أم المؤمنين میمونة بنت الحارث رضي الله عنها

ـ شهد لها النبي ﷺ ولأخواتها بالإيمان فقال: «إن الأخوات لمؤمنات»
– أم ميمونة أكرم عجوز في الأرض أصهاراً.
– وهبت ميمونة نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، ونزل القرآن يحكي قصتها.
– هي آخر امرأة تزوجها رسول الله ﷺ وكانت تقية تَصِلُ الرَّحِم .
ـ من حافظات الحديث النبوي ، ماتت بِسَرِف قُرب مكة سنة (٥١) هـ .

مَرْأَةُ الكَرِيمَةُ السَّيِّدَةُ
ميمونة بنت الحارث الهلالية أم المؤمنين واحدة من نساء سادة، ومن سادات النساء، دخلت العقد النظيم، فأضحت درة في البيت النبوي الطاهر الكريم.
وفي رحاب الكرم، والأصل الحسيب، والنسب الرفيع ، كانت نشأة ميمونة آخر نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولعل يمنها جَعَلَها في هذا المقام الرفيع الذي اقتعدته، وحظيت بأمومة المؤمنين لتغدو من اللاتي ذكرهن الله عز وجل في كتابه الكريم حيث قال: {يا نساء النبي لَسْتُنَّ كأحدٍ من النساء إن اتقيتن} [الأحزاب: ٣٢].
إن أمنا ميمونة رضي الله عنها، وإخواتها من سادات النساء، وممن شهد لهن الرسول الكريم ﷺ بالإيمان، وهل تعدل بشهادة رسول الله أحداً؟! فأختها أم الفضل بنت الحارث زوج العباس الحرة الجليلة، وأم أولاده الستة النجباء، كانت أول امرأة آمنت برسول الله ﷺ بعد أمنا خديجة بنت خويلد ولطالمنا حدثت أم الفضل ميمونة عن الإيمان، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا إليه فؤادها، وكانت من الثلة الأولى من المؤمنات المسارعات إلى الاستجابة لدعوة الإيمان، والتلذذ برحيقها.
لم تكن أم الفضل وحدها التي ارتبطت بالإسلام من أهلها، فأختها من أمها أسماء بنت عميس ، كانت زوج الشهيد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، وقد تزوجت من بعده بشيخ الصحابة والمهاجرين سيدنا أبي بكر الصديق عليه سحابات الرضوان، ثم تزوجت بعده من فارس الصحابة والمهاجرين سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه .
وأختها الأخرى سلمى بنت عميس زوج أسد الله حمزة ابن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن اللاتي شهدن مشرق الإسلام منذ أن أضاء أم القرى في ساعاته الأولى.
وهؤلاء السيدات السادات من النساء كانت أمهن جميعاً : هند بنت عوف بن زهير، إنها أكرم عجوز في مكة.
ولما شاءت المقادير الإلهية أن ترتبط إحدى بناتها برسول الله صلى الله عليه وسلم، أضحت هند بنت عوف أكرم عجوز في الأرض أصهاراً.
فمن أصهارها الحبيب المصطفى وأبو بكر الصديق عليه سحائب الرضوان . وحمزة بن عبد المطلب عم النبي ﷺ وأسد الرحمن وفارس الميدان، وفتى قريش رضي الله عنه .
والعباس بن عبد المطلب عم النبي ﷺ وصنو أبيه .
وجعفر بن أبي طالب الشهيد الكريم وابن عم النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن أحفادها عبد الله بن عباس أحد العبادلة الأربعة، حبر الأمة وفقيه الفقهاء، وابن عم المصطفى صلى الله عليه وسلم.
وخالد بن الوليد، فارس الإسلام، وسيف الرحمن، ومذل المشركين رضي الله عنه .
إذن فأمنا ميمونة رضي الله عنها، ميمونة النقيبة، إذ زَوْجُها رسول الله ﷺ، وهي كذلك خالة عبد الله بن عباس، وخالد بن الوليد، وأم المؤمنين الموحدين وتلك فضائل حسان فهل فوق ذلك من مفخر ؟!

هَمْسُ القُلُوبِ
كان اسم ميمونة أم المؤمنين برة بنت الحارث، فسماها رسول الله ﷺ ميمونة، وكانت زوجاً لأبي رهم بن عبد العزى العامري القرشي، فأضحت أرملة وهي ماتزال في ريعان الشباب، إلا أن نور يقين الإيمان، هو الذي يضيء جوانب نفسها، وتغذي برحيقه روحها، فغدت صافية السريرة، عظيمة الإيمان بالله عز وجل، حتى شهد الله لها بالإيمان، وحظيت بشرف الزواج من رسول الله ﷺ وفي وقت فراغه من عمرة القضاء سنة سبع من الهجرة في ذي القعدة .
ففي السنة السابعة من الهجرة النبوية الشريفة، دخل الحبيب المصطفى وأصحابه مكة معتمرين، وطاف رسول الله ﷺ والمسلمون بالبيت العتيق، بيت الحرام، وكان الصحابي الجليل سيدنا عبد الله بن رواحة الأنصاري رضي الله عنه، بين يدي حبيبنا رسول الله ﷺ يرتجز متوشحاً بالسيف وهو يقول :
خلوا بني الكفار عن سبيله
خلوا فكل الخير في رسوله
قد أنزل الرحمن في تنزيله
في صُحُفٍ تتلى على رسوله
يارب إني مؤمن بقيله
كما قتلناكم على تنزيله
ضرباً يزيل الهام عن مقيله
ويذهل الخليل عن خليله
وكانت ميمونة رضي الله عنها في مكة، وما إن سمعت واستمعت واستمتعت بحداء ورجز عبد الله بن رواحة، وما أن ملات عينيها من النبي ﷺ حتى استولت عليها فكرة أن تنال شرف الزواج من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن تصبح أما للمؤمنين، وما يمنعها من أن تحقق حلمها الذي طالما راودها في يقظتها وفي منامها، وهي من الثلة الأولى في سجل الإيمان وقائمة المؤمنين، وأخواتها : أم الفضل وأسماء بنت عميس وسلمى بنت عميس الأخوات المؤمنات ؟!
وفي تلك اللحظات التي سرت فيها نسمات الإيمان تخفق على مكة، همست ميمونة بما في قلبها إلى أختها أم الفضل زوج العباس، فهل تحققت أمانيها؟ وهل أكرمها الله بما في نفسها؟ لقد سجل القرآن الكريم تلك الخطرات الهامسة في وجدان ميمونة، فهلم نستمع إلى القرآن الكريم وهو يحكي قصة ميمونة.

مَيْمُونَةُ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ
قلنا: إن ميمونة رضي الله عنها كانت قد أفضت بأمنيتها إلى أختها أم الفضل بنت الحارث رضي الله عنها، وحدثتها عما تحلم به من أن تكون زوجاً للرسول الأعظم ، كيما يكون لبني هلال شرف مصاهرته، كما نال هذا الشرف قبلها : بنوتيم، وبنو عدي، وبنو أمية، وبنو مخزوم، وبنو أسد، وبنو المصطلق وغيرهم .
ويبدو أن أم الفضل لم تكتم هذا الخبر عن زوجها العباس ابن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم، وصنو أبيه ويبدو أيضاً أن العباس قد أفضى إلى ابن أخيه بأمنية ميمونة بنت الحارث الهلالية، فبعث رسول الله ﷺ ابن عمه جعفر بن أبي طالب ليخطبها، فما أن خرج جعفر من عندها، حتى استخف بها طرب ذلك الخبر الميمون الكريم، فركبت بعيرها ثم انطلقت إلى حيث كان الرسول الحبيب صلى الله عليه وسلم في قبته بالأبطح، فما أن وقعت عيناها عليه حتى قالت: البعير وما عليه الله ورسوله ﷺ.
وتحدث الناس عما فعلت ميمونة؛ إنها لم تستطع الانتظار، فجاءت تهب نفسها لله ورسوله، وقد سماها رسول الله ﷺ ميمونة بعد أن كان برة.
سرى الهمس بين مرضى القلوب استخفافاً بالشابة التي استجابت استجابة صادقة لعواطفها دون رياء، ووَجَدَ المنافقون فرصة للغمز واللمز، ومحاولة ذر الرماد في العيون، وبذر بذور الاستياء في قلوب المسلمين، وإذ ذاك أنزل الله عز وجل قرآناً يتلى ويحسم أقوال أولئك الذين في قلوبهم مرض قال الله تعالى: «يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج وكان الله غفوراً رحيماً} [الأحزاب: ٥٠].

مَيْمُونَةُ وَزَوَاجٌ مَيْمُونٌ
في عمرة القضاء، انساب المهاجرون في دروب مكة يستنشقون عبير أرض الذكريات الحلوة، ويتملون مراتع الصبا والشباب فرحين مسرورين، وكانت بعض بيوتهم خاوية لا حركة فيها، قد خيم عليها السكون، فتبعث الأسى في النفوس، ولكنهم ألقوا عليها نظرات عابرة دون أن تترك أثراً في قلوبهم التي عمرها الإيمان بحب الله ورسوله ﷺ.
كان المسلمون المهاجرون وهم في المدينة المنورة، يستشعرون شوقاً عنيفاً إلى مكة أم القرى، وكانت أعز أمانيهم أن يعودوا إليها، وأن يروا أقرباءهم، وأن يرووا ظمأهم من ماء زمزم، وأن يطوفوا بالبيت العتيق، فإذا بآمالهم كلها تتحقق، وها هم اليوم يطوفون بالبيت العتيق وهم بصحبة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.
وأقام رسول الله ﷺ بمكة ثلاثاً، فلما أصبح من اليوم الرابع ، أتى حويطب بن عبد العزى – وقد أسلم فيما بعد – ونفر مشركي قريش، فقالوا لرسول الله ﷺ، قد انقضى الأجل، فاخرج عنا فقد مضت الثلاث.
– وكان قد أتم عمرة القضاء – فقال صلى الله عليه وسلم: «وما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم فصنعت لكم طعاماً فحضرتموه؟» فقالوا : لا حاجة لنا بطعامك، فاخرج عنا، فخرج النبي ﷺ، ونزل في سرف فاقام بها.
ولما خرج رسول الله ﷺ من مكة، خَلْفَ مولاه أبا رافع ليحمل ميمونة أم المؤمنين إليه حين يمسي، ثم خرج أبو رافع بميمونة ليلحق رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين في سرف.
وفي ذلك الموضع ضُرِبَتْ قبتها، وبنى رسول الله ﷺ في هذه البقعة المباركة، ويؤمئذ سماها رسول الله ﷺ ميمونة ؛ فقد كان زواجه بها في هذه المناسبة الميمونة التي دخل فيها مكة للمرة الأولى، منذ أن خرج منها مهاجراً في سبيل الله منذ سبعة أعوام كوامل.
وأعرس رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد أن أحل من العمرة، وفرح المسلمون والصحابة بهذه المناسبة الميمونة المباركة … روى بعض أصحاب السنن وغيرهم عن أبي رافع رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ تزوج ميمونة حلالاً، وكنت الرسول صلى الله عليه وسلم بينهما .
وروى أبو داود بسنده عن ميمونة رضي الله عنها قالت: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن حلالان بسرف.
قال ابن سعد – رحمه الله – هي آخر امرأة تزوجها رسول الله ﷺ، يعني ممن دخل بهن .
دخلت ميمونة أم المؤمنين البيت النبوي ولما تتجاوز السادسة والعشرين وإنه لشرف ما بعده شرف لميمونة، التي أحست وكأنها ارتفعت حتى كادت تلمس نجوم السماء، عندما نظمت في عداد أمهات المؤمنين الطاهرات رضي الله عنهن وأرضاهن .
وفي المدينة المنورة، دخلت ميمونة أم المؤمنين الحجرة التي أعدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، لتكون بيناً لها، واستقبلت نساء النبي ﷺ ميمونة استقبالاً حسناً، وأكرمن مثواها، إكراماً لرسول الله ﷺ، وطلباً لمرضاة الله عز وجل.
وأخذت ميمونة رضي الله عنها تستمع إلى الأحاديث النبوية من الرسول الكريم ﷺ، وتهتدي بما يقوله صلى الله عليه وسلم.
فكانت تكثر من الصلاة في المسجدن النبوي لأنها سمعت النبيﷺ يقول : «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيها سواء إلا المسجد الحرام» . وظلت أمنا ميمونة رضوان الله عليها في البيت النبوي، وظلت مكانتها رفيعة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما اشتد المرض بالنبي صلى الله عليه وسلم نزل في بيتها، ثم انتقل إلى بيت عائشة رضي الله عنها ليمرض هنالك فرحبت أم المؤمنين ميمونة بذلك ونقل إلى بيت عائشة.
روت أم المؤمنين عائشة هذا فقالت : أول ما اشتكى رسول الله ﷺ في بيت ميمونة، فاستأذن أزواجه أن يمرض في بيتي، فأذن له.
وانتقل الرسول الكريم إلى الرفيق الأعلى، وهو راض عن زوجاته الطاهرات، وكن تسعاً.
وقد نظم بعض العلماء زوجات النبي ﷺ اللاتي مات عنهن فقال:
توفي رسول الله عن تسع نسوة
إليهن تعزى المكرمات وتنسب
فعائشة وميمونة وصفية
وجويرية مع سودة ثم زينب
كذا رملة مع هند أيضاً وحفصة
ثلاث وست نظمهن مهذب

ويبدو أن كبار شعراء العلماء قد أغرموا في هذا الفن العظيم، فتباروا فيها بينهم في نظم أسماء النبي صلى الله عليه وسلم، وأسماء زوجاته، وبناته، وأولاده، وصحبه المبشرين بالجنة، وكذلك أسماء من كان يشبهه، أو أسماء الخلفاء وغير ذلك.
فقال أحدهم وقد أدلى دلوه في هذا المجال، فنظم أسماء نساء النبي ﷺ اللواتي بقين بعده ومات عنهن فقال: توفي رسول الله عن تسع نسوة
وهن ابنة الصديق رملة حفصة
جويرية هند وزينب سودة
وميمونة والمصطفاة صفية

وهذا الباب طويل يحتاج إلى كتاب وحده.

ميمونة وابن أختها
لما كان عام الوفود، قدم وفد بني هلال بن عامر، رهط أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها، وقدم في وفدهم عبد عوف بن أصرم، فأسلم وسماه رسول الله ﷺ عبد الله، وقبيصة بن مخارق الذي له حديث في الصدقات.
وذكر في وقد بني هلال زياد بن عبد الله بن مالك العامري، فلما دخل المدينة المنورة، قصد منزل خالته ميمونة بنت الحارث، فدخل عليها، فلما دخل رسول الله ﷺ منزله راه فغضب ورجع. فقالت له ميمونة : يا رسول الله، إنه ابن أختي، فدخل صلى الله عليه وسلم، ثم خرج إلى المسجد، ومعه زياد فصلى الظهر، ثم أدنى زياداً، فدعا له، ووضع يده على رأسه ثم حدرها على طرف أنفه، فكانت بنو هلال تقول: ما زلنا نتعرف البركة في وجه زياد من مسح رسول الله ﷺ على وجهه.
وفي هذه البركة قال أحد الشعراء لعلي بن عبد الله هذا :
إن الذي منح الرسول برأسه
ودعا له بالخير عند المسجد
أعني زياداً لا أريد سواءه
من عابر أو متهم أو منجد
ما زال ذاك النور في عرنينه
حتى تبوأ بيته في ملحد

ميمونة وشَهَادَةُ الإِيمَانِ والتَّقْوَى
عكفت أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها على العبادة والصلاة في البيت النبوي، وراحت تهتدي بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت تكثر من الصلاة والوقوف بين يدي الله عز وجل آناء الليل وأطراف النهار.
وفي البيت النبوي الطاهر، راحت أمنا ميمونة تقتبس أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، وتسير على الطريق الذي أمر به، وكانت شديدة غاية الشدة فيها يتعارض مع حدود الله عز وجل، ولعل تطبيق الحدود الإلهية من أجل ما كانت تحاول أم المؤمنين ميمونة تطبيقه والحض عليه.
ذكر ابن سعد – رحمه الله – أن ذا قرابة لميمونة أم المؤمنين رضي الله عنها، قد دخل عليها ذات يوم، فوجدت منه ريح شراب فقالت وقد أخذها الغضب الله : والله لئن لم تخرج إلى المسلمين، فيقام عليك الحد بالجلد، لا تدخل علي أبداً بعد هذا اليوم، وأمرته بالخروج فخرج.
وهذا الموقف يشير إلى تمسك أمنا ميمونة بأوامر الله سبحانه وتعالى، وتطبيق السنة المطهرة، فلا يمكن لها أن تحابي قرابتها في تعطيل حد من حدود الله تعالى .. وقد زكى رسول الله ﷺ إيمان ميمونة وشهد لها ولأخواتها بالإيمان، وحسن الثقة بالله سبحانه، فقد أوردت المصادر الوثيقة بإسنادها إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال النبي : «إن الأخوات لمؤمنات»، وفي لفظ : «الأخوات مؤمنات» ميمونة – زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وأم الفضل، وسلمى – امرأة حمزة – وأسماء بنت عميس أختهن لأمهن.
وشهدت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها الميمونة بصفات كريمة، منها التقوى، وصلة الرحم، فقد قالت في حقها بعد وفاتها : ذهبت والله ميمونة، أما إنها كانت من أتقانا الله، وأوصلنا للرحم.

مِنْ حَافِظَاتِ وَرَاوِيَاتِ الحَدِيثِ
نستطيع أن نقول : إن أمنا ميمونة بنت الحارث واحدة من أمهات المؤمنين اللاتي نقلن لنا حديث رسول الله ﷺ.
هذا وقد كانت أم المؤمنين ميمونة ممن وعين الحديث الشريف، وتلقينه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت حافظة متقنة، وتشير أخبارها التي وصلتنا بأنها شديدة التمسك بالهدي النبوي، وبالآثار والشمائل المحمدية، ومنها حفظ الحديث النبوي الشريف، وروايته، ونقله إلى أئمة العلماء الذين كانوا يقصدون المدينة المنورة، ليأخذوا الحديث عن أمهات المؤمنين، وعن كبار الصحابة الذين عنوا براوية الحديث.
هذا وقد كانت أم المؤمنين ميمونة من الحافظات المكثرات لرواية الحديث النبوي الشريف من أمهات المؤمنين الطاهرات، ولم يسبقها في هذا سوى أم المؤمنين عائشة التي روت (۲۲۱۰) أحاديث، وأم سلمة أم المؤمنين التي روت (۳۷۸) حديثاً، ثم تأتي ميمونة التي روت عن رسول الله ﷺ (٧٦) حديثاً .
وقد أخرج لها منها في الصحيحين ثلاثة عشر حديثاً، المتفق عليه منها سبعة، وانفرد لها البخاري بحديث واحد بينما انفرد مسلم بخمسة أحاديث.
هذا، ولم يحدد الإمام الذهبي – رحمه الله – أحاديث أمنا ميمونة، وإنما قال : روت عدة أحاديث.
روى عن ميمونة رضي الله عنها أولاد أختها الأربعة وهم : عبد الله بن عباس، وعبد الله بن شداد بن الهاد وعبيد بن السباق، ويزيد بن الأصم.
كما روى عنها عبد الرحمن بن السائب الهلالي، وكريب مولى ابن عباس وربيبها عبيد الله الخولاني، ومولاها: سليمان بن يسار، وأخوه، عطاء بن يسار، ومولاتها : ندبة، والعالية بنت سبيع وغيرهم .
ومما رواه لها الإمام البخاري وغيره بسند عن عبد الله بن شداد عن ميمونة، قالت: كان النبيﷺ يصلي على الحمرة.
وأخرج لها البخاري أيضاً في صحيحه بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما عن ميمونة أن رسول الله ﷺ سُئل عن فأرة سقطت في سمن فقال: «ألقوها، وما حولها فاطرحوه، وكُلُوا سمنكم»
قالت : ومما أخرجه أبو يعلى وغيره بسند عن ابن عباس، عن ميمونة زوج النبي ﷺ أصبح النبي ﷺ خَائِراً، ثم أمسى وهو كذلك، ثم أصبح وهو كذلك.
قالت: فقلت: يا رسول الله، ما لي أراك خائراً؟ قال : «إن جبريل – عليه السلام – واعدني أن يأتيني، وما أخلفني».
قال : فنظروا فإذا جرو كلب تحت نضد لهم، فأمر النبي ﷺ بذلك المكان فغسل  بالماء، قال: وجاءه جبريل – عليه السلام – فقال له النبي ﷺ : «واعدتني أن تأتيني وما أخلفتني !» فقال له جبريل – عليه السلام : أو ما علمت أنا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا صورة .
ومما أخرجه ابن ماجه في سننه بسنده عن عمران بن حذيفة عن أم المؤمنين ميمونة قال: كانت تدان ديناً، فقال لها بعض أهلها لا تفعلي، وأنكر ذلك عليها.
قالت: بلى، إني سمعت نبيي وخليلي يقول : ما من مسلم يدان ديناً يعلم الله منه أنه يريد أداءه، إلا أداه الله عنه في الدنيا.
تلكم صورة من صور روايات الحديث الشريف التي دونتها كتب الحديث لأمنا ميمونة رضوان الله عليها، ولا يمكن لنا أن نستقصي مروياتها لضيق المجال.

الأَيَّامُ الْأَخِيرَةُ وَذِكْرَيَاتٌ عَزِيزَةً
كانت أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها، قد عاشت الخلافة الراشدة، وهي تحظى باحترام الخلفاء والعلماء، وامتدت بها الحياة إلى خلافة معاوية رضي الله عنه .
قال الإمام الذهبي – رحمه الله -: توفي سنة إحدى وخمسين رضي الله عنها .
كانت أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها، وفي زيارة لمكة المكرمة في سنة وفاتها، ولكن رسول الله ﷺ كان قد أخبرها أنها لا تموت بمكة .
روى هذا الأثر ابن أخيها يزيد الأصم قال : ثقلت ميمونة زوج النبي ﷺ بمكة، وليس عندها من بني أخيها، فقالت : أخرجوني من مكة، فإني لا أموتُ بها، إن رسول الله ﷺ أخبرني أني لا أموت بمكة.
قال : فحملوها حتى أتوا بها سرف إلى الشجرة التي بني بها رسول الله ﷺ تحتها في موضع القبة.
قال : فماتت؛ فلما وضعناها في لحدها أخذت ردائي فوضعته تحت خدها في اللحد، فأخذه ابن عباس فرمی به .
وعن عطاء – رحمه الله – قال : توفيت ميمونة بسرف، فخرجت مع ابن عباس إليها، فقال: إذا رفعتم نعشها، فلا تزلزلوها ولا تزعزعوها .
وفي رواية : ارفقوا بها، ولا تزعزعوا فإنها أمكم، وموضعها من رسول الله ﷺ موضعها.
وهكذا جعل الله عز وجل المكان الذي تزوجت به ميمونة هو مثواها الأخير.
قال يزيد بن الأصم : دفنا ميمونة بسرف في الظلة التي بنى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا وقد صلى على جنازتها سيدنا عبد الله بن عباس، ودخل قبرها هو ويزيد بن الأصم وعبد الله بن شداد بن الهاد وهم أولاد أخواتها، ونزل معهم عبيد الله الخولاني، وكان يتيماً في حجرها.
تلكم هي أمنا ميمونة بنت الحارث الهلالية، آخر حبات العقد الفريد، العقد النبوي الطاهر المطهر، وإحدى أمهات المؤمنين اللواتي ينضوين تحت قول الله تعالى : {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} [الأحزاب: ۳۳].

(نساءُ أهل البيت في ضوء القرآن والحديث)

شارك هذا المقال:

مقالات مشابهة