رمضان في سيرة النبي ﷺ مدرسة إيمانية متكاملة، تتجلى فيها معاني العبودية الصادقة، والتوازن العجيب بين العبادة والرحمة، وبين القيام بحق الله وأداء حقوق الأهل والناس. ومن يتأمل يومًا واحدًا من أيامه ﷺ في رمضان يدرك كيف كان هذا الشهر عنده موسماً للسموّ الروحي، وارتقاء النفس، وتزكية القلب.
كان النبي ﷺ يُبيّت النية للصيام كل ليلة، امتثالًا لأمر ربه، وحرصًا على كمال العبادة. وكان يتسحّر مع إحدى زوجاته، يأكل قليلًا من الطعام، ربما تمراتٍ يسيرة أو شيئًا خفيفًا، ويشرب الماء، تحقيقًا لقوله ﷺ: «تسحّروا فإن في السحور بركة» (متفق عليه). وأحيانًا كان يتسحر مع بعض الصحابة؛ ففي الصحيح أنه تسحّر مع زيد بن ثابت رضي الله عنه، ثم قاما إلى الصلاة، ولم يكن بين سحورهما وصلاة الفجر إلا قدر ما يُقرأ خمسين آية، في مشهدٍ يفيض بالسكينة والوقار.
كان ﷺ يصلي سنة الفجر ركعتين خفيفتين في بيته، ثم ينتظر حتى يستأذنه بلال رضي الله عنه بالإقامة، فيخرج من حجرات نسائه الملاصقة للمسجد، ليؤمّ الناس في صلاة الصبح، فيفتتح يومه بالجماعة، والذكر، وتعليم الأمة.
حتى طلوع الشمس
بعد صلاة الفجر، كان يجلس في مصلاه يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس، فإذا ارتفعت صلى ركعتين، وقد أخبر ﷺ أن من فعل ذلك كان له كأجر حجة وعمرة تامة (رواه الترمذي). هكذا كان صباحه إشراقًا بالذكر قبل إشراق الضوء، وامتلاءً بالقرب قبل انشغال الدنيا.
وكان ﷺ في بيته في خدمة أهله، كما قالت عائشة رضي الله عنها: «كان يكون في مهنة أهله» (رواه البخاري). وكان يلاطف أزواجه ويداعبهن حتى في رمضان، وربما قبّل وهو صائم، وهو أملك الناس لإربه، فيجمع بين كمال العبادة وحسن العشرة، ويعلم الأمة أن الصيام ليس انقطاعًا عن الرحمة أو جفاءً في المعاملة.
عند الغروب: بساطة واتباع
وقبل المغرب، كان يذكر الله ويدعو، فإذا أذن المؤذن طلب فطوره، وكان يعجّل بالفطر قبل الصلاة، امتثالًا لهديه. وكان يفطر على رطبات، فإن لم يجد فعلى تمرات، فإن لم يجد حسا حسواتٍ من ماء، كما روى أنس رضي الله عنه (رواه أبو داود والترمذي). فطرٌ يسير، وهدي جميل للسنة.
ثم يصلي المغرب في المسجد، ويعود إلى بيته فيصلي السنة، ويجلس مع أهله، فإذا أذن العشاء صلى السنة القبلية في بيته، ثم خرج يؤم الناس. وقد صلى التراويح بالصحابة ثلاث ليالٍ، ثم ترك الخروج خشية أن تُفرض عليهم (متفق عليه)، فكان من رحمته بالأمة أن خفف عنهم.
قيامه في رمضان
لم يكن يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، كما قالت عائشة رضي الله عنها: «يصلي أربعًا فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا» (متفق عليه). كانت صلاته جمالًا وخشوعًا وطولًا، قيام قلبٍ قبل قيام جسد.
وكان ﷺ ربما نام قبل أن يوتر، فتقول له عائشة: أتنام قبل أن توتر؟ فيقول: «يا عائشة، إن عيني تنامان ولا ينام قلبي» (متفق عليه)، وهي خصوصية له ﷺ.
وكان ربما جامع أهله في ليل رمضان، ثم يصبح جنبًا فيغتسل ويصلي، ليعلّم الأمة أن الصيام إنما يكون في النهار، وأن الليل زمن إباحة ورحمة.
القرآن والصدقة
كان ﷺ يشغل رمضان بالقرآن؛ فقد كان جبريل يلقاه كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن (متفق عليه). وكان أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل، فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة (متفق عليه). جودٌ لا يعرف الإمساك، ورحمةٌ هي المدرسة.
وكان يصبر على الجوع، ويواصل أحيانًا يومين أو ثلاثة، ويقول: «إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقين» (متفق عليه)، ليعلم الأمة أن حقيقة الصيام غذاء الروح لا امتلاء البطون.
العشر الأواخر: ذروة الاجتهاد
إذا دخلت العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله (متفق عليه). وكان يعتكف في المسجد في العشر الأواخر، وفي آخر عامٍ من حياته اعتكف عشرين يومًا. وكان يتحرى ليلة القدر ويقول: «تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان» (متفق عليه).
وسألتْه عائشة رضي الله عنها: إن وافقتها فما أقول؟ قال: «قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عني» (رواه الترمذي).وكان يوقظ أهله للاجتهاد في العبادة، ليضرب القدوة للزوج الصالح الذي يحرص على نجاة أهله، امتثالًا لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} [التحريم: 6].
هكذا كان يوم النبي ﷺ في رمضان: نيةٌ صادقة، وسحورٌ مبارك، وصلاةٌ عامرة، وذكرٌ ممتد، ورحمةٌ في البيت، وبساطةٌ في الفطر، وقيامٌ طويل، وقرآنٌ يُتدارس، وصدقةٌ كالغيث، واعتكافٌ في العشر، ودعاءٌ يفيض من قلبٍ حاضر.
رمضان شهر الجهاد
لم يكن رمضان في سيرة النبي ﷺ شهر خمولٍ أو استرخاء، بل كان شهر عزيمةٍ وبذلٍ وجهاد. ففيه وقعت غزوة بدر الكبرى في السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة، يوم الفرقان الذي نصر الله فيه الفئة القليلة المؤمنة على الفئة الكثيرة، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: 123]. وفي رمضان من السنة الثامنة للهجرة خرج ﷺ لفتح مكة في أعظم فتحٍ عرفه التاريخ الإسلامي، فسار بالجيش صائمًا، حتى إذا بلغ الكُديد أفطر وأمر الناس بالفطر ليتقوَّوا على المواجهة، فكان فتحًا مبينًا دخل الناس بعده في دين الله أفواجًا. كما كانت سرية الفتح إلى الطائف وما تلاها من أحداث في السياق نفسه، دليلاً على أن رمضان كان موسم حسمٍ وبناءٍ لا موسم تراجع.
وكان جهاده ﷺ في رمضان يتجاوز ميدان القتال؛ فجهاده الأكبر كان جهاد النفس، وإحياء الليل، ومدارسة القرآن مع جبريل عليه السلام، والإنفاق حتى يكون «أجود بالخير من الريح المرسلة» كما في الصحيحين. فاجتمع في رمضان جهاد السيف عند الحاجة، وجهاد القلب والهوى في كل حين، لتتجلى حقيقة هذا الشهر: مدرسة إعدادٍ رباني، تصنع رجالًا يعبدون الله حق عبادته، ويثبتون في ميادين التضحية كما يثبتون في محراب الصلاة.
رمضان عنده ﷺ لم يكن شهر موائد ولهو، بل شهر عبادةٍ ومجاهدة وجهاد، وطاعةٍ وتجديد عهدٍ مع الله. فمن أراد أن يعرف حقيقة رمضان، فلينظر إلى يومٍ واحدٍ من حياة رسول الله ﷺ، ففيه الهدي كلُّه، والنور كلُّه، والطريق كلُّه.










