أبو سبرة بن أبي رهم القرشي العامري، فاتح تستر والسوس وجُندَ يسابور

الصحابي

كان أبو سبرة بن أبي رهم القرشي العامري أحد السابقين الأولين إلى الإسلام، هاجر إلى الحبشة الهجرتين جميعا، وكانت معه في الهجرة الثانية زوجته أم كلثوم بنت سهل بن عمرو.
ولما هاجر من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة نزل هو والزبير بن العوام على منذر بن عقبة الأنصاري، فآخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين سلمة بن سلامة ابن وقش، وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرا وأُحُداً والخندق والمشاهد كلها،
فأبلى في كل هذه المشاهد أعظم البلاء. لقد نال أبو سبرة شرف الصحبة وشرف الجهاد تحت لواء الرسول القائد ﷺ


جهاده


1 – قبل الفتح: كان أبو سبرة مع جيش أسامة بن زيد، وكان مع هذا الجيش كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار، فلما عاد هذا الجيش إلى المدينة قاتل أبو سبرة المرتدين حتى عادوا إلى طريق الحق، وبعد ذلك كان له في الفتح الإسلامي جهاد مرموق.
كان العراق ميدان جهاد أبي سبرة، وكان في جيش عتبة بن غزوان المازني في منطقة البصرة، وعندما غزا العلاء بن الحضرمي (فارس) من البحرين وأصبح جيشه مهددا بالفناء، كتب عمر بن الخطاب إلى عتبة بن غزوان يأمره بإنفاذ جيش كثيف إلى المسلمين بفارس قبل أن يهلكوا ، فأرسل عتبة جيشا كثيفا في إثني عشر ألف مقاتل فيهم عاصم بن عمرو التميمي وعرفجة بن هرثمة البارقي والأحنف بن قيس التميمي وغيرهم، فخرجوا على البغال يجنبون الخيل وعليهم أبو سبرة قائدا، فسار بالناس وساحل بهم، فاستطاع إنقاذ جيش العلاء بن الحضرمي وانتصار على القوات الفارسية ، ثم عاد بجيشه إلى البصرة سالما غانما.
واستأذن عتبة بن غزوان عمر بن الخطاب في الحج، فأذن له، فاستخلف على البصرة.
أبا سبرة ، فأقرّه عمر بعد وفاة عتبة بقية السنة ثم استعمل المغيرة بن شعبة عليها لانصراف أبي سبرة الى الجهاد.


٢ – الفاتح:
أ- لم یزل کسری (یزدجرد) يثير أهل فارس وكان مقيما (بمرو) فتعاقد أهل الأهواز وفارس على النصرة ضد المسلمين وعلم عمر بن الخطاب بذلك، فكتب إلى سعد بن أبي وقاص أمير الكوفة: ( ابعث إلى الأهواز بعثا كثيفا وأمر عليهم سهل بن عدي ومالك وحذيفة ، وعلى أهل الكوفة وأهل البصرة جميعا أبو سبرة بن أبي رهم ، وكل من أتاه مددا له)
ولما سمع ( الهرمزان ) بمسير النعمان بن مقرن المزني إليه ، بادره ورجا أن ينال منه وطمع في نصر أهل فارس ، وقد أقبلوا نحوه ، ولكن النعمان تغلب عليه وفتح (رامهرمز).

ب – ولما وصل أهل البصرة إلى (سوق الاهواز) وعلموا بأن (الهرمزان) لحق بمدينة ( تستر) قصدوها وتحشدت حولها كافة قوات المسلمين الموجودين في تلك المنطقة ومن بينها قوات النعمان بن مقرن المزني
استمد أبو سبرة عمر بن الخطاب ، فأمده بأبي موسى الأشعري في جمع من أهل البصرة وجعله على أهل البصرة وعلى الجميع أبو سبرة، فحاصروهم أشهرا وأكثروا فيهم القتل.
وزاحفهم الفرس أثناء الحصار ثمانين زحفا ، حتى إذا كان آخر زحف منها اشتد القتال، فانهزم الفرس ودخلوا خنادقهم فاقتحمها المسلمون عليهم، فلاذ الفرس بالمدينة، فأحاط بها المسلمون.
و رأى الفرس مدينتهم مطوقة بالمسلمين من جميع جوانبها ، ولا أمل لهم في الخلاص من هذا الطوق المحكم ، لذلك انهارت معنوياتهم ، فخرج رجل من الفرس ليدل المسلمين على نقاط الضعف في دفاع المدينة المحاصرة ، فدخلها بعض المسلمين فكبروا وردد المسلمون خارجها هذا التكبير واقتحموا أبوابها وقتلوا المدافعين عنها وأسروا ( الهرمزان ) وشدوه وثاقا ، فأرسله أبو سبرة إلى عمر بن الخطاب مع وفد فيهم أنس بن مالك والأحنف بن قیس وهكذا فتح المسلمون (تستر) أعظم مدينة في منطقة خوزستان.

ج – ولكن بعض القوات الفارسية انسحبت منهزمة من (تستر) باتجاه ( السوس ) ، فخرج أبو سبرة بنفسه في اثر المنهزمين إلى ( السوس ) ونزل عليها ومعه النعمان بن مقرن المزني وأبو موسى الأشعري، فطوقت قوات المسلمين مدينة ( السوس) واستطاعوا فتحها عنوة ، ولكن المدافعين عنها طلبوا الصلح فأجيبوا إلى ذلك.

د – بعد فتح ( السوس ) توجه النعمان بن مقرن المزني الى ( نهاوند )، وتوجه المقترب الأسود بن ربيعة الى (جند يسابور)، فقصد أبو سبرة على رأس قواته (جنديسابور) وضيق عليها الحصار، وفجأة فتحت هذه المدينة أبوابها وقال المدافعون عنها : رميتم بالأمان ، فقبلناه وأقررنا بالجزية .

فقال المسلمون: ما فعلنا فسأل المسلمون فيما بينهم ، فإذا عبد يدعى (مكنيفا) كان أصله من (جنديسابور) هو الذي كتب لهم هذا الأمان ، فكتب أبو سبرة بذلك الى عمر ، فكان جوابه : (إن الله عظم الوفاء، فلا تكونون أوفياء حتى توا، فما دمتم في شك أجيزوهم وفوا لهم) وقد وصف هذا الحادث عاصم بن عمرو التميمي فقال:

لعمري فقد كانت قرابة مكنف
قرابة صدق ليس فيها تقاطع
أجارهم من بعد ذل وقلة
وخوف شديد والبلاد بلاقع
فجاز جوار (العبد) بعد اختلافنا
ورد امورا كان فيها تنازع
إلى الركن والوالي المصيب حكومة
فقال بحق ليس فيه تخالع

الإنسان

انقطعت أخبار أبي سبرة فجأة بعد فتح مدينة (جنديسابور) والظاهر أن حياته العامة انتهت بعد فتح هذه المدينة، إذ عقد عمر بن الخطاب بنفسه.
سبعة ألوية لسبعة من قادة المسلمين، فانساحت قواتهم الى أهدافها ولم يكن أبو سبرة بين أولئك القادة
لقد رجع ألو سبرة إلى مكة وأقام بها، ولا نعلم أحدا من المهاجرين من أهل (بدر) رجع إلى مكة فسكنها غيره، وأولاده ينكسرون رجوعه إلى مكة ويغضبون من ذكر ذلك، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يكره أن يموت المهاجر في الارض التي هاجر منها، وقد كان لإنكار اولاده رجوعه الى مكة ما يبرره ، لأن أبا سبرة قضى أكثر أيامه مجاهدا بعيدا عن مكة المكرمة كما ذكرنا في قصة جهاده.
وأم أبي سبرة هي برة بنت عبد المطلب بن هاشم عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهو ابن عمة النبي ﷺ وهو أخو سلمة بن عبد الأسد لامه وقد توفي في أيام عثمان بن عفان، وذلك سنة خمس وثلاثين للهجرة (٦٥٥م) في السنة التي قتل فيها عثمان ، والظاهر أنه توفي قبيل مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه
القائد: من الواضح أن المعارك التي قاد المسلمين فيها أبو سبرة، كانت معارك (مدبرة) أنجز المسلمون لها تحشدهم وأعدوا كافة متطلبات القتال، لأن الفرس كانوا من جانبهم قد حشدوا كافة إمكاناتهم المادية والمعنوية لصد المسلمين عن بلادهم ، لذلك كان التغلب على حشود الفرس الكبيرة يحتاج إلى خطط سديدة وإلى قوات كافية .
وفعلا لم يتسرع أبو سبرة في خوض تلك المعارك ، بل خاضها بعد إنجاز تحشدات كبيرة عددا وعددا ، فكان واثقا من انتصاره سلفا ، وهو بذلك مثال رائع للقائد المكيث الذي يقدم إقداما مضمونا مأمون العواقب لقد كان على رأس القوات الإسلامية القادمة من البصرة والكوفة شخصيات لامعة لها وزنها الكبير في نظر المسلمين بصورة عامة – خاصة وإن بعضهم كان من ألمع أبطال العرب وقادتهم ودهاتهم ، فكان تسنم أبي سبرة مركز القيادة عليهم جميعا دليل قاطع على ثقة عمر بكفاءته الممتازة وشخصيته القوية النافذة أنه كان مثالا للقائد الذي يقرر بسرعة وبدقة ، والذي يتحمل أخطر المسؤوليات في أخطر الظروف ، والذي يسبق النظر ويحسب لكل احتمال حسابه ، والذي يثق به أمراؤه ورجاله ثقة لا مزيد عليها ويبادلونه حبا بحب وتقديرا بتقدير .
وكانت أعماله العسكرية تمتاز بتطبيق مبدأ ( تحشيد القوة ) ومبدأ ( التعاون )، وقد ادى تمسكه بهذين المبدأين إلى انتصاره على القوات الفارسية الكبيرة بعد حصارها في مدنها الحصينة، مع أن الحصار المديد يحتاج الى قائد ممتاز وإلى جنود ممتازين .
أبو سبرة في التاريخ : يذكر التاريخ لأبي سبرة عقيدته الراسخة التي جعلته يستهين بالمال والولد وبمتاع الدنيا كله، فيهاجر الهجرتين إلى الحبشة ، ثم يهاجر إلى المدينة ويبذل هناك كل جهده وجهاده بذل المؤمن الصابر المحتسب من أجل نشر العقيدة الإسلامية ومن أجل الدفاع عنها .
ويذكر له فتوحاته الكثيرة في منطقة (خوزستان )، مما جعل هذه المنطقة قاعدة أمامية متقدمة لانطلاق الفتح الإسلامي إلى عقر ديار الإمبراطورية الفارسية.
ويذكر لأبي سبرة ، أنه كان قائد القادة الفاتحين في فترة من أخطر أيام الفتح ، انتشروا من بعدها في الأرض فاتحين منتصرين ودعاة صادقين ويذكر له ، بالإضافة إلى كل ذلك، حربه الشريفة التي تمثل الذروة في حرب الفروسية ، ولعل وفاءه بالأمان الذي قطعه عبد مغمور من عبيد المسلمين لأهل مدينة كبيرة انهارت مقاومة حماتها ماديا ومعنويا، مثال رائع الحرب الفروسية في كل أدوار التاريخ ! تری، هل في تاريخ حروب الأمم الأخرى – من غير المسلمين – مثل هذا العمل الانساني الرفيع ؟! رضي الله عن الصحابي الجليل ، القائد الفاتح ، أبي سبرة بن أبي رهم القرشي العامري .

(قادة فتح فارس، محمود خطاب شيت)

شارك هذا المقال:

مقالات مشابهة