أبيها، فإذا أسامة بن زيد يعدو إلى مشربة أم إبراهيم، وإذا بأبي بكر وعمر وكبار الصحابة يشتدون إلى العالية، ومعهم الفضل بن العباس، وقد لاذوا بالصمت، وارتسم الأسى على وجوههم، واعتمل الحزن في صدورهم، يود كل واحد منهم لو يفتدي ابن رسول الله ﷺ بأعز أولاده، إن لم يكن يفتديه بنفسه وماله وأهله.
وبلغ سيرين ابنة شمعون أخت مارية وزوج حسان بن ثابت أن إبراهيم ابن أختها يجود بأنفاسه، فهرعت إلى دار أختها، وبين حناياها نار تتأجج في الضلوع.
ودخل رسول الله على مرضعة ابنه إبراهيم، فإذا بها وضعت إبراهيم في حجرها، فمال رسول الله ﷺ على فلذة كبده، ونظر في وجهه الصغير، فألقاه ذابلا قبول الموت، فنزل به حزن لو نزل على جبل لتصدع، ثم قبّله قبلة عنوانها: الامتثال لأمر الله عز وجل والرضا بقضائه.
وخرجت مرضعة إبراهيم تحمله بصحبة رسول الله ﷺ ومن معه، إلى مشربة مارية أم إبراهيم، ودخلت المرضعة على مارية فهرعت مارية إليها ملهوفة، وأخذت ابنها منها، وقلبها يخفق بنيران الحزن، ونظرت مارية في وجه إبراهيم، فإذا بها تنوع بالامها، تكاد أن تموت كمداً، فابنها بين ذراعيها يجود بأنفاسه، ولا يقوى عن التعبير عما به من الآلام.
وجلست مارية ووضعت إبراهيم في حجرها، وسفحت الدمع الحزين وأحس رسول الله ﷺ ما تعاني مارية من آلام. فما بها، بعض ما به، فأخذه ووضعه في حجره الشريف، وهو ممتثل أشد الامتثال اأوامر العزيز الحميد.
ولكن الله عز وجل لم يرد لإبراهيم الحياة، وقدر الله – وكان أمره قدراً مقدوراً – أن لا يكون رسول الله ﷺ أبا أحد من الرجال، كما نص في كتابه العزيز: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما} [الأحزاب: ٤٠]
فالله عز وجل وحده هو العليم بذلك، وهو الحكيم فلا راد لقضائه وقدره.
ومات إبراهيم ابن مارية في شهره الثامن عشر، – على رواية – وكانت وفاته يوم الثلاثاء لعشر ليال خلت من ربيع الأول سنة عشر من الهجرة النبوية المباركة.
مات الزكي الطاهر إبراهيم ابن النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، نعم، لقد مات؛ يا لها من كلمة موحشة، تقوض الأماني، وتعبث بالأمال، وتبعث مات .. الآلام في النفوس.
وأجهشت مارية بالبكاء، وحزنت حزناً شديداً، وكادت نفسها تذوب، لولا عناية الله عز وجل بها، ولولا ما رأت من رسول الله ﷺ من الصبر والتسليم لقضاء الخالق البارئ المصور، إذ شعار المؤمن في هذا الموقف: إنا لله وإنا إليه راجعون يروي جابر بن عبد الله رضوان الله عليه قصة تلك اللحظات الحزينة فيقول: – كما جاء في الاستيعاب : أخذ النبي ﷺ بيد عبد الرحمن بن عوف – رضي الله عنه – فأتى النخل، فإذا ابنه إبراهيم في حجر أمه وهو يجود بنفسه، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوضعه في حجره، ثم قال: «يا إبراهيم إنا لا نغني عنك من الله شيئاً» ثم ذرفت عيناه وقال: «يا إبراهيم، لولا أنه أمر حق، ووعد صدق، وأن آخرنا سيلحق أولنا لحزنا عليك حزناً هو أشد من هذا، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون، تبكي العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب».
وفي رواية الإمام مسلم – رحمه الله عن أنس قال: لقد رأيته – أي إبراهيم – وهو يكيد بنفسه بين يدي رسول الله ﷺ، فدمعت عينا رسول الله ﷺ فقال: «تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون» 
وكانت وفاة إبراهيم في بني مازن بن النجار حيث كان يرضع، وتوفي لدى ام بردة ابنة المنذر النجارية.
وغسلته الصحابية أم بردة الأنصارية وحمل من بيتها على سرير صغير، وسارت الجنازة إلى البقيع، ورسول الله ﷺ بين العُمرين أبي بكر وعمر – والناس يذرفون الدمع حزناً على حزن نبي الله صلى الله عليه وسلم، الذي قطع هذا الطريق مرات ومرات، فإن جنازات بناته الطاهرات لتعود إلى ذاكرته، وربما طافت بذهنه ذكرى الطاهرة خديجة في مكة المكرمة.
وبلغ الجثمان الطاهر البقيع، فصلى عليه أبوه رسول الله ﷺ، وكبر عليه أربعاً وقال: «ندفنه عند فرطنا عثمان بن مظعون» أو قال: «الحق بسلفنا الصالح و عثمان بن مظعون» .
ونزل في قبره الفضل بن العباس، وأسامة بن زيد رضي الله عنهم، ورسول الله ﷺ جالس على شفير القبر، ثم رشه بماء، وأعلم عليه علامة.
وقيل : إن رسول الله ﷺ أضجعه بيده الشريفة في قبره ثم سوى عليه التراب ونداه بالماء.
فسلام على إبراهيم، وصلاة وسلام على أبي إبراهيم محمد رسول الله ﷺ إمام الصابرين، وإمام المتقين.

الصَّابِرَة وَوَصِيَّةٌ نبوية

مارية القبطية واحدة من النساء الخالدات اللواتي ضربن مثلاً شروداً في الصبر، والتسليم، حيث كان فقد ابنها إبراهيم أليماً على قلبها، وترك فيه من الحزن والأسى ما جعلها تشعر بألم الفراق، ولكن رسول الله ﷺ – وهو الذي وصفه ربه بأنه : {بالمؤمنين رؤوف رحيم} [التوبة : ۱۲۸]
هون على مارية فقال لها مواسياً : «وإن له مرضعاً يتم رضاعه في الجنة» وأخرج مسلم – رحمه الله – في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «إن إبراهيم ابني، وإنه مات في الثدي، وإن له لظئرين تكملان رضاعه في الجنة».
ومن المصادفات العجيبة التي حصلت يوم موت إبراهيم أن كسفت الشمس، فظن قوم من المسلمين أن كسوفها إنما كان لموت إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا : كيفَتِ الشمس لموت إبراهيم.
ولما بلغ رسول الله ﷺ ما قاله الناس، نهض فيهم خطيباً، وصحح مفهومهم الخاطىء، وقال كلمته المشهورة: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله والصلاة».
وفي رواية البخاري: إ«ن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم فصلوا وادعوا الله» . وترامى إلى مسمع مارية ما ذكره رسول الله ﷺ عن موت إبراهيم فصبرت واحتسبت ذلك عند خالقها. وفي مجال الوصايا، أكرم الحبيب المصطفى القبط في حديثه، وأمر أصحابه أن يحسنوا إليهم، وأمرهم أن يستوصوا بهم، وذلك كرامة لمارية، وإكراماً لإبراهيم .
ففي معرض وصاياه يقول: لو عاش إبراهيم لأعتقت أخواله، ولوضعت الجزية عن كل قبطي.
وأخرج مسلم في صحيحه بسنده عن رسول الله ﷺ أنه قال: وإذا دخلتم مصر، فاستوصوا بالقبط خيراً، فإن لهم ذمة ورحماً.
وفي رواية أبي ذر قال : قال رسول الله ﷺ : «إنكم ستفتحون مصر، وهي أرض يسمى فيها القيراط، فإذا فتحتوها فأحسنوا إلى أهلها، فإن لهم ذمة ورحماً».
وهذا الحديث النبوي الشريف علامة من علامات النبوة ودلائلها، فقد تنبأ رسول الله ﷺ بفتح مصر، قبل أن يتم بسنوات، ولما فتحت مصر على يد عمرو بن العاص رضي الله عنه، حافظ على وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعامل الأقباط في سماحة ومروءة، وبهذا أثمرت وصية الرسول ﷺ في أهل مصر.
ومما أورده ياقوت الحموي – رحمه الله – في معجم بلدانه، بأن الإمام الحسن بن علي رضي الله عنها، طلب إلى معاوية في مفاوضات الصلح بينهما، أن يرفع الخراج عن أهل قرية حفن المصرية التي يعود أصل مارية القبطية إليها، وفيها أخوال إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومما ورد في الأخبار أن سيدنا عبادة بن الصامت رضي الله عنه، قدم مصر بعد فتحها، وسأل عن قرية حفن، وسأل عن موضع بيت مارية، ومن ثم بنى به مسجداً، وفاء لذكراها، وإحياء لسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم.

إشَارَةُ القُرآنِ إِلى مَارِيَة

لمارية أم إبراهيم رضي الله عنها شأن كبير في أحداث السيرة النبوية، كما لها شأن عظيم في الآيات المباركات التي تتلى في المحاريب إلى ما شاء الله فقد أنزل الله عز وجل صدر سورة التحريم بسبب مارية القبطية هذه، وقد أوردها العلماء والفقهاء والمحدثون والمفسرون في أحاديثهم وتصانيفهم.
ففي تفسيره الجامع نقل الإمام الطبري – رحمه الله – في تفسير قوله تعالى : {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} إلى قوله : {…. وهو العليم الخبير} [التحريم: ١-٣].
عن ابن عباس قال: كانت حفصة وعائشة متحابتين، وكانتا زوجتي النبي صلى الله عليه وسلم، فذهبت حفصة إلى بيت أبيها، فتحدثت عنده، فأرسل النبي ﷺ إلى جاريته – مارية – فظلت معه في بيت حفصة، وكان اليوم الذي يأتي فيه عائشة، فرجعت حفصة، فوجدتها في بيتها، فجعلت تنتظر خروجها، وغارت غيرة شديدة، فأخرج رسول الله ﷺ جاريته، ودخلت حفصة فقالت: قد رأيت من كان عندك، والله لقد سوتني.
فقال النبي : «لأرضينك، فإني مسر إليك سراً فاحفظيه»
قالت: ما هو؟
قال: «إني أشهدك أن سريتي هذه علي حرام رضاً لك».
وكانت حفصة وعائشة تظاهران على نساء النبي صلى الله عليه وسلم، فانطلقت حفصة إلى عائشة فأسرت إليها: أن أبشري أن النبي ﷺ قد حرم عليه فتاته.
فلما أخبرت بسير النبي ﷺ أَظهر الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم لما تظاهرتا عليه : {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك} إلى قوله : {وهو العليم الحكيم} [التحريم: ١ و٢].
وفي هذا إشارة كريمة إلى مكانة مارية التي بسببها أنزل الله عز وجل آيات مبينات، وفي هذه الآيات الباهرة، أحكام عديدة بسطها أهل العلم والمعرفة في كتبهم، ذاكرين خلالها فضل مارية أم إبراهيم رضوان الله عليها، ونزول الذكر الحكيم كرامة لها، وإكراماً للحبيب الأعظم.
هذا وقد توفي رسول الله ﷺ وهو راض عن مارية، التي تشرفت بالبيت النبوي الطاهر، وعدت من أهله الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، ولقد رأينا معالم تلك الطهارة في حياتها المعطاء رضي الله عنها.

كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَة المَوْتِ

الصديق الأكبر سيدنا أبو بكر رضي الله عنه، السباق والسابق إلى كل فضيلة، كان ينفق في خلافته على السيدة مارية القبطية أم إبراهيم براً بها، وتنفيذاً الوصية حبيبه المصطفى ؛ فكان ينزلها منزلاً كريماً من نفسه، ويعرف حقها، ويحسن إليها غاية الإحسان، إذ عُرفت بدينها وورعها وصيانتها وعبادتها، فكانت بعد الرسول الكريم تؤنس وحدتها بالصلاة والذكر، وكانت تجد في الذكر سلواها وراحتها، وكذلك المؤمنون الذين وصفهم الله بقوله : {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب} [الرعد: ۲۸].
وظلت عناية الصديق ورعايته تحف مارية حتى توفي رضي الله عنه، وجاء عمر الفاروق، فسلك السلوك نفسه الذي سلكه سيدنا أبو بكر الصديق ، وكان ينفق عليها، ويرعى شؤونها.
وظلت مارية رضي الله عنها تعيش في ظلال الخلافة الراشدة قرابة خمس سنين، ولما كان المحرم من السنة السادسة عشرة من الهجرة الميمونة، شعرت مارية بالمرض، وأحست بقرب اللقاء مع الله، ودنو الأجل، ولم تمض أيام قلائل حتى صعدت روحها إلى بارئها راضية مرضية، وهي تشهد أن لا إله إلا الله محمد رسول الله .
ونادى مناد في المدينة المنورة، أن توفيت مارية أم إبراهم، ورؤي سيدنا عمر بن الخطاب عليه سحابات الرضوان وهو يدعو الناس ويجمعهم لشهود الصلاة عليها.
وفي البقيع اجتمع عدد كبير من الصحابة الكرام من المهاجرين والأنصار كي يشهدوا جنازة مارية القبطية، وصلى عليها سيدنا عمر رضي الله عنهما، ودفنها بالبقيع في المدينة المنورة إلى جانب نساء أهل البيت النبوي، وإلى جانب ابنها إبراهيم ابن رسول الله ﷺ.
وتركت مارية بنت شمعون وراءها ذكراً عطراً، وسيرة حَسَنَةٌ تشهد بمحاسن فضائلها وفضائل محاسنها، نعم لقد تركت مارية سيرة كريمة تصلح أن تكون بهجة المجالس وأنس المجَالِس ، تُعَطَّرُ بها الأسماع، وتقتدي بها النساء، كل النساء، في كل العصور والأزمان.
وقبل أن نقول وداعاً أم إبراهيم تعالوا نتلو قول الله عز وجل: {…… وبشر المخبتين. الذين إذا ذُكِرَ الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} [الحج : ٣٤ و ٣٥].
وبعد : رضي الله عن مارية أم إبراهيم، وأكرمها برحمته، وجعلها مع الذين أنعم عليهم، إنه نعم المولى ونعم النصير.

(نساءُ أهل البيت في ضوء القرآن والحديث)

شارك هذا المقال:

مقالات مشابهة