عباد الله:
تدبّروا القرآن المجيد، فقد دلّكم على الأمر الرشيد.
و أحضروا قلوبَكم لِفَهْمِ الوعد و الوعيد.
ولازموا طاعة ربكم فهذا شأن العبيد.
و احذروا غضبه فَلَكَمْ قَصَمَ من جبارٍ عنيد.
{ إِنَّ بَطۡشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) إِنَّهُۥ هُوَ يُبۡدِئُ وَيُعِيدُ (13) وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلۡوَدُودُ (14) ذُو ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡمَجِيدُ (15) فَعَّالٞ لِّمَا يُرِيدُ } [البروج ١٢-١٦]
أين مَنْ بنى و شاد وطوّل.
وتأمر على الناس وساد في الأول.
وظن جهلاً منه أنه لا يتحول.
هيهاتَ عاد الزمانُ عليهم سالباً ما خوّل.
فسُقوا كأساً من الموت على إهلاكهم عوّل.
{ أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ ۚ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ } [ق: ١٥]
فيا مَنْ [قد] أنذره يومه وأمسُه.
و حادثه بالغِيَر قمرُهُ وشمسُه.
واستُلِبَ منه ولده وأخوه وعِرْشُه.
و هو يسعى إلى الخطايا مشمِّراً وقد دنا حبسُه.
(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) [ق: ١٦]
أما علمتَ أنك مسؤول فى الزمان.
مشهودٌ عليك يوم تنطق الأركان.
معلومٌ ما قدّمتَ فى زمن الإمكان.
محاسبٌ على خطوات القدم وكلمات اللسان.
{ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ } [ق: ١٧]
ويا من يرى العبر بعينيه.
و يسمعُ المواعظ بأذنيه.
والنذيرُ قد وصل إليه.
و كلماته تحصى عليه.
{ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } [ق: ١٨]
كأنك بالموت وقد اختطفك اختطافَ البرق.
و لم تقدر على دفعه عنك بملك الغرب والشرق.
وندمتَ على تفريطك بعد اتساع الخَرْق.
وتأسفتَ على ترك الأولى، والأخرى [أحق].
{ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ } [ق: ١٩]
ثم ترحلتَ عن القصور إلى القبور.
على رحائل العيدان والظهور .
وبقيتَ وحيداً على مر العصور.
كالأسير المحصور .
{ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ } [ق: ٢٠]
فحينئذٍ أعاد الأجسام مَنْ صنعها.
وضمَّ شتاتها بقدرته وجمعها.
ونادى بنفخة الصور فأسمعها.
{ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ } [ق: ٢١]
فيهرب منك الأخُ وينسى إخاءَك.
ويُعرض عنك الصديق ويرفض ولاءك.
ويتجافاك الحبيب المعاشر صباحك ومساءَك.
وتلقى من الهول كل ما أزعجك وساءَك.
فتنسى أولادك وتنسى نساءك.
لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ
( الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾ [ق: ٢٢].
وتجري دموع الأسف وابلاً ورذاذاً.
وتنقطع الأكباد من الحسرات أفلاذاً.
ويهبُّ لهيب النار على الكفار فيجعلهم جذاذاً.
ولا يجد العاصي ملجأ ولا ملاذاً.
(وَقَالَ قَرِيبُهُ هَذَا مَا لَدَى عَتِيدٌ) [ق:٢٣].
فيجازي العبد بفعله ولا يُظْلَم.
ويتحسّر العاصي على ما جنى ويتندّم.
وتسيل الدموع على الأجفان كأَنها جَرَتْ عن عَنْدَم،
أو عَنْ دم.
ويأمر المولى بأخذ العصاة ويتقدم.
(أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنيد) [ق: ٢٤].
فتقدم الزبانية إلى الكفار وتتبادر.
وتسوقهم سوقاً عنيفاً [ والدمع يتحادر ].
وتثب النارُ وثوب الليث إذا غضب وشاجر.
فيذلُّ عند زفيرها كلُّ مَنْ عزَّ وفاخَر.
(الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَها وَاخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ) [ق: ٢٥].
ويُنصب الصراط في أصعب الأماكن.
وتنزعج لوضع الميزان القلوب السواكن.
ويقع الخصام بين البائع والمبتاع في أعجب المساكن.
(قَالَ قَرينُهُ رَبِّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ) [ق: ٢٦].
فيقول الربُّ تعالى قد أزلتُ المطل والليّ.
وفصل هذا الأمر كله إلي.
وانتصافُ المظلوم من الظالم علي.
(قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَى وَقَدْ قَدَّمْتُ إليكم بالْوَعِيدِ) [ق: ٢٧].
أما أنذرتكم فيما مضى من الأيام.
أما حذرتكم عواقب المعاصي والآثام.
أما أمرتكم بتجنب أجرام الإجرام.
أما وعدتكم بهذا اليوم في سالف الأيام.
(مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَي وَمَا أَنَا بِظَلَمِ لِلْعَبِيدِ ﴾ [ ق : ٢٨].
فيا لهذا [الهول] المهول.
الذي يحار فيه العاقل والجهول.
وتَشْخَصُ الأَبصارُ وتَذْهَلُ العقول.
(يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَاتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيد) [ق: ٢٩].
فذاك يوم ثبور المنافقين، وسرور الموافقين، وسلامة الصادقين، وفوز السابقين، والنار قد انطبقت على
الفاسقين.
(وَأُزلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ﴾ [ق: ٣٠].
فيا عَشرةَ العاصين لقد صَعُبَ تلافيها.
ويا خيرة المخلصين لقد تكامل صافيها.
إذ أُدخلوا جنة أشرق ظاهرها واستنار خافيها.
(لهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ﴾ [ق: ٣٥].
فانظروا – عبادَ الله – فرق ما بين الفريقين بحضور قلب.
واستلبوا زمان الصحة بفعل الخير أيما سلب.
فاللذات تفنى ويبقى العار والثلب.
(وإِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبُ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾ [ق: ٣٦].
عباد الله:
الوداع
إن شهر رمضان قد انصرم وانمحق.
و تشتت نظامه بعد أن كان اتسق.
فكأنكم به قد رحل وانطلق.
يشهد لمن أطاع وعلى مَنْ فَسَق.
فأين الحزن لرحيله، وأين الحرق؟
وقد أخبركم وشيكه بانطلاقه فأين الفَرَقُ لفراقه،
وأين القلق؟
ما كان أشرف زمانه بين صوم وسهر.
وما كان أصفى أحواله من آفات الكدر .
وما كان أطيب المناجاة فيه بين وسط الليل والسَّحَر .
وما كان أرق القلوب عند اشتغالها بالآيات والسُّوَر.
وما كان أضوأ لآلئه في لياليه جوف الغسق.
فيا ليت شعري من الذي قام بواجباته وسُنَنِه.
ومن الذي تخلص من آفات الصوم وفتنه.
ومن الذي اجتهد في عمارة زَمَنه.
ومن الذي أخلص في سره وعَلَنه.
ومن الذي قرع فيه باب التوبة وطرق؟
فيا أيها المقبول هنيئاً لك بثوابه (تثوي به).
وبشراك إذا أمّنك الرب من عقابه.
وطوبى لك حيث استخلصك لبابه.
وفخراً لك حيث شغلك بكتابه.
فاجتهد في بقية شهرك هذا قبل ذهابه.
فرب مؤمل لقاء مثله ما قدر له ولا اتفق.
ويا أيها المطرود في شهر السعادة.
خيبةً لك إذا سبقك السادة.
ونجا المجتهدون وأنت أسير الوسادة.
وانسلخ هذا الشهر عنك وما انسلخت عن قبيح العادة.
فأين تلهفك على الفوات وأين الحُرق؟
فيا إخواني:
قد دنا رحيل هذا الشهر وحان فرُبَّ مُؤمِّل لقاءَ مِثْلِهِ خانه الإمكان.
فودعوه بالأسف والأحزان.
واندبوا عليه بألسن الأسى والأشجان.
السلام عليك يا شهر رمضان سلام محِبُّ أودى به القلق.
السلام عليك يا شهر ضياء المساجد.
السلام عليك يا شهر الذكر والمحامد.
السلام عليك يا شهر زرع الحاصد.
السلام عليك يا شهر المتعبد الزاهد.
السلام عليك من قلب لفراقك فاقد.
السلام عليك من عين لفراقك في أرق.
السلام عليك يا شهر المصابيح.
السلام عليك يا شهر التراويح.
السلام عليك يا شهر المتجر الربيح.
السلام عليك يا شهر الغفران الصريح.
السلام عليك يا شهر التبري من كل فعل قبيح.
ويا أسفا على ما اجتمع فيك من الخيرات واتسق.
فيا ليت شعري هل تعود أيامك علينا أم لا تعود.
ويا ليتنا علمنا من المقبول منا ومن المطرود.
[ويا ليتنا تحققنا ما تشهد به علينا يوم الورود].
ويا أسفا لتصرُّمك يا شهر السعود.
ويا حزناً على صفاء القلوب وإخلاص السجود.
السلام عليك من مودّع بتوديعك نطق.
فرحم الله امرءاً بادر خلاصه في باقي ساعاته.
والتفت إلى وقته واجتهد في مراعاته.
واستعد لسفره بإخلاص طاعاته.
واعتذر في بقية [ شهره من ] سالف إضاعاته.
واعتبر بمن أمل أن يرى مثل شهره هذا قبل وفاته.
فتضرَّمَتْ نارُ أجله في عُود أمله فاحترق.
أين من كان معكم في العام الماضي.
أما قصدته سهام المنون القواضي.
فخلا في لحده بأعماله المواضي.
وكان زاده من جميع ماله الحنوط والخرق؟
رحل والله عن أوطانه وظعن.
وأُزعِجَ عن أهله والوطن.
وبقي في لحده أسير الحَزَن.
وما نفعه ما جمع وما خَزَن.
وتمنى أن يُعاد ليزداد من الزاد ولن.
ولقد هتف به هاتف الإنذار فما فطن.
وأصمه الهوى عن ناصح قد نطق.
فتيقظ أيها الغافل وانظر بين يديك.
واحذر أن يشهد شهر رمضان بالمعاصي عليك.
وتزود لرحيلك وانصب الأخرى بين عينيك.
واستعد للمنايا قبل أن تمد أيديها إليك.
قبل أن يُوثق الأسير ويشتد الزفير ويجري العرق.
اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد.
واجبر كسرنا على فراق شهرنا [هذا ] بغفرانك.
وجد علينا بأوفى الحظوظ من رضوانك.
وارزقنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين عصيانك.
واجعل لنا نصيباً من جودك وامتنانك.
ولا تقطعنا ما عودتنا من جزيل إحسانك.
اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آل محمد. ووفقنا اللهم للصالحات قبل الممات.
وأرشدنا إلى استدراك الهفوات قبل الفوات.
وألهمنا أخذ العدة للوفاة قبل الموافاة.
ونجّنا يوم العبور على الصراط حين تنسكب العبرات.
و ارحمنا إذا رحلنا عن أهل الحياة إلى أهل الممات.
و نازلتنا فى ألحادنا طوارقُ الملمّات.
واعتورتنا عجائبُ الصفات فى الكِفاتُ.
و أجزل لنا جزيل الصِّلات على مرفوع الصَّلوات.
وأثبنا بقبول صومنا عن اللذات.
و لا تخذلنا يوم انتقاض الذوات.
إذا نادى بين الأعضاء منادى الشتات.
واستجب منا صالحَ الدعوات.
وامح عنا خِطْءَ الخطوات إلى الخطيئات.
وهب لنا فى الدنيا لذة المناجاة، وفي الآخرة سرور النجاة.
و بلِّغنا ما لم تبلغه آمالنا من الخيرات.
إذا نادى المنادي في الفريقين فقطع طمعَ أهل الزلات.
{ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } [الجاثية: ٢١]
اللهم اجعل معتمدَنا عليك، وحوائجنا إليك، ووقوفنا بين يديك، وتضرُّعنا لديك، وشكوانا إليك.
اللهم طهّر قلوبنا من الأدناس، وأعذنا من شر الجِنة والناس، وألهمنا عمارةَ الأرماس، و ارحمنا [فأنت خلقتنا] إذا أذقتنا مرارةَ الكاس.
اللهم أصلحنا وأصلح [لنا] سلاطيننا، وادفع عنا شياطيننا.
واغفر برحمتك ذنوبنا، ونوّر بفضلك قلوبنا.
وأرخص أسعارنا، وأغزر أمطارنا، وولّ علينا خيارنا، واصرف عنا شرارنا.
واقضِ بفضلك ديوننا، واجمع على الهدى شؤوننا.
وارحم أمواتنا، واسمع أصواتنا، ووسع أرزاقنا، وطهّر أخلاقنا.
ولاتدع لنا ذنباً إلا غفرتَه، ولا ديناً إلا قضيتَه.
ولا ميتاً إلا رحمتَه، ولا همّاً إلا فرجتَه.
ولا بلاءً إلا كشفتَه، ولا عيباً إلا سترتَه.
ولا سائلاً إلا أعطيتَه، ولا طالباً إلا أفدتَه.
ولا عالماً إلا عصمتَه، ولا حاسداً إلا دحرتَه.
ولا غائباً إلا رددتَه، ولا مريضاً إلا شفيتَه.
ولا محتاجاً إلا كفيتَه، ولا داعياً إلا أجبتَه.
ولا جاهلاً إلا هديتَه، ولا مجاهداً إلا نصرتَه.
ولا عدواً إلا حصرتَه، و لا طريقاً إلا أمّنتَه.
ولا مجتهداً في الخير إلا أعنتَه، ولا ظالماً إلا ردّيتَه.
ولا عاصياً إلا أصلحتَه، ولا طائعاً إلا ثبّتَّه.
ولا غافلاً إلا نبّهتَه.
اللهم واخصص ببركة دعائنا الوالدين والمولودين والحاضرين والغائبين.
وما سألناك من خير فأعطنا، وما لم نسألك فابتدئنا، وما قصرت عنه أعمالنا وآمالنا من الخيرات فبلّغنا برحمتك يا أرحم الراحمين.
{ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الصافات:١٨٠-١٨٢]
و صلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
ابن الجوزي










