ـ كبرى بنات خديجة، وأولى حبات العقد النفيس في البيت النبوي الطاهر .
عاشت زينب بين أكرم أبوين في الدنيا.
– تزوجها أبو العاص بن الربيع وقد أثنى عليه النبي ﷺ خيراً.
كان لزينب قلادة، وكان لها كبير الأثر في حياتها، وفي حياة النبي ﷺ .
توفيت زينب في السنة الثامنة من الهجرة ودفنت بالبقيع .
أَوْلَى حَبَّاتِ العِقْدِ الفَرِيدِ
كان البيت النبوي غارقاً في الصمت، فمحمد في غرفته موصول القلب بخالق الكون، يناجي ربه، يذكره ويوحده، بينما كانت زوجه الطاهرة خديجة بنت خويلد في سرور روحي فياض، فهي ترى بعين بصيرتها، أن أنواراً تفيض من دارها – قرب البيت العتيق – كأنما تنسكب من الأفق العلوي ؛ ترى أنواراً تتألق في الليل، وفي النهار، وصارت تشم روائح زكية يفوق أريجها العطر، كل طيب وعطر معطار، تلك الروائح عبير تنعش الروح، وتنزل بالنفس نشوة صافية سرمدية تشرح الصدور، وتملأ الجوانح بالرحمة والدفء.
كانت خديجة تحس أن شيئاً نورانياً مثيراً ينفث في روعها، بأنها مقبلة على أيام مباركة، وأن أنوار اليقين تشرق في نفسها، فتبدد كل ما يربطها بالدنيا، حتى لتكاد ترى أن حقائق ميمونة تنكشف لها.
كانت تنعم بمشاعر نبيلة كلها روحانية، فتلهج بالثناء على الله تعالى، أن خصها برحمة منه ولطف خفي تشعر به هي وحدها، إذ من عليها بزوج كريم هو محمد بن عبد الله .
كان رسول الله ﷺ في ريعان الشباب، وقد خصه سبحانه بكل مكرمة واختصه برحمته وفضله، فكان يغرس في نفس زوجه خديجة حب الفضائل، وعلمها أن تكون حركاتها وسكناتها لله عز وجل، لا تريد بذلك إلا وجهه الكريم، فقادها بذلك إلى ينبوع السعادة الحقيقية، وإلى نبع الصفاء، بالقرب من الله عز وجل، وتعريض قلبها لنفحات رحمته.
لقد مضت بضعة شهور وخديجة في كنف محمد صلى الله عليه وسلم، تبدلت فيها نظرتها إلى الحياة، وإلى الكون، وذاقت حلاوة رفرفة الروح في ملكوت الله عز وجل، وأشرقت في نفسها أنوار المعرفة الحقَّةِ، فتذوقت نعيم المعارف، وغَدَتْ تنظر بنور الله عز وجل.
وها هي الأيام تمضي، فإذا بحدث سعيد يجدد السرور في نفس خديجة فانبسطت أساريرها، فأفضت إلى زوجها بسرِّها.
إنها حامل، وإن هي إلا أيام وشهور حتى تضع ما في بطنها.
كانت خديجة رضي الله عنها تهتر طرباً لهذا الحدث السعيد، فمحمد رجل فريد لا كالرجال، وأب فريد لا كالآباء، وأخلصت في دعائها إلى ربها أن يرزقها الذرية الصالحة، كيما تتحقق سعادتها كاملة بأمومة من أبي القاسم الأمين في قريش، وهل هناك سعادة تفوق هذه السعادة؟! أما الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، فقد عرف السرور طريقه إلى قلبه الشريف، فقد نشأ وحيداً يتيماً، لم يذق حلاوة حنان الأبوة، ولا طعم قرابة الأخوة، لكنه ذاق وتذوق طعم الاستبشار بالأنس بخالقه ومولاه.
إن سيدنا وحبيبنا محمداً بشر مثلنا يتأثر بما يتأثر به الناس، وهل هناك فرحة أعظم لرجل مثله من أن يكون له ذرية ؟ لقد كان سروره عظيماً بالنبأ السعيد الذي زفته زوجه الطاهرة خديجة سيكون أباً في الأيام المقبلة.
وتمضي الأيام، والحبيب المصطفى يغمر زوجه الطاهرة بعطفه، ويرعى سيدة نساء قريش ، – بل سيدة الدنيا بأسرها – رعاية الزوج والأخ والأب، إلى أن وضعت خديجة طفلة جميلة، أضفت على البيت جمالاً وأنساً وطبيباً، فشكر الزوجان الله على ما آناهما، وسماها رسول الله ﷺ زينب، وستكون زينب جوهرة فريدة من جواهر العقد الفريد في نساء أهل البيت الأطهار الأخيار.
قال أبو عمر القرطبي – رحمه الله -: كانت زينب أكبر بناته .
ومع زينب بنت سيد ولد آدم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب القرشية الهاشمية، ستكون رحلتنا معطاء معطار – بإذن الله – في هذه الصفحات.
الصهر الكريم
كانت الأيام تمضي وزينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبر، وكانت تجد الرعاية الكريمة بين أكرم أبوين في دنيا الكرم ودنيا الفضائل، ومن أكرم من الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ومن زوجه الطاهرة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها ؟! بلغت زينب رضي الله عنها مبلغ النساء، فإذا بخالتها هالة بنت خويلد تقبل على دار أختها خديجة، وأفضت هالة لخديجة بأنها ترغب في خطبة زينب لابنها أبي العاص ابن الربيع القرشي العبشَمِيّ.
كان أبو العاص بن الربيع أحد فتيان قريش الذين عرفت عنهم محاسن الشمائل ، وشمائل المحاسن، فقد أثرت عنه عليا الفضائل، وعرف بالأمانة والمروءة والنجدة، وكان ذا مال كثير، وتجارة واسعة.
قال الحافظ ابن عساكر – رحمه الله – : وكان أبو العاص بن الربيع أخاً لرسول الله ﷺ مُصَافياً له، وكان يقال لأبي العاص : الأمين، وكان رسول الله ﷺ يكثر غشيان أبي العاص في منزل أمه هالة بنت خويلد.
رحبت خديجة بأختها هالة، وأقبلت عليها مسرورة، فابن أختها أبو العاص كان يغشى بيتها كلما سنحت له الفرصة، أو قدم من تجارة له، إنها لأمنية حلوة أن تكون زينب في رعاية خالتها هالة، بيد أن خديجة رضي الله عنها، التمست أن تنتظرها حتى تستأذن زوجها أبا القاسم .
أخبرت خديجة رضي الله عنها رسول الله ﷺ بما جاءت به أختها هالة، فأثنى رسول الله على أبي العاص، وأعلن موافقته على الخطبة.
وسعدت زينب ابنة رسول الله ﷺ برضا أبويها، وزفت إلى أبي العاص وقد أهدتها أمها خديجة قلادة كانت أثيرة لديها.
عاشت زينب رضي الله عنها في بيت أبي العاص، وولدت له؛ أمامة التي تزوج بها علي بن أبي طالب بعد فاطمة الزهراء، ثم ولدت له، علي بن أبي العاص الذي يقال: إن رسول الله ﷺ أردفه وراءه يوم الفتح، ومات صبياً.
كان رسول الله يزور ابنته زينب في دار زوجها أبي العاص بن الربيع وكان سعيداً بابنته، وزاده غبطة أن صهره أبا العاص قد عُرف في مكة بالأمين كما عرف هو بذلك من قبل، وكان يكرم هالة أخت زوجه خديجة، لما لخديجة من مكانة في نفسه، وكانت هالة نفسها تحب شمائل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتكرمه وتكرم أولاده وبناته .
زَيْنَبُ وَنُورُ الإِيمَانِ
عاش رسول الله ﷺ مع الناس في حياتهم إنساناً يعاشرهم، ويتبادل معهم مطالب الحياة التي تقتضيها طبيعة البشر في دائرة أفضل الكمالات التي يمكن أن يكون عليها إنسان في حياته مع الناس والأشياء.
وهذه الكمالات الإنسانية هي التي نشأ عليها، وعرفت له في قومه وبلده مكة، فتزوج وولد له بنين وبنات وقام على رعاية أولاده وزوجته، وأصهر إلى أكرم قومه، يلجأ إليه قومه، ويرضونه لحل معضلاتهم، ويشاركهم في أعمال الشرف والمروءة.
لهذا كله أحبه القريب والبعيد، وأصبح الأمين في نفوس قريش، وغدا معقل آمالهم، وتجمع كل فضيلة، وناصية كل مكرمة .
بلغ الحبيب المصطفى أربعين سنة، فنزل عليه الوحي ، وأمره ربه بتبليغ أمره للناس كافة، فامتثل الأمر الإلهي، وقام بأداء الرسالة، وكان من الطبيعي ومن البدهي أن تكون طليعة هؤلاء السابقين زوجه الطاهرة الوفية خديجة رضي الله عنها، وكذلك أولاده الأطهار، فأولاده الذكور القاسم، وعبد الله، وإبراهيم ابنه من مارية المصرية، ماتوا جميعاً في عمر الورد، وفي سن الطفولة البريئة.
وأما بناته الطاهرات رضي الله عنهن : زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة، فكلهن أدركن الإسلام وأسلمن، وكن مع أمهن سيدتنا وسيدة نساء العالمين في طليعة أسبق السابقين والسابقات إلى ساحة الإيمان به نبياً ورسولاً، وكانت زينب رضي الله عنها أكبر أخواتها من السيدات اللاتي أكرمهن الله عز وجل بالمسارعة إلى التصديق برسالة أبيها.
وسبق البنات الطاهرات، وفي مقدمتهن زينب رضي الله عنهن جميعاً لا يحتاج إلى نص أو إلى دليل أو برهان، ولله در القائل:
وهبني قُلْتُ هذا الصبحُ لَيل … أيعمى العالمون عن الضياء
وفي هذا يقول الإمام الزرقاني – رحمه الله – في شرح المواهب اللدنية : ولم يذكر بناته – أي في عداد السابقين إلى دوحة الإيمان – لأنه لا شك في تمسكهن قبل البعثة بهديه وسيرته.
ومما تعطر به الأسماع في هذا المجال الكريم، ما رواه ابن إسحاق – رحمه الله – عن أمنا عائشة الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما قالت : لما أكرم الله نبيه بالنبوة، أسلمت خديجة وبناته.
وفي رواية أخرى عنها أنها قالت: أسلمت رقية حين أسلمت أمها خديجة وبايعت حين بايع النساء، وأسلمت أم كلثوم حين أسلمت أخواتها وبايعت معهن.
أما سيدتنا فاطمة الزهراء رضي الله عنها، فقد ولدت ونشأت على الإسلام، وأنقى التقى .
قال الإمام الزرقاني – رحمه الله – : والحاصل أنه لا يحتاج للنص على سبقهن إلى الإسلام لأنه معلوم ؛ وهو يقصد بهذا إلى أن ذلك نتيجة لازمة لزوماً قطيعاً، لنشأتهن بين أحضان أصدق وأكرم أبوة، وأفضل وأحنى أمومة، يأخذن عن أبيهن أكرم المكارم، وعن أمهن حصائل العقل الذي لا يُوزن به عقل امرأة في السابقين ولا في اللاحقين.
فزينب وأخواتها الطاهرات رضي الله عنهن في قرن مع أمهن السيدة خديجة، ينظمن معها عقد أسبق السابقين والسابقات إلى ارتشاف رحيق الإيمان منذ ظهرت أولى قطراته العطرة، وكن من السابقين والسابقات إلى دوحة الإسلام والتصديق برسالة أبيهن سيدنا وحبيبنا رسول الله ﷺ الذي كان أباً كريماً قبل أن يكون رسولاً بالمؤمنين رؤوف رحيم.
وقد كانت مكارم أخلاقه الحسان، وعظيم شهرته بها، ورفيع صفاته وصفاته الرفيعة، تلك التي تميز بها عن سائر بيئته وقومه بين أيديهن، يزينها رأي البصر والبصيرة، ويسمعن أحاديث الناس عنها، والولد على نهج أبيه وأمه ينشأ.
إن زينب رضوان الله عليها عاشت في أحضان البيت النبوي، بل كانت كبرى البنات الطاهرات، وأخذت عن أبيها خلقه وعمله مشاهدة ومحاكاة، وسمعت منه ما يأمر به ويرغب فيه من الخير، وما ينهى عنه وينفر من مقاربته من الشر، فتشربت من يقينه وإيمانه وحكمته وآدابه وشرائعه، ما يطيق قلبها وروحها حمله، وترسم عقلها ما تستطيع إدراكه من مشاهدة النبوة والوحي، وإشراق الرسالة.
لذلك كان إيمانها بالله عز وجل وتوحيدها والتصديق برسالة أبيها فطري طبيعي، اقتضته الفطرة النقية التي قادتها إلى منابع النقاء والصفاء، وإلى نور الحق، وأنوار اليقين.
زَيْنَبُ وَالْأَمَلُ المفقود
أخذت زينب بنت رسول الله ﷺ تقص على زوجها أبي العاص قصة الإيمان، وتحدثه عن نبوة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وأخبرته بإيمان أمها خديجة، وإيمانها وإيمان أخواتها، وشهادتهن أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله .
كانت زينب رضي الله عنها تتحدث إلى زوجها وقلبها يخفق عطفاً وخوفاً، فقد كانت ترجو الله عز وجل أن يشرح قلبه للإيمان بالدعوة المحمدية، فهي تحب له الخير والسعادة والهداية، وخشيت أن تأخذه العزة بالإثم فيعرض عن الإسلام ويسلك الطريق غير المستقيم فيهوي في مهاوي الردى.
اشتد وجيب قلبها، واستولى عليها خوف شديد، فزوجها أبو العاص لم يجبها بشيء، بل تركها وخرج وتوجه إلى الكعبة؛ ولما عاد إلى منزله قال لها : لقيت أباك اليوم في الكعبة، ودعاني إلى الإسلام.
ولم تكن زينب رضي الله عنها تتصور أن يستسلم زوجها لعواطفه، وينقاد لمواريث الجاهلية، ويعرض عن دعوة الإيمان، بل كانت ترى أن أبا العاص ذو رأي وحكمة، وسيسرع إلى الانضمام إلى ثلة الأولين الذين فازوا بقصب السبق إلى راية الحق، ودعوة الخير.
تعجب أبو العاص من إيمان زينب بدعوة الحق، ولاحظت زينب ذلك فقالت له : والله ما كنت لأكذب أبي، وإنه والله لكما عرفت أنت وقومك؛ أنه الصادق الأمين.
لم تقنط زينب من رحمة الله عز وجل، ولم تقف وقفة قاسية أمام إعراض زوجها عن الإسلام، وإنما ظلت تدعوه إلى الإسلام مرة بعد مرة، ويوماً بعد يوم، ولكن أبا العاص كانت تعلو ملامح وجهه إشارات وجومٍ وعلامات استفهام لا يستطيع تفسيرها هو نفسه.
وفي أحد الأيام قال لزينب بلسان الحقيقة وهي تدعوه إلى الله : والله، ما أبوك عندي بمتهم، وليس أحب إلي من أن أسلك معك يا حبيبة في شعب واحد! ولكني أكره لك أن يُقال: إن زوجك خذل قومه وكفر بآبائه إرضاء لامرأته.
أعتقد أن أبا العاص كان يود لو يستجيب للإيمان، حيث إن كلامه ينضح بالدفء وصدق اللهجة، وكانت تكمن في نفسه ينابيع المودة للدعوة المحمدية ولكن قشوراً خفيفة قد حجبت بينه وبين أنوار اليقين.
واعتقد أن زينب رضي الله عنها قد أدركت ذلك في شخص زوجها أبي العاص بن الربيع، وتوسلت إلى الله عز وجل أن يكشف عن قلبه هذه القشور المتعفنة، لينعم في نعيم الإيمان، ويزيح عن كاهله رجس الجاهلية ليكون من فرسان مدرسة النبوة.
زيْنَبُ وَإِخْلَاصُ زَوْجِهَا
أخذ عبير الإسلام يعطر الأجواء في مكة المكرمة، وراحت القلوب الكبيرة تهمس بحب الإيمان، وتتصل بخالقها الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وسعى المؤمنون الأوائل لإعلاء كلمة الله عز وجل والدعوة إليه بالحكمة.
وتتابع الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، رجالاً ونساء، حتى فشا ذكر الإسلام بمكة، وتحدث به الناس سراً وعلانية، وأقبل الذين فتح الله بصائرهم وبصيرتهم ينعمون برحيق الإيمان، بينما طاشت عقول بعض سادات قريش وكرهوا هذا الدين الجديد، وحاربوه بكل الوسائل كيما يطفئوا نور الله، ولكن الله متم نوره، ولو كره المشركون.
مضى الحبيب المصطفى يسير في دعوته، بينما أخذ فجار الكفار يقعدون كل مرصد في طريق المؤمنين، ويؤذونهم بألوان الأذى، ويحاربونهم بوسائل شتى وكانوا في خصامهم يريدون أن ينالوا من رسول الله ، ويشغلوه عن أمر الدعوة .
وتفتق خيالهم الشيطاني عن فكرة ظنوا أنهم يوهنون الدعوة الإسلامية فرأوا أن يشغلوا رسول الله ﷺ ببناته فقالوا : إنكم قد فرغتم محمداً من همه، فردوا عليه بناته، فأشغلوه بهن.
ومشى سادات الكفار من قريش إلى أبي العاص بن الربيع، وبعد حديث عن الدعوة، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقربوا له وبعدوا، ثم قالوا – بَعْدَ أَنْ ظُنُّوا أن أبا العاص قد لان في أيديهم : فارق صاحبتك بنت محمد، ونحن نزوجك أي امرأة شئت من قريش.
إلا أن ما نطق به أعيان الفجرة راح أدراج الرياح، ولم تثمر مكيدتهم هذه عند أبي العاص الذي كان يحب زوجه زينب، فهو لا يطيق فراق ابنة خالته، التي لم ير منها إلا كل خير ووفاء، وفوجىء القوم الكافرون بأبي العاص وهو يقول بوضوح : لا ها الله إذاً، لا أفارق صاحبتي وما أحب أن لي بامرأتي امرأة من قريش.
إن أبا العاص أبى أن يفارق أو يطلق ابنة محمد صلى الله عليه وسلم، وإن كان على غير دينه، فهو يحب زينب، ويجل أباها، ولكن مفارقة دين قريش كان يصعب عليه صعوبة شديدة، ولكن لكل أجل كتاب.
زَيْنَبُ وَالزَّوْجُ الأسير
هاجر الحبيب الأعظم إلى المدينة المنورة، ولحق بأصحابه هناك، بينما ظلت ابنته زينب في مكة في بيت زوجها أبي العاص بن الربيع تنتظر أمر الله عز وجل في الهجرة، وظل قلبها يخفق حتى جاءها الخبر اليقين بأن أباها قد استقر في عرين الأنصار الذين يؤثرون على أنفسهم، ولو كان بهم خصاصة.
وها هي مدينة رسول الله ﷺ طيبة تنبض بالحياة، فقد أكرم الأنصار مثوى المهاجرين، وعاش جميعهم في حب ووئام يحمدون الله الذي هداهم للإيمان. وأطل العام الثاني للهجرة، وأهل هلال شهر رمضان، فإذا بمشركي مكة يخرجون نحو المدينة لقتال المؤمنين.
ولكن ما هو شعور زينب ابنة الحبيب المصطفى رضي الله عنها، تلك التي خرج زوجها مع المشركين لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ بل ما هو شعور أبي العاص لحظ ذاك؟ أعتقد أن أبا العاص صهر الرسول ﷺ قد خرج كارهاً للقتال، ويبدو أن الأحداث لم تترك أبا العاص بعيداً عن ضغطها واحتوائها، فخرج إلى بدر تتناوشه الأفكار المتناقصة، والأوهام المصطنعة من كبار فجار الكفار، بزعامة الكفور الفجور عمرو بن هشام أبي جهل المخزومي.
ولما دفع أبو جهل بن هشام بقريش وفتياتها دفعاً إلى خوض غمار المعركة، امتشق أبو العاص سيفه، وهو يرجو أن لا يلقى أحداً من المسلمين، وخشي أن يلقى محمداً، إذ الحياء الجمه، فطالما زاره في بيت خالته خديجة قبل أن يتزوج زینب، وألقى إليه سمعه، وأعجب بحلاوة حديثه، وحسن منطقه، وكمال خلقه وما أكثر ما اجتمع به بعد زواج ابنته، وكان له خير أسوة، وخير ناصح أمين.
والتقى الجمعان على مياه بذر ودارت رحى الحرب في شراسة فاجرة تعبّأت لها القلة المؤمنة من المسلمين مستهدفة إعلاء كلمة الله عز وجل، ودارت رحى القتال، وما هي إلا جولة وأخرى حتى خفقت ألوية النصر على رؤوس المؤمنين، ورفرفت أعلام الظفر باسمة فوقهم، وأنزل الله نصره على المؤمنين، وحلت الهزيمة المنكرة بطغاة الكفر والمشركين.
وراح المسلمون يقتلون فريقاً، ويأسرون فريقاً، بينما هرب باقي المشركين نحو مكة كاسفاً بالهم، ترهق وجوههم ذلة الهزيمة، وتملأ نفوسهم غصة الآلام.
وكان أبو العاص بن الربيع قد وقع أسيراً بيد المسلمين أسره عبد الله بن جبير الأنصاري، وكان أبو العاص من الذين لم يسمع لهم في المعركة صوت، ولم يعرف لهم رأي، ولا شوهدت لهم في قتال جولة. وقرن في الجبال مع زملائه الذين كتب عليهم الإسار في هذه المعركة الفاصلة.
وضعت الحرب أوزارها، ورفرفت رايات النصر فوق رؤوس المؤمنين وسار محمد رسول الله والذين معه، ليدخلوا المدينة ومعهم الأسرى مقرنين في الأصفاد، وهنالك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استوصوا بالأسرى خيراً».
كان أبو العاص بن الربيع مستأسراً مع رهط من الأنصار، فأكرموا مثواه، وعرفوا مكانه في البيت النبوي، فلم يلق منهم إلا كل خير وإكرام وكرامة.
لنترك أبا العاص نفسه كيما يحدثنا عن كرم الأنصار، وعن مكارمهم وإيثارهم النبيل عندما كان أسيراً لديهم فيقول: كنت مع ربط من الأنصار – جزاهم الله خيراً – كنا إذا تعشينا أو تغذينا، أثروني بالخبز، وأكلوا التمر، والخبز معهم قليل، والتمر زادهم، حتى إن الرجل لتقع في يده الكسرة فيدفعها إلي.
لقد وقر في صدر أبي العاص أن هذه المعاملة الرفيقة الرقيقة، لا تصدر إلا عن عظماء صنعوا على عين الله عز وجل، وتغذوا على مائدة التقوى، وتربوا على محاسن الفضائل، فكانوا سادة الناس في العادات، ولا غَرْوَ، فعادات السادات، سادات العادات.
وأخذت الأفكار تجول في أقطار رأس أبي العاص وتعود به إلى الأيام الحالية، إنه يعرف الأنصار هؤلاء – الأوس والخزرج – من قبل أن يقدم عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنه يعرفهم معرفة حقيقية لممارسته التجارة، فما كانوا على مثل هذا الخلق الكريم العطر! فلما هاجر إليهم الحبيب الأعظم عليه أفضل الصلاة والسلام، ومكث بينهم بضعة شهور، كانت معجزة أتت ثمارها وأكلها سريعاً، حيث تخلقوا بأخلاقه الشريفة واهتدوا بهديه، فصنعوا الأعاجيب.
واستمر أبو العاص في تفكيره، فإذا بفؤاده يهوي إلى الدين القيم الذي يدعو إلى مكارم الأخلاق ووجد نفسه تنجذب إلى نور الهداية المنبعثة من الإسلام الذي يدعو إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه أسير الآن، ولا يدري ما سَيُفَعلُ بالأسرى.
قلادة زينب
أخذ الناس يلقون رسول الله ﷺ بالتحية والتهنئة، بما فتح الله عليه في غزاة بدر، ودخل النبي ﷺ المدينة، ووضع الأسرى تحت حراسة مولاء شقران، وكان من بينهم أبو العاص ابن الربيع صهر الرسول الكريم ﷺ. كان أبو العاص مشتت التفكير فيما وصل إليه، وقفز به خياله إلى أم القرى حيث غادر زينب رضي الله عنها غادرها هذه المرة، ليحارب أباها، وليس للتجارة إلى الشام وغيرها.
لقد خرج مع سفهاء قومه إلى المدينة، لتسمع بهم العرب فتهابهم أبد الدهر كما زعموا – كان في فورة حماس لم يفكر في مشاعر زوجه التقية الطاهرة وقد خرج لحرب أبيها ! وعاد به خياله إلى واقعه، إنه أسير مع الأسرى في مدينة رسول الله ﷺ ، ترى ما حال زينب؟ إنه يحس ويدرك تماماً أنها لا تعدل بأبيها أحداً.
أما زينب رضي الله عنها، فقد كانت في مكة المكرمة، تبتهل إلى الله عز وجل أن يشرح صدر أبي العاص إلى الهدى ودين الحق، وإلى الهداية وطريق النور، وكانت تخشى أن يُصاب رسول الله ﷺ أو يصاب زوجها بأذى.
ولم تطل الأيام، فقد جاء من يخبر زينب بأن أبا العاص قد وقع أسيراً بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالإضافة إلى سبعين من المشركين قد وقعوا أيضاً في الأسر، وها هم أهلوهم يتجهزون للخروج إلى المدينة المنورة ليدفعوا الفدية إلى المسلمين.
كانت زينب رضي الله عنها تحب أن تبعث إلى أبيها من يفتدي منه زوجها أبا العاص، وتهللت بالفرح لما جاءت الأخبار العطرة تحمل نصر الله لرسوله والمؤمنين، ولكنها شعرت بالحزن يسري في أعماقها لأسر زوجها، إلا أنها كانت تحس بأن عقل زوجها سيسلمه في يوم من الأيام إلى خير، وشعرت بأن أباها سيقدر حالتها وحالة زوجها الأسير.
ودت زينب رضي الله عنها لو تستطيع أن تخرج لتفدي زوجها، وترى أباها، وتهنئه بنصر الله عز وجل، إلا أنها كانت عاجزة عن الخروج وحدها، فهي بين ملأ قد ملئة قلوبهم حقداً على أبيها، وعلى الذين معه، ولو همت بالخروج لأوذيت أذى شديداً .
لجأت زينب إلى أهل زوجها ليذهبوا في فداء أبي العاص، فقدم عمرو بن الربيع في فداء أخيه أبي العاص بن الربيع، ووصل المدينة المنورة، فقدم إلى رسول الله ﷺ ما أرسلت به ابنته زينب في فداء زوجها أبي العاص، فإذا به مال وقلادة لها، كانت أمها خديجة الطاهرة، قد أدخلتها بها على أبي العاص حين بني بها في مكة، حتى تتحلى بها، فلما رأى رسول الله ﷺ القلادة، ترقرق الدمع في عينيه الشريفتين، فقد ذكره العقد بالطاهرة خديجة سيدة نساء العالمين، وأعادته إلى تلك الأيام التي قضاها معها، إذ كانت له وزير صدقٍ على الإسلام.
لقد كانت هذه القلادة الكريمة مبعث ذكريات أبوية عند رسول الله ﷺ وذكريات زوجية، وذكريات أسرية، وذكريات عاطفية، قبل أن تأتيه رسالة الله عز وجل بمنهجها الرباني القويم.
فالحبيب المصطفى أب له من عواطف الأبوة أرفع منازلها في سجل المكارم الإنسانية، وأشرفها في فضائل الحياة، فتذكر برؤيته هذه القلادة ابنته الكبرى، في مكة وحيدة مع زوجها مسلمة مؤمنة، وهو على كفره لم تفكر قط في مفارقته، لأنه كان حفياً بها، وفياً في معاشرتها، محباً لها، معتزاً بها.
ويؤمر زوجها في أشراف قومه، ويطلب الموقف فداءه، فترسل قلادتها فداء له، ويرى رسول الله هذه القلادة، فتنادى إليه الذكريات، وفيها ذكريات السيدة خديجة الطاهرة، وفرحها وهي تدخل على ابن أختها هالة بنت خويلد وتحليها بأحسن ما عندها من الحلي، وتزينها بقلادة تهديها إليها في فرحة العمر، فتقدمها زينب في فداء زوجها طيبة بها نفسها، وفاء لحياتها الزوجية مع أبي العاص ابن خالتها، فيعظم ذلك في نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والرسول الكريم أب، وكافل الأسرة قاعدتها أولاده، وقمتها زوجه وزيرة الصدق، ومأنس القلب، ومفرجة الأزمات والشدائد عنه، بما أنعم الله عليها من عقل رشيد، ورأي سديد.
فإذا رأى هذه القلادة الكريمة – بعد غياب طويل – ذكرته بالود الهامس، وهمس الود، وابتسامة الحياة الهادئة مع أطهر الطاهرات خديجة رضوان الله عليها.
إنه يذكرها في كل مناسبة، وهنا تذكرها في هذه القلادة الغالية العزيزة فماذا فعل ؟ تروي المصادر الوثيقة أنه لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم، جاء في فداء أبي العاص بن الربيع أخوه عمرو بن الربيع، وبعثت معه زينب رسول الله ﷺ في فداء زوجها بمال، وبعثت فيه بقلادة من جزع ظفار كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين زواجها، فلما رأى رسول الله ﷺ القلادة، عرفها، ورق لها رقة شديدة، وذكر خديجة ورحم عليها، فتوجه إلى أصحابه الكرام رضي الله عنهم.
متلطفاً يطلب إليهم في رجاء الأعز الأكرم، رجاء يدفعهم إلى العطاء، ولا يسلبهم حقهم في الفداء، لو أنهم أرادوا الاحتفاظ بهذا الحق، وهو في أيديهم يملكون التصرف فيه، فقال لهم : «إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها، وتردوا عليها الذي لها فافعلوا» قالوا: نعم يا رسول الله .
فأطلقوا أبا العاص بن الربيع، وردوا إلى زينب متاعها. وكان رسول الله ﷺ قد أخذ عليه العهد أن يخلي سبيل زينب، وكانت من المستضعفين من النساء، ففعل ووفى بما وعد
وفاء الوَعْدِ وَهِجْرَةُ زَيْنَبَ
عندما سرح الحبيب المصطفى أبا العاص من الأسر، خرج أبو العاص عائداً إلى مكة فرحاً مسروراً، وفرح الناس بعودة من كان من الرجال المعدودين مالاً وأمانة وتجارة، وقبل أن يتوجه إلى بيته، طاف بالبيت العتيق سبعاً، ثم توجه وهو في شوقٍ شديد إلى زينب رضي الله عنها الزوجة الوفية التي بعثت في فدائه بأعز ما تملك قلادتها الغالية.
تذكر أبو العاص كيف رق رسول الله ﷺ رقة شديدة لما شاهد القلادة، وتذكر أيضاً، أنه وعد رسول الله ﷺ أن يخلي سبيل زينب ويرسلها إلى المدينة النبوية المنورة، كيما تكون مع أخواتها في رعاية أبوية، تعوضها عن مرارة الفرقة والبعد فيما مضى من الزمان.
إنه وعد أليم موجع لقلب أبي العاص، إنه سيقوض البيت الهاني الهاديء الذي عجزت عواصف الأحداث من قبل عن أن تزعزع أركانه، وهو لا يستطيع أن ينكث وعده، وإلا لطخ أمانته بالأوحال، تلك الصفة التي اشتهر بها بين قومه، وسما بها عن رجالات قريش.
حقاً إن هذا الموقف الحرج، ولكن أبا العاص سيَفي بما وعد، وها هو بلغ داره، وما إن وقعت عينا زينب عليه حتى جرت إليه، ودموع الفرح تغسل وجهها، وسعد أبو العاص بهذا اللقاء بعد الغياب الطويل، ولكن تدفق من أعماقه ووجدانه صوت الوعد الذي قطعه على نفسه، وها هو صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرن في أعماقه، فإذا به يقول لزوجه زينب: لقد وعدت أباك أن تلحقي به وقد استكتمني ذلك، وسأفي بما وعدته ، فقد كان كريماً معي.
ويظهر أن زينب رضي الله عنها قد فوجئت بما نطق به أبو العاص، ونظرت إليه في دهش، وهي تكاد لا تصدق ما تسمع، ولكن أبا العاص أكد لها ذلك وأفهمها أن الإسلام قد فرق بينهما.
لقد وعد أبو العاص رسول الله ﷺ أن يحمل زينب إليه، إلى المدينة المنورة فور وصوله مكة، وكان يعلم قسوة ذلك الوعد على قلبه، ولكنه لن ينكث بما وعد، وسينجز وعده.
أما زينب رضوان الله عليها، فقد غدت تقاوم عواطفها وهي تتجهز للهجرةوالخروج إلى حضرة رسول الله ﷺ كانت العواطف تتصارع في داخلها في تلك اللحظات، ولكن لقاء رسول الله ﷺ لا يعدله شيء، ولا تقف أمامه عواطف الدنيا كلها، وكان لسان حالها يقول: السمع والطاعة لله عز وجل، ولرسول الله ﷺ.
أسلمت زينب أمرها إلى الله عز وجل، فهو العليم الخبير، بيده مقاليد السماوات والأرض، وأخذت تتجهز للحوق بأبيها.
في تلك الساعات المتموجة بالعواطف المتنوعة، تظهر مروءة امرأة لم يكن من المتوقع أن تساعد زينب في شيء من أمرها، لأن هذه المرأة، قد قبل أبوها، وعمها، وأخوها يوم بدر، وما يوم بدر منها ببعيد ولكن حديث مروءتها وشهامتها يستحق التاريخ، ويستحق الحفظ في الصدور، لأنه يرقق ستور السطور، هذه المرأة النبيلة هي هند بنت عتبة رضي الله عنها، إحدى فرائد نسوة قريش حزماً وعقلاً ورأياً ومكانة.
وعلى الرغم مما كان بين هند بنت عتبة رضي الله عنها، وبين الرسول الكريم ﷺ، فإن هنداً كانت عاقلة تنظر إلى الأمور نظرة كريمة ندية، فقد نمي إليها أن زينب ابنة رسول الله ﷺ قد عزمت على الهجرة إلى المدينة المنورة، فذهبت إليها عندما هدأت الأصوات، وسكن الليل، وعرضت عليها أن تقدم لها المساعدة لتتمكن من الوصول إلى المدينة المنورة، وقالت لزينب: يا بنة محمد، بلغني أنك تودين الرحيل، واللحوق بأبيك فهل هذا صحيح؟ فأجابت زينب رضي الله عنها في حذر وتخوف من أنبأك هذا؟ إنني ما أردت ذلك ؟! فقالت هند في هدوء : أي ابنة العم، لا تفعلي ذلك، ولا تكذبيني، فإن كانت لكِ حاجة في متاع أو ما يرفق بك في سفرك، أو مال تبلغين به إلى أبيك، فإن عندي حاجتك، فلا تستحي مني، فإن ما بين الرجال لا يتعداهم إلى النساء، وإن أولى الناس بإسعادك ابنة عمك.
و شعرت زينب رضي الله عنها بأن هند بنت عتبة صادقة بما تقول، وما جاءتها إلا لتقدم المعونة والمشورة والنصح والمال بدافع من المروءة العربية الصرفة، ولكن زينب ظلت حذرة إلى حد ما، واستعانت على قضاء حاجتها بالكتمان والهدوء، وردت على هند رداً جميلاً، وصرفتها مصحوبة بالثناء والشكر لهذه المروءة الفريدة.
وتجهزت زينب رضي الله عنها حتى إذا ما فرغت من جهازها، تقدم أخو زوجها كنانة بن الربيع، وحملها على بعير فرَكِبته، وأخذ قوسه، وكنانته، ثم خرج بها نهاراً يقود بعيرها، وهي في هودج لها، وتحدث بذلك الرجال من قريش، والنساء كذلك، وأقبل بعضهم على بعض يتلاومون، وخرجوا في طلبها سيراعاً حتى أدركوها بذي طوى، وكان أول من سبق إليها هبار بن الأسود بن المطلب ونافع بن عبد عمرو، فروعها هبار بالرمح وهي في هودجها، وكانت حاملاً، فغدت تنزف دماً، فما كان من حموها كنانة بن الربيع إلا أن برك، ونثر كنانته بين يديه، وأخذ منها سهماً فوضعه في كبد قوسه، وراح يهدد القوم قائلاً : والله لا يدنو مني رجل إلا وضعت فيه سهماً.
فتكركر – رجع – الناس عنه وخافوه، وأتى أبو سفيان ابن حرب في جلة من قريش وقال: أيها الرجل كف عنا نبلك حتى نكلمك.
فكف كنانة، ووقف فأقبل أبو سفيان حتى وقف عليه وقال له : أيها الرجل، إنك لم تصب، ولم تحسن، خرجت بالمرأة على رؤوس الناس علانية جهاراً في وضح النهار، وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا وما دخل علينا من محمد أبيها بالأمس القريب، فيظن الناس إذا خرجت بابنته إليه علانية أن ذلك على ذل أصابنا، وأن ذلك منا وهن وضعف، ولعمري ما لنا في حبسِها عن أبيها من حاجة، وما فيها من ثأر نثاره، ولكن ارجع اليوم، حتى إذا هدأت الأصوات، وتحدث الناس أنا رددناها، فإذا كان الليل، سلّها سراً، وأخرجها خفية، وألحقها بأبيها، وإذ ذاك لا يكون عليك أو علينا حرج.
وراحت زينب رضي الله عنها تنظر إلى الدم الذي ينزف منها في خوف ورأى كنانة بن الربيع أن يعود بها إلى مكة استجابة لتوصل أبي سفيان ومن معه، وحفظاً لحياة زينب ابنة الرسول الكريم رضي الله عنها.
ورجع القوم نحو مكة، فلقيتهم هند بنت عتبة وهم عائدون، وعلمت ما فعله هبار من عمل شائن مع البضعة النبوية زينب، فتأثرت هند عند زوج أبي سفيان وغيرتهم، وذكرت جبنهم ومهانتهم في الحرب، وتشاجعهم على رد امرأة من سفرها إلى أبيها، فأنشدت تذمهم وتهجوهم:
أتي السلم أعياراً جَفَاء وغلظة … وفي الحرب أشباه النساء العوارك
وبينما كانت زينب رضي الله عنها في طريق عودتها إلى مكة ألفت ما في بطنها، وأصابها الضعف والوهن والمرض.
مكثت زينب رضي الله عنها بضعة أيام حتى استردت بعض قواها، وهدأ صحب القرشيين عنها، وغوغاء الفجار عن هجرتها، وعندئذ حملها كنانة بن الربيع على بعيرها، وخرج بها، وهو يسلها سلا خفياً خشية الطلب ثانية.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما خلى سبيل أبي العاص، بعث بعده زيد بن حارثة ورجلاً من الأنصار، وقال لهما : «كونا ببطن يأجج حتى تمر بكما زينب فتصحياتها حتى تأتياني بها» وذلك بعد بدر بستة.
خرج زيد وصاحبه ينتظران، حتى خرج كنانة بن الربيع ليلا يقود هودج زينب رضي الله عنها، فسلمها إلى زيد وصاحبه الأنصاري، وهو يذكر ما حصل له مع هبار، ومع مشركي قريش وينشد قائلا:
عجبت غبار وأوباش قومه
يريدون إخفاري بنت محمد
ولست أبالي ما بقيت ضجيعهم
إذا اجتمعت يوماً يدي بمهتد
وسار الرجلان حتى قدما بزينب رضي الله عنها على النبي ﷺ، فاستقبل ابنته العزيزة الكريمة العائدة إلى دار الإسلام والسلام وعلم ما بزينب من آلام سببها هبار بن الأسود، وعرف ما كان من قسوته، فأهدر دمه، ودم صاحبه نافع بن عبد عمرو وقال: «إن لقيتموهما فاقتلوهما …..» ويؤيد هذا ما ورد في الصحيح وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : بعث رسول الله ﷺ سرية، وكنت فيهم، فقال: «إن لقيتم هبار بن الأسود، ونافع بن عبد عمرو، فأحرقوهماه» وكانا نخسا بزينب بنت رسول الله حين خرجت، فلم تزل ضبنة – مريضة – حتى ماتت .
ثم قال : «إن لقيتموهما فاقتلوهما، فإنه لا ينبغي لأحد أن يعذب بعذاب الله» .
أقامت زينب رضوان الله عليها بالمدينة المنورة، وهي مستقلة بظلال الحنان والأنس برعاية أبيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنست بأختيها أم كلثوم وفاطمة، بينما كانت رقية قد توفيت عندما رجع رسول الله ﷺ من غزاة بدر.
وبقيت زينب رضي الله عنها في المدينة المنورة قرابة ست سنين حتى فتح الله على زوجها أبي العاص بالإسلام، وكان لإسلامه قصة لطيفة ظهرت فيها زينب رضي الله عنها بأروع صور كرامة المرأة، ودقة وجدانها، وصون كرامتها.
أما كيف كان ذلك، فنحن مرسلو القول – بإذن الله – في ذلك كيما نسعد، ونحن نعيش هذه اللحظات المباركة في ظلال البيت النبوي الذي أذهب عنه الرجس وطهره تطهيراً.
كرامتها وَإِسلام زوجها
إن كرامة المرأة في الإسلام تتناول شخصها وسيرتها، وتشمل مشهدها ومغيبها، فمن حقها أن تكون هي في موطن الرعاية والعناية، وأن يكون لها من الحرمة والكرامة ما يضمن حريتها.
وهذا ما كان لزينب ابنة الرسول ﷺ، فقد عرف الإسلام لها حقها، وأشاد بمكانتها، وحفظ مكانها لما أجارت زوجها أبا العاص، وإذ ذاك فتح الله عز وجل بصيرته، وأكرمه بنعمة الإيمان وأضحى أحد فرسان المدرسة المحمدية.
أقام أبو العاص بن الربيع زمناً على الشرك، وذلك بعد هجرة زينب، وكان يعمل بالتجارة، فخرج تاجراً إلى الشام قبل فتح مكة – وكان رجلاً مأموناً – وكانت معه بضائع وأموال لقريش، بالإضافة إلى ماله، وفي طريقه إلى الشام تذكر زوجه زينب، وطالما تذكرها وذكرها في شعره، ومما قال فيها:
ذكرت زينب لما وركت أرما
فَقُلْتُ سُقيا لشخص يسكن الحرما
بنت الأمين جزاها الله صالحة
وكل بعل سيثني بالذي عَلِما
ودخل أبو العاص الشام، وباع وربح أموالاً كثيرة، فلما رجع من تجارته، لقيته سرية لرسول الله ﷺ قوامها سبعين ومئة راكب يرأسها زيد بن حارثة رضي الله عنه؛ وأحاط زيد ومن معه بعير قريش، وإذ ذاك وجد رجال القافلة أنهم عاجزون عن الدفاع فأسلموا أنفسهم وتجارتهم لرجال السرية، وكان فيها فضة كثيرة لصفوان بن أمية، وأصابوا كل ما في القافلة، واستاقوا العير، بينما أفلت أبو العاص فأعجزهم هرباً.
قدم زيد وأصحابه بالغنائم على رسول الله ﷺ فقسمه بينهم، وأقبل أبو العاص بن الربيع في الليل حتى دخل على زينب، فاستجار بها فأجارته، وسألها أن تطلب له من رسول الله ﷺ رد ماله عليه، وما كان معه من أموال الناس فوعدته خيراً.
وترامى في جنبات المدينة صوت بلال بن رباح وهو يؤذن بالفجر، فخف زيد بن حارثة وأصحاب رسول الله ﷺ ليصلوا خَلْفَ رسول الله ﷺ.
ووقف الرسول الكريم، واصطف المسلمون خَلْفَه في هدوء، فلما دخلوا في الصلاة، وكبر الرسول ﷺ، وكبر الناس معه، إذ بصوت ابنته زينب رضي الله عنها يدوي في المسجد، وينبعث من صفة النساء تقول: أيها الناس إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع. فلما قضيت الصلاة، وسلم النبي ﷺ ، أقبل على أصحابه الكرام وقال: «ما علمت بهذا، وإنه يجير على الناس أدناهم».
ثم انصرف الحبيب المصطفى ﷺ فدخل على ابنته زينب رضي الله عنها، ليعرف حقيقة الأمر، ثم إنه قال لها : وقد أجرنا من أجرت، والمؤمنون يد على من سواهم يجير عليهم أدناهم». وسألته زينب رضي الله عنها أن يرد على أبي العاص ما أُخِذَ منه ، فصمت قليلاً، ثم أمرها إلا يقربها ما دام مشركاً وقال : «أي بنية أكرمي مثواه ولا يخلصن إليك فإنك لا تحلين له» . كانت زينب مسلمة، وكان أبو العاص مشركاً، لا يزال على دين الوثنية وقد حرم الله عز وجل نكاح المؤمنات على المشركين.
وخرج رسول الله ﷺ وبعث إلى السرية من أصحابه الذين أصابوا مال أبي العاص وقال لهم : إن هذا الرجل منا حيث قد علمتم، وقد أصبتم له مالاً، فإن تحسنوا وتردوا عليه الذي له، فإنا نحب ذلك، وإن أبيتم، فهو في الله الذي أفاء عليكم، فأنتم أحق به.
فقالوا جميعاً بل نرده عليه يا رسول الله . فردوا عليه ما أصابوا، حتى إن الرجل ليأتي بالقرية القديمة، والرجل بالإدارة، والرجل بالحبل، فما تركوا قليلاً أصابوه، ولا كثيراً إلا ردوه عليه.
وعاد أبو العاص بأموال وتجارة قريش التي عُقدت بناصيته أمانتها – في وقت استحكمت فيه شدائد الأزمات بينها وبين المسلمين – لم يفقد منها شيئاً، فكان موفور الكرامة، وفياً أميناً، وأعطى كل إنسان ما كان له من مال في هذه التجارة، ثم نادى في قريش علانية فقال : يا معشر قريش هل بقي لأحد منكم معي مال لم ارده عليه؟ قالوا: لا فجزاك الله خيراً، قد وجدناك وفياً كريماً.
وعند ذلك أعلن أبو العاص بن الربيع إسلامه، وشهد شهادة الحق، وقريش مجتمعون عليه فقال وهو مستبشر مشرق الوجه مطمئن القلب والضمير: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، أما والله – يا معشر قريش – ما منعني أن أسلم قبل أن أقدم عليكم إلا خشية أن تظنوا بي إنما أسلمت لأذهب بأموالكم، فلما أداها الله إليكم، وفرغت، أسلمت.
الرَّسُولُ وَزَيْنَبُ وَأَبُو العاص
كانت زينب رضي الله عنها ترى بثاقب نور بصيرتها، أن زوجها أبا العاص بن الربيع، لن يسلمه عقله وتفكيره إلا إلى خير، وقد تحققت فراستها المنبعثة من نور الله ، وها هو أبو العاص يعلن إسلامه أمام الملأ الوثني القرشي، دون خوف أو وجل، فقد استنار بنور الله، واستشعر عظمة الله في نفسه، فلم يعد يخشى أحداً إلا الله .
خرج أبو العاص رضي الله عنه من مكة ميمماً المدينة المنورة مهاجراً، خرج وهو منشرح الصدر، مسرور الفؤاد، رضي النفس والعقل، لا يطمع في مال ولا سلطان ولا جاه، وإنما يريد وجه الله عز وجل، إنه يريد نعمة ينعم فيها، فقد تذوق حلاوة الإيمان، ومن يتذوق حلاوة الإيمان فلن يرضى بغيره بديلاً.
كان أبو العاص يسير مهاجراً، وأفكاره تتألق في وجدانه، إنه قد اعتنق الإسلام بعد تدبر وتأمل وتفكير، اعتنقه بمحض إرادته وحريته بعد أن طرح عن عاتقه ما ورثه من سخافات عمياء خلفتها الجاهلية البغيضة.
وبلغ أبو العاص المدينة المنورة، فاتجه إلى دور رسول الله ﷺ، فاستقبله المسلمون بالترحاب، استقبلوه استقبال المهاجرين إلى الله عز وجل، فقد كانت هجرته إلى الله ورسوله.
وكانت زينب رضي الله عنها أكثر الناس سروراً بعودة أبي العاص بن الربيع إلى الإيمان، وإلى المدينة المنورة وإلى دوحة المؤمنين، وأصبح من الراشدين، وكانت عودة أبي العاص مهاجراً في المحرم سنة سبع من الهجرة، فرد عليه رسول الله ﷺ زوجته وابنة خالته زينب بذاك النكاح الأول.
أخرج أصحاب السنن وغيرهم عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن رسول الله ﷺ رد ابنته إلى أبي العاص بعد سنين بنكاحها الأول، ولم يحدث صداقاً.
نعم، فقد كان أبو العاص معدوداً في رجالات قومه ثراء، وتجارة، وأمانة، وشهامة، ومروءة، وصدقاً، وإخلاصاً، أصهر إلى النبي ﷺ قبل البعثة، واختارته خديجة لابنتها زوجاً، ورضيه النبي ﷺ له صهراً، فكان من أكرم الناس وفاء في عشرته الزوجية، وتقديره لهذا الإصهار الأكرم، وكان النبي ﷺ يثني عليه في صهره.
كما رواه في الصحيح.
وهذا موقف مبارك يمثل جوانب رائعة من منهج رسالة الإسلام، كان رسول الله فيه هو الوجه المشرق الذي أضاء الطريق أمام مسيرة الدعوة، وكانت ابنته زينب رضي الله عنها تمثل مفتاح الموقف الذي انطلقت الحياة من أبوابه، وكان أبو العاص بن الربيع المحور الذي دارت الوقائع والأحداث من حوله .
فالحبيب المصطفى بسط يد مكارمه لهذا الرجل الذي كان صاحبه وصفية قبل البعثة، وفتح له طريق الهداية بعد بعثته، فوفى له وفاء بوفاء، وبوأه منه منزلة المصاهرة، وهي منزلة لا تكون إلا بين متصافين، ووقف منه موقفاً حفظ عليه كرامته بين قومه، وأقر جواز ابنته له حتى يطمئن وهو متطلع إلى رد ما أخذ منه ليرده على أصحابه، وتحقق له ما أراد، وعاد إلى مكة مرفوع الرأس، موفور الشخصية، وأعطى الحقوق لأصحابها، حتى إذا لم تبق عليه تبعة لأحد، أعلن إسلامه الذي كان يضمره منذ أن رأى مكارم النبي ﷺ تغمره، ومنذ أن رأى وفاء ابنة خالته يحقق له آماله.
لم يعلن أبو العاص إسلامه يوم أن كان بالمدينة محفوفاً بالرعاية من رسول الله ﷺ خشية قالة السوء، وأن قريشاً تظن به أن فعل ما فعل ليأكل أموالهم بالباطل ، فلما فرغ من أداء أمانته، واستبرأ ذمته أعلن إسلامه، وأرضى رسول الله فكافأه ورد عليه زوجته الوفية الحبيبة الصابرة زينب رضوان الله عليها.
نعم لقد رد الحبيب المصطفى ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع عندما أسلم زمن الحديبية، وأسلمت هي من أول البعثة، فبين إسلامها وإسلامه أكثر من ثماني عشرة سنة رضي الله عنهما.
لَهُمَ دَارُ السَّلَامِ
اجتمع شمل زينب وأبي العاص بعد أن كان ممزقاً، وكاد أن يتلاشى لولا أن تدارك الله أبا العاص برحمته، وتلاقى الزوجان المؤمنان بعد فراق طال قرابة سنوات ست فقد كان بين هجرتها وإسلامه ست سنين عددا.
وفي كنف رسول الله ﷺ عاشت زينب وزوجها ينهلان من أدب النبوة، ومن معينها الصافي، وراح أبو العاص يحضر مع رسول الله ﷺ الصلاة في المسجد النبوي الشريف، ويتدارك ما فاته من المعرفة في الأيام الخالية.
أما زينب عليها سحائب الرضوان فقد لازمها المرض وسكنت الآلام في أحشائها، ومضت بضعة أعوام، وزينب تعاني المرض، ولكنها كانت سعيدة بخروج زوجها من الظلمات إلى النور، إلى صراط العزيز الحميد.
وأطلت السنة الثامنة من الهجرة على المدينة المنورة، فإذا بزينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تودع هذه الدنيا، لتنتقل إلى دار السلام، إلى عند مليك مقتدر، وهي متأثرة بعلتها التي لزمتها منذ أيام هجرتها إلى المدينة المنورة.
وتوفيت زينب رضي الله عنها في أول سنة ثمان للهجرة، وتركت في نفس زوجها جرحاً غائراً لفراقها، إذ كان اللقاء عاماً أو أكثر بعد إسلام أبي العاص، ولكنه مليء بالخيرات.
ودوى في المدينة المنورة خبر وفاة زينب بنت رسول الله ﷺ ، فجاء الناس حتى يشيعوها إلى مثواها الأخير.
وجاءت الصحابية الكريمة أم عطية الأنصارية لتقوم بواجبها تجاه زينب رضي الله عنه، وتروي أم عطية توجيه رسول الله ﷺ في كيفية غسل ابنته زينب، تقول أم عطية : لما ماتت زينب بنت رسول الله ﷺ قال: «اغسلتها وتراً ثلاثاً، أو خمساً، واجعلن في الآخرة كافوراً، أو شيئاً من كافور، فإذا غسلتها فأعلمنني» فلما غسلناها أعطانا حقوه – إزرار – فقال: «أشعرتها إياه» وروت أم عطية رضي الله عنها قالت : لما غسلنا بنت رسول الله ﷺ ، قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن نغسلها : «ابدؤا بميامنها ومواضع الوضوء» وصلى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده، ثم شيعها إلى مثواها الأخير في البقيع .
وعاد أبو العاص بن الربيع إلى بيته، ودخل الدار، فإذا بها ساكنة سكون القبور، وإذا بها مظلمة وإن انتشرت فيها أشعة الشمس في وضح النهار، وإذا بها موحشة بلا حياة، فقد ذهبت زينب رضي الله عنها، تلك التي كانت نبض سروره، وأنفاس بهجته، وروح أنسه، وأنس روحه، وفؤاد دنياه، ودنيا فؤاده، واستشعر رغبة في أن يشم عبير ذكراها، وعبق خيالها، فراح إلى حيث كانت قلادتها، تلك التي كانت لخالته خديجة بنت خويلد، والتي خصت بها ابنتها زينب، لقد رق هو الآخر رقة شديدة ذكرته برقة رسول الله ﷺ يوم بعثت زينب بالقلادة لتفديه بها.
ألا ما أقسى الفراق، لقد أضحى أبو العاص مضعضع النفس، كسير الفؤاد، فقد كانت زينب كل شيء في حياته، وأمل دنياه، ودنيا أمله، وكاد الحزن يقضي عليه، لولا أن وجد في ابنته أمامة صورة حية من الراحلة زينب تؤنس وحشته وتأسو جراحه وتخفف بعض ما نزل به.
وعاش أبو العاص مرعي الجانب في المدينة المنورة، وقد أثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في مصاهرته خيراً، فقد ورد في الصحيح وغيره، أن رسول الله ، أثنى على أبي العاص فقال: «حدثني فصدقني، ووعدني فوقى لي». عاش أبو العاص رضي الله عنه أربعة أعوام بعد زينب رضي الله عنها، حيث توفي في خلافة سيدنا أبي بكر الصديق، في ذي الحجة من السنة الثانية عشرة من الهجرة النبوية.
هذه شذرات ذهبية، ووقفات عطرة ندية من سيرة زينب ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أرجو الله عز وجل أن أكون قد وفقت في الحديث عنها، عن أولى حبات العقد النبوي من البنات الطاهرات.
وإنني أرجو الله سبحانه أن يكرمني في الحديث عن بقية بنات النبي ﷺ الباقيات، لننعم معاً في إيناس نفوسنا مع سير هؤلاء الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وننعم في الحياة مع نساء أهل البيت النبوي الطاهر كيما يكن زاداً للمسير لنساء العالمين والحمد لله أولاً وآخراً.
(نساءُ أهل البيت في ضوء القرآن والحديث)










