السيرَةُ العَطِرَةُ الزَّاكِيَةُ
ما أجمل الساعات التي نقضيها في رحاب البيت النبوي الطاهر! في هذه الساعات المباركات تأنس بعبير سير أعلام هذا البيت الكريم وكلهم أعلام
فنجني الفائدة في الدين والدنيا.
ونحن اليوم نستروح عبير سيرة واحدة من نساء أهل البيت المبارك، هذه المرأة خلدت ذكراً حميداً زاكياً في عالم الحمد والثناء، وسجلت آثاراً ناصعة في أوراق الأيام في العصر النبوي، والعصر الراشدي .
في البيت النبوي المبارك، نشأت ضيفتنا اليوم، فكان لها نصيب في دنيا النساء الطاهرات، وكان لها طيب الأثر في مقام الصفاء والوفاء والنقاء، وكذلك لها طيب الأثر في تاريخ الخلفاء الراشدين.
وإذا أردنا أن نعرف هوية هذه المرأة فنقول: إن زوجها خليفة، وأباها خليفة، أما جدها فهو سيد الأولين والآخرين، وأمها سيدة نساء العالمين، وهي نفسها إحدى معادن الطهر في دنيا الطهارة.
فما رأيك – عزيزي القارىء – أن نستأذن هذه السيدة الكريمة، وندخل في أجواء سيرتها الفواحة بأطيب الطيب، كيما نعطر الأسماع في سماع قصة حياتها المعطاء؟
إنها أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب الهاشمية القرشية، شقيقة الحسن والحسين وزينب أولاد علي بن أبي طالب وأمها فاطمة الزهراء رضوان الله عليها، وجدتها خديجة بنت خويلد أم المؤمنين رضوان الله عليها.
ولدت أم كلثوم ابنة علي في أخريات العهد النبوي وعلى الراجح في بيت علي بن أبي طالب بالمدينة المنورة في حياة جدها الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وقد فرح بهذه المولودة البيت النبوي كله ، وسماها رسول الله ﷺ أم كلثوم على اسم خالتها أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ .
رأت أم كلثوم ابنة علي رضي الله عنهما جدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنها لم ترو عنه شيئاً، لأنه لما توفي ﷺ ، كانت أم كلثوم ما تزال صغيرة لم تتجاوز الخامسة من عمرها .
وفي السنة التي توفي فيها جدها، توفيت أمها فاطمة الزهراء أيضاً، فنشأت أم كلثوم تحت رعاية أبيها علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، ونهلت من معين
أدبه الصافي المرفود بنور النبوة ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، واقتبست من أخلاقه وزهده ما جعلها إحدى فرائد الدهر حزماً ورأياً وفطنة.
عاشت أم كلثوم رضي الله عنها مع أسرتها الكريمة، وكان أخواها الحسن والحسين يحوطانها برعايتهما وعطفهما، وكذلك راحت نساء النبي الطاهرات رضوان الله عليهن يرعين أم كلثوم وشقيقتها زينب رعاية كاملة إلى أن تزوجت كل واحدة منهما.
أما عن زواج زينب بنت علي، فإنها تزوجت ابن عمها عبد الله بن جعفر أبي طالب المعروف ببحر الجود، وقطب السخاء.
وأما أم كلثوم، فتزوجت من الفاروق سيدنا عمر بن الخطاب وكان لزواجه منها قصة شائقة رويت في المصادر الوثيقة، وتشير إلى مكانة أم كلثوم في البيت النبوي الذي أذهب الله عنه الرجس وطهره تطهيراً.
الزَّوَاجُ المَيْمُونُ وَالبَيْتُ العُمَري
كان تاريخ زواج عمر من أم كلثوم رضي الله عنهما في ذي القعدة من السنة السابعة عشرة من الهجرة، كما ذكر أمير مؤمنين المؤرخين محمد بن جرير الطبري – رحمه الله – في تاريخه النفيس وتابعه على ذلك الإمام الحافظ شمس الدين الذهبي – رحمهما الله .
هذا وقد كانت سعادة سيدنا عمر عظيمة بهذا الإصهار الكريم الميمون إلى البيت النبوي الذي أذهب الله عنه الرجس وطهره تطهيراً.
وانطلق عمر إلى المسجد النبوي الشريف، إلى مجلس المهاجرين الشريف والمنبر النبوي، وكان هذا المكان يجلس فيه المهاجرون الأولون السابقون إلى دوحة الإيمان، ومنهم : سيدنا علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله ، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم وأرضاهم – وهؤلاء جميعاً من المبشرين بالجنة – فإذا كان الشيء، أو الخبر يأتي عمر من الآفاق، جاء عمر فأخبر هؤلاء الغر الميامين بذلك واستشارهم فيه، فقد كان هؤلاء مجلس شوراه، وهل يوزن بهم في دنيا الرجال أحد ؟! وأطل عمر على أصحابه، ووجهه مشرق باسم، فألقى عليهم السلام وقال: معشر المهاجرين والأصحاب، هنوني، وزفوني.
فهناه الحضور وقالوا : بمن يا أمير المؤمنين؟ قال عمر رضي الله عنه : بأم كلثوم بنت علي بن أبي طالب وابنة فاطمة الزهراء.
وأقبل على أصحابه يحدثهم أنه سمع الحبيب المصطفى ﷺ يقول: «كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة ما خلا سببي ونسبي ، وكل ولد، فإن عصبتهم لأبيهم، ما خلا ولد فاطمة، فإني أنا أبوهم وعصبتهم» وتابع عمر رضي الله عنه فقال للصحابة الكرام: كنت قد صحبت النبي ﷺ، فأحببت أن يكون هذا النسب بالإضافة إلى الصحبة.
وتزوج عمر أم كلثوم رضي الله عنهما على مهر أربعين ألف درهم، وولدت له زيد بن عمر، ويدعى بزيد الأكبر، كما ولدت له ابنة تدعى رقية بنت عمر … وكان لهذين الولدين آثار جميلة وضيئة في العصر الراشدي، والعصر الأموي .
الزَّوْجَةُ الكَرِيمَة
حظيت أم كلثوم ابنة علي عند عمر رضي الله عنهم بمكانة مرموقة، ومنزلة عالية، فكان ينظر إليها نظرة احترام وإكبار، فهي امتداد لذلك النسب المحمدي العريق الذي تقف وتنقطع دونه الأنساب، وهي ابنة الزهراء، ومن كالزهراء؟ بل سعد من كانت الزهراء حماته، وعلي حماه.
وكانت أم كلثوم رضي الله عنها من خيرة الزوجات في تاريخ الخلفاء الراشدين، وكان لها مع عمر بعض المواقف التي تفوح بالطيب، وتشير إلى أصلها الثابت في منابت الفضيلة، وتدل على فرعها المتطاول بالخير في عنان السماء؛ أليست أم كلثوم ابنة الزهراء سيدة النساء؟ أو ليست خديجة سيدة النساء في كل فضيلة هي جدة أم كلثوم بنت علي ؟! إذن فلتكن أم كلثوم مثل أمها وجدتها في الفضل والجود وإحياء المكارم ولا أدل على شهامتها وكرامتها من تلكم القصة التي وردت في المصادر الوثيقة تحكي عطف أم كلثوم على امرأة بدوية يساعدها في ذلك عمر رضي الله عنها.
ونحن مرسلو القول في قصة عمر وأم كلثوم وتلك المرأة التي جاءها المخاض في ليلة من ليالي المدينة المنورة التي كان عمر ساهراً فيها على راحة رعيته.
خرج سيدنا عمر رضي الله عنه في إحدى الليالي يتحسس أخبار رعيته في المدينة وما حولها، ليطمئن على أحوال العباد، فيقضي حاجة المحتاج، ويقوم بمساعدة من يحتاج إلى مساعدة.
ومر عمر برحبة من رحاب المدينة المنورة، فإذا به يرى بيت شعر يتحايل في الظلام لم يكن في الليلة الفائتة، فتعجب ثم سار نحو البيت، فإذا به يرى رجلاً قاعداً، وسمع من داخل البيت أنين امرأة لم يتبين نوع ذلك الأنين.
ودنا عمر من الخيمة وقال: السلام عليكم يا أخا العرب.
قال الرجل: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
قال عمر: من الرجل، ومن أين أقبل؟
قال الرجل في نبرة حزينة: يا هذا إني رجل من أهل البادية، وقد قدمت لأصيب من نوال أمير المؤمنين عمر، وأخذ من فضله، فقد سمعنا أنه يعطي الناس كلهم .. وانبعث أنين المرأة من داخل بيت الشعر يقطع صمت الظلام، ويمزق السكون، ويلامس سمع عمر، ويحرك عواطفه، ويفجر ينابيع مودة رحمته
فقال للرجل: ما هذا الصوت الذي يرشح بالألم وأسمعه في البيت، أخبرني يرحمك الله.
فقال الرجل في شيء من الأسى يا أخا العرب انطلق لحاجتك يرحمك الله! ودعني وشأني.
قال عمر في هدوء على ذلك، فما هو هداك الله؟! فقال الرجل في صوت خفيض: إنها امرأتي، وقد جاءها المخاض في هذه الليلة، وفي هذه البقعة.
صمت عمر رضي الله عنه لحظات
ثم أردف قائلاً : هل عندها أحد من النساء كيما يساعدها ؟!
فقال الرجل: ليس عندها أحد، وقد قدمنا الليلة ونحن وحيدان في هذا المكان.
وبينما كان الرجل يجيب عمر، أسرع عمر مهرولاً نحو بيته، فلما دخله، أيقظ امرأته الوفية أم كلثوم بنت علي وقال لها: يا ابنة الكرام، هل لك في أجر ساقه الله عز وجل إليك؟
فقالت: وما هو يا أمير المؤمنين؟
قال: امرأة من البدو قد جاءها المخاض بظاهر المدينة، وهي غريبة وليس عندها أحد.
فقالت أم كلثوم في أدب منبعث من أدب التربية النبوية : نعم إن شئت وأذنت يا أمير المؤمنين لي في الخروج.
قال عمر: أحب ذلك، فأسرعي وخذي معك ما ينفع هذه المرأة ويصلح لولادتها من الحرق والدهن وغير ذلك.
ولما أعدت أم كلثوم ما يلزم المرأة قال لها عمر: يا ابنة الكرام، آتيني بقدر وشحم، وحبوب فجاءته بما طلب.
وعندئذ قال عمر لأم كلثوم : انطلقي بنا على بركة الله.
وحمل عمر القدر والسمن والحبوب، وسارت أم كلثوم خلفه وقد حملت حوائجها، حتى انتهيا إلى بيت البدوي، فتوقف عمر وقال لزوجه أم كلثوم: ادخلي فأصلحي شأن المرأة وساعديها.
واقترب عمر من الرجل، ثم جهز القدر وأصلحها، وقال للرجل في هدوء : يا هذا، أوقد لي ناراً وسارع الرجل، فأوقد تحت القدر، وأخذ عمر يعالج الطعام حتى نضج .
ومضى جزء من الليل، فولدت المرأة غلاماً، وأخذ بكاء الغلام يخترق الصحراء من داخل البيت، وإذ ذاك خرجت أم كلثوم ونادت: يا أمير المؤمنين بشر صاحبك بغلام.
وداخل الرجل رهبة شديدة لما سمع أمير المؤمنين عمر، واستعظم أن يكون عمر هو الذي يصلح الطعام أمامه، وأم كلثوم زوج عمر هي القابلة، وأخذ يبتعد قليلا استحياء وهيبة لعمر، ثم طفق يعتذر ويقول: لا تؤاخذني يا أمير المؤمنين.
صورٌ مِنْ حَيَاتِهَا مَعَ عُمَرَ
كانت أم كلثوم بنت علي رضي الله عنها سعيدة غاية السعادة في حياتها مع الرجل المعوان المعطاء عمر بن الخطاب عليه سحائب الرضوان، وكانت نعم الزوجة الوفية للرجل الوفي.
وعلى الرغم من أن أم كلثوم رضي الله عنها كانت صغيرة السن عند زواجها من عمر، إلا أنها كانت جليلة القدر واسعة الإدراك، استطاعت أن تعيش مع سيدنا عمر حياة ترفرف عليها السعادة الحقيقية على الرغم من خشونة عيش عمر – كما تعلم – ولكنه كان رقيق القلب، غني النفس، يوزع من كنوز رقته وعطفه على أم كلثوم ما استطاع إلى ذلك سبيلا، دون أن يفرط في ذلك، أو أن ينسى حق أحد مهما كان شأنه.
كانت نظرة عمر رضي الله عنه إلى الأمور نظرة رجل عرف الله حق المعرفة، فبات لا يخرج عن هذا الطريق، ولا سبيل إلى قلبه من أجل عاطفة أو قرابة أو رحم، إذا كان ذلك يخالف عدل الإسلام.
وتروي المصادر أن عمر أثر إحدى نسوة المدينة بثوب على زوجه الأثيرة أم كلثوم بنت علي رضي الله عنها، وعلل ذلك بمكانة تلك المرأة في قاموس نساء الإسلام.
أخرج الإمام البخاري – رحمه الله – بسنده عن ابن شهاب عن ثعلبة عن أبي مالك: إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قسم مروطاً بين نساء من نساء المدينة، فبقي مرط جيد؛ فقال له بعض من عنده: يا أمير المؤمنين، أعط هذا ابنة رسول الله ﷺ التي عندك – يريدون أم كلثوم بنت علي ..
فقال عمر: أم سليط أحق. – وأم سليط من نساء الأنصار من بايع رسول الله .. قال عمر: فإنها كانت تزفر لنا القرب يوم أحد
إن سيدنا عمر رضي الله عنه قد أظهر بهذا التصرف الكريم فضل أم سليط الأنصارية هذه، في الوقت الذي نسيها كثير ممن حولها، ولكن العبقري عمر يعرف أقدار العباد.
وكان عمر رضي الله عنه يعامل نفسه بأقسى مما يعامل به زوجه البارة أم كلثوم بنت علي رضي الله عنها، فهو لا يريد أن تكون دنياه دنيا ترف، فيكون حظه من الآخرة قليلاً، ولكنه كان لا يحفل بزخرف الدنيا، وكان يعلم زوجه أم كلثوم أن تسلك هذا السبيل الذي يؤدي إلى طريق الفوز والنجاة والنجاح في اليوم الآخر.
فقد كان عمر رضي الله عنه يستطيع أن يتناول أطايب الطعام، ويطعم زوجه أم كلثوم ذلك، ويلبس ألين الثياب وكذلك زوجه، فقد فتحت كثير من البلدان في عهده الميمون، ووقدت الخيرات إلى المدينة المنورة عاصمة الدولة الإسلامية، فكان عمر لا يخص نفسه بشيء، ولا زوجه، وإنما يؤثر غيره، ويتناول خشن الطعام، ويلبس وزوجه خشن الثياب.
ذكر ابن كثير – رحمه الله – أن سارية بن زنيم قد فتح الله على يديه بعض بلاد الفرس، وغنم مع جيوشة شيئاً كثيراً، ومالاً عظيماً، فكان من جملة ذلك سقط من جوهر، فاستوهبه سارية المسلمين لعمر بن الخطاب، وبعثه مع المال.
فلما وصل المال ومعه السفط، قدم الرسول المال، فوجد عمر رضي الله عنه قائماً وفي يده عصا، وهو يطعم المسلمين سماطهم، فلما رأى عمر رسول قائده سارية قال له : اجلس – ولم يعرفه عمر – فجلس ذلك الرجل فأكل مع الناس.
وعندما فرغ المسلمون من الطعام، انطلق عمر إلى منزله، فاتبعه الرجل ومشى خلفه، ثم استأذن على عمر فأذن له، وإذا بعمر رضوان الله عليه، قد وضع له خبر وزيت وملح، فقال للرجل : ادن فكل.
فجلس الرجل إلى جانب عمر
فجعل عمر يقول لامرأته أم كلثوم : ألا تخرجين يا هذه فتأكلين؟
فقالت أم كلثوم إني أسمع حس رجل عندك يا أمير المؤمنين.
فقال عمر: أجل .
فقالت: لو أردت أن أخرج إلى الرجال اشتريت لي غير هذه الكسوة، ولكسوتني كما كسا عبد الله بن جعفر امرأته، وكما كسا الزبير بن العوام امرأته، وكما كسا طلحة بن عبيد الله امرأته .
فقال عمر رضي الله عنه : أو ما يكفيك أن يقال أم كلثوم بنت علي وامرأة أمير المؤمنين عمر.
قالت: ما أقل غناء ذلك عني.
عندئذ قال عمر للرجل: ادن فكل، فلو كانت راضية، لكان أطيب مما ترى.
فأكلا، فلما فرغا من الطعام قال الرجل : أنا رسول سارية بن زنيم يا أمير المؤمنين .
فقال عمر رضي الله عنه: مرحباً وأهلاً.
ثم أدناه حتى مست ركبته ركبة الرجل، ثم أخذ يسأله عن المسلمين وعن قائدهم سارية بن زنيم، فأخبره الرجل بنصر الله عز وجل وفتوح البلاد، ثم ذكر له شأن السفط من الجوهر، فأبي عمر أن يقبله، وأمر برده إلى جنود الرحمن.
وهكذا لم يقبل عمر رضي الله عنه ذلك السفط علماً بأن جنود سارية قد وهبوه إياه، ولكن عمر كان القدوة الحسنة لرعاياه رضي الله عنه.
ورحم الله الحافظ ابن كثير إذ أحسن وصف عمر فقال: كان متواضعاً في الله خشن العيش خشن المطعم شديداً في ذات الله، يرقع الثوب بالإديم ويحمل القربة على كتفيه مع عظم هيبته.
وكان قليل الضحك، لا يمازح أحداً، وكان نقش خاتمه: كفى بالموت واعظاً يا عمر.
وكان وهو خليفة يلبس جبة صوف مرفوعة بعضها بأدم ويطوف بالأسواق على عاتقه الدرة، يؤدب بها الناس وقد عرفت أم كلثوم زوجه أنها أمام رجل أرادته الدنيا فلم يردها، وردها على عقبها، فلم يكن إليها من سبيل إلى نفسه فعظم في نفسها، وأكبرته، وعرفت أنها زوج عمر التقي النقي، وشاهدت من أنوار أفعاله مع رسول سارية بن زنيم ما جعلها تشعر بكرامة هذا الزوج العبقري الكريم.
وقد عوتب عمر مرة، فقيل له : يا أمير المؤمنين، لو أكلت طعاماً طيباً، كان أقوى لك على الحق؟ فقال رضي الله عنه : إني تركت صاحبي على جادة، فإن أدركت جادتهما فلم أدركهما في المنزل.
هَدِيَّةُ مَلِكَة الرُّوْمِ وَدَرْسُ عُمَرِيُّ
في سيرة أم كلثوم بنت علي رضي الله عنهما مواقف ندية تستحق الوقوف، وخاصة أن بعض تلكم المواقف تتعلق بتوجيهات زوجها عمر رضي الله عنهما، وإذا وقفنا أمام تلك التوجيهات العمرية لألفينا أنها ترفع من مقام أم كلثوم عالياً في سماء المكارم ففي تاريخه الحافل بألوان السير ذكر الإمام محمد بن جرير الطبري – رحمه الله – قصة تشير إلى ذلك، ومفادها أن السيدة الكريمة أم كلثوم بنت علي رضي الله عنهما قد أهدت ملكة الروم هدية، فيها شيء من الطيب وأحفاش من أحفاش النساء، وبعض المشارب، ثم جعلت تلك الهدايا مع البريد الذي يذهب إلى بلاد هرقل ملك الروم.
وأخذ صاحب البريد هدايا أم كلثوم، فأوصلها إلى ملكة الروم، فأُخِذَتْ منه الهدايا، وأعطيت للملكة، ففرحت بها، وجمعت نساءها وجواريها، ثم أرتهم الهدية وقالت لهن: هذه الهدية هدية امرأة ملك العرب، وابنة نبيهم.
ثم أمرت بكتاب، فكتبت فيه شكرها لأم كلثوم وكافأتها، وبعثت لها بهدايا رقيقة رفيقة، وكان فيما أهدت لها، عقد فاخر يصلح لبنات ونساء الملوك.
وعاد البريد إلى المدينة المنورة بتلك الهدايا، فلما انتهى البريد إلى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وشاهد فيه هدية تخص زوجه أم كلثوم أمر بإمساكه ثم دعا: الصلاة جامعة.
سمع الصحابة الكرام نداء عمر بالصلاة، فعلموا أن أمراً ما قد حدث في المدينة المنورة، فاجتمعوا في المسجد النبوي الشريف، فصلى بهم عمر ركعتين، ثم وقف فقال: إنه لا خير في أمر أبرم عن غير شورى من أموري، قولوا في هدية أهدتها أم كلثوم لامرأة ملك الروم، فأهدت لها امرأة ملك الروم.
فقال قائلون من الصحابة الكرام يا أمير المؤمنين، هو لها، بالذي لها، وليست امرأة الملك بذمة فتصانع به، ولا تحت يدك فتتقيك.
وقال آخرون منهم: يا أمير المؤمنين، إنك كنت تعلم أنا قد كنا نهدي الثياب وغيرها لنستيب، ونبعث بها لتباع ولنصيب ثمناً.
وقال غيرهم أقوالاً تشبه ما قال أصحابهم، ولكن عمر رضي الله عنه كان يسمع للجميع، فلما انتهوا قال: معاشر المسلمين؛ إن الرسول رسول المسلمين، والبريد بريدهم، والمسلمون عظموا أم كلثوم في صدورهم.
ثم نظر عمر إلى الهدية ، وأمر بأن ترد إلى بيت مال المسلمين، وأتى أم كلثوم، فرد عليها بقدر نفقتها، وقص عليها القصص الذي حدث في المسجد النبوي وأخبرها بأنها لو لم تكن زوج أمير المؤمنين، لما بعثت لها ملكة الروم بما بعثت، وأخبرها كذلك أنه أمر برد الهدية إلى بيت المال، ليحظى هو، وتحظى هي بمرضاة الله عز وجل، فشكرت أم كلثوم صنيعه، ودعت له بخير.
عبرة أم كلثوم
في البيت العمري كانت أم كلثوم رضي الله عنها تعيش أيام حياتها تحت ظلال العدل العمري، وعاشت أوليات عمر الخالدة، فعمر رضي الله عنه هو أول من دعي أمير المؤمنين، وأول من كتب التاريخ، وجمع الناس على صلاة التراويح، وأول من عس بالمدينة المنورة، وحمل الدرة وأدب بها، وجلد في الخمر ثمانين جلدة، وفتح الفتوح، ومصر الأمصار وجند الأجناد، ووضع الخراج ودون الدواوين، وعرض الأعطية، واستقضى القضاة، ومآثره وآثاره الحسان كثيرة لا تحصى.
عاشت أم كلثوم هذه المآثر، وعرفت أن عمر رضي الله عنه هو الذي أعز الله به دينه، وهو الفاروق.
شهدت أم كلثوم الأحداث العظيمة في صدر الخلافة الراشدة، وعاشت مع سيدنا عمر بضع سنين، وهي ترى أن الأرض قد ملئت عدلاً وأمناً وسلاماً.
وفي سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، حج سيدنا عمر رضي الله عنه، فلما فرغ من الحج، ونزل بالأبطح، دعا الله عز وجل، وشكا إليه أنه قد كبرت سنه، وضعفت قوته، وانتشرت رعيته، وخاف من التقصير، وسأل الله أن يقبضه إليه، وأن يمن بالشهادة عليه في بلد النبي ﷺ، كما ثبت عنه في الصحيح أنه كان يقول : اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك، وموتاً في بلد رسولك
فاستجاب له الله هذا الدعاء، وجمع له بين هذين الأمرين الشهادة والموت في المدينة المنورة، وهذا عزيز جداً، ولكن الله لطيف بما يشاء، فاتفق أن غدر به أبو لؤلؤة فيروز المجوسي الأصل، الرومي الدار، وهو قائم يصلي في المحراب، وذلك في صلاة الصبح من يوم الأربعاء، الأربع بقين من شهر ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، وقد ضربه أبو لؤلؤة بخنجر ذات طرفين ضربه بضع ضربات، إحداهن تحت سرته، فخر من قامته، ووقع، واستخلف على الصلاة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه.
وحمل سيدنا عمر رضي الله عنه إلى منزله، والدم يسيل من جرحه – وذلك قبل طلوع الشمس – فجعل يفيق ثم يغمى عليه، ثم يذكرونه بالصلاة فيفيق ويقول: نعم، ولاحظ في الإسلام لمن تركها. ثم إن سيدنا عمر رضي الله عنه صلى في الوقت، ومن ثم سأل عمن قتله من هو؟ فقالوا له: هو أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة. فقال عمر رضوان الله عليه : الحمد لله الذي لم يجعل منيتي على يدي رجل يدعي الإيمان، ولم يسجد لله سجدة.. وقضى الفاروق نحبه، ودفن بالحجرة النبوية إلى جانب سيدنا أبي بكر الصديق عليه سحائب الرضوان، عن إذن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها؛ وفي هذا يقول شاعر الحبيب المصطفى سيدنا حسان بن ثابت رضي الله عنه، في النبي الكريم وفي أبي بكر وعمر:
ثلاثة برزوا يسبقهم
نصرهم ربهم إذا نشروا
عاشوا بلا فرقة حياتهم
واجتمعوا في الممات إذ قبروا
فليس من مسلم له بصر
ينكر من فضلهم إذا ذكروا
وحزنت أم كلثوم رضي الله عنها حزناً شديداً على زوجها عمر بن الخطاب وكذلك زوجاته الأخريات، كما حزن المسلمون لوفاته وبكاه القريب والبعيد لأنه أمات الفتن، وأحيا السنن، وخرج نقي الثوب، برياً من العيب.
وأما أم كلثوم، فإن سيدنا علي بن أبي طالب قد أخذها إلى بيته، حتى انقضت عدتها من عمر رضي الله عنه، وظلت ذكريات عمر في ذاكرتها، فكانت تذكره بفضائله الحسان وفي بدايتها ومقدمتها العدل، كما كانت ترى في ابنها زيد بن عمر شبهاً لعمر رضي الله عنه، فكان ذلك مما يخفف لوعتها وأحزانها رضي الله عنها.
أم كلثوم بَعْدَ عُمَرَ
بعد أن انقضت عدة السيدة الكريمة أم كلثوم بنت علي رضي الله عنها، تقدم لخطبتها أحد الأجواد، وهو سعيد بن العاص الأموي القرشي أحد فضلاء الأجواد، وأحد الأجواد الفضلاء، ممن تركوا في سجل الجود أخباراً وضيئة مضيئة.
وسعيد بن العاص هذا، أدرك النبي ﷺ وله عنه رواية، وكان سعيد عامل عثمان على الكوفة، واستعمله معاوية رضي الله عنه على المدينة غير مرة.
كان سعيد بن العاص من سادات المسلمين، ومن الأجواد المشهورين ومن الفصحاء المعروفين، وجعله عثمان بن عفان رضي الله عنه فيمن يكتب المصاحف لفصاحته وبلاغته، وكان سعيد أشبه الناس لحية برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان حسن السيرة جيد السريرة، كريماً مضيافاً، باراً بأصحابه، وكان حليماً وقوراً حكيماً، له كلمات حكيمة تدل على عقله وفصاحته.
وقد خطب سعيد هذا أم كلثوم بنت علي رضي الله عنهما فأجابت إلى ذلك، ثم شاورت أخويها الحسن والحسين، فأما الحسن رضي الله عنه، فإنه أجاب ورحب بسعيد بن العاص، وأما الحسين رضي الله عنه فإنه كره ذلك، وقال لأخته أم كلثوم : لا تتزوجيه .
وكانت أم كلثوم قد وعدت سعيداً، فهيأت دارها، ونصبت سريراً، وتواعدوا للكتاب، وأمرت ابنها زيداً أن يزوجها من سعيد، فبعث لها بمئة ألف درهم.
وكان سعيد قد وعد ناساً، وأرسل إليهم ليحضروا تزويجه، فلما اجتمعوا عنده – وكان قد بلغه كراهية الحسين للأمر – قال لهم : إني قد دعوتكم لأمر، ثم بدا لي غيره، إني كنت خطبت أم كلثوم بنت علي فأنعمت، والله ما كنت لأدخل على ابني فاطمة الزهراء بأمر يكرهانه.
ثم إن سعيداً ترك التزويج، وأطلق جميع ذلك المال لها.
وبهذا أظهر سعيد بن العاص حسن ودة لأهل البيت النبوي الطاهر، كما أبان عن طيب نفسه، ونبل مكارمه، وهو الذي كان يوصي أولاده قائلا: يا بني، إن المكارم، لو كانت سهلة يسيرة لسابقكم إليها اللثام، ولكنها كريهة مرة، لا يصبر عليها إلا من عرف فضلها ورجا ثوابها .
ولله در من قال:
كل الأمور تزول عنك وتنقضي
إلا الثناء فإنه لك باقي
ولو انني خيرت كل فضيلة
ما اخترت غير مكارم الاخلاق
مع ابن عمها : قال ابن إسحاق – رحمه الله – لما توفي عن أم كلثوم بنت علي رضي الله عنهما عمر بن الخطاب رضي الله عنه، تزوجت عون بن جعفر بن أبي طالب – وهو ابن عمها – أما قصة هذا الزواج فيرويه ابن أخي أم كلثوم وهو الحسن بن الحسن بن علي رضي الله عنهم، يقول: دخل على عمتي أم كلثوم بنت علي أخواها الحسن والحسين، وذلك بعد أن مات عمر رضي الله عنه فقالا لها: يا أم كلثوم، إنك ممن عرفت، سيدة نساء المسلمين وبنت سيدة نساء العالمين، وإنك والله إن مكنت أباك من رقتك أنكحك بعض أيتامه، وإن أردت أن تصيبي بنفسك مالاً عظيماً لتصيبنه.
ويتابع الحسن بن الحسن حديثه فيقول: فوالله ما قام الحسن والحسين من مجلسهما مع عمتي أم كلثوم حتى أقبل جدي علي يتكى على عصاه، فسلم عليهم، ثم جلس، فحمد الله عز وجل، وأثنى عليه، وذكر منزلتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومكانتهم في البيت النبوي الطاهر الذي أذهب الله عنه الرجس وطهره تطهيرا، ثم توجه بحديثه إليهم وقال:
قد عرفتم منزلتكم عندي يا بني فاطمة وأثرتكم على سائر ولدي، لمكانتكم الكريمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقرابتكم منه.
فقال الحسن والحسين وأم كلثوم : يا أبانا صدقت – رحمك الله – فجزاك الله عنا خير الجزاء وأعظمه.
ثم توجه علي إلى ابنته أم كلثوم وقال لها : أي بنية، إنَّ الله عز وجل قد جَعَلَ أمرك بيدك، فأنا أحب أن تجعليه بيدي.
فقالت أم كلثوم : أي أبتي إلي امرأة أرغب فيما يرغب فيه النساء، وأحب أن أصيب مما تصيب النساء من الدنيا، وأنا أريد أن أنظر في أمر نفسي.
ونظر علي رضي الله عنه فيها تقول ابنته، فعلم أن هذا الرأي ليس من عندها، فعلي هو العبقري الذي لا تفوته مثل هذه الأشياء، وعندئذ قال لأم كلثوم بشيء من الحزم : لا والله يا بنية ما هذا من رأيك ما هو إلا رأي هذين، وأشار إلى الحسن والحسين.
ثم إن علياً رضي الله عنه قام وأراد الخروج وقال: والله لا أكلم رجلاً منها، أو تفعلين.
ونهض الحسن والحسين رضي الله عنها مسرعين، فأخذا بثيابه، وهما يقولان: اجلس يا أبة، فوالله ما لنا على هجرتك من صبرا ثم التفتا إلى أختهما أم كلثوم وقالا لها في لهجة رجاء: يا أخية، اجعلي أمرك بيده رحمك الله.
فقالت أم كلثوم : قد فعلت.
قال علي رضوان الله عليه: فإني قد زوجتك من عون بن جعفر وهو ابن عمك ومكثت أم كلثوم حيناً من الدهر مع ابن عمها عون بن جعفر حتى استشهد بتستر، ولا عقب له.
ولما انقضت عدتها، أبقت أم كلثوم أمرها بيد أبيها علي، فزوجها من ابن أخيه الثاني محمد بن جعفر، واستشهد محمد بن جعفر أيضاً، ولا عقب له منها .
ثم زوجها أبوها بعبد الله بن جعفر ابن عمها أيضاً، فماتت عنده، ولم يجئها ولد من الإخوة الثلاثة.
أم كلثوم وابْنُ عُمَرَ:
كان لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما مكانة عظيمة عند أم كلثوم بنت علي رضي الله عنهما، وذكر الطبري – رحمه الله – في تاريخه قصة تشير إلى ذلك.
فقد أورد الطبري في حوادث سنة ست وثلاثين أن عبد الله بن عمر خرج من المدينة إلى مكة معتمراً، وأخبر أم كلثوم بنت علي أنه يخرج معتمراً مقيماً على طاعة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما صدوقاً فاستقر عندها صدقه ووفاءه.
وأصبح سيدنا علي رضي الله عنه فقيل له : يا أمير المؤمنين، حدث البارحة حدث هو أشد من طلحة والزبير وأم المؤمنين – عائشة – ومعاوية رضي الله عنهم!
قال علي رضوان الله عليه: وما ذلك ؟!
قيل : خرج عبد الله بن عمر بن الخطاب إلى الشام ليخرج عليك فخرج علي رضي الله عنه وأتى السوق، ودعا بالظهر، فحمل الرجال، وأعد لكل طريق إلى الشام طلاباً لعبد الله بن عمر.
وماج أهل المدينة لذلك، وسمعت أم كلثوم رضي الله عنها بالذي هو فيه، فدعت ببغلتها، فركبتها في رحل ، ثم انطلقت، فأتت سيدنا علياً، وهو واقف في سوق المدينة يفرق الرجال، ويبعثهم في طلب ابن عمر؛ فحيته وقالت له:
ما لك يا أمير المؤمنين يضيق صدرك من هذا الرجل ؟! إن الأمر على خلاف ما بلغته وحدثته عنه، وإن عبد الله بن عمر رجل صالح كما تعلم.
ثم قالت: يا أمير المؤمنين أنا ضامنة لعبد الله بن عمر.
عند ذلك طابت نفس علي رضي الله عنه، ودخل السرور إلى قلبه بما عرف من الحق، والحقيقة، ثم قال لرجاله وأصحابه انصرفوا، هداكم الله، لا والله ما كذبت ابنتي أم كلثوم، ولا كذب عبد الله بن عمر، وإنه عندي ثقة، فانصرفوا
أم كلثوم ومقتل أَبِيهَا:
في سنة أربعين من الهجرة النبوية المباركة، قتل سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالكوفة، أما سبب مقتله، فكما ذكر ابن جرير، والدينوري، وابن كثير، وابن الأثير، وغير واحد من علماء التاريخ والسير وأيام الناس، ما مفاده أنه اجتمع ثلاثة من الخوارج وهم:
عبد الرحمن بن عمرو والمعروف بابن ملجم المرادي، والبرك بن عبد الله التميمي، وعمرو بن بكر التميمي، وذلك بعد موقعة النهروان بشهر ، فتذاكروا ما فيه أمر الناس من تلك الحروب، فقال بعضهم لبعض؛ ما الراحة إلا في قتل هؤلاء النفر الثلاثة:
علي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص.
فقال ابن ملجم أما أنا فأكفيكم قتل علي بن أبي طالب.
وقال البرك وعلي قتل معاوية. وقال عمرو بن بكر وأنا أكفيكم قتل عمرو بن العاص.
واتعدوا لليلة واحدة يقتلونهم فيها، وكانت ليلة السابع عشر من رمضان من سنة أربعين للهجرة.
وأقبل عبد الرحمن بن ملجم حتى قدم الكوفة، فرأى امرأة يقال لها قطام وكانت فائقة الجمال مشهورة به، وقد كان علي قتل أباها وأخاها يوم النهروان فخطبها عبد الرحمن فاشترطت عليه قائلة:
لا أتزوجك إلا على ثلاثة آلاف درهم وعبد وقينة، وقتل علي بن أبي طالب، فتزوجها على ذلك الشرط.
فلما كانت الليلة المتفق عليها، تقلد ابن ملجم سيفه، وكان قد سمه، وقعد مغلساً ينتظر أن يمر به علي رضوان الله عليه مقبلاً إلى المسجد لصلاة الصبح.
فبينما هو في ذلك إذ أقبل علي وهو ينادي : الصلاة أيها الناس، الصلاة أيها الناس، فقام إليه ابن ملجم، فضربه بالسيف على رأسه، فاجتمع الناس فأخذوه.
وحمل سيدنا علي رضي الله عنه إلى منزله، وأدخل عليه ابن ملجم، فقالت له أم كلثوم ابنة علي رضي الله عنهما : يا عدو الله، أقتلت أمير المؤمنين؟
قال ابن ملجم : لم أقتل أمير المؤمنين، ولكني قتلت أباك.
قالت أم كلثوم : أما والله إني لأرجو أن لا يكون عليه بأس.
قال ابن ملجم : فعلام تبكين إذن؟ أما والله لقد سممت السيف شهراً، فإن أخلفني أبعده الله .
وفي رواية أنه قال: أما أنا فقد أرهفت السيف، وطردت الخوف، وحثثت الأمل، ونفيت الوجل، وضربته ضربة لو كانت بأهل عكاظ قتلهم.
وفي رواية أخرى، أن ابن ملجم قال لأم كلثوم رضي الله عنها : فعلى من تبكين؟ والله لقد اشتريته بألف وسممته بألف ولو كانت هذه الضربة على جميع أهل المصر، ما بقي منهم أحد.
هذا ولم يمس علي رضي الله عنه يومه ذلك حتى لحق بالرفيق الأعلى رضي الله عنه وأرضاه .
وفي كلام ابن ملجم يقول النجاشي الشاعر:
إذا حية أعيا الرقاة دواؤها
بعثنا لها تحت الظلام ابن ملجم
وقال ابن مياس المرادي يذكر مهر ابن ملجم
ولم ار مهرا ساقه ذو سماحة
كمهر قطام من فصيح وأعجم
ثلاثة آلاف وعَبْدٌ وقَيْنَة
وضرب علي بالحسام المصمم
فلا مهر أغلى من علي وإن غلا
ولا قتل إلا دون قتل ابن ملجم
كان المصاب أليماً عظيماً على المسلمين، وعلى أم كلثوم خاصة، فقد فقدت زوجها وأباها في صلاة الفجر، فلما قتل أبوها جعلت تقول : مالي ولصلاة الصبح ، قتل زوجي عمر صلاة الغداة، وقتل أبي صلاة الغداة.
وبكت أم كلثوم بكاء شديداً، وكذلك ابنة خالتها أمامة بنت أبي العاص وكانت زوجة أبيها، وفي حزن هاتين تذكر أم الهيثم النخعية حالهما، وهما حول جثمان علي رضي الله عنه:
أشاب ذؤابتي وأطال حزني
أمامة حين فارقت القرينا
وعبرة أم كلثوم إليها
تجاوبها وقد رأت اليقينا
أم كلثوم وشَجَاعَةُ ابنها زيد:
ورث زيد بن عمر عن أبيه شجاعته، وعن أمه أم كلثوم فصاحتها وجرأتها، وقد وصفه علماء التاريخ وكتاب التراجم بأنه كان جميل الطلعة، لطيف الشكل، حلو الشمائل، وكان لا يسكت على ضيم أو انتقاص لأحد، وكان يفتخر بقوله:
أنا ابن الخليفتين .. يقصد عليا وعمر رضي الله عنهما
ولزيد هذا موقف أمام معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما يشير إلى شجاعته وجرأته، فقد ذكر غير واحد من علماء التاريخ والسير والتراجم قال:
وفدنا مع زيد بن عمر بن الخطاب إلى معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، فأدنى معاوية زيداً منه وأجلسه بجانبه على السرير وزيد يومئذ من أجمل الناس وأبهاهم.
وكان في المجلس بسر بن أرطأة العامري القرشي، فبينما هو جالس، أسمعه كلمة نال فيها من جده علي بن أبي طالب رضي الله عنه ؛ فقال له بسر بسخرية : يا بن أبي تراب
فقال له زيد : إياي تعني؟ لا أم لك، أنا والله خير منك وأزكى وأطيب
وما زال الكلام بينهما حتى علاه زيد بعصا فشجه، ثم نزل إليه زيد فخنقه حتى صرعه، ورماه على الأرض، وبرك على صدره، ثم قال لمعاوية:
أنا ابن الخليفتين، والله لا تراني بعدها عائداً إليك، وإني لأعلم أن هذا لم يكن إلا عن رأيك.
فنزل معاوية عن سريره، فحجز بينهما، ثم قال لزيد: عمدت إلى شيخ من قريش سيد أهل الشام فضربته!
ثم إن معاوية قال : أبعد الله بسراً، أبعد الله بسراً أما علم بسر أن زيداً ابن علي وعمر، وأم زيد ابنة علي من فاطمة بنت رسول الله ﷺ؟
والتفت معاوية إلى بسر وقال له : تشتم علياً وهو جده، وابن الفاروق على رؤوس الناس، أو كنت ترى أنه يصبر على ذلك؟!
وخرج بسر من مجلس معاوية، وقد تشعث رأسه وعمامته ؛ ثم خرج زيد من مجلس معاوية، فدعا بإبله فارتحل، فأتاه أذن معاوية، فقال: إن أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام ويقول: عزمت عليك لما أتيتني، فإن أبيت أتيتك.
قال زيد: لولا العزيمة ما أتيت.
فلما رجع إليه زيد أجلسه معاوية على سريره، وقبل بين عينيه، ثم اعتذر منه وقال :
من نسي بلاء عمر، فإني والله ما أنساه، لقد استعملني وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون، وأنا يومئذ حديث السن، فأخذت بأدبه، واقتديت بهديه، واتبعت أثره، فوالله ما قويت على العامة إلا بمكاني منه.
ثم إن معاوية أمر لزيد بمئة ألف درهم، وأمر لكل واحد من أتباعه بأربعة آلاف، وكانوا عشرين رجلاً، وقضى حوائج زيد.
وأمر معاوية كذلك لبسر بن أرطأة بصلة، وأرضاهما جميعاً.
ثم إن معاوية رضي الله عنه قال كلمته المشهورة: إني لأرفع نفسي من أن يكون ذنب أعظم من عفوي، وجهل أكثر من حلمي، أو عورة أواريها بستري أو إساءة أكثر من إحساني.
وَفَاةُ أم كلثوم رضي الله عنها
روى أصحاب الأخبار والتراجم أن أم كلثوم وابنها زيداً قد ماتا في يوم واحد. وقيل إن زيداً قد توفي شاباً، والسبب في وفاته كما ورد أن فتنة، قد وقعت في قومه بني عدي بن كعب ليلا، فخرج زيد كيما يصلح بينهم، وينهى بعضهم عن بعض، فخالطهم، فضربه رجل منهم في الظلمة – وهو لا يعرفه – على رأسه فشجه، وصرع عن دابته، وتنادى القوم: زيد …. زيد …. فتفرقوا وأسقط في أيديهم . وقيل أصابه حجر فمات.
وخرجت أمه أم كلثوم وهي تقول يا ويلاه ما لقيت من صلاة الغداة، وذلك أن أباها وزوجها وابنها قتلوا في صلاة الصبح، ثم إنها وقعت عليه حزناً، فقبضت هي وابنها في ساعة واحدة.
وقال محمد بن إياس بن البكير يرثي زيد بن عمر من قصيدة منها :
الا يا ليت أمي لم تلدني
ولم أك في الغواة لدى البقيع
ولم ارَ مصرع ابن الخير زيد
وهد به هنالك من صريع
هو الرجل الذي عظمت وجلت
مصيبته على الحي الجميع
شفيع الجود ما للجود حقاً
سواه إذا تولى من شفيع
وشيّع أم كلثوم كما شيعَ ابنها إلى البقيع عدد من الصحابة، وفي مقدمتهم :
عبد الله بن عمر والحسن والحسين وعبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر رضي الله عنهم .
وقال عبد الله بن عمر لأخيها الحسن : تقدم فصل على أختك وابن أختك .
فقال الحسن رضي الله عنه لابن عمر :بل تقدم أنت فصل على أمك وأخيك.
وتقدم عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وجعل زيداً مما يليه، ثم جعل أم كلثوم وراءه، ثم صلى عليهما وكبر أربعاً، وخلفه الحسن والحسين رضي الله عنهما.
كانت وفاة أم كلثوم في عهد سيدنا معاوية رضي الله عنهما، وبموت أم كلثوم بنت علي طوى التاريخ حياتها، إلا أنه نشر فضائلها الفواحة بألقِ العبير على مدى الأيام، لتكون قدوة لغيرها من بنات حواء .
رضي الله عن أم كلثوم بنت علي، وجعلها في مستقر رحمته، ممن يرثون الفردوس مع المقربين في روح وريحان وجنة نعيم.
(نساءُ أهل البيت في ضوء القرآن والحديث)










