(محَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَتْهُمْ رُكَعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُود ) (سورة الفتح : ٢٩)
الإهداء
إلى سيد المرسلين وخاتم النبيين وإمام المجاهدين، أهدي سير قادة سراياه، من خريجي مدرسته في الجهاد لإعلاء كلمة الله في الأرض وقيادة البشرية للتي هي أحسن.
(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخر وذكر الله كثيرًا ) (الأحزاب: ٢١)
المقدِّمَةُ: الدروس والعِبَرُ مِنْ قادَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لحاضر العرب والمُسْلِمِينَ وَمُسْتَقْبَلِهِمْ

جاء في مقدمة كتاب قادة النبي صلى الله عليه وسلم لكاتبه، اللواء الركن، محمود شيت خطاب:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه أجمعين .
ما استمتعت ولا استفدت من تأليف كتاب من كتبي، ما استمتعت به واستفدت منه في تأليف هذا الكتاب: قادة النبي ﷺ، فقد كان تأليفه رحلة من رحلات الاستجمام مع الفائدة الروحية والعقلية معاً، بشكل رائع جميل. وبعد إنجاز تأليفه أعدتُ قراءته من جديد، مستغرقاً في قراءته استغراقاً كاملاً، لا من أجل إعادة النظر في معانيه ومبانيه، فما بذلت كلمة من كلماته، ولا غَيّرتُ جُملة من جُمَله، ولا أضفت فكرة جديدة ولا رأياً جديداً، على أصول الكتاب عدا ما كان من وضع نقاط على حروف نسيت أن أضعها في مكانها، أو تصحيح كلمة من الكلمات سُجلت خطأ من غير قصد. ولكن طال أمد إعادة قراءة أصول الكتاب فاستغرق أربعة أسابيع، لاستمتاعي بما كنت أقرأ، ولاستفادتي فوائد روحية كثيرة وعقلية في صور متلاحقة متشابكة غزيرة والوقت ثمين بالنسبة للناس أو لقسم منهم، وهو أثمن ما أملكه في هذه الدنيا وأغلى ما أحرص عليه، ولكن الوقت الذي يقضى في المتعة الحلال وفنون من الفائدة، لا يذهب سدى .
وليست بي حاجة إلى كشف سر استمتاعي واستفادتي من تأليف هذا الكتاب وإعادة قراءته على مهل، فالأفضل أن أترك اكتشاف هذا السر لمن يقرأ الكتاب، حتى لا أحرم أحداً من حلاوة الاكتشاف، كما قد يكون ما أستمتع به لا يستمتع به غيري، وما أستفيد منه روحياً وعقلياً لا يستفيد منه غيري أيضاً.
ولكنني في أثناء تأليف هذا الكتاب وفي أثناء إعادة قراءته، تمنيت على الله، أن يجعل حُكّام العرب والمسلمين يجعلون النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام، أسوتهم الحسنة وقدوتهم في اختيار الرجل المناسب للعمل المناسب، ليس في المجال العسكري حسب ـ على أهمية هذا المجال – بل في شتّى المجالات الإدارية والعلمية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والزراعية والصناعية ليقود شعوبهم أفضل أبنائها، وليقود هؤلاء الأبناء البررة رجالهم إلى النصر عسكرياً وإلى التفوق بالنجاح في المجالات الأخرى .
كما تمنيتُ على الله أن يجعل قادة العرب والمسلمين بخاصة، وقادة المناصب الإدارية والعلمية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والزراعية والصناعية كلاً في موقعه بعامة، يجعلون النبي صلى الله عليه وسلم في شتى المجالات العسكرية والمدنية، مثلهم الأعلى وقدوتهم الحسنة، ليريحوا من يقودونهم ويستريحوا، ويقودوا رجالهم إلى النصر والتفوق في النجاح .
ولعل أول درس تعلمته من عملي في هذا الكتاب، هو طريقة النبي صلى الله عليه وسلم النادرة وأسلوبه الفذ في مجال اختيار الرجل المناسب للعمل المناسب، بالنسبة للقيادات العسكرية كما في هذا الكتاب، وبالنسبة للقيادات المختلفة في مجالات الحياة كما في سيرته العطرة، من بعثته رحمة للعالمين، إلى التحاقه بالرفيق الأعلى.
وطريقته وأسلوبه، بالنسبة للقيادات العسكرية، كما تبدو واضحة جلية في هذا الكتاب هي هي طريقته وهو هو أسلوبه بالنسبة للقيادات المدنيَّة غير العسكرية في مجالات القيادات المدنية المختلفة، وبذلك استطاع أن يربي جيلاً متميزاً من القياديين المتميزين. فلما التحق عليه الصَّلاة والسلام بالرفيق الأعلى خلَّفَ عدداً ضخماً من القادة العسكريين والمدنيين، كان لكلّ واحد في ميدانه أثر عظيم باقٍ مستدام.
الغزوات والسرايا
كان النبي ﷺ، هو قائد أصحابه المجاهدين في الغزوات، وهي ثمان وعشرون غزوة، نشب القتال في تسع غزوات منها، بين المسلمين وأعدائهم، وحققت تسع عشرة غزوة من غزواته عليه الصلاة والسلام أهدافها المرسومة بدون قتال .
واستغرق جهاد النبي صلى الله عليه وسلم في غزواته كافة سبع سنين، من سنين ما بعد الهجرة من مكة المكرّمة إلى المدينة المنورة، فقد خرج إلى غزوة (وَدَّان)، وهي أوّل غزوة قادها النبي ﷺ، في شهر صفر من السنة الثانية الهجرية، وكانت غزوة (تبوك) وهي آخر غزواته عليه الصّلاة والسلام في رجب من السنة التاسعة الهجرية.
ولكن جهاد النبي ﷺ لم يقتصر على الغزوات حسب، بل شمل الغزوات والسرايا أيضاً، والفرق بين الغزوة والسرية، هو أن الغزوة تكون بقيادة النبي ﷺ، أما السرية فتكون بقيادة أحد أصحابه عليهم رضوان الله تعالى .
وكان عدد سرايا النبي صلى الله عليه وسلم سبعاً وأربعين سرية، وفي رواية أنه بعث عددا أكثر من السرايا، والأول أصح لإجماع أكثر المصادر المعتمدة عليه.
وقد استغرق بعث هذه السرايا تسع سنين ابتداء من سرية حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه التي بعثها إلى (العيص) في شهر رمضان من السنة الأولى الهجرية، وانتهاء بسرية علي بن أبي طالب رضي الله عنه التي بعثها إلى بلاد (مَذحج) في اليمن في شهر رمضان من السنة العاشرة الهجرية .
وكان من بعض ثمرات جهاد سبع سنين في الغزوات وتسع سنين في السرايا، توحيد شبه الجزيرة العربية لأوّل مرة في التاريخ تحت لواء الإسلام، بقيادة أبنائها من العرب المسلمين وتطهيرها من الأجنبي الدخيل، وتحطيم الأصنام والأوثان في أرجائها – وهي آلهة العرب قبل الإسلام في أيام الجاهلية، بعد أن أصبح العرب يعبدون إلهاً واحداً لا شريك له، بفضل الإسلام دين التوحيد والوحدة .
وكان عدد قادة سرايا النبي ﷺ سبعاً وثلاثين قائداً من الصحابة، قادوا سبعاً وأربعين سرية من سرايا النبي ﷺ، منهم من قاد سرية واحدة، ومنهم من قاد أكثر من سرية واحدة في أوقات مختلفة من عمر الزمن.
ونجد في (آخر المقال) قائمة بأسماء ثمانية وثلاثين قائداً لا سبعة وثلاثين قائداً حسب، بإضافة عبد الله جُبَيْر الأوسي الأنصاري بن الذي كان قائد الرُّماة في غزوة (أحد) فابلى في تلك الغزوة رضي بلاء عظيماً، وثبت في موضعه ثبات الراسيات، وضرب أروع المثل لجيله ولأجيال المسلمين المتعاقبة من بعد في الشجاعة والإقدام والطاعة والثبات والتضحية والفداء، فآثرتُ أن أضيف سيرته العطرة إلى سير قادة النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الكتاب إكباراً لمزاياه القيادية الفذة، وتقديراً لسجاياه البطولية النادرة وليكون أسوة حسنة لكلّ قائد وجندي من قادة العرب والمسلمين وجنودهم في مزاياه وسجاياه قائداً وجندياً، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي اختاره في غزوة (أحد) ليقود الرماة من الصحابة، وهم أهم قسم من أقسام المجاهدين في غزوة (أحد)، لأنهم كانوا يحمون ظهور المسلمين من أعدائهم المشركين وهي أخطر مهمة من المهمات في تلك الغزوة، في ذلك الموقف العصيب.
وليس عبد الله بن جُبَيْر رضي الله عنه من قادة سرايا النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه كان قائد قسم تعبوي من أهم أقسام غزوة (أحد) التعبوية، وليست السرايا بأهم في قيادتها من قيادة (الرماة) في غزوة (أحد)، وليس ابن جبير بأقل من قادة السرايا كفاية واقتداراً، وقدراً وجلالاً.
لقد كانت ثمرات الجهاد في الغزوات والسرايا النبوية ثمرات يانعة حقاً، وكان لقيادة النبي ﷺ، آثار حاسمة في نتائج غزواته وسراياه: بصورة مباشرة في غزواته، لأنها بقيادته رسولاً قائداً، وبصورة غير مباشرة في سراياه، لأنّها بقيادة مَنْ أَحْسَنَ اختيارهم، فوضع القائد المناسب في القيادة المناسبة .
واختيار الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام، لقادة سراياه، بطريقته الفذة وأسلوبه النادر في اختيار الرجل المناسب للواجب المناسب، وفي حرصه على توخي الكمال في المسؤول المختار، لفائدة المسلمين في حاضرهم ومستقبلهم، درس ينبغي أن نتعلمه حكاماً ومحكومين، إذا أردنا أن ننتصر في الحرب ونتفوّق بالنجاح في السّلام، فقد عزّ النصر على العرب والمسلمين وعزّ النجاح، وأصبحوا أهل الهزائم والإخفاق، منذ تخلّوا عن بناء الإنسان العربي المسلم، وتفرغوا لهدم هذا الإنسان تفرغاً كاملاً، ولم يحرصوا على اختيار الرجل المناسب للعمل المناسب، ووسدوا الأمر لغير أهله، فكان الخراب والدمار.
اختيار القادة
اختيار الرجل المناسب للعمل المناسب ليس سهلاً، وهو سر نجاح الحكام والمحكومين في الحياة العملية في أيام الحرب وفي أيام السلام. ليس سهلاً، لأنّ النفس البشرية الأمارة بالسوء إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ، تحول دون تولية من هو أفضل منها كفاية وعلماً وخلقاً، لأنها تخشى أن يختطف الأضواء من حولها، فتظل في ظلام دامس.
وهو سر نجاح الحكّام والمحكومين، بل سر تفوقهم في النجاح، لأنّ القادة الصالحين هم الذين يقودون شعوبهم إلى النصر في أيام الحرب، وإلى التقدم والنجاح في أيام السلام.
وقد كان النبي ﷺ، مؤيداً من الله عزّ وجلّ بالوحي، وكان لهذا التأييد أثره الحاسم في توفيقه بشيراً ونذيراً، ومشرعاً وقاضياً وسياسياً وإدارياً، وقائداً وجندياً، ومربياً ومعلماً، وبشراً سوياً، وإنساناً يُوحى إليه .
وهذا التأييد الإلهي لا يمنع أن تكون لكفاياته الشخصية أثر حاسم في توفيقه وهذه الكفايات هي القدوة الحسنة والأسوة التي باستطاعة الإنسان السليم المؤمن أن يضعها نصب عينيه لاتخاذها قدوة حسنة وأسوة ومَثَلاً أعلى له في الحياة، لأنها كفايات بشرية متميزة يمكن الطموح إلى اقتنائها ما استطاع المقتفي إلى ذلك سبيلاً.
وصدق الله العظيم: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ).
أما التأييد بالوحي، فيقتصر على الأنبياء والرسل وحدهم، دون سائر الناس .
لقد وجدت بالدراسة المستفيضة لسيرة النبي ﷺ، ولسير قادته العسكريين بخاصة ولغير العسكريين بعامة أن من ضمن كفايات النبي صلى الله عليه وسلم الفذة، قابليته النادرة على اختيار الرجل المناسب للعمل المناسب.
ووجدت أن هذه القابلية التي التزم بها التزاماً حازماً في حياته المباركة، هي من أهم الأسباب (الدنيوية) لانتصاره في أيام الحرب، وتميزه بالنجاح في أيام السلام كان عليه أفضل الصلاة والسّلام يعرف أصحابه معرفة دقيقة مفصلة، وكان يعرف ما يتميّز به كل صحابي من (مزايا) تفيد المجتمع الإسلامي الجديد، فكان يستعمل هذه المزايا استعمالاً كاملاً لخير هذا المجتمع وخدمته، وللمصلحة العامة للمسلمين. وكان في الوقت نفسه يدرك ما يعانيه كلّ صحابي من (نواقص)، طبيعية، وكان يتغاضى عن تلك النواقص ويغض النظر عنها، ويحاول تقويمها وتلافي محاذيرها وكان يذكر أصحابها بأحسن ما فيهم من مزايا ويشيد بها، ويأمر أصحابه بالتغاضي عن نواقص إخوانهم، والإشادة بما فيهم من مزايا تقديراً وإعجاباً .
وكان عليه أفضل الصلاة والسّلام بهذا الأسلوب الرائع الذي التزم به في كل حياته المباركة يشيد بالمزايا وينتفع بها لخير المسلمين، ويغض الطرف عن النواقص ويقومها بالحسنى .
بهذا الأسلوب الرائع كان النبي صلى الله عليه وسلم يبني المسلم ولا يحطمه، ويقوم المعوج ولا يكسره ويشيد للحاضر والمستقبل، لا للحاضر وحده ولا للساعة التي هو فيها .
لقد كان عليه الصلاة والسّلام لا يبقي المزايا في أصحابه طاقات معطلة بل كان ينتفع بها لمصلحة المجتمع الجديد، وهذا يجعل طاقات أصحابه المتميزة تتضافر لشدّ أزر الأمة وتقويتها ودفعها نحو النصر والبناء.
وكان عليه الصلاة والسّلام يعرف كفايات أصحابه وقابلياتهم حق المعرفة، فلم تُغْمَط كفاية، ولم يُهْمَل صاحب كفاية، وأضيفت التجربة العملية على تلك الكفايات، فصقلت ولمعت .
وضع كل رجل من ذوي الكفايات المتميزة، في المكان المناسب لكفايته.
وكان الشرطان الرئيسان اللذان التزم بهما النبي صلى الله عليه وسلم في تولية القادة هما: الإسلام والكفاية.
أما العقيدة الراسخة فشرط أساس لتولية القيادة، لكي يبرز القائد في عمله، ويكون إنتاجه بعيداً عمله، ويكون إنتاجه بعيداً عن الشوائب، قريباً من الكمال، لأن مثل هذا القائد العقيدي يعمل على هدى وبصيرة، معتمداً على عقيدته وكفايته، وحتى يعمل القائد في خدمة عقيدته ومجتمعه أكثر مما يعمل لنفسه ولعائلته، وهذا هو سرّ تفوّق أهل العقيدة في أعمالهم على من لا عقيدة لهم، أو لهم عقيدة فاسدة تجعل المرء يحرص على العمل لنفسه أولاً، ولا يعمل لمجتمعه والمصلحة العامة.
أما الكفاية العالية، فشرط أساس لتولية القيادة، حتى يبرز القائد في أداء واجباته، ويكون إنتاجه بعيداً عن الشّوائب قريباً من الكمال، لأنه ذو كفاية يعمل بهدي كفايته معتمداً عليها ولا يعمل في فوضى وتخبط، لأنه بلا كفاية تصونه من الخطأ وتقوده إلى الصواب، وتبعده عن الارتجال، وتقربه من العمل المدروس .
لقد كان ثلاثون من قادة النبي صلى الله عليه وسلم من الذين أسلموا قديماً، منهم واحد وعشرون قائدا من البدريين الذين شهدوا بَدْراً تحت لواء الرسول القائد عليه الصلاة والسلام.
وهؤلاء الذين شهدوا غزوة (بَدْرِ) الكبرى والذين أسلموا قديماً، كانوا على جانب عظيم من الإيمان العميق وهم من الذين ثبت إخلاصهم لعقيدتهم بشكل حاسم، وثبت التزامهم بها التزاماً مصيرياً، لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم ، يضع ثقته الكاملة بهم، ويفضّلهم على غيرهم من أصحابه في تولي المراكز القيادية.
وكان واحد من قادته من الذين أسلموا بعد الهجرة، هو كٌرز بن جابر الفهري، ولاه النبي صلى الله عليه وسلم قيادة سرية من سراياه، لأنه كان فارساً مغواراً وشجاعاً مقداماً مندفعاً يُحسن التعرّض والمطاردة، والسرية التي تولّى قيادتها مؤلفة من الفرسان مهمتهم الاندفاع السريع والتعرض والمطاردة، وكان كٌرز قد أسلم وحسن إسلامه، وهو القائد المناسب لهذه المهمة بالذات .
وكان واحد من قادته من الذين أسلموا بعد غزوة (أحد) التي كانت في السنة الثالثة الهجرية، وهو عَمْرو بن أمية الضَّمْرِي، ولاه النبي صلى الله عليه وسلم لشجاعته الفائقة وتطوّعه مختاراً لتحمّل الواجب الذي أوكل إليه، وكان عمرو قد أسلم وحسن إسلامه .
وكان خمسة من قادته من الذين أسلموا قبل فتح مكة المكرمة التي كانت في السنة الثامنة الهجرية وهم ابن أبي العَوْجاء السليمي، وخالد بن الوليد المخزومي، وعمرو بن العاص السَّهْمِي، وعُيَيْنَة بن حصن الفَزَارِي، وعَلْقَمَة بن مُجَزَّز المُذلِجي.
وقد ولى ابن أبي العوجاء السُّلَيمِيّ على سرية من سرايا الدعوة إلى قومه بني سليم، لأنه أعرف بهم وبمداخلهم ومخارجهم، وأعرف بهم من غيره، لأنه منهم وإليهم، وهم قومه يعرفونه ويستجيبون له أكثر مما يستجيبون لغيره، وقد أسلم طوعاً وحسن إسلامه، وكان حَرِيّاً أن يؤثر في قومه ليسلموا، ولكنّهم لم يستجيبوا له وأصروا على الكفر.
وقد ولّى عليه الصّلاة والسّلام، عُيَيْنَة بن حصن، لأنه كان سيد غَطَفان، مسموع الكلمة في قومه، مهيب الجانب من القبائل كافة، يعرفون له مكانه ومكانته؛ وقد امتنع فخذ من تَمِيم فلم يدفعوا صدقاتهم إلى المُصَدِّق الذي بعثه إليهم النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ بعد أن بلغه أمر امتناع أولئك النفر من تميم:” مَن لهؤلاء القوم الذين فعلوا ما فعلوا؟!”،
فانتدب أول الناس عيينة، فبعثه النبي صلى الله عليه وسلم قائداً لسرية في خمسين فارساً من الأعراب، ليس فيهم مهاجري ولا أنصاري ويبدو أن مبادرة عيينة إلى التطوّع قبل غيره من الناس أدى إلى توليته قيادة هذه السرية التي ليس فيها من المهاجرين والأنصار أحد، وهم المسلمون الأولون الذين ينبغي أن يتأمر عليهم ولا يقودهم غير القادرين ذوي الكفايات العالية في القيادة والتجربة العملية من المسلمين الأولين من أمثالهم السابقين الأولين للإسلام، إلا حالات نادرة جداً، ولضرورة قصوى تقتضيها المصلحة العامة للمسلمين، وحكمة بالغة لا تكاد تخفى على عاقل حاضر أو غائب، حتى بعد تقادم القرون والأجيال.
ومن الواضح جداً، أن النبي ﷺ، ما كان ليولّي عيينة ولا أمثاله من الذين أسلموا حديثاً، قيادة سرية من سراياه وبغض الطرف عن السابقين الأولين من المسلمين الملتزمين التزاماً كاملاً بعقيدتهم، لولا مبادرة عيينة إلى التطوع قبل غيره، ولو بادر غيره من السابقين الأولين إلى التطوع، لكان أحق بتولّي القيادة، فالسبق إلى اعتناق الإسلام، والولاء المطلق للإسلام وحده دون سواه تجعل للسابق ذي الولاء المطلق أسبقية مطلقة في تولي القيادة وأفضلية كاملة في قيادة الرجال في الحرب.
ومن دراسة سير قادة سرايا النبي ﷺ، يظهر لنا أن غالبيتهم العظمى من المهاجرين والأنصار من السابقين الأولين فقد كان ثمانون بالمئة منهم من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار عليهم رضوان الله . وكان ستون بالمئة منهم بدريين. فلأهل بدر فضل عظيم على غيرهم من الصحابة .
وكان لا يؤمر أهل الوَبَر على أهل الحَضَر، أي أنه لا يستعمل أعرابياً من أهل البادية على عربي من أهل المدن فقد كان خمسة وثلاثون من قادته من أهل الحَضَر، واثنان من الأعراب: هما عُيَيْنَة بن حصن الذي تطوع للنهوض بقيادته، والضحاك بن سفيان الكلاني الذي كان من أشجع الشجعان، وكان يُعد بمائة فارس، كما أنه مكث ردحاً طويلاً في المدينة إلى جانب النبي صلى الله عليه وسلم سيافاً له، وقد ولاه على قومه في ظروف معينة. ذلك لأن أهل الحضر، أعرف بفنون القتال من أهل الوبر، وأكثر صبراً على معاناة الحرب، وأقدر على تحمّل أعباء القتال.
والخلاصة هي أن الشرطين الرئيسيين لتولية القادة هما: الإسلام أولاً، والكفاية ثانياً. وهذان الشرطان هما القاعدة للتولية بدون استثناء .
أما الشروط الأخرى السابقون الأولون وأهل بَدْر ، وأهل الحَضَر فهي قواعد لا تخلو من استثناءات عند الضرورة القصوى .
وقد طبق أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب هذه الشروط نصاً وروحاً في تولية القادة، ولم يحيدا عن هذه الشروط أبداً.
وقد استطاع النبي صلى الله عليه وسلم والشيخان أبو بكر وعمر من بعده، بتطبيق هذه الشروط في تولية القادة، أن يجعلوا الصفوة المختارة من الأمة عقيدة وكفاية يقودون الأمة إلى النصر في الحرب وإلى التفوق في النجاح في السلام. وما أسعد الأمة التي يقودها القمم من رجالها ديناً واقتدارا!.
إن استفادة النبي ﷺ وخليفتيه من مزايا كل مسلم، واستقطاب المزايا لبناء المجتمع الإسلامي، فلا يضعون لبنة إلا في المكان اللائق بها والمناسب لها، جعل هذا البناء يرتفع ويتعالى سليماً مرصوصاً يشد بعضه بعضاً.
وكان اختيار القائد المناسب للعمل المناسب سبباً من أسباب انتصار النبي ﷺ وخليفتيه وتوفيقهم عسكرياً وسياسياً واجتماعياً واقتصادياً وفي أيام الحرب والسلام. ولما التحق النبي ﷺ بالرفيق الأعلى، خلف في المجتمع الإسلامي قادة وأمراء وولاة وقضاة وعلماء وفقهاء ومحدثين، قادوا الأمة الإسلامية عسكرياً وسياسياً وإدارياً وفكرياً واقتصادياً واجتماعياً إلى النصر والنجاح والخير، وإلى السؤدد والمجد والتوفيق وإلى طريق الحق وسبيل الرشاد. وكان أولئك القادة هم من خريجي مدرسة الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام .
وأسلوب اختيار القادة هو الدرس الحيوي الذي يجب أن يتعلّمه العرب والمسلمون في هذه الأيام وفي المستقبل أيضاً، قادة وشعوباً، وحكاماً ومحكومين أن يستفيدوا من الكفايات ولا يعطلوها، وأن يضعوا الإنسان المناسب في الموقع المناسب .
وليس كل حاكم يستطيع أن يبني الكفايات ويستقطبها ويضعها في المكان المناسب .
لقد كان النبي ﷺ قمة القمم نسياناً لذاته وتفكيراً في صالح المسلمين وإخلاصاً لمصالحهم العليا. لذلك خَرَّج في مدرسته القمم من جميع الكفايات والقابليات لمختلف المناصب والواجبات .
وليس ذلك بالأمر السهل وبخاصة نسيان الذات من أجل المصلحة العامة، فهو جد عسير بالنسبة للذين تأمروا من أجل مصالحهم لا من أجل مصالح الآخرين، ومن أجل أنفسهم لا من أجل المصالح الأخرى. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ استعمل رجلاً من عِصَابَة وفيهم مَنْ هو أرضى الله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين”، حديث صحيح. ذلك هو رجل الدولة، وهذا هو بيانه للناس وصفه عليه الصلاة والسلام في كلمات معدودات، ولكنها تُغني عن مجلدات من المؤلفات .
مصائر القادة
الدليل القاطع على تمتع قادة النبي ﷺ بالكفاية القيادية المتميزة، هو ما أحرزوه من انتصارات باهرة على أعداء الإسلام والمسلمين المتفوقين عليهم عدَداً وعُدَداً في كل معركة خاضوها، بدون استثناء .
والشجاعة الفائقة هي إحدى المزايا الواجب توفرها في الكفاية القيادية، وكانت الشجاعة الفائقة هي القاسم المشترك بين مزايا قادة النبي صلى الله عليه وسلم كافة بدون استثناء أيضاً.
والدليل القاطع على الشجاعة الفائقة لقادة النبي ﷺ، أن اثنين وعشرين قائداً منهم قضى شهيداً، وخمسة عشر منهم مات على فراشه، أي أن ستين بالمئة من القادة استشهدوا، وأربعين بالمئة منهم ماتوا خارج ساحة القتال .
ولا أعرف نسبة عالية من الشهداء في القادة، كنسبة الشهداء في قادة النبي صلى الله عليه وسلم في تاريخ الحروب القديمة والحديثة فالخسائر في القادة اعتيادياً أقل بكثير من الخسائر في غير القادة من الجنود وضباط الصف والضباط، وقد لا تكون واحداً بالمائة في أحسن الأحوال وفي أعلى تقدير . والقول بأن هذه النسبة العالية في الشهداء بين قادة النبي صلى الله عليه وسلم سببها كاملاً، شجاعتهم الفائقة صواب ومنطقي وسليم ولكنه لا يقرر الواقع والواقع الكامل أن سببها هي الشجاعة الفائقة والإيمان العميق، وليس كالإيمان العميق حافز من حوافز الإقدام والاستقتال في طلب الشهادة، تخلصاً من الحياة المؤقتة للأحياء إلى الحياة الخالدة للشهداء .
والمبدأ الذي جاء به الإسلام في اختصاص الشهداء بالحياة الباقية مبدأ لا مثيل له في تعاليم القتال التي جاءت بها الأديان السماوية الأخرى، ولها أنه مبدأ فريد في جميع تعاليم القتال الشرقية والغربية، تنفرد به العسكرية الإسلامية، لم تُسبق إليه ولم تُنافسها به عسكرية أخرى: (ولاَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيْلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ).



كما أن ارتفاع نسبة الشهداء في قادة النبي ﷺ، يدل على طلبهم للشهادة وحرصهم على الاستشهاد فكانت الشهادة من أغلى أماني المجاهدين الصادقين وقادة النبي صلى الله عليه وسلم منهم بدون شك.كما أن ارتفاع نسبة الشهداء في قادة النبي ﷺ، يدل على أنهم كانوا يقودون رجالهم من الأمام، يقولون لهم اتبعونا. ويضربون لهم في الشجاعة والإقدام أروع الأمثال وأنّهم كانوا يستأثرون دون رجالهم بمواطن الخطر، ويؤثرونهم بمواطن الأمن، وهكذا يكون القادة الذين يحوزون على ثقة رجالهم عن جدارة واستحقاق . ودليل على أن أولئك القادة لم يكونوا يقودون رجالهم من (الخلف)، يقولون لرجالهم تقدّموا، ثم يبقون قابعين في مواقع أمينة، كما يفعل القادة الذين يؤثرون مصالحهم الذاتية على مصالح رجالهم ومصلحة أمتهم العليا . لقد كان شعارهم في الجهاد: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُوْنَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الحُسْنَيَيْن): النصر أو الشهادة .
تلك هي الحقيقة الأولى التي تظهر من دراسة السير التفصيلية لقادة النبي صلى الله عليه وسلم، وهي أن نسبة الشهداء منهم . كانت ستين بالمئة وهي أعلى نسبة مئوية لاستشهاد القادة في تاريخ الحرب القديم والحديث، وهذا برهان على صدق حديث النبي صلى الله عليه وسلم: “خير الناس قرني ثم الذين يلونهم…” الحديث الشريف ( رواه البخاري ومسلم وأحمد والترمذي)، برهان من الناحية العسكرية وبإمكان كل مختص أن يدلل حسب اختصاصه على صدق هذا الحديث الشريف.
ولكن الحقيقة الثانية أعجب من الحقيقة الأولى وأغرب، وهي أن قادة النبي صلى الله عليه وسلم المتميزين بالشجاعة (الفائقة) استُشهدوا في ساحة الجهاد، والقادة المتميزين منهم بالشجاعة (النادرة) ماتوا في بيوتهم على فراشهم.
وبتعبير أوضح إن القادة الذين ماتوا في بيوتهم بآجالهم، كانوا أكثر شجاعة من القادة الذين استشهدوا في ساحة الجهاد. ومن المعلوم أنّ الشجاعة من المزايا المعنوية في الإنسان، فالشجاع والأشجع من الأمور التي تثبت بالقتال، وقد كانت بطولات قادة النبي صلى الله عليه وسلم الذين ماتوا في بيوتهم بآجالهم والتي أثبتوها بالقتال رفيعة المستوى متميزة عن سائر البطولات.
لذلك وصفتُ شجاعة قادة النبي صلى الله عليه وسلم بأنها شجاعة فائقة، ولكنني وصفت شجاعة الذين قضوا نحبهم في بيوتهم بآجالهم بأنها شجاعة نادرة تمييزاً لدرجتها الرفيعة على درجة الشجاعة الفائقة، فكل شجاعة نادرة شجاعة فائقة ولكن ليس كلّ شجاعة فائقة شجاعة نادرة.. وهدفي من إبراز الحقيقة الثانية هو لإثبات أن الجبن لا يُحْيِي والشجاعة لا تُميت وصدق الله العظيم : (إِذا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُوْنَ).
لقد مات خمسة عشر قائداً من قادة النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكرنا في بيوتهم وبآجالهم بعيداً عن ساحة الجهاد، مع أنهم كانوا جميعاً بدون استثناء من المتميزين بالشجاعة النادرة، وكانوا جميعاً يتمنون من أعماق قلوبهم أن يستشهدوا في ساحة الجهاد ولكن أمانيهم لم تتحقق، فماتوا وفي أنفسهم شيء من تخلّفهم بدون إرادتهم عن تحقيق أعز أمانيهم في الحياة.
والذين يحبون أن يطلعوا على شواهد مما كان يتمتع به أولئك القادة من شجاعة نادرة بالتفصيل، يجدون ما يحبّون أن يطلعوا عليه في دراسة سير حياة هؤلاء القادة في هذا الكتاب ولكن لا بد من ذكر شواهد مختصرة عن شجاعتهم النادرة، وقد لا يُغْنِي الاختصار عن التفصيل في هذا الباب بالذات ولكنّه لا يخلو من فائدة على كل حال .
وسأضرب الأمثال على شجاعة أولئك القادة النادرة، بالنسبة لأقدميتهم في القيادة، حيث سنجد أن الشجاع استشهد، والأشجع منه مات حتف أنفه .
فقد مات سالم بن عُمَيْر الأنصاري الأوسي على فراشه، وقد تولّى القيادة لأول مرة في شهر شوال من السنة الثانية الهجرية، فتطوع لقتل أبي عَفَك، وقتله وهو بين قومه وعشيرته وأهله، وكان أبو عفك يحرض على عداوة النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، وينظم الشعر في هجائهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لي بهذا الخبيث؟!»، فتطوع سالم من بين الأوس والخزرج والمسلمين لقتله، ونفّذ وعده الذي قطعه على نفسه.
ومات محمد بن مَسْلَمة الأنصاري الأوسي على فراشه، وقد تولّى القيادة لأول مرة في شهر ربيع الأول من السنة الثالثة الهجرية، فكان ممن ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم (أحد)، وقد ثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم أربعة عشر رجلا، سبعة من المهاجرين وسبعة من الأنصار كان أحدهم ابن مَسْلَمَة .
وكان يتولى قيادة حرس النبي صلى الله عليه وسلم في غزواته، وهو الذي قتل اليهودي كعب بن الأشرف عدو الإسلام والمسلمين، وقد تطوع لقتله، فقتله بين قومه وعشيرته وأهله، وانتصر على حشود المشركين بثلاثين من رجاله فقط، وكان من الذين لا يخشون في الحق لومة لائم، واعتزل الفتنة الكبرى خوفاً على دينه .
ومات سعد بن أبي وقاص حتف أنفه، وقد تولى القيادة لأول مرة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثم أصبح من قادة الفتح الإسلامي المشهورين، فتولّى لعمر بن الخطاب رضي الله عنه قيادة معركة القادسية التي فتحت أبواب العراق للمسلمين. وقد كان أوّل مَنْ رمى بسهم في الإسلام، وثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم (أحد) ووقف إلى جانبه يرمي بالنبل دونه، والنبي صلى الله عليه وسلم يناوله النبل ويترصد له إصاباته الدقيقة قائلاً: “إزم فداك أبي وأمي”، وكان الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: “ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفدي أحداً بأبويه إلا سعداً”. ولعلّ من نافلة القول إثبات أنّ سعداً كان يتحلى بالشجاعة النادرة.
ومات عبد الله بن أُنيس الجُهَيْني الأنصاري على فراشه، وقد تولّى القيادة لأول مرة في شهر المحرّم من السنة الرابعة الهجرية، وهو الذي تولى قتل اليهودي سَلام بن أبي الحُقيق أحد أعداء النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، حيث تم قتله بين قومه وأهله في (خَيْبَر)، كما تولى قتل اليهودي البسير بن رزام الذي كان بِخَيْبر يجمع غَطَفَان لغزو رسول الله صلى الله عليه وسلم لعداوته الشديدة للإسلام والمسلمين .
وابن أنيس هو الذي قتل وحده خالد بن سُفْيان بن نُبَيْح الهُذَلِي وكان من سادات قومه يجمع الجموع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليغزوه، فقتله ابن أنيس بين قومه وحشوده التي حشدها لحرب الإسلام والمسلمين.
ومات أبو عُبَيدة بن الجراح على فراشه بالطاعون سنة ثماني عشرة الهجرية والذي يموت بالطاعون شهيد، ولكنني لم أجعله مع الشهداء الذين استشهدوا لأنه توفي خارج ميدان الجهاد، وقد كان منهاجي في إحصاء الشهداء منهاجاً واضح المعالم هو درج الذين يستشهدون في ساحة الجهاد. وقد تولّى أبو عُبَيْدة القيادة لأول مرة في شهر ربيع الآخر من السنةالسادسة الهجرية، وشهد غزوة (بَدْرِ) الحاسمة وقتل أباه في تلك الغزوة، وكان مع النفر الذين ثبتوا يوم (أحد) مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ودافع عنه يومئذ دفاع الأبطال.
وتولى قيادة عدة سرايا على عهد النبي ﷺ، كان من جنوده في بعضها الشيخان: أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، فلما التحق النبي ﷺ بالرفيق الأعلى أصبح أبو عبيدة من أكبر قادة الفتح الإسلامي على عهد عمر بن الخطاب وهو فاتح بلاد الشام والجزيرة .
وأراد عمر بن الخطاب أن يستخرج أبا عبيدة من منطقة الوباء بعد اشتداده سنة ثماني عشرة الهجرية ولكن أبا عبيدة كتب إلى عمر :” … لا أجد بنفسي رغبة عن جند المسلمين فلست أريد فراقهم . . . ” ، وبقي مع جنوده حتى تُوفي بالطاعون مع مَنْ توفي منهم، وهذا من شجاعته النادرة التي لا تتكرر .
ومات عبد الرحمن بن عَوْف على فراشه في منزله بأجله الموعود، وقد تولى القيادة لأول مرة في شهر شعبان من السنة السادسة الهجرية، وشهد غزوة بدر الحاسمة فأسر أسيراً وقتل رجلاً من قريش وغنم أدراعاً، وثبت يوم (أحد) مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما ثبت معه يومئذ غير قليل: سبعة من المهاجرين وسبعة من الأنصار، وجرح في هذه الغزوة لاستقتاله الدفاع عن النبي ﷺ إحدى وعشرين جراحة وجرح في رجله فكان يعرج منها، وسقطت ثنيتاه فكان أهتم، وقتل رجلين من المشركين . ومواقفه البطولية في الدفاع عن الإسلام والمسلمين أكثر من أن تحصی.
ومات عمرو بن أُمَيَّة الضَّمْرِي على فراشه في بيته بأجله الموعود، وقد تولى القيادة لأول مرة في السنة السادسة الهجرية، وكان من أنجاد العرب ورجالها نجدة وجراءة وجوداً. ومن جراءته أن المشركين من قريش صلبوا حُبَيْب بن عَدِي بالتَّنْعِيم قريباً من مكة المكرمة وجعلوا عليه حرساً منهم، فاختطف عمرو جثة حبيب وعاد بها إلى المدينة .
وكان أبو سفيان بن حرب قد بعث رجلاً من المشركين لاغتيال النبي ﷺ، فانكشف أمر المشرك وأسلم. وبعث النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية وبرفقته مسلم آخر اسمه: سَلَمَة إلىأبي سفيان، وقال لهما : إن أصبتما منه غرة فاقتلاه.
ودخلا مكة، ومضى عمرو يطوف بالبيت العتيق ليلاً، فرآه معاوية بن أبي سفيان فعرفه فأخبر قريشاً بمكانه، فخافوه وطلبوه، وكان فاتكاً في الجاهلية، فهرب عمرو وسَلَمَة، فلقي عُبَيْد اللَّه بن مالك التميمي الذي كان مشركاً فقتله وقتل مشركاً آخر . سمعه يغني ويقول:
ولستُ بمسلم ما دمت حياً ولستُ أدين دين المسلمينا!
ولقي رسولين لقريش يتجسّسان على المسلمين، فقتل أحدهما وأسر الآخر. وقدم عمرو المدينة عائداً من رحلته إلى مكة، فجعل يُخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك .ومواقف عمرو البطولية كثيرة، فكان بطلاً في الجاهلية، وبطلاً في الإسلام .
ومات أبو بكر الصديق رضي الله عنه على فراشه، وقد تولى القيادة لأول مرّة في شهر شعبان من السنة السابعة الهجرية، وكان من المهاجرين السبعة الذين ثبتوا مع النبي اليوم ( أحد ) . وأثبت كفاية عالية في قيادته المستقلة وانتصر بالعدد القليل من رجاله على العدد الكثير من المشركين، وثبت مع النبي يوم (حنين).
وقال عبد الله بن مسعود عن شجاعة أبي بكر: «لقد قمنا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاماً كدنا نهلك فيه لولا أنَّ الله من علينا بأبي بكر»، في عزمه على قتال المرتدين وانتصاره عليهم انتصاراً مؤزراً.
وعن أبي رجاء العُطاردي قال: دخلتُ المدينة، فرأيت الناس مجتمعين، ورأيت رجلاً يُقبل رأس رجل وهو يقول: «أنا فداؤك! ولولا أنت لهلكنا فقلت مَنْ المقبل ومَنْ المقبَّل ؟ قالوا : ذاك عمر يقبل رأس أبي بكر في قتاله أهل الرّدَّة إذ منعوا الزكاة حتى أتوا بها صاغرين».
وحسبنا شهادة الإمام عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، فقد سأل عليٌّ مَنْ حوله : أخبروني مَنْ أشجع الناس؟»، فقالوا: «أنت!»، فقال: «أما إني ما بارزتُ أحداً إلا انتصفت منه ولكن أخبروني من أشجع الناس؟»، فقالوا: «لا نعلم!»، فقال: «أبو بكر! إنّه لما كان يوم بذر، فجعلنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريشاً، فقلنا: مَنْ يكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لئلا يهوي إليه أحد من المشركين؟ فوالله ما دَنَا منا أحد إلا أبا بكر شاهراً بالسيف على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يهوي إليه أحد، إلا هوى إليه، فهو أشجع الناس” .
وشجاعة أبي بكر النادرة أشهر من أن تُعرَّف.
ومات غالب بن عبد الله اللَّيْنِي حتف أنفه، وقد تولى القيادة لأول مرة في شهر رمضان من السنة السابعة الهجرية، وتولى قيادة أكثر من سرية من سرايا النبي صلى الله عليه وسلم ، حقق بها انتصارات باهرة بقواته القليلة على قوات المشركين الكثيرة، فكان بحق قائداً فذاً من قادة النبي صلى الله عليه وسلم، كما قاد مقدّمة النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة فتح مكة، وكانت قيادته متميزة للغاية .
وشهد غالب معارك حروب الردة وفتح العراق، فكان من أبطال المسلمين المعدودين وفي معركة (البُوَيْب) التي كانت سنة ثلاث عشرة الهجرية، قتل وحده تسعة من الفرس في هذه المعركة وحدها. وكان له موقف مشرف في معركة القادسية الحاسمة التي كانت سنة أربع عشرة الهجرية، وهو الذي قتل هرمز ملك مدينة (الباب) التي تسمى اليوم : (درنبد) على بحر الخَزَر، وكان هرمز يومئذ من أكبر قادة الفُرْس .لقد كان غالب بطلاً مغواراً، يتحلى بالشجاعة النادرة.
ومات أبو قتادة بن رِبْعِيّ الأنصاري الخزرجي على فراشه في داره بأجله الموعود، وتولى القيادة لأول مرة في شهر شعبان من السنة الثامنة الهجرية. وكان قد شهد سرية عبد الله بن عَتِيك لقتل اليهودي أبي رافع سلام بن أبي الحقيق النَّضْرِي التي قتلت أبا رافع لأنه كان يحرض المشركين على المسلمين، فنسي أبو قتادة قوسه في موضع مقتل أبي رافع، فذكرها بعدما نزل، فرجع واستعاد قوسه وعاد إلى أصحابه دون أن يخشى حشود يهود أو يحسب لها حساباً.
وشهد غزوة (المُرَيسِيع) ، وكان يحمل لواء المشركين في هذه الغزوة صفوان ذو الشقر، فشدّ عليه أبو قتادة، فكان الفتح.
وشهد غزوة (ذي قرد)، فقتل مَسْعَدَة بن حكمة بن مالك بن حذيفة الفِزَارِي وحبيب بن عُيَيْنَة بن حصن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ذي قرد : «خير فرساننا أبو قتادة، ومن يومها أصبح يعرف بفارس النبي صلى الله عليه وسلم . وكان في قيادته السريتين من سرايا النبي صلى الله عليه وسلم موفقاً،
فأثبت أنه قائد لامع. وشهد غزوة حُنَيْن فقتل أحد المشركين، فأراد أن يستأثر بسلبه أحد مسلمي الفتح الذين أسلموا حديثاً، فقال هذا الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم: “يا رسول الله ! سَلَبُ ذلك القتيل عندي، فأَرْضِهِ عنِّي»، يريد سَلْب قتيل أبي قتادة عنده، ويريد أن يستأثر به دون أبي قتادة، ولكن أبا بكر الصديق قال: «لا والله ! لا يُرضيه منك، تعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن دين الله تقاسمه سلبه، ازدد عليه سَلَب قتيله»، وكان هذا الأسد من أسد الله الذي يقاتل عن دين الله، هو أبا قتادة .والحديث عن شجاعة أبي قتادة النادرة يطول.
ومات خالد بن الوليد على فراشه كما يموت البعير، كما قال هو حين حضرته الوفاة. وتولى القيادة لأول مرة في سرية (مُؤْتَة) التي في شهر جمادى الأولى السنة الثامنة الهجرية فقد أمره المسلمون على أنفسهم بعد أن استشهد قادة هذه المعركة الثلاثة بالتعاقب: زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رَوَاحة، فاصطلح المسلمون على خالد، وولوه قيادتهم في موقف ميؤوس منه وعصيب للغاية،
فأنقذ المسلمين الذين كانوا في تلك المعركة من الإبادة والإفناء، بفضل قيادته الفذة وشجاعته النادرة .واستعمله النبي صلى الله عليه وسلم على سرية من سراياه لأول مرة في شهر رمضان من السنة الثامنة الهجرية. ثم استعمله من جديد على سريتين أخريين، كما استعمله قائداً مرءوساً في غزوة فتح مكة وغيرها .
لقد شهد خالد ثلاث معارك على المسلمين قبل إسلامه، وشهد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم اثنتي عشرة معركة وشهد في حروب الردّة ثلاث معارك هي أهم وأخطر وأكبر معارك حروب أهل الرِدَّة، وقاتل الفُرْس وحلفاءهم في العراق في خمس عشرة معركة وخاض في طريقه من العراق إلى أرض الشام غمار أربع معارك، وقاد سبع معارك في أرض الشام، فكان مجموع ما شهده من معارك في حياته العسكرية أربعاً وأربعين معركة، كانت نتائجها كلها باهرة في تاريخ الإسلام وفي تاريخ العرب والمسلمين .
وقد حسم أكثر من معركة بهجومه شخصياً على قائد العدو وقتله، مما أدى إلى انهيار معنویات رجاله واستسلامهم للمسلمين. وانتصاراته الباهرة جعلته قائداً مشهوراً منذ كان حتى اليوم وإلى ما شاء الله ليس على النطاق العربي أو الإسلامي حسب، بل على النطاق العالمي، ومعاركه تدرس في المدارس والمعاهد والكليات العسكرية الأجنبية كما تدرس في المدارس والمعاهد والكليات العسكرية العربية والإسلامية .
وطالما سمعنا أو قرأنا أنّ ألمع قادة الغرب، يفخرون بأنهم طبقوا خطة عسكرية تعلموها من خطط خالد، وطالما سمعنا وقرأنا أن ألمع القادة الأجانب يشبههم الذين يصفونهم من المؤلفين والكتاب: بأنهم كخالد . . ! ولن يكون أحدهم مثله أبداً، وشتان بين الأصل وبين الصورة. وحسبه قولة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه: “خالد سيف من سيوف الله، سله الله على المشركين “.
ولكن خالداً قال حين حضرته الوفاة: «ما كان في الأرض من ليلة أحب إلي من ليلة شديدة الجليد في سرية من المهاجرين، أصبح بهم العدو، فعليكم بالجهاد». وتنهد قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة حزناً وأسفاً على الشهادة التي فاتته بالرغم من تعرّضه لأفدح الأخطار في أقسى المعارك، فقال: «شهدت مائة زحف أو زهاءها، وما في جسدي موضع شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة أو رمية، ثم ها أنا ذا أموت على فراشي كما يموت العير، فلا نامت أعين الجبناء».
ومات عمرو بن العاص على فراشه، وقد تولى القيادة لأول مرة في شهر جمادى الآخرة من السنة الثامنة الهجرية، وتولى قيادة سريتين من سرايا النبي صلى الله عليه وسلم ، فأحسن في قيادته غاية الإحسان ولما التحق النبي صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى، شهد عمرو حروب الردّة، وحروب فتح بلاد الشام، كما شهد فتح مصر وليبيا ففتح فلسطين ومصر وليبيا .ومن مواقفه التي تدلّ على شجاعته النادرة ودهائه أيضاً، أنه أقام على ( أجْنَادِيْن) في فلسطين لا يقدر على قائدها الأرطبون الرومي ولا تشفيه الرسل، فسار إليه بنفسه ودخل عليه كأنه رسول، ففطن به الأرطبون وقال : لا شكّ أنّ هذا هو الأمير أو مَنْ يأخذ الأمير برأيه، فأمر رجلاً أن يقعد على طريقه ليقتله إذا مرّ به وفطن عمرو بغدر الأرطبون، فقال له: “قد سمعت مني وسمعتُ منك، وقد وقع قولك مني موقعاً، وأنا واحد من عشرة بعثنا عمر بن الخطاب مع هذا الوالي لنكاتفه ويشهدنا أموره، فأرجع الآن، فإن رأوا في الذي عرضتَ مثل الذي أرى، فقد رآه أهل العسكر والأمير، وإن لم يروه رددتهم إلى مأمنهم وكنتَ على رأس أمرك»،
فقال الأرطبون: «نعم!»، وردّ الرجل الذي أمره بقتل عمرو. وخرج عمرو من عند الأرطبون، فعلم الأرطبون أنّ عَمْراً خدعه، فقال: «خدعني الرجل ! هذا أدهى الخلق!!! . وبلغت هذه القصة عمر بن الخطاب، فقال: لله در عمرو!».
لقد كان عمرو من فرسان قريش وأبطالهم في الجاهلية مذكوراً بذلك فيهم، وكان جريئاً مقداماً، وذا رأي في قريش كما وصفه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فكان عمرو يقاتل بشجاعته النادرة وعقله الراجح، لذلك كان موضع ثقة النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه من بعده، فقال عمرو عن ثقة النبي صلى الله عليه وسلم به واعتماده عليه: ما عدل بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبخالد بن الوليد أصحابه في حربه منذ أسلمتُ، وصدق عمرو، وحسبه ثقة رسول الله صلى الله عليه وسلم به، وهي ثقة لا توضع إلا في مكانها الصحيح.
ومات سعد بن زيد الأنصاري الأوسي الأشْهَلِي حتف أنفه، وتولّى القيادة لأول مرة في شهر رمضان السنة الثامنة الهجرية. وقد شهد غزوة (ذي قَرَد) قائداً لفرسان المسلمين فطارد عُيَيْنَة بن حصن الذي أغار على سرح المسلمين بالقرب من المدينة، وقتل حبيب بن عُيَيْنَة بن حصن في رواية، وفي رواية أخرى أنّ الذي قتله هو أبو قتادة كما ذكرنا من قبل. وأحسن سعد في قيادة سريته غاية الإحسان، وأنجز واجبه على أحسن وجه. وقد شهد سعدٌ بَدْراً وأُحداً والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما شهد قسماً من سرايا النبي صلى الله عليه وسلم جندياً مرات وقائداً مرة أخرى، فأدى واجبه في الجهاد العملي جندياً وقائداً بشكل مثالي يدعو إلى أعمق التقدير، وأبدى في جميع المعارك التي خاضها شجاعة نادرة.
ومات عيينة بن حِصْن الفَزَارِيّ على فراشه كما يموت البعير، وتولّى القيادة لأول مرة في شهر المحرّم من السنة التاسعة الهجرية. وكان بطلاً من.الأبطال المعدودين قبل الإسلام وبعد الإسلام وسيداً من سادات العرب.
وكان أحد المؤلفة قلوبهم وكانوا أشرافاً من أشراف العرب، يتألفهم النبي صلى الله عليه وسلم بما أعطاهم ويتألف بهم قومهم. وكان عيينة في الجاهلية من الجَرَّارين يقود عشرة آلاف، ولم يكن الرجل يسمى : جَرَّاراً حتى يرأس ألفاً على الأقل. وقد قاد غطفان إلى بني تغلب، كما قاد قومه في كثير من أيام العرب قبل الإسلام. وشهد معارك طاحنة على المسلمين قبل إسلامه، وشهد معارك المسلمين بعد إسلامه جندياً وقائداً، وقاد سرية من سرايا مع النبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان أول مَنْ انتدب لحرب المنحرفين من بني تميم الذين منعوا الزكاة ولم يستجيبوا للمصدّق الموفد إليهم من النبي صلى الله عليه وسلم، فكان عند حسن ظن المسلمين به في قيادته وكان لشجاعته النادرة أثر عظيم في انتصار سريته بعددها القليل على المنحرفين بعددهم الكثير .-لقد كانت حياة عيينة سلسلة من المعارك المتصلة، فقد كان بطبيعتهم مسعر حرب .
ومات القائد الخامس عشر والأخير من قادة النبي صلى الله عليه وسلم حتف أنفه، وهو قطبة بن جَدِيدَة الأنصاري الخزرجي الذي تولى القيادة لأول مرة في شهر صفر من السنة التاسعة الهجرية. وقد شهد (بدراً) فرمى حجراً بين الصفين وقال: «لا أفرّ حتى يفرّ هذا الحجر»، وقد ثبت في تلك الغزوة ثبات الراسيات وقاتل قتال الأبطال وأسر أحد أبطال قريش من المشركين .
وشهد غزوة (أحد)، وكان أحد الرماة الماهرين الذين برزوا بين المسلمين في تلك الغزوة، وجُرح تسع جراحات فلم تمنعه جراحاته الغائرة (أحد) من المبادرة إلى الخروج في اليوم التالي من يوم مع النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين الذين شهدوا غزوة (أحد) إلى (حمراء الأسد)، لمطاردة المشركين، فشهد مع النبي تلك الغزوة التي رفعت معنويات المسلمين وحطمت معنويات المشركين .
وشهد معركة (مؤتة)، فلما استشهد القادة الثلاثة بالتعاقب، وكانت الهزيمة وقتل المسلمون، جعل قُطْبَة يصيح: «يا قوم! يُقْتَلُ الرجل مقبلاً أحسن من أن يُقتل مُدْبِراً».وشهد غزوة فتح مكة، فعقد النبي صلى الله عليه وسلم الألوية والرايات في (قديد)، فجعل راية بني سَلِمَة قومه من الأنصار مع قطبة، والراية لا تُعقد إلا لمن يحافظ عليها ويحميها من الأعداء.
وحين تولّى قُطبة قيادة سرية من سرايا النبي صلى الله عليه وسلم، أحسن في قيادته غاية الإحسان وانتصر على عدوه، بينما كانت سريته قليلة العدد والمدد، وكان عدوّه كثير العدد والمدد.وقد شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يتخلّف عنه في مشهد من مشاهده بالإضافة إلى السرايا التي شهدها مع قادة السرايا الآخرين، فكان في كل مشهد شهده نادر الشجاعة فذ الإقدام.
تلك هي الحقيقة الثانية: استُشهد القادة الشجعان، ومات القادة الذين هم أكثر شجاعة وإقداماً. ولعل هذه الحقيقة الناصعة التي برزت لأول مرة في بداية القرن الخامس عشر الهجري رسالة من رسائل الغيب تنكشف لتذكر الجبناء بأن الأعمار بيد الله لا يزيد فيها الجبن ولا تنقص منها الشجاعة، وصدق القائل:
اطلب الموت توهب لك الحياة .هكذا بكل بساطة، مات الأشجع، واستشهد الشجاع.











