حفيدة النبي زینب بنت علي رضي الله عنها

ـ ابنة الزهراء وسبطة النبي ﷺ.
ـ ولدت سنة (5 هـ) بالمدينة المنورة، وكانت حازمة عاقلة لبيبة عالمة.
ـ شهدت أحداث خلافة أبيها علي رضي الله عنه.
ـ اشتهرت بالفصاحة والجرأة، ولها موقف مشهور أمام عبيد الله بن زياد.
ـ حظيت زينب بمكانة خاصة في البيت النبوي وتوفيت سنة (٦٢هـ) بالمدينة على أرجح الأقوال.

أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ
هذه امرأة من نساء أهل البيت ذات مكانة متميزة بين نساء الإسلام، فهي ذات أصل ثابت في كرم الأصول، متطاول الفروع في سماء الشرف والكرم والحسب والدين والفضيلة.
ولما رحت أدرس سيرتها في العقد الفريد لنساء أهل البيت العتيد، وقفت طويلاً أمام هذا التراث التليد لهذه المرأة التي شَغَلَتْ مساحة من تاريخ النساء المجيد في صدر الإسلام.
لقد وجدت أنها من المنبت الزاكي، والشجرة الطيبة الكريمة، ذات الأصل الثابت، والفرع المتطاول في السماء. وجدت أنها نشأت في بيت تجمعت فيه صفات الإنسانية، وخلال الرحمة والوفاء، وتتهاوى في جنباته شمائل الشرف والكرم والحياء.
فهي كريمة الأصول من جهة أبويها.. رجالهم، ونساؤهم .. فمن الرجال جدها : رسول الله ﷺ، وهو رأس البيت النبوي، سيد الأولين والآخرين وأفضل خلق الله. وأبوها: سيدنا علي بن أبي طالب فارس المسلمين، وسيد من أسياد الصحابة الكرام رضوان الله عليه.
وزوجها : عبد الله بن جعفر بن أبي طالب السيد العالم، أبو جعفر القرشي الهاشمي، الجواد بن الجواد ذي الجناحين له صحبة ورواية، رضوان الله عليه .
واخواها الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وريحانتا رسول الله ﷺ.
وعمها: سيدنا جعفر بن أبي طالب أحد نجباء الصحابة وشجعانهم، قال له رسول الله ﷺ : «أشبهت خلقي وخُلقي» وهو أحد أجواد الصحابة، وكرماء الدنيا رضي الله عنه . وأما أصولها وشرفها من جهة النساء، تذكر:
جدتها : خديجة بنت خويلد أم المؤمنين، وأول خلق الله إسلاماً من الرجال والنساء، الطاهرة في الجاهلية والإسلام، وزيرة الصدق، وصديقة المؤمنات الأولى، وممن كمل من النساء رضوان الله عليها.
وجدتها لأبيها : فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف الهاشمية القرشية، إحدى السابقات في مواكب الفضيلة والفضائل، ومن المهاجرات الأول، وممن حازت قصب السبق في مضمار الخيرات رضي الله عنها.
وأمها : فاطمة الزهراء بنت النبي ﷺ ، الحبيبة النبوية، وأم الذرية الطاهرة وسيدة نساء أهل الجنة، وممن بشرها النبي بالجنة، ومناقبها لا تحصى رضي الله عنها .
وخالاتها : أم كلثوم وزينب ورقية بنات النبي الطاهرات رضي الله عنهن، وهن مع أمهن أول نساء الدنيا إسلاماً واستجابة لنور الله .
وأختها : أم كلثوم بنت علي رضي الله عنهما، إحدى نساء أهل البيت فضلا وكرماً .
إذن فالمرأة التي يطيب الحديث عنها من صميم البيت النبوي، وهي زينب بنت علي بن أبي طالب الهاشمية سبطة رسول الله ﷺ.ففي حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي العام الخامس من الهجرة المباركة، كان قدوم زينب بنت علي إلى هذه الدنيا، لتسجل أجمل الصفحات في أوراق الأيام، لتبقى ذات أثر معطار على مر العصور.
ذاع في المدينة المنورة سنة ولادتها، أن قد ولدت فاطمة الزهراء طفلة سماها رسول الله ﷺ زينب حباً بأكبر بناته زينب رضي الله عنها.
واستبشر المسلمون من المهاجرين والأنصار بهذه الوليدة التي أدخلت السرور إلى قلب الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وقلب فاطمة الزهراء رضي الله عنها، وقلب علي والحسن والحسين رضي الله عنهم، وهؤلاء عماد البيت النبوي الطاهر، وذريتهم هي الذرية الطاهرة التي كتب الله عز وجل لها الخلود في دنيا الخلود.
لقد استقبل البيت النبوي الطاهر الكريم، هذه الوليدة الكريمة زينب، تلكم التي يفوح عبيرها في المهد الصغير، إنه عبير المنبت الطيب المبارك، فهي سليلة الأشراف الشرفاء، أولئك الذين خصهم الله عز وجل بقوله :{إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} [الأحزاب: ٣٣].
ومما لا شك فيه بأن سيدتنا فاطمة الزهراء رضي الله عنها، كانت أحب بنات النبي ﷺ إلى قلبه الشريف، كما كانت الزهراء أشبه الخلق به خلقاً وخلقاً ومنطقاً، وهو الذي يقول عنها: «فاطمة بضعة مني» فلا عجب إذن؛ أن تكون هذه الوليدة الصغيرة زينب ابنة فاطمة حبيبة إلى قلب الرسول ﷺ، قريبة من نفسه، وكيف لا وهو معدن الرحمة ومعقل الحنان، ومعقد الرجاء
لقد أخذت زينب رضي الله عنها مكانها في البيت النبوي، وعرفت بمنزلتها الكريمة عند النبي ﷺ، فحق لها الخلود مع الخالدين.

زيْنَبُ والزَّهْرَاء
في ذلك الجو الفواح بعبير التقى والإيمان، والعبق بنسمات الدين والورع، تفتحت زينب تلكم النبتة الزاكية الزكية التي أنبتها الله نباتاً حسناً في المنبت الطيب المبارك، رأت زينب منذ أن رأت نور الحياة، أن النور المشرق في وجه جدها هو عبير الحياة، ورأت وجه أمها إحدى كوامل النساء في دنيا النساء، منذ أن خلق الله الأرض ومن عليها، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ورأت في أمها كل معاني الفضيلة، والمكارم الإنسانية، وفي مقدمتها الصبر والدين والخير والصيانة والقناعة والشكر.
راحت سيدتنا فاطمة الزهراء رضي الله عنها تقبل على صغيرتها الجميلة زينب، وتحنو عليها، وتغذيها غذاء الإيمان مع رضاع طفولتها. ويبدو أن فاطمة الزهراء رضي الله عنها كانت ترى في ابنتها زينب هذه كل معاني الرحمة والعطف وخصوصاً بعد أن توفيت أختها زينب زوج أبي العاص بن الربيع في مستهل السنة الثامنة من الهجرة. وأخذت فاطمة الزهراء رضوان الله عليها تعد ابنتها الصغيرة زينب لتسير على نهج نساء أهل البيت.
رضعت زينب من ثدي الإسلام وتغذت برحيق الإيمان، واقتبست المعرفة من البيت النبوي العريق، ونهلت العلم من نساء أهل البيت الطاهرات وهي ما تزال طرية العود، فقد وجدت أمامها في البيت النبوي صفوة الناس في البيان، وفي المعارف كلها.
وتمضي الأيام، وتطل السنة الحادية عشرة من الهجرة، فإذا بالحبيب المصطفى ينتقل إلى الرفيق الأعلى، وانتبهت زينب على النبأ الذي اهتزت له الجزيرة العربية كلها، ألا وهو موت جدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقد رأت بكاء الباكين والباكيات فيما حولها حزناً على الحبيب المصطفى .
كم أثر بقلبها الصغير ذلك المشهد الذي ودع فيه المسلمون رسول الله، ولكنها سنة الحياة، نعم سنة الحياة، وقضاء الله الذي قضى به على عباده أجمعين. وتعود زينب لتجد أن الأحزان قد أثقلت صدر فاطمة الزهراء، لوفاة أبيها، فتراها باكية العين، حزينة الفؤاد، لقد بدأ المرض يؤثر على فاطمة الزهراء، أما زينب فكانت بقرب أمها وهي إذ ذاك لا تتجاوز خمس سنين، وكانت تشفق أن تموت أمها فتغدو مع أختها أم كلثوم – بلا أم ترعى مصالحها.
لقد لزمت زينب وأخواتها فراش أمها التي اعتلت بعد وفاة النبي ﷺ، كانت زينب تنظر إلى أمها بإشفاق، وتعمل على ما يدخل السرور إلى قلبها. ولكن فاطمة الزهراء رضي الله عنها لحقت بأبيها بعد ستة أشهر راضية مرضية لترث الفردوس فانتاب زينب حزن عميق، وشعرت بأن الدار قد أضحت موحشة بعد رحيل فاطمة الزهراء رضي الله عنها، وها هو أبوها علي رضي الله عنه يغمرها بعطفه وحبه، ويحلها من قلبه مكاناً رحباً، فهي تذكره بالزهراء وبأمه فاطمة بنت أسد، وتذكره بخديجة أم المؤمنين رضوان الله عليها. ودرجت زينب في بيت أبيها علي وقد تحملت مسؤولية هذا البيت منذ نعومة أظفارها، فشغلت جزءاً من مكانة الأم فيه، وكان أخواها الحسن والحسين يحوطانها برعايتهما ما استطاعا إلى ذلك سبيلا.
وسترى كيف أثبتت زينب بنت علي رضي الله عنهما، أنها امرأة من طراز فريد في عالم النساء، وسنرى مسيرها إلى الشام، وسنلاحظ مواقفها البارزة وبيانها الرائع في مواقف عظيمة يعجز عنها كثير من الرجال، ولكن سليلة البيت النبوي الهاشمي، سجلت أنصع الأثر في عالم الأثر، وعالم التراث.

زَوْجُ الجَوادِ بن الجواد:
نشأت زينب بنت علي رضوان الله عليهما نشأة صافية في بيت أبيها، ومنذ نعومة أظفارها، لوحظت علائم الذكاء والنباهة ترتسم على وجهها، فقد كانت كأمها فاطمة الزهراء وجدتها خديجة صفاء ونقاء وديناً وصيانة، وعُرفت بين بنات علي بهذه الصفات الكريمة.
ولما بلغت مبلغ الزواج، كان يتهافت عليها الطلاب من شباب عبد شمس وهاشم، ومن غير هاشم وغير قريش. وأوردت المصادر أن غير واحد من أمراء الناس قد تقدم لخطبة زينب، فكان أبوها يرده جميلاً، فقد كان علي رضي الله عنه يريد لابنته رجلاً من أقاربه، وكان ما أراد، فقد تقدم لخطبتها ابن أخيه الشقيق عبد الله بن جعفر الجواد بن الجواد
وعبد الله بن جعفر -هذا- له صحبة ورواية، ويعد من صغار الصحابة رضوان الله عليهم، استشهد أبوه جعفر في يوم مؤتة، فكفله الحبيب المصطفى، فنشأ عبد الله في حجره، وصنع على عينه، ونهل من معين البيت النبوي ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.
وعبد الله بن جعفر، هو آخر من رأى النبي ﷺ وصحبه من بني هاشم وكان كبير الشأن، كريماً جواداً، يصلح للإمامة، وكان يشبه النبي ﷺ، وفيه قال عليه الصلاة والسلام: «وأما عبد الله ؛ فشبه خلقي وخلقي» ورد في الصحيح وغيره عن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما قال: كان رسول الله ﷺ إذا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، تلقي بالصبيان من أهل بيته، وإنه جيء بأحد ابني فاطمة، فأردفه خلفه، فدخلنا المدينة ثلاثة على دابة.
وهذا السيد العالم كان من السادة الكبراء، وكان ابن عمر إذا سلم على عبد الله بن جعفر قال: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين
وعبد الله بن جعفر -هذا- قد حظي بدعوة البركة من الحبيب الأعظم محمد ﷺ، فقد ذكر الهيثمي في المجمع قال: من النبي ﷺ بعبد الله بن جعفر وهو يلعب بالتراب فقال:«اللهم بارك له في تجارته».
هذا وقد كان سيدنا علي رضوان الله عليه على علم بمكانة ابن أخيه، وخبره، وعرف حب النبي ﷺ له، ولذا فإنه اختاره لابنته الأثيرة زينب رضي الله عنها، ليكون زوجاً لها. انتقلت زينب علي إلى بيت عبد الله بن جعفر، وعاشت معه عزيزة كريمة الجانب، وكانت ودوداً ولوداً.
أخرج ابن عساكر بسنده عن ابن سعد قال: زينب بنت علي بن أبي طالب وأمها فاطمة بنت رسول الله النبي ﷺ، تزوجها عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، فولدت له علياً، وعوناً الأكبر، وعباساً، ومحمداً، وأم كلثوم.
وقد نشأ أولادها هؤلاء أكرم نشأة، فكانوا كلهم من أعلام العلماء، وحفظة الحديث النبوي الشريف، فرووا عن أبيهم عبد الله بن جعفر، وكانوا من علماء الثقات، ومن ثقات العلماء. كانت زينب رضي الله عنها قد عاشت مع عبد الله بن جعفر، ذلك السيد الشهم النبيل الكريم، وكان سخياً جواداً له أخبار رائعة في البذل والكرم، وعن جوده أشار أحد الشعراء حينها امتدح أحد الأمراء فقال:
وما كنت إلا كالأغر ابن جعفر
رأى المال لا يبقى فأبقى له ذكرا
نعم فقد كانت الأموال لا تستقر في جيب عبد الله، أو في بيته، ويتوافق حاله مع قول القائل:
وإني امرؤ لا تستقر دراهمي
على الكف إلا عابرات سبيل
وكانت زينب رضي الله عنها معواناً لزوجها على الكرم، وكيف لا، وهي سليلة آل البيت النبوي الأجواد؟ وتشير أخبارها إلى أنها كانت تحضه على إكرام الوافدين إليه، كيما ينالوا نواله وعطاءه؛ وأعتقد أنها شهدت واقعة تدل على كرمه الشديد الذي تجاوز كرم الكرماء.
حدث الأصمعي -رحمه الله- أن امرأة أتت بدجاجة مسموطة في مكتل، فقالت لعبد الله بن جعفر: بأبي أنت! هذه الدجاجة كانت مثل بنيتي، آكل من بيضها وتؤنسني، فاليت أن لا أدفتها إلا في أكرم موضع أقدر عليه، ولا والله ما في الأرض أكرم من بطنك. قال عبد الله بن جعفر رضي الله عنها : إذن، خذوها من هذه التي قصدتنا، واحملوا إليها من الحنطة كذا، ومن التمر كذا، وأعطوها من الدراهم كذا، وذكر أنواعاً كثيرة من العطاء، حتى تعجبت تلك المرأة وهتفت قائلة: بأبي أنت {إن الله لا يحب المسرفين} [الأنعام: ١٤١].
وطار هذا الخبر بين الناس، وتداولته الألسنة في المجالس، فراق للشعراء ذلك، فقال الشماخ بن ضرار من رقائق كلامه يمتدحه:
إنك يا ابن جعفر نعم الفتى
ونعم مأوى طارق إذا أتى
ورب ضيف طرق الحي سرى
صادف زاداً وحديثاً ما اشتهى
إن الحديث جانب من القرى وأخبار الكرم والكرام والمكارم، تشحذ الهمم، وتصقل النفوس، وتهذب طباع المتعلمين، ومما يصلح ذكره في هذا المقام، ما أورده الذهبي في ترجمة عبد الله بن جعفر، حيث قال: يُروى أن شاعراً جاء إلى عبد الله بن جعفر، فأنشده:
رأيتُ أبا جعفرٍ في المنامِ
كساني من الخز دراعه
شكوت إلى صاحبي أمرها
فقال ستؤتى بها الساعه
سيكسوكها الماجد الجعفري
ومن كفه الدهر نفاعه
ومن قال للجود لا تعدني
فقال له السمع والطاعه
فقال عبد الله لغلامه: أعطه جبتي الخز.

ثم قال له:
ويحك كيف لم تر جبتي الوشي؟
فقال: أنام فلعلي أراها.
فضحك عبد الله، وقال: ادفعوها إليه.
اليس عبد الله هذا بحاتم الأجواد، وخاتم الأجواد ؟!!
وكان الشاعر غناه بقوله:
فتي تهرب الأموال من جود كفه كما يهرب الشيطان من ليلة القدر وعرف الناس أن زينب بنت علي رضي الله عنهما من نساء أهل البيت النبوي الكريم، وأن زوجها عبد الله بن جعفر بحر الجود والمعروف، ولذلك فإن كثيراً من الأعراب كانوا يقصدون البيت الذي يفيض بالندى على كل من يقصده، وكان هؤلاء القصاد يدركون مكانة زينب وعبد الله في البيت النبوي، فكانوا يذكرون ذلك في امتداحهم. ذكر أن أعرابياً قصد مروان بن الحاكم أمير المدينة” يطلب منه نوالا، فاعتذر مروان للأعرابي، وقال له : يا أخا العرب ليس عندنا شيء الآن، ولكني أرشدك إلى ابن ذي الجناحين عبد الله بن جعفر، فهو كهف الفضائل والجود. فانطلق الأعرابي يسأل عن عبد الله بن جعفر صهر سيدنا علي بن أبي طالب، فأرشدوه إلى منزل عبد الله، ولما لقيه أنشأ الأعرابي يقول :أبو جعفر من أهل بيت نبوة صلاتهم للمسلمين طهور فرحب به عبد الله بن جعفر، ثم تابع الأعرابي يذكر حاجته وما لاقاه من مروان فقال: أبا جعفر إن الحجيج ترحلوا وليس لرحلي فاعلمن بعير أبا جعفر من الأمير بماله وأنت على ما في يديك أمير جناحان في أعلى الجنان يطير فلا تتركني بالفلاة أدور أبا جعفر يا ابن الشهيد الذي له أبا جعفر ما مثلك اليوم أرتحي فالتفت عبد الله بن جعفر إلى الأعرابي، وأشار إلى راحلة محملة وعليها سيف ثمين فقال : يا أعرابي، سار الثقل، فعليك بالراحلة بما عليها، وإياك أن تخدع عن السيف فإني أخذته بألف دينار. وانطلق الأعرابي إلى باديته وهو يثني على أهل البيت النبوي، منبع الجود، وتبع الكرم والمكارم . وقصص كرم البيت النبوي لا تتسع لها هذه الصفحات، ولكنا أحببنا أن نعطر الأسماع والأفواه بشيء من كرم هؤلاء الاعلام الأطهار.

زَيْنَبُ وَخِلَافَةٌ أَبِيهَا
عاشت زينب بنت علي رضوان الله عليهما شطر حياتها في ظلال الخلافة الراشدة بالمدينة المنورة، ولما بويع سيدنا علي بن أبي طالب بالخلافة في سنة خمس وثلاثين من الهجرة النبوية، كان عمر زينب يقترب من الثلاثين، وشهدت أحداث الخلافة كاملة، لقد شهدت والدها وهو يصعد المنبر ليخطب أول خطبة له بعد أن تولى الخلافة فقال : إن الله تعالى أنزل كتاباً هادياً، بين فيه الخير والشر، فخذوا بالخير، ودعوا الشر، إن الله حرم حرماً مجهولة، وفضل حرمة المسلم على الحرم كلها، وشد بالإخلاص والتوحيد حقوق المسلمين والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده إلا بالحق، لا يحل لمسلم أذى مسلم إلا بما يجب، بادروا أمر العامة، وخاصة أحدكم الموت، فإنما ينتظر بالناس أخراهم، اتقوا الله عباده وبلاده، فإنكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم، ثم أطيعوا الله ولا تعصوه، وإذا رأيتم الخير فخذوا به، وإذا رأيتم الشر فدعوه {واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض} [الأنفال: ٢٦].
ثم إن سيدنا علي بن أبي طالب غادر المدينة نحو العراق، وكانت بصحبته ابنته زينب، وكذلك صهره عبد الله بن جعفر، فقد كان عبد الله أحد الفرسان في جيش علي يوم صفين؛ قال أبو عبيدة – رحمه الله – : كان علي قريش وأسد وكنانة يوم صفين عبد الله بن جعفر.
وعاشت زينب أحداث خلافة أبيها في الكوفة بالعراق، وكان سيدنا علي رضي الله عنه قد تنغصت عليه الأمور، واضطرب عليه جيشه، وخالفه أهل العراق، ونكلوا عن القيام معه، وضعف جأشهم، وكان أميرهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه خير أهل الأرض في ذلك الزمان، أعبدهم وأزهدهم، وأعلمهم وأخشاهم الله عز وجل، ومع هذا كله، خذلوه، وتخلوا عنه، حتى كره الحياة، وذلك لكثرة الفتن، وظهور المحن. ولما كان شهر رمضان عام أربعين من الهجرة، قتل سيدنا علي شهيداً، وشهدت زينب ابنته مقتله، ولما احتضر جعل يكثر من قول لا إله إلا الله، حتى قبض رضي الله عنه.
وبكت زينب أباها بكاء شديداً، فقد كان حادث مقتله أليماً على الأمة الإسلامية آنذاك، وعلى الدنيا بأسرها، وعلى أهل البيت النبوي الطاهر، ولكن أمر الله كان قدراً مقدوراً.

زَيْنَبُ وَالْحُسَين
في العراق مرة أخرى، تفقد زينب أخاها الحسين بن علي رضي الله عنهما، فقدته بعد مقتل أبيها بأكثر من عشرين سنة، كان مقتل الحسين رضي الله عنه في كربلاء يوم عاشوراء سنة إحدى وستين من الهجرة النبوية.
لم تفقد زينب أخاها وحده في كربلاء، وإنما قتل عدد كبير من أهل بيتها.
قال الإمام الذهبي -رحمه الله- : ولم يفلت من أهل بيت الحسين سوى ولده علي الأصغر، فالحسينية من ذريته، كان مريضاً.
وحسن بن حسن بن علي، وله ذرية
وأخوه عمرو، ولا عقب له.
والقاسم بن عبد الله بن جعفر.
ومحمد بن عقيل.
فقدم بهم وبزينب وفاطمة بنتي علي، وفاطمة وسكينة بنتي الحسين، وزوجته الرباب والدة سكينة، وأم محمد بنت الحسن بن علي، وإماء لهم.
كانت زينب مع أخيها الحسين رضي الله عنهم، لما كان في كربلاء، ويبدو أنها شعرت بما سيحل بالبيت النبوي من كارثة، ولكن الحسين رضي الله عنه كان يخبرها بأنه لكل أجل كتاب.
روى علي بن الحسين – زين العابدين – هذا الخبر، وأورده قصة عمته زينب بنت علي مع والده الحسين فقال : إني لجالس تلك العشية التي قتل أبي في صبيحتها، وعمتي زينب تمرضني، إذ اعتزل أبي في خبائه، ومعه أصحابه، وعنده حويّ مولى أبي ذر الغفاري، وهو يُعالج سيفه ويصلحه، وأبي يقول:
يا دهر أفّ لك من خليل
كم لك بالإشراقي والأصيل
من صاحب أو طالب قتيل
والدهر لا يقنع بالبديل
وإنما الأمر إلى الجليل
وكل حي سالك السبيل
فأعادها مرتين أو ثلاثاً حتى حفظتها، وفهمت ما أراد، فخنقتني العبرة، فرددتها، ولزمت السكوت، وعلمت أن البلاء قد نزل؛ وأما عمتي، فقامت حاصرة حتى انتهت إليه، فقالت:
واثكلاه ليت الموت أعدمني الحياة اليوم! ماتت أمي فاطمة، وعلي أبي وحسن أخي يا خليفة الماضي، وثمال الباقي.
فنظر إليها وقال: يا أخية، لا يذهبن حلمك الشيطان.
فقالت: بأبي أنت وأمي أبا عبد الله استقتلت ؟! نفسي لنفسك الفدى ولطمت وجهها، وشقت جيبها، وخرت مغشياً عليها، فردد غصته، وترقرقت عيناه، وقام إليها، قصب على وجهها الماء وقال: يا أخية اتقي الله واصبري، وتعزي بعزاء الله، واعلمي أن أهل الأرض يموتون، وأن أهل السماء لا يبقون بقدرته، ويميتهم بقهره وعزته، ويعيدهم فيعبدونه وحده، وهو فرد وحده.
يا أخية اعلمي أن أبي خير مني، وأمي خير مني، وأخي خير مني، ولي ولهم ولكل مسلم برسول الله أسوة حسنة. ثم حرج عليها أن لا تفعل شيئاً من هذا بعد مهلكه، ثم أخذ بيدها فردها إلى عندي.
وبعد ذلك أخذ الحسن يعزيها بنحو الكلام الذي تقدم، ثم قال لها : يا أخية زينب، إنني أقسم عليك لا تشقي علي جيباً، ولا تخمشي علي وجهاً، ولا تدعي علي بالويل والثبور إن أنا هلكت.
وقبل الحسين رضي الله عنه شهيداً، ووجد فيه ثلاث وثلاثون طعنة، وأربع وثلاثون ضربة غير الرمية.
روي عن محمد بن الحنفية أنه قال: قبل مع الحسين سبعة عشر رجلاً كلهم من أولاد فاطمة.
وعن الحسن البصري أنه قال: قتل مع الحسين ستة عشر رجلا كلهم من أهل بيته ما على وجه الأرض يومئذ لهم شبه.
وذكر آخرون أنه قد قتل مع الحسين من ولده، وإخوته، وأهل بيته ثلاثة وعشرون رجلاً : فمن أولاد علي رضي الله عنه: جعفر، والحسين، والعباس، ومحمد، وعثمان، وأبو بكر.
ومن أولاد الحسين علي الأكبر، وعبد الله.
ومن أولاد أخيه الحسن ثلاثة: عبد الله، والقاسم، وأبو بكر بنو الحسن بن علي بن أبي طالب.
ومن أولاد عبد الله بن جعفر اثنان عوف ومحمد – وغيرهما من أولاد زينب.
ومن أولاد عقيل : جعفر، وعبد الله، وعبد الرحمن، ومسلم، وغيرهم.

زَيْنَبُ وَشَجَاعَةً نَادِرَةً
كانت زينب بنت علي رضي الله عنها امرأة من طراز فريد بين النساء اللاتي عشن في عصر النبوة، وعصر الخلافة الراشدة، وصدر الدولة الأموية، فقد كانت ذات شجاعة عظيمة، وكانت عاقلة لبيبة ذات رأي صائب، لا تخاف من الكلام في أصعب المواقف، وإنما تتحدث بقوة وثبات جنان.
وقد احتفظ لنا التاريخ في ذاكرته مواقف وضيئة لها أمام الأمراء والخلفاء.
ولما دخلت زينب وبقية آل بيتها الكوفة، أدخلوهم على عبيد الله بن زياد، وإذ ذاك دخلت زينب رضي الله عنها، وقد لبست أرذل ثيابها، قد تنكرت وحفت بها أماؤها. فقال عبيد الله بن زياد من هذه الجالسة؟ وأشار إلى زينب!! فلم تكلمه زينب بحرف واحد فقال ذلك ثلاثاً وهي لا تكلمه
وعند ذلك قال بعض إماتها : هذه زينب بنت فاطمة.
فقال لها ابن زياد الحمد لله الذي فضحكم وقتّلكم وأكذب أحدوثتكم!
وعندئذ قالت زينب في لهجة حادة حازمة بل الحمد لله الذي أكرمنا بمحمد، وطهرنا تطهيراً، لا كما تقول – يا ابن زياد – وإنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر
فقال ابن زياد وقد كسرت شوكته فكيف رأيت صنع الله بأهل بيتك؟
فقالت بلهجة أشد وأقوى كتب عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم، فيحاجوك إلى الله عز وجل.
ولما سمع عبيد الله بن زياد هذا الكلام من السيدة الحازمة زينب بنت علي رضي الله عنهما، أخذه الغضب، وظهرت عليه سورته، واستشاط، فقال له عمرو بن حريث أصلح الله الأمير!! إنما هي امرأة، وهل تؤاخذ المرأة بشيء من منطقها؟ إنها لا تؤاخذ بما تقول، ولا تلام على خطل.
عندها قال ابن زياد لزينب: قد شفى الله غيظي من طاغيتك، والعصاة المردة من أهل بيتك.
فبكت زينب رضي الله عنها ؛ ثم قالت له بحزم : لعمري لقد قتلت كهلي، وأبرزت أهلي، وقطعت فرعي، واجتثثت أصلي، فإن يشفك هذا فقد اشتفيت.
فتعجب ابن زياد من جرأتها، ووجم قليلاً، ثم قال: هذه شجاعة، لعمري لقد كان أبوك شجاعاً!.
فقالت زينب بشيء من السخرية: ما للمرأة والشجاعة!!
ولما أراد عبيد الله بن زياد أن يقتل علي بن الحسين، قال له علي: من توكل بهذه النسوة ؟! فلم يرد ابن زياد، وعندئذ تعلقت زينب بابن أخيها علي بن الحسين، وقالت يا ابن زياد، حسبك منا ما فعلت بنا، أما رويت من دماءنا؟ وهل أبقيت منا أحداً؟ ثم اعتنقت ابن أخيها، وقالت: أسألك بالله إن كنت مؤمناً إن قتلته لما قتلتني معه.
فقال له علي بن الحسين: يا ابن زياد، إن كان بينك وبينهن قرابة، فابعث معهن رجلاً تقياً يصحبهن بصحبة الإسلام.
فنظر عبيد الله إلى زينب ساعة، ثم نظر إلى القوم أيضاً فقال: عجباً للرحم!! والله إني لأظن أنها ودت لو أني قتلته أن أقتلها معه، دعوا الغلام ينطلق مع نسائه.
ثم إن عبيد الله بن زياد أمر بزينب وبنساء الحسين وصبيانه وبناته، فجهزن، وأرسل بهن إلى الشام إلى يزيد بن معاوية، وهناك كان لزينب موقف جريء، لا يقل روعة عن موقفها أمام ابن زياد فلنشهد هنالك حزمها وجرأتها وشجاعتها.

الحازمةُ العَاقِلَة
قدم آل الحسين دمشق، ودخلوا على يزيد بن معاوية، وكانت هيئتهم رثة من السفر، ويبدو أن يزيد بن معاوية قد استحيا من ذلك، فأكرم مثواهم، وجرت محاورة بينه وبين زينب بنت علي تشير إلى حزمها، ورجاحة عقلها، وإلى شجاعتها في مثل هذا الموقف، وشهد شاهد من أهلها بذلك.
روي عن فاطمة بنت علي – أخت زينب لأبيها – أنها قالت: لما أجلسنا بين يدي يزيد رق لنا، وأمر لنا بشيء، وألطفنا، ثم إن رجلا من أهل الشام أحمر قام إلى يزيد فقال: يا أمير المؤمنين هب لي هذه – يعنيني – وكنتُ جارية وضيئة، فارتعدت فزعة من قوله، وظننت أن ذلك جائز لهم، فأخذت بثياب أختي زينب – وكانت أكبر مني وأعقل، وكانت تعلم أن ذلك لا يجوز – فقالت لذلك الرجل : كذبت والله ولؤمت، ما ذلك لك وله .
فغضب يزيد فقال لها: كذبت والله إن ذلك لي، ولو شئت أن أفعله لفعلت.
قالت زينب بحزم وجرأة: كلا يا يزيد والله ما جعل الله ذلك لك، إلا أن تخرج من ملتنا، وتدين بغير ديننا.
وعندئذ، غضب يزيد غضباً شديداً، وشوهد الدم يصعد إلى وجهه، وترتسم إمارات الاضطراب عليه، وكاد يستطير من شدة الهياج، ثم قال لزينب: إياي تستقبلين بهذا ؟! إنما خرج من الدين أبوك وأخوك .. فقالت زينب في حزم يدل على عقل وقوة جنان: بدين الله ، ودين أبي، ودين أخي وجدي اهتديت أنت وأبوك وجدك.
قال يزيد في حدة أقل من الأولى: كذبت يا عدوة الله.
قالت زينب أنت أمير المؤمنين مسلّط تشتم ظالماً، وتقهر بسلطانك.
تقول فاطمة بنت علي راوية هذا الخبر: فوالله لكأن يزيد بن معاوية استحى، فسكت.
ثم قال ذلك الرجل فقال: يا أمير المؤمنين هب لي هذه – وأشار إلي ثانية – فقال له يزيد اعزب وهب الله لك حتماً قاضياً، وأمره بالسكوت.
والتفت يزيد بن معاوية إلى النعمان بن بشير رضي الله عنهما، وأمره أن يبعث مع آل البيت النبوي إلى المدينة المنورة رجلاً من الأمناء الأوفياء، ويصحبه رجال وخيل وعدة وسلاح.
ذلك الرجل الشامي التقي قال له: كاتبني بكل حاجة  تكون لك. وفي الحقيقة كان ذلك الرجل مستوصياً تقياً نقياً محباً لأهل البيت النبوي الطاهر، فحبهم يصقل النفوس، ويغسل القلوب من الشوائب، وقد بلغ من أدب ذلك الرجل الذي أرسله يزيد معهن، أنه كان يسير عنهن بمعزل من الطريق، ويبعد عنهن بحيث يدركهن طرفه، وهو في خدمتهم حتى وصلوا المدينة المنورة.
وكانت زينب وأختها فاطمة، ومن معهن من النساء يقدرن شهامة ذلك الرجل الطاهر، ولذلك قالت فاطمة لاختها زينب يا أختي، إن هذا الرجل الذي أرسل معنا قد أحسن صحبتنا، فهل لك أن تصله وتكرمه ؟! فقالت زينب والله يا أختي ما معنا شيء نصله به إلا حلينا. فقالتا معاً: نعطيه حلينا.
فأخذت كل واحدة منهما سوارهما ودملجها، ثم بعثنا به إليه، واعتذرنا إليه وقالتا : هذا جزاؤك بحسن صحبتك معنا وإخلاصك في سفرنا هذا، ولو كان معنا أكثر لبعثنا به لك واعتذرنا إليه ثانية.
ولكن الرجل الشامي قال في هدوء، وعيناه تدمعان: والله ، لو كان الذي صنعت معكم، إنما هو للدنيا، كان في هذا الذي أرسلتموه ما يرضيني وزيادة، ولكن والله ما فعلت ذلك إلا لله تعالى ولقرابتكم من رسول الله.
ثم إن ذلك الرجل، رد الحلي إلى السيدتين الكريمتين زينب وفاطمة ابنتي علي رضي الله عنهم، وأبى أن يأخذ شيئاً مما بعثنا إليه، وطلب منها الدعاء له، ثم قفل راجعاً من حيث أتى، بعد أن زار المسجد النبوي الشريف.
لقد عادت زينب إلى المدينة المنورة بعد أن دفنت بكربلاء أخاها الحسين رضي الله عنه، ودفنت ولديها كذلك حيث قتلا شهيدين مع خالهما الحسين، بينما كان أبوهما عبد الله بن جعفر في المدينة قد تلقى نعي ولديه بالصبر والتسليم لقضاء الله وقدره.
روى ابن الأثير – رحمه الله – في كتابه الكامل هذا الخبر عن سماحة وصبر عبد الله بن جعفر فقال : لما بلغ عبد الله بن جعفر – رضي الله عنهما – قتل ابنيه مع الحسين رضي الله عنه، دخل عليه بعض مواليه يعزيه والناس يعزونه، فقال مولاء: هذا ما لقيناه من الحسين.
قافه ابن جعفر بنعله وقال: يا ابن اللخناء أللحسين تقول هذا ؟ والله لو شهدته لأحببت أن لا أفارقه حتى أقتل معه، والله إنه لما يُسخي بنفسي عنهما، ويهون علي المصاب بهما، أنهما أصيبا مع أخي، وابن عمي، مواسيين له، صابرين معه ثم قال : إن لم تكن آست الحسين يدي، فقد أساء ولدي
الله أكبر، ألا ما أعظم هذه النفوس، وما أكرم هذه القلوب التي تغذت على مائدة البيت النبوي الطاهر، فنضحت بأنبل المكارم، وأكرم المواقف في أعظم المشاهد

زَيْنَبُ وَالعِلْمُ
لا بد لنا، ونحن في تطوافنا مع زينب ابنة علي رضي الله عنهما أن نقف معاً باب العلم، فقد كانت زينب رضي الله عنها واحدة من المحدثات اللاتي روين الحديث النبوي الشريف، وحدثن عن غيرهن ونقلن العلم إلى الناس وشداة المعرفة .
حدثت زينب عن أمها فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما حدثت عن أم زوجها أسماء بنت عميس رضي الله عنها.
وحدثت زينب كذلك عن مولى للنبي اسمه طهمان، أو ذكوان.
وقد حدث عن زينب عدد من جلة العلماء والفقهاء والتابعين فروى عنها محمد بن عمرو، وعطاء بن السائب من الرجال.
وروى عنها من النساء: ابنة أخيها فاطمة بنت الحسين بن علي وهي إحدى سيدات نساء عصر التابعين فقها وعلماً، وإحدى النسوة القدوة في تاريخ النساء.
ومن مروياتها ما أخرجه ابن عساكر – رحمه الله – بسنده عن روايتها عطاء بن السائب
قال: دلني أبو جعفر على امرأة يقال لها زينب بنت علي – أو من بنات علي –
قالت: حدثني مولى للنبي ﷺ يقال له : طهمان – أو ذكوان – أن النبي ﷺ قال : “إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل محمد، وإن مولى القوم منهم” هذا، وقد تركت زينب رضي الله عنها بعض الحكم التي تفيض بكمال العطاء الأدبي، وترفد تراثنا بثروة فكرية رائعة من ذلك ما حفظ من كلماتها، أنها كانت تقول:
من أراد أن يكون الخلق شفعاءه إلى الله عز وجل فليحمده ألم تسمع قولهم: سمع الله لمن حمده؟ فخف الله لقدرته عليك، واستح منه لقربك منه

مَعَ الأَبْرَارِ والخَالِدِينَ
تركت زينب بنت علي رضي عنها ذكراً حميداً في دنيا نساء البيت النبوي خاصة، ودنيا نساء الصحابة عامة، وقد بارك الله في ذريتها، حيث أخرج منها الكثير الطيب، وذكر غير واحد من علماء النسب أن ذرية زينب ابنة علي موجودة بكثرة في مختلف البلاد.
وذرية زينب بنت علي رضي الله عنهما لها خصائص البيت النبوي، قال العلماء ويتكلم على ذرية زينب بنت علي من عشرة وجوه، نورد منها:
أنهم من آل النبي ﷺ، وأهل بيته بالإجماع لأن آله هم المؤمنون من بني هاشم والمطلب، وعبد الله بن جعفر زوج زينب هاشمي وأنهم كذلك من ذريته وأولاده بالإجماع، لأن أولاد بنات الإنسان معدودين في ذريته وأولاده.
وأنهم تحرم الصدقة عليهم لأن بني جعفر من الآل قطعاً …واعتقد أن هذه الخصائص تشير إلى مكانة كبيرة في قلوب الناس على مر العصور، وشغلت جانباً هاماً من تراثنا وتاريخنا، وقد تبارى
الشعراء والأدباء في امتداح السيدة زينب بنت علي رضي الله عنهما اعترافاً بفضلها ومكانتها في عقد آل البيت النبوي الطاهر، وقد امتدحها أحد أفاضل العلماء في قصيدة طويلة تجاوزت أبياتها عن السبعين نقتطف منها بعض الأبيات:
آل طه لكم علينا الولاء
لا سواكم بما لكم آلاء
مدحكم في الكتاب جاء مبيناً
أنبأت عنه ملة سمحاء
حبكم واجب على كل شخص
حدثتنا بضمنه الأنباء
منكم بضعة الإمام علي
سيف دين لمن به الاهتداء
زينب فضلها علينا عميم
وحماها من السقام شفاء
فهي بدر بلا خوف وشمس
دون كف والبضعة الزهراء
لا يضاهي آل النبي وصيف
لا يوفي كما لهم أدباء
شرفت منهم النفوس وساروا
حيثما أشرفوا منهم شرفاء

مكثت زينب في المدينة المنورة بعد استشهاد الحسين، واستشهاد ولديها عون ومحمد، وعاشت بعد استشهادهم أكثر من سنة، وهي مرعية الجانب، مكرمة من مجتمع المسلمين في المدينة، ومن بقي من الصحابة الكرام حيث كانت إحدى مراجع العلم في البيت النبوي الطاهر.
وتروي المصادر أن زينب رضي الله عنها قد توفيت في سنة (٦٢هـ) ويبدو أنها قد دفنت في البقيع بالمدينة المنورة.
وقد أشارت بعض المصادر إلى أنها قد دفنت في مصر، بينما أوردت بعض المصادر أنها مدفونة بالشام، ولا توجد أقوال قاطعة يقينية في هذا الموضوع.
ومما يدل على أن وفاتها لم تكن بمصر، ما أورده شاهد من مصر، إذ أدلى دلوه في هذا المضمار، وأتى بشيء يدخل الاطمئنان إلى النفس، وهذا الشاهد هو علي مبارك – رحمه الله – صاحب الكتاب الشهير «الخطط التوفيقية» يقول علي مبارك في خططه تعليقاً على المتداول بين الناس من أن زينب ابنة علي رضي الله عنهما هي المدفونة في الحي المعروف الآن باسم السيدة زينب في القاهرة : لم أر في كتب التواريخ أن السيدة زينب بنت علي رضي الله عنهما، جاءت إلى مصر في الحياة، أو بعد الممات.
إذن يمكننا الآن أن نقول : إن الصحيح بأن زينب بنت علي رضي الله عنهما، قد توفيت ودفنت في المدينة المنورة والله أعلم.
ويمكننا أن نقول أيضاً: لو تركت زينب بنت علي المدينة المنورة، إلى أيّ مدينة أخرى لتحدثت المصادر الوثيقة بذلك، ولذكر أحد أهلها ذلك أيضاً.
لكن الذي تطمئن إليه النفس أن زينب رضي الله عنها بقيت في المدينة المنورة، وأحبت أن تدفن في البقيع إلى جوار نساء أهل البيت النبوي الطاهر.
رضي الله عن زينب بنت علي وجعلها في الآمنين، والحمد لله رب العالمين .

(نساءُ أهل البيت في ضوء القرآن والحديث)

شارك هذا المقال:

مقالات مشابهة