ضرار بن الخطاب القرشي الفهري فاتح “مَاسَبَدان” في إيران

نسبه وأيامه في الجاهلية

هو ضرار بن الخطاب بن مرداس بن كثير بن عمرو بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر القرشي الفهري. كان أبوه الخطاب بن مرداس رئيس بني فهر في زمانه، وكان يأخذ المرباع لقومه، وكان ضرار بن الخطاب يوم الفجار على بني محارب بن فهر، وكان من فرسان قريش و شجعانهم وشعرائهم المطبوعين المجودين، حتى قالوا: ضرار بن الخطاب فارس قريش وشاعرهم.
قاتل المسلمين أشد القتال: قاتلهم يوم ( بدر ) قتالا مريرا ورثي قتلى قريش في بدر ( رثاء حارا )، وقاتلهم يوم ( أحد ) فلحق عمر بن الخطاب وجعل يضربه بعرض الرمح ويقول: « انج يا ابن الخطاب لا اقتلك »، فكان عمر بن الخطاب يعرفها له بعد إسلامه؛ وهذا يدل على حبه لعمر ابن الخطاب وتقديره له على الرغم من اختلافهما بالعقيدة، ولولا ذلك لقتله كما قتل غيره من المسلمين؛ فقد اختلف الأوس والخزرج فيمن كان أشجع ( أحد ) ، ، فمر بهم ضرار فقالوا: هذا شهدها وهو عالم بها، فسألوه عن ذلك فقال: ( لا أدري ما أوسكم من خزرجكم، ولكني زوجت منكم يوم ( أحد ) أحد عشر رجلا من الحور العين).

وقاتل المسلمين يوم ( الخندق )، فكان أحد الأربعة الذين وثبوا الخندق، وكان أحد قادة قريش يوم ( الخندق ) يهاجم مواضع المسلمين بين حين وآخر ويجعل خيله فيها ويناوش أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقدم رماته فيرمون. قال ضرار يوما لأبي بكر الصديق: نحن خير لقريش منكم: أدخلناهم الجنة وأنتم أدخلتموهم النار. يريد : أنه قتل المسلمين فدخلوا الجنة، وقتل المسلمون الكفار من قريش فأدخلوهم النار والحق أنه كان شديد العداوة للدين الحنيف، فكان عنيفا في خصومته له ولمعتنقيه، ولولا أن الاسلام يجب ما قبله لكان حسابه عند الله عسير .


إسلامه

أسلم ضرار يوم فتح مكة فحسن إسلامه، فلما التحق الرسول. صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى وارتدت العرب، ثبت ضرار وأهل مكة على الإسلام، فكان أهل مكة من الدعامات القوية التي دافعت عن حياض الإسلام.


جهاده

شهد ضرار يوم ( اليمامة ) تحت راية خالد بن الوليد. انتهت حروب الردة توجه خالد إلى العراق وكان ضرار مع قوات خالد، فشهد كل معارك العراق التي خاضها خالد هناك، وكان هو الذي حاصر قصر ( الفريين ) في فتح الحيرة. وتحرك ضرار مع خالد إلى أرض الشام بعد نقله اليها من العراق، فقد كان ضرار من جملة من اختاره خالد ليعاونه في مهمته الجديدة، فشهد تحت لواء خالد كافة معاركه في طريقه من العراق الى أرض الشام، كما شهد معه معركة ( اليرموك ) الحاسمة، وشهد مع أبي عبيدة بن الجراح فتح الشام. وعاد ضرار إلى العراق مع هاشم بن عتبة الزهري فشهد ( القادسية ) وفي هذه المعركة غنم ضرار علم الفرس الأكبر، فعوض منه ثلاثين ألفا، وكانت قيمته ألف ألف ومائتي ألف! وشهد ضرار فتح ( المدائن ) القديمة على الضفة الغربية من النهر، فلما رأى ضرار من المدائن القديمة إيوان كسرى في الضفة المقابلة من النهر، نادى بأعلى صوته: « الله اكبر ! هذا أبيض كسرى هذا ما وعد الله ورسوله»، وكبر ضرار وكبر الناس معه.

وشهد ضرار تحت لواء هاشم بن عتبة الزهري معركة ( جلولاء )، فلما رجع هاشم منتصرا من (جلولاء ) الى ( المدائن ) بلغ سعد بن أبي وقاص، أن الهرمزان قد جمع جمعا من القوات الفارسية في سهل ( ماسبذان )، فكتب بذلك إلى عمر بن الخطاب، فكتب عمر : « ابعث إليه ضرار بن الخطاب في جند، واجعل على مقدمته الهذيل الأسدي وعلى مجنبتيه عبد الله بن وهب الراسبي حليف ( بجيلة ) والمضارب بن فلان العجلي »، فخرج ضرار بمن معه حتى انتهى إلى سهل ماسبذان والتقى بالفرس. وأسرع المسلمون في الهجوم على الفرس وأخذ ضرار قائدهم أسيرا ، فانهزم عنـه جيشه وتفرقوا في الجبال المحيطة بالمنطقة، فدعاهم ضرار فاستجابوا له. وأقام ضرار بماسبذان حتى تحول سعد بن أبي وقاص من المدائن الى الكوفة، فأرسل إلى ضرار فنزل الكوفة واستخلف على (ماسبذان).

وقد كان فتح ماسبذان بعد فتح ( حلوان ).

الشاعر

كان ضرار من شعراء قريش المطبوعين المجودين ولم يكن في قريش أشعر منه. كان عبد الرحمن بن عوف في طريقه إلى مكة، فقال لرجل: « غننا ! » ، فقال عمر بن الخطاب: إن كنت آخذا فعليك بشعر ضرار بن الخطاب، مما يدل على إعجاب الناس، وعلى رأسهم عمر بن الخطاب بشعر ضرار المتين .

وشعره الذي بين أيدينا كثير لا مجال لذكره هنا، وسنورد بعض ما قاله في الجاهلية وفي إسلامه وفي فتوحاته كنماذج فقط لشعره الرائع، فمن شعره في الجاهلية، قوله في مدح أم غيلان التي أراد قومها قتـل ولدها غيلان فقامت دونه وخلصته من القتل:

جزى الله عنا أم غيلان صالحــا ونسوتها إذ هن شعث عواطل

فهن دفعن الموت بعد اقترابه وقد برزت للثائرين المقاتل
دعت دعوة ( دوساً ) فسالت شعابها بعز وأدتها الشراج القوابل
وعمرا جزاه الله خيرا فما . ونى. وما بردت منه لدي المفاصل
فجردت ثم قمت بنصله .. وعن أي نفس بعد نفسي أقاتل

وقال يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم بعد الفتح :

يا نبي الهدى إليك لجــا حي قريش وأنت خير لجاء
حين ضاقت عليهم سعة الأرض وعاداهم إله السماء
والتقت حلقتا البطان على القوم ونودوا بالصيلم الصلعاء
إن سعدا یرید قاصمة الظهر بأهل الحجون والبطحاء

وقال في أسر قائد الفرس في معركة ( ماسبذان ):

ويوم حبسنا قوم ( آذین ) جنده وقطراته عند اختلاف العوامل
وزرد وآذيناً وفهداً وجمعهم غداة الوغى بالمرهفات الصواقل
فجاءوا إلينا بعد غب لقائنا بماسبذان بعد تلك الزلازل

لقد كان ضرار شاعراً فحلا ، لا تقل شهرة شعره عن شهرة فتوحاته.


الإنسان

لا نعلم شيئا عن أعمال ضرار العامة بعد الفتح، فقد سكت عنه التاريخ سكوتا مطبقا بعد أن كان ملء السمع والبصر شاعرا وفارسا وفاتحا. لقد كان في الجاهلية رئيسا لقومه، وَرث الرئاسة عن أبيه، ولكنه كان أهلا لها؛ فقد كان شاعر قريش كلها دون منازع تفخر به بين العرب، وكان شجاعا يحمي الذمار كريما مضيافا وشهما غيورا .

وكان في جاهليته عنيفا في عدوانه للمسلمين: حاربهم بلسانه وسيفه حربا لا هوادة فيها؛ ولكنه بعد إسلامه سخر لسانه وسيفه لحماية الإسلام ولنشره في البلاد

وقد اختلف المؤرخون في موعد موته، فذكر بعضهم أنه قتل في اليمامة شهيدا، وهذا غير صحيح بالطبع، لأنه عاش وشهد المعارك التي ذكرناها جنديا وقائدا في عهد عمر بن الخطاب، وقد قال عمر لأم جميل التي حمت ضرارا من القتل في أيام الجاهلية، وقد أتته وهي ترى أنه أخو ضرار : ” إني لست بأخيه إلا في الإسلام، وهو غاز وعرفت منتـك عليه”.

وذكر بعضهم أنه قتل شهيدا في معركة ( أجنادين )، وهذا غير صحيح أيضا، لأن هذه المعركة كانت في سنة ثلاث عشرة للهجرة، وفي رواية أخرى: أنها كانت في سنة خمس عشرة للهجرة، بينما شهد ضرار معارك كثيرة كانت بعد هذين التاريخين كما أسلفنا – يكفي أن تذكر: أنه كان قائد المسلمين يوم فتح ( ماسبذان ) التي كانت سنة ست عشرة للهجرة.

والثابت أنه كان حيا سنة سبع عشرة للهجرة (638 م)، إذ أن سعد ابن أبي وقاص استدعاه فنزل الكوفة، وكان قبل ذلك واليا على ( ماسبذان )، ثم انقطعت أخباره بعد هذا التاريخ.

والظاهر أنه توفي . حوالي سنة سبع عشرة للهجرة أو بعدها بقليل، إذ أنه شهد حرب الفجار التي كانت بعد عام الفيل بعشرين سنة، وعام الفيل كان سنة (570م) لأن النبي صلى الله عليه وسلم ولد في عام الفيل، وقد كان ضرار في حرب الفجار قائداً لعشيرته ومعنى ذلك أنه كان كبير السن، يوم الفجار لا يقل عمره عن العشرين عاما، فليس من المعقول أن يطول عمر ضرار أكثر سبع عشرة للهجرة، لذلك أرجح أنه توفي حوالي سنة حوالي سينة عشرة للهجرة (638م).

القائد


كان ضرار من فرسان قريش وشجعانهم، وأبرز ما في قيادته شجاعته الفائقة التي تستهين بالأخطار. وكان في شجاعته وإقدامه مثالا رائعا لرجاله، يثير نخوتهم ببطولته الشخصية النادرة وبشعره الحماسي المتين؛ وقد ظهر أثر لسانه وسيفه واضحا عندما قاد جيشا من المسلمين لفتح منطقة ( ماسبذان )، إذ لم يكد يعرف موضع القطعات الفارسية إلا وانقض عليهم بسرعة خاطفة وانقض هو بنفسه على قائد الفرس فأخذه أسيرا، فانهارت مقاومة الفرس وتركوا ساحة المعركة هاربين!

إن مفتاح مزايا قيادة ضرار هو شجاعته النادرة، وكان قد مارس الحروب في الجاهلية والإسلام مدة طويلة، فأصبحت خبرته في مكابدة العدو ومعرفته أسهل الطرق للقضاء عليه مع ذكائه اللماح، كل ذلك من العوامل البارزة لقابليته على إعداد الخطط العسكرية الصحيحة الدقيقة وإعطاء القرارات السريعة السليمة. كما أنه كان يطبق في معاركه بمقدرة فائقة مبدأ ( المباغتة ) أهم مبادىء الحرب على الإطلاق. وكان بالاضافة إلى كل ذلك، ذا إرادة قوية وشخصية نافذة، يسبق النظر ويحسب لكل شيء حسابه، يثق برجاله ويحبهم ويثقون به ويحبونه، يتحمل المسؤولية الكاملة بلا خوف ولا تردد، له ماض في البطولات مشرف ناصع .

ضرار في التاريخ

يفخر الشعراء بضرار شاعرا مجيدا، ويفخر الفرسان بضرار فارسا مغوارا .. ويفخر الأبطال بضرار بطلا مقداما؛ أما القادة فيفخرون به قائـدا فاتحا ضم إلى ربوع بلاد المسلمين منطقة واسعة لا تزال تدين بالاسلام . رضي الله عن الشاعر الفارس، البطل الفاتح ضرار بن الخطاب القرشي.

(قادة فتح فارس، محمود خطاب شيت)

شارك هذا المقال:

مقالات مشابهة