فاتح بيروذ ومناذر من الأهواز وفاتح سجنتان وخُراسان ثانية
«رجلٌ إذا كان في القوم اميرا، فكأنه ليس بأمير: وإذا كان في القوم ليس بأمير، فكأنه أمير»
(عمر بن الخطاب)
الصحابي:
لا نعلم متى أسلم الربيع بن زياد الحارثي، ولكن كانت له صحبة وقد تولى قيادة جيش من جيوش المسلمين في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكانوا في عهده لا يولون إلا الصحابة.
كما لا نعرف له جهادا تحت لواء الرسول
القائد ﷺ، لذلك فقد نال الربيع شرف الصحبة ولن ينل شرف الجهاد في غزوات النبي صلى الله عليه وسلم.
جهاده:
1 – كان عمر بن الخطاب قد عهد الى أبي موسى الأشعري أن يسير برجاله متفلفلاً في الأهواز، وذلك لحماية منطقة البصرة من تحرشات الفرس أولا، ولكي لا يؤتى المسلمون من خلفهم ثانيا، وحتى لا تكون منطقة الأهواز ميدانا لتحشد الجيوش الفارسية وحلفائهم مما يهدد سلامة العراق أخيرا.
ولكن أبا موسى أبطا في إرسال جيوشه إلى كور الأهواز ، فلما وصلت خيوله إلى تلك الكور كان الوقت المناسب قد فات، فتجمع في (بيروذ) جمع عظيم من الاكراد وغيرهم وخرج ابو موسى الاشعري من البصرة متوجها نحو (بيروذ) في رمضان وكان قد توافدطى اليها أهل النجدات من أهل فارس والأكراد ليكيدوا العرب المسلمين وليصيبوا منهم عورة ولم يشكوا في واحدة من اثنتين!
والتقى أبو موسى بحشود العدو بين نهر (تيرى)، و (مناذر) فقام المهاجر بن زياد الحارثي وقد تحنط واستقتل ، فعزم ابو موسى على الناس فأفطروا ، فتقدم المهاجر وقاتل قتالا شديدا حتى قتل فاشتد جزع الربيع على اخيه المهاجر وكتب عمر بن الخطاب إلى ابي موسى الأشعري وهو محاصر أهل (بيروذ) يأمره أن يخلف عليها ويسير إلى (السوس)، فخلف الربيع ابن زیاد، ففتح الله عليه (بيرون) من نهر تيرى، واخذ ما معهم من السبي، كما فتح (مناذر) عنوة، فصارت (مناذر) الكبرى و (مناذر) الصغرى في أيدي المسلمين (١٤)، وكان ذلك سنة سبع عشرة هجرية (٦٣٨م)
– وكانت (سجستان) قد فتحت أيام عمر بن الخطاب، ولكن أهلها نقضوا من بعده، فلما توجه عبد الله بن عامر إلى (خراسان) سنة إحدى وثلاثين الهجرية سيّر إليها من (كرمان) الربيع بن زياد فسار إليها حتى نزل ( الفهرج ) ثم قطع المفازة وهي خمسة وسبعون فرسخا فاتی رستاق (زالق) فأغار على أهله في يوم (مهرجان) وأسر دهقانه فافتدى نفسه، فحقن الربيع دمه وصالحه على أن يكون بلده كبعض ما افتتح من بلاد فارس و کرمان.
ثم أتى الربيع قرية يقال لها: (كر كويه) على خمسة أميال من زالق فصالحوه ولم يقاتلوه.
ونزل الربيع رستاقا يقال له: (هيسون)، فأقام له أهله النزل وصالحوه على غير قتال وعاد الربيع الى (زالق) وأخذ الأدلاء منها الى (زرنج) وسار حتى نزل (هندمند) وعبروا واديا يترع منه يقال له: (توق) ، واتی (دوشت)، فخرج إليه أهلها وقاتلوه قتالا شديدا، فأصيب رجال من المسلمين ، ولكن المسلمين كروا عليهم حتى اضطروهم إلى اللجوء الى المدينة بعد أن قتلوا منهم مقتلة عظيمة وسار الربيع الى (ناشرون)، فقاتل أهلها وظفر بهم ، ثم مضى منها إلى (شروان) فغلب عليها وأصاب بها بعض السبي.
وحاصر الربيع (زرنج) بعد أن قاتله أهلها، فبعث اليه (أبرويز) مرزبانها يستأمنه ليصالحه، فأمر بجسد من أجساد القتلى فوضع له وجلس عليه، واتكا على آخر وأجلس أصحابه على أجساد القتلى، فلما رآه المرزبان هاله، فصالحه على ألف وصيف مع كل وصيف جام من ذهب، فدخل الربيع مدينة (زرنج)
وأتي بعد ذلك الربيع (سناروذ) وهو واد، فعبره ، واتی (قرنين) فقاتله أهلها ، ولكنه ظفر بهم.
وعاد الربيع الى (زرنج) فأقام بها سنتين، ثم أتى عبد الله بن عامر واستخلف بها رجلا من بني الحارث بن كعب، فأخرجوه أهل (زرنج) وأغلقوها
وكانت ولاية الربيع سنتين ونصفا، وسبى في ولايته هذه اربعين الف نسمة، وكان كاتبه الحسن البصري
٣- ولما صار الأمر إلى معاوية بن أبي سفيان ، عزل عبد الرحمن بن سمرة عن (سجستان) وولاها الربيع، وكان ذلك سنة إحدى وأربعين الهجرية (٦٦١م) فأظهره الله على الترك.
وبقي أميرا على (سجستان) إلى أن مات المغيرة بن شعبة وهو أمير على الكوفة، وذلك سنة خمسين الهجرية (٦٧٠م)، فولى معاوية زياد بن أبي سفيان الكوفة مع البصرة ، وجمع له العراقيين
٤- وعزل زياد بن أبي سفيان الربيع عن (سجستان) وبعثه إلى خراسان أميرا سنة إحدى وخمسين الهجرية، وسير معه خمسين ألفا بعيالاتهم من أهل الكوفة والبصرة ، فأسكنهم دون النهر (نهر جيجون) في (خراسان) ، فلما قدمها غزا (بلخ) ففتحها صلحا، وكانت قد أغلقت أبوابها بعدما صالحهم الأحنف بن قيس التميمي.
وفتح (قهستان) عنوة وقتل من بناحيتها من الأتراك، فبقي منهم نيزك طرخان ملك الترك فقتله قتيبة بن مسلم الباهلي في ولايته، وهكذا استطاع الربيع أن يشيع الأمن والاستقرار في ربوع (خراسان) وأعادها الى بلاد الاسلام …
الإنسان:
1- كان الربيع آدم أفوه طويلا، وفي رواية: أنه أبيض خفيف اللحم خفيف الجسم، له صحبة وليست له رواية، وقد أدرك أيام النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقدم المدينة إلا في أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه
٢ – كان عاملا لأبي موسى الأشعري على البحرين، وقسد وفد يومئذ على عمر فقال له: ( ما أقدمك؟، فقال: «قدمت وافداً القومي»
فأذن عمر للمهاجرين والأنصار والوفود، فتقدم الربيع فقال: « یا امیر المؤمنين! والله ما وليت هذه الأمة الا ببلية ابتليت بها، ولو أن شاة ظلت بشاطيء الفرات لسئلت عنها يوم القيامة»
فانكب عمر يبكي ثم رفع راسه
وقال: ما اسمك ؟
فقال: الربيع بن زياد
وله مع عمر أخبار كثيرة.
فكتب عمر إلى أبي موسى أن يقره على عمله، وهذا دليل على صراحته وقوته في الحق
وعن الربيع بن زياد، أنه وفد على عمر فاعجبته هیئته، فشکی عمر وجعا به من طعام يأكله، فقال: يا أمير المؤمنين! أن أحق الناس بمطعم طيب وملبس لين ومركب وطيء لأنت
مما يدل على اقدامه دون تردد على ابداء رأيه الصريح الواضح، وإعلان ما يعتقده دون مواربة.
والظاهر أن أبا موسى الأشعري ولاه فتح (بيروذ) قبل توليته (البحرين)، لأن أبا موسى تولى البصرة سنة سبع عشرة الهجرية، فولى الربيع فتح (بيروذ) من تلك السنة، مما يدل على أن أبا موسى ولى الربيع البحرين بعد ذلك، أي حوالي سنة ثمان عشرة الهجرية.
و تولی سجستان و خراسان كما أسلفنا، فأعادهما إلى الطاعة وأشاع فيهما الأمن والاطمئنان، مما يدل على أنه كان إداريا حازما
قال زياد بن أبي سفيان عن الربيع: «ما كتب قط إلا في اختيار منفعة أو دفع مضرة» مما يدل على حرصه على المصلحة العامة وتكريس حياته كلها لهذه المصلحة
– وكان الربيع إذا سار في موكب، فلا تتقدم دابته على دابة من إلى جانبه، ولا تمس ركبته ركبة من إلى جانبه، مما يدل على تمسكه الشديد بآداب رفقة الطريق، وانعدام الأنانية والتكبر والعلو في نفسيته ..
قال عمر بن الخطاب يوما لأصحابه: «دلوني على رجل، إذا كان في القوم أميرا، فكانه ليس بأمير، واذا كان في القوم وليس بأمير، فكأنه أمير»
فقالوا: ما نعرف إلا الربيع بن زياد الحارثي
فقال عمر: «صدقتم» وهذا يدل على تواضعه الجم حين يكون أميرا، واعتداده بنفسه حين لا يكون وظهور فضله على غيره في الحالتين، فهو شخصية بارزة بدون إمارة، والإمارة لا تزيده إلا تواضعا ولا بد أن تكون عوامل كثيرة كونت شخصية الربيع اللامعة المتميزة وجعلتها موضع إجماع الناس على احترامها، ولعل من هذه العوامل تمسك الربيع بمبادئه، واستعداده الكامل للتضحية من أجلها، وإعلانه قولة الحق.
مهما تكن الظروف والأحوال
كتب إليه زياد بن أبي سفيان: « أن أمير المؤمنين معاوية كتب يأمرك أن تحرز الصفراء والبيضاء وتقسم ما سوى ذلك»
فكتب الربيع الى زیاد: (إني وجدت كتاب الله قبل كتاب أمير المؤمنين! ، ونادى في الناس أن : «اغدوا على غنائمكم»
فأخذ الخمس وقسم الباقي على المسلمين وهذا يدل على تمسكه الشديد بأهداب الشريعة السمحاء وعدم الإذعان لما يخالفها
– توفي الربيع في خراسان سنة ثلاث وخمسين الهجرية، وقد سأله عمر بن الخطاب حين قدم عليه حوالي سنة ثمان عشرة الهجرية عن سنه، فقال: « خمس وأربعون»، أي أنه ولد سنة سبع وعشرين قبل الهجرة، فيكون عمره يوم مات ثمانين سنة قمرية.
وقد ذكر أن سبب موته، هو أنه دعا الله أن يميته بعد أن كتب إلى زیاد: «وجدت كتاب الله قبل كتاب امير المؤمنين» ومبادرته إلى تقسيم الغنائم بين أهلها غير مكترث لأمر معاوية ولا لأمر زياد ، فدعا الله أن يميته فما جمع حتى مات ، وهذا دليل على جزعه الشديد من بدء الانحراف عن تعاليم الإسلام.
وفي رواية، أنه لما أتاه مقتل حجر بن عدي، قال: «اللهم ان كان للربيع عندك خير، فاقبضه» فلم يبرح من مجلسه حتى مات، وكان قد ذكر مقتل حجر بن عدي فأسف عليه وقال: « لا تزال العرب تقتل صبرا بعده، ولو نفرت عند قتله لم يقتل رجل منهم صبرا، ولكنها أقرت فذلت» فمكث بعد هذا الكلام جمعة ثم خرج يوم الجمعة في ثياب بياض، فقال: أيها الناس: «إني قد مللت الحياة ، وإني داع بدعوة فأمنوا» ثم رفع يده بعد الصلاة وقال: «اللهم ان كان لي عندك خير فاقبضني اليك عاجلا»
وأمن الناس، فخرج فما توارت ثيابه حتى سقط، فحمل إلى بيته وكان قد أسف على حجر بن عدي حين سمع بمقتله، فقال: «والله لو ثارت العرب له لما قتل صبرا، ولكن أقرت العرب فذلت» ومهما يكن من أمر، فإن كل ذلك يدل على شدة ورعه واستنكاره لكل ظلم، وأنه لا ينسى اصدقاءه في ساعة محنتهم ويدافع عنهم أعظم الدفاع
٦- كان الربيع متواضعا خيرا، وكان ورعاً تقيًّا نقيا خائفا الله ملتزما بحدود أوامره ونواهيه، يكفي أن تعلم أن الحسن البصري كان كاتبه به (خراسان)
لم يشترك في الفتنة الكبرى بقلبه ولا بلسانه ولا بسيفه، وكان صريحا واضحا، وإداريا حازما، يعمل للمصلحة العامة وحدها، ولا نعرف أنه جمع الأموال والعقار طيلة حياته العامة ، فقد عاش فقيراً ومات فقيراً ، ولكنه أرضى ضميره فكان أغنى الأغنياء.
أنه مثال رفيع للمؤمن الحق والخلق الكريم
القائد : كان الربيع أول من أمر الجند بالتناهد، وذلك لتقوية معنوياتهم واذكاء روح التعاون فيما بينهم
والظاهر من حروبه ، أنه كان قائدا يجيد فن الحصار ، والحصار لا يجيده إلا القائد المدرب الذي يتحلى بالضبط المتين، والذي يمتاز بالحذر واليقظة فلا يفسح المجال لعدوه أن يستفيد من المصادر الخارجية لإدامة قواته المحصورة بالمواد التموينية وبالأسلحة والعتاد وبالقضايا الإدارية الحيوية الأخرى وبذلك يقوى على إطالة أمد الحصار، كما أن القائد الصبور هو الذي ينجح في مغالبة عدوه في الحصار لاجباره على الاستسلام.
وعبوره المفازة بجيوشه ، دليل آخر على شدة ضبطه وصبره، كما انه دليل على تحمله المشاق دون كلل ولا ملل، كما أنه دليل على تشبعه بروح (المباغتة) أهم مبادى الحرب، فقد سلك طريقا لا يتوقع العدو سلوكها، وبذلك باغت عدوه بالمكان والزمان
لقد استطاع الربيع ان يتغلب على اعدائه الكثيرين بجيشه القليل نسبيا إلى جانب جيش عدوه، وهذا دليل على معرفته أساليب القتال و تطبيقه مباديء الحرب بكفاءة
وكان لأخلاقه الكريمة وماضيه المجيد أثر حاسم في تعلق رجاله به وثقتهم التي لا حدود لها بشخصه ، كما كان لذلك اثر حاسم على تعلق رؤسائه به وثقتهم الكاملة بتصرفاته ، لذلك أوكل له رؤساؤه أمر معالجة أصعب الجبهات في أصعب الظروف ، فاستطاع بحنكته وبعد نظرة التغلب على تلك الصعاب بل انه كان موضع ثقة حتى أعدائه ، مما جعل الأمور تستتب في (سجستان) و (خراسان) في أيامه وتنتقض من بعده، مما يدل على أن حربه كانت إنسانية وفقا لتعاليم الإسلام في الحرب.
لقد كان الربيع قائدا ممتازا.
الربيع في التاريخ:
يذكر التاريخ للربيع فتحه مناطق واسعة من الأهواز ، واستعادته مناطق أوسع في (سجستان) و (خراسان)
ويذكر له إيمانه العميق ونكرانه ذاته، وخلقه القويم
رضي الله عن القائد الفاتح، الإداري الحازم، القوي الأمين ، الفارس البطل، الأمير الإنسان الربيع بن زياد الحارثي.
(قادة فتح فارس، محمود خطاب شيت)








