أم المؤمنين زینب بنت خزیمة رضي الله عنها

ـ من النساء اللواتي اشتهرن بالبر والإحسان.
ـ كانت تُدعى «أم المساكين لكثرة معروفها وإحسانها، وصدقاتها إلى المساكين .
ـ تزوجها النبي ﷺ بعد غزاة أحد.
ـ رحلت إلى ربها في هدوء الأبرار وصمت العابدين.
ـ توفيت سنة (٤هـ) وهي أول نساء النبي وفاة بالمدينة ودفنت بالبقيع رضي الله عنها .

من أبواب الخير

المسلم الحق أولى الناس بحياة سعيدة طيبة، لأن المسلم – رجلاً كان أو امرأة – لا ينفرد بالخير لنفسه، بل يعتبر من حوله شريكه في الخيرات، وهذه المشاركة تضفي على النفس البشرية صفاء ونقاء تجعلها تحيا حياة طيبة في ظلال الخيرات . يقول عباس محمود العقاد – رحمه الله – : إن من يحيا، يجب أن يعيش في كل صورة من صور الحياة، ويشتهي أن يبسط ظله على كل موجود، ويمد شعوره إلى كل مكان، ويتخلل بنفسه كل نفس ، وينفذ بسريرته إلى كل زاوية من زوايا هذا الكون، ويجعل لحياته مساحة هي مساحة هذا العالم الذي لا حد له، ولا نهاية لأشكاله وأزمانه من يحيا يعز عليه ألا يجد سوقاً ينفق فيها حياته، كما يعز على الغني ألا يجد متاعاً يشتريه بماله ). ومن ألف عمل المعروف والخيرات، كافأه الله عز وجل بإدامة ثوابها عليه، ومن تعود على الإحسان، وعمل الخيرات، يشعر بإلحاح في نفسه، لمتابعة المسير في هذا الطريق الكريم.
وقد أشار القرآن الكريم، إلى كثرة منافذ الخير التي يجب أن يسير عليها المسلم مهتدياً بمنهج ربه عز وجل، حيث رغبه في ثواب الله عز وجل، إذ إنه سبحانه لا يهمل المكافأة على أي خير مهما قل أو صغر، قال تعالى : {وما تفعلوا من خير يعلمه الله} [البقرة: ۱۹۷] وقال أيضاً : {فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره} [الزلزلة : ٧].
وضيفة حلقتنا اليوم واحدة من نساء أهل البيت النبوي الطاهرات اللاتي أكرمهن الله عز وجل، وفضلهن على غيرهن من النساء.
وهي إحدى النسوة اللواتي اشتهرن بالإحسان، وحلقن في سمائه، فكتب لها الخلود، وكتبت في سجل الخالدين؛ لا بل، نظمت في عقد أمهات المؤمنين، ونالت شرف أمومة المؤمنين، ودخلت رحاب البيت النبوي الطاهر.
زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد الله الهلالية أم المؤمنين، هي التي نتحدث عنها في الصفحات.
هذه المرأة الكريمة كانت – وظلت – تُدعى أم المساكين لكثرة معروفها وإحسانها إليهم، {وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان} [الرحمن : ٦٠].
فهل يمكننا أن نلقي الضوء على سيرة حياة أم المؤمنين زينب بنت خزيمة، كيما نوفيها بعض الإحسان؟ وهل نستطيع أن نعيش سعداء في ظلال حياتها المعطاء في البيت النبوي العظيم ؟! ذلك ما نرجو الله عز وجل أن يكرمنا بالحديث عن سيرتها .

حَيَاتُهَا قَبْلَ دخولها البيت النبوي

يبدو أن زينب بنت خزيمة قد ولدت في أم القرى بمكة قبل البعثة النبوية بثلاث عشرة سنة تقريباً، ولما أيفعت زينب أشرقت مكة بنور الإسلام فسارعت زينب إلى الانضمام لثلة الأولين الذين نعموا بأفياء الإيمان بالله ورسوله.
أما عن زواج زينب بنت خزيمة، فهناك أقوال أشهرها ما قاله الزهري – رحمه الله – أنها كانت زوجاً لعبد الله بن جحش، وقتل عنها في يوم أحد.
وقيل : كانت زوجة للطفيل بن الحارث، ثم خلف عليها أخوه الشهيد عبيدة بن الحارث المطلبي .
ولا نستطيع أن نجزم في هذه الأقوال شيئاً، أو أن نرجح أحد الأقوال، لأننا لا نمتلك السند الوثيق في هذا المجال؛ ويمكنني أن أضع القارىء الكريم أمام آراء المؤرخين، وكتاب السيرة ، والتراجم حتى نقترب معاً من ضوء الحقيقة – إن استطعنا ذلك … فقد روى الطبراني – رحمه الله – برجال الصحيح عن محمد بن إسحاق – رحمه الله – قال : تزوج رسول الله ﷺ زينب بنت خزيمة الهلالية أم المساكين – كانت قبله عند الطفيل بن الحارث – بالمدينة .
وقريب من هذا ما أورده ابن الكلبي قال : كانت زينب بنت الحارث عند الطفيل بن الحارث، فطلقها، فتزوجها أخوه عبيدة بن الحارث، فقتل يوم بدر شهيداً ثم خلف عليها رسول الله ﷺ في رمضان على رأس أحد وثلاثين شهراً من الهجرة . بعد حفصة بنت عمر رضي الله عنهما.

زينب من أمهات المؤمنين

في السنة الثالثة كانت غزاة أحد، وفي هذه الغزوة استشهد رجال كرام أعزاء من الصحابة الكرام رضي الله عنهم، وتركوا ما تركوا الله عز وجل ابتغاء مرضاته وابتغاء رضوانه وجنته التي وعدهم. أما المسلمون من الصحابة الكرام، فلم يتركوا أزواج الشهداء وذريتهم للضياع، أو لجور الأيام، وإنما راح كل قادر منهم يضم إليه زوجة شهيد وأبناءه، كيما يمسح عن قلوبهم ألم الفراق، وألم اليتم.
نتذكر – هنا – حمنة بنت جحش رضي الله عنها، وقد ولولت على زوجها مصعب بن عمير رضي الله عنه وقالت واحزناه، ويسمعها رسول الله ﷺ فقال : إن للزوج من المرأة مكاناً ما هو لأحد، وعندئذ قال لها : ولم قلت هذاء؟ قالت حمنة رضي الله عنها : يا رسول الله، ذكرت يتم بنيه فراعني فدعا لها رسول الله ﷺ ولولدها، أن يُحسن الله تعالى عليهم الخلف، فتزوجت طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، فكان أوصل الناس لولدها. وممن استشهد في أحد زوج زينب بنت خزيمة الهلالية، فكانت دائمة الحزن عليه، ونظرت فرأت نفسها وحيدة حزينة في المدينة المنورة، وليس لها من معيل، أو معين، أو عون، سوى الله عز وجل.
إلا أن زينب بنت خزيمة رضي الله عنها كانت موصولة القلب بالله عز وجل، وتدرك أن الله عز وجل لن يضيعها، فأسلمت إليه أمرها، واستسلمت لقضائه وقدره .
انقضت عدة زينب بنت خزيمة، فلم تشعر إلا ورسول الله ﷺ جاء يخطبها، وحينذاك جعلت أمرها إليه ، فالرسول الكريم هو خير من يتولى أمرها ويرعى شأنها.
هذا وقد أصدقها النبي الكريم أربعمئة درهم، وبني لها حجرة إلى جوار حجرة عائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر رضي الله عنهم جميعاً، وذلك قرب المسجد النبوي الشريف.
وبهذا اقتعدت زينب بنت خزيمة رضي الله عنها مكانة مباركة عالية، حيث أضحت إحدى أمهات المؤمنين، وإحدى اللواتي أَذْهَب الله عنهنَّ الرِّجْسَ وجعلهن من صفوة نساء الدنيا كمالاً ، وديناً، وصيانة، وعفة، وحلماً، وكرماً.

أَمُّ الْمُؤْمِنِينَ وَأَمُ الْمَسَاكِينُ

في رحلة الإيمان، ورحلة العطاء والكرم ، تسجل أم المؤمنين زينب رضي الله عنها فضائل جليلة، في صفحات البيت النبوي الكريم، إذ أثر عنها أنها كانت أماً للمساكين بالإضافة إلى كونها أم المؤمنين رضي الله عنها .
ويبدو – والله أعلم – أن كنية زينب بنت خزيمة بأم المساكين، كنية قديمة، قد تعود إلى ما قبل هجرتها إلى المدينة المنورة، فقد كانت تعرف بأم المساكين قبل قدومها المدينة، ولعل خير ما يؤيد هذا ما ذكره ابن أبي خيثمة – رحمه الله – قال : كانت زينب بنت خزيمة الهلالية تسمى أم المساكين في الجاهلية.
وقال البلاذري – رحمه الله – : وكنيت بذلك في الجاهلية – أي أم المساكين … وقال القسطلاني – رحمه الله – كانت تدعى في الجاهلية أم المساكين.
وروى الطبراني – رحمه الله – برجال ثقات عن الزهري – رحمه الله – قال : تزوج رسول الله ﷺ زينب بنت خزيمة الهلالية، وهي أم المساكين، سميت بذلك لكثرة إطعامها المساكين .
وقال محمد بن إسحاق – رحمه الله – في السيرة : تزوج رسول الله ﷺ زينب بنت خزيمة الهلالية ” – أم المساكين – وقال ابن كثير – رحمه الله – عنها : وهي التي يقال لها : أم المساكين، ولكثرة صدقاتها عليهم، وبرها لهم، وإحسانها إليهم ” .
نعم، لقد كانت أمنا زينب بنت خزيمة رضي الله عنها، من أرحم وأرق النساء للفقراء والمساكين في الجاهلية، وفي الإسلام، وزادت من حنانها عليهم، بعد أن أنعم الله عليها بنعمة الإيمان ، وبعد أن أكرمها الله بدخول البيت النبوي الطاهر، لكي تصبح من أمهات المؤمنين الطاهرات رضي الله عنهن .
إن هذه الصفة الكريمة – أم المساكين – تزيد من رصيد أمنا زينب بنت خزيمة في عالم نساء أهل البيت النبوي الطاهر، فالإحسان إلى المساكين، والعطف عليهم ، والرأفة بهم، يشير إلى خيريتها، وإلى كرمها الفياض الذي جعلها أماً للمساكين في المدينة المنورة، تحنو عليهم وترعاهم، فقد تعودوا على نوالها وكرمها، وهذا ما يجعلها في صنف الخالدات وفي صف الفضليات، وفي عالم الكرم والكرماء.

أم المساكين وعَائِشَةُ وحَفْصَة

كانت السيدتان النبيلتان عائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر رضي الله عنهم، أسبق من زينب أم المساكين إلى دخول البيت النبوي الطاهر الكريم ؛ وكان لهاتين الكريمتين : عائشة وحفصة مكانة كبرى، ومنزلة عظمى، عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك لم تستشعر عائشة، ولا حفصة نحو الوافدة الجديدة زينب بنت خزيمة أية غيرة، أو أي شيء من دوافع الغضب الأنثوي.
كانت كل من أمنا عائشة، وأمنا حفصة رضي الله عنهما، تعرف وتدرك أن رسول الله ﷺ قد تزوج زينب بنت خزيمة أم المساكين، وضمها إلى البيت النبوي رحمة منه وعطفاً، وكانتا تعلمان أيضاً أن رسول الله ﷺ ما ينطق عن الهوى، وربما تزوجها بوحي من الله سبحانه وتعالى.
وأما زينب بنت خزيمة أم المساكين، فلم تكن راغبة هي الأخرى في منافسة عائشة وحفصة اللتين سبقتاها إلى بيت النبي الكريم .
كانت زينب بنت خزيمة عليها سحابات الرضوان، تعيش في عالم العطف والمودة والحنان، وتعيش في دفء الإسلام وعظمته، فكانت تحس سعادة عظيمة في رحمة المساكين، وفي رقتها عليهم، ورفقها بهم، والإحسان إليهم، فجعلت وقتها كله في عبادة الله عز وجل، ثم في رعاية ثلة المساكين وإطعامهم، والتصدق عليهم، ولهذا غلب عليها تسمية أم المساكين ، وناهيك بهذه التسمية الفضلى الفواحة بأريج الحنان! نعم لقد كانت أمنا زينب بنت خزيمة رضي الله عنها خيرة من الخيرات، طيبة من ذوي النفوس الطيبة، وما كان يخرج من حجرتها إلا الصدقات، وإلا الطاعات، فأكرم وأعظم بذلك! كانت رضي الله عنها قريرة العين مطمئنة القلب، بأن أصبحت زوج رسول رب العالمين محمد ﷺ، وهل فوق هذا من فضل أو مفخر ؟! فما كانت الغيرة تعرف إلى نفسها سبيلا، وما كانت الغيرة تنهش فؤادها، فهي سعيدة راضية بأن أصبحت أم المؤمنين، وأضحت أم المساكين، وقد غمرت أهل الصفة، أولئك الأبرار الذين انقطعوا للعبادة والمناجاة في المسجد النبوي الطاهر، وعملوا على حراسة الحبيب المصطفى ؛ غمرت هؤلاء ببرها، وعطفها، وخيرها، وكرمها، وإحسانها، حتى لهج جميعهم بالدعاء لها، والثناء عليها رضي الله عنها .

إلى دار السلام

لم يطل مقام زينب بنت خزيمة أم المساكين في البيت النبوي، ولم تكن حياتها طويلة مع أمهات المؤمنين الطاهرات رضي الله عنهن، فما كادت تمضي بضعة شهور حتى علا الوجوم والحزن وجوه من كانوا في المسجد النبوي الشريف، فقد خرج ذات يوم من دار النبي ﷺ، من أعلن للملأ أن زينب بنت خزيمة أم المساكين قد لحقت بربها .
لقد دخلت زينب بنت خزيمة رضي الله عنها بيت رسول الله ﷺ، في هدوء الأبرار وصمت العابدين، وخرجت في صمت الخاشعين، لتدفن في البقيع إلى جوار الأبرار الأخيار الذين سبقوها إلى دار السلام، ولنعم دار المتقين الجنة … هذا وقد نكأ موت زينب أم المساكين جرح قلب الحبيب المصطفى ، إذ تذكر بموت أم المساكين زوجه الطاهرة سيدة نساء العالمين خديجة بنت خويلد التي كانت له وزير صدق على الدوام، وأول أمهات المؤمنين، وأحبهن إلى قلبه الشريف، حاضنة الإسلام وصديقة المؤمنات الأولى رضي الله عنها وأرضاها .
لقد توفيت أم المساكين، ولم ترو شيئاً عن النبي ﷺ . قال الذهبي – رحمه الله – وما روت شيئاً).
وقال ابن الجوزي – رحمه الله – : وما نعلمها أسندت شيئاً”.
ولعل هذا يعود إلى انشغالها بأحوال المساكين، وإلى قلة مكنها في بيت رسول الله ﷺ. روى الطبراني – رحمه الله – قال : وتوفيت – أم المساكين – ورسول الله ﷺ حي، لم تلبث معه إلا يسيراً”. توفيت أم المؤمنين وأم المساكين في ربيع الآخر في السنة الرابعة من الهجرة المباركة، وكان مثواها الأخير في البقيع في المدينة المنورة .
وكانت عندما توفيت في ريعان الشباب، فقد ذكرت المصادر، أنها ماتت وعمرها حول الثلاثين. وفي الطبقات، أخرج ابن سعد – رحمه الله – ما يتوافق مع هذا عن شيخه محمد بن عمر قال : سألت عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما : من نزل في حفرتها ؟ فقال : إخوة لها ثلاثة .
قلت : كم كان سنها يوم ماتت؟
قال : ثلاثين سنة أو نحوها .
وكانت أم المساكين، أول نساء النبي ﷺ موتاً بالمدينة، وقد توفيت أم المؤمنين خديجة قبلها في مكة.
هذا وقد فازت زينب بنت خزيمة بوفاتها في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصلاة عليها، والدعاء لها ولم يمت من زوجاته بالمدينة غيرها في حياته .

رضي الله عن أمنا زينب بنت خزيمة، وأكرم مثواها، فهو الكريم الرحيم وجزاها بالحسنى فهو القائل في كتابه العزيز : {ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى} [ النجم : ۳۱] وجعلها في عليين مع الأبرار والصالحين، وأدخلنا معها ومع أهل البيت النبوي الطاهر في رحمته، إن ربي غني كريم. والحمد لله أولاً وآخرا.

(نساءُ أهل البيت في ضوء القرآن والحديث )

شارك هذا المقال:

مقالات مشابهة