حرقوص بن زهير التميمي السعدي فاتح سوق الأهواز

الصحابي

كان حرقوص بن زهير التميمي السعدي من الصحابة ، شهد مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم ( حنين ) ، ولكننا لا نعرف بالضبط موعد إسلامه . لذلك نال حرقوص شرف الصحبة وشرف الجهاد تحت لواء الرسول القائد .

جهاده

بذل حرقوص جهودا جبارة في معارك الفتح لفتت اليه الانظار وجعلته موضع ثقة عمر بن الخطاب ، فقد كان هناك عهد بين المسلمين من جهة وبين (الهرمزان ) من جهة اخرى ، فوقع اختلاف بين الهرمزان وغالب الوائلي وكليب بن وائل في حدود الارضين ، فحضر سلمى بن القين وحرملة ابن مريطة وكانا من المهاجرين ، فوجدا غالبا وكليبا محقين والهرمزان مبطلا ، فحالا بينهما وبينه ، فكفر الهرمزان ونكث عهده واستعان بالاكراد وحشد قواته ، فكتب سلمى ومن معه الى عتبة بن غزوان امير البصرة حينذاك ، وهذا كتب بدوره الى عمر بن الخطاب ، فأمره عمر بقتال الهرمزان وامدهم بحر قوص وأمثره على القتال وعلى ما غلب عليه.

وسار المسلمون يريدون ( الهرمزان ) ، فالتقوا بقواته في موضع جسر (سوق الاهواز) ، فأرسلوا اليهم : إما أن تعبروا إلينا أو نعبر إليكم ، فقال الهرمزان : « اعبروا الينا » ، فعبر المسلمون على الجسر ، ونشب القتال في ضواحي ( سوق الاهواز) فانهزم ( الهرمزان ) الى ( رامهرمز ) و تحصن فيها . أما حرقوص فقد فتح ( سوق الأهواز ) فأقام بها وخضعت له منطقتها الى ( تستر ) فوضع حرقوص عليها الجزية وكتب بالفتح الى عمر بن الخطاب وأرسل إليه الأخماس.

وكان عمر بن الخطاب قد عهد الى حرقوص : إن فتح الله عليهم ، أن يتبع الهرمزان بقوات من المسلمين عليهم جزء بن معاوية ، فبعث حرقوص جزءا في أثر الهرمزان ، فطارده حتى فتح مدينة ( دورق ) وهي مدينة (سرق ) وفرض على اهلها الجزية ، فكتب حرقوص بالفتح الى عمر بن الخطاب وعتبة بن غزوان ، فكتب عمر الى حرقوص بأمره بالمقام فيما غلب عليه حتى يأمره بأمره ، فعمر جزء بن معاوية البلاد وشق الانهار فأحيا الموات.

وراسلهم الهرمزان طالبا الصلح ، فكتب حرقوص الى عمر ، فأجاب عمر الى ذلك على ان يكون ما أخذه المسلمون بأيديهم، وهكذا تصالح الطرفان، فنزل حرقوص جبل الاهواز ، وكان يشق على الناس الاتصال به لوعورة الجبل وصعوبة تسلقه ، فلما بلغ عمر ذلك كتب اليه : « بلغني انك نزلت منزلا كوودا لا تؤتى فيه الا على مشقة ، فأسهل ولا تشق على مسلم ولا معاهد ».

وبقي المسلمون في الأهواز : في ايديهم ما فتحوه ، وفي أيدي اهله ما صولحوا عليه منها يؤدون الخراج ولا يدخل عليهم ولهم الذمة والمنعة، وكان عميد الصلح في تلك المنطقة هو الهرمزان . وقد قال عمر : « حسبنا لأهل البصرة سوادهم والاهواز . وددت أن بيننا وبين فارس جبلا من نار : لا يصلون الينا منه ، ولا نصل اليهم ! » ، وقال مثل هذا القول لأهل الكوفة ايضا.

ولكن كسرى ( يزدجرد) لم يزل وهو ( بمرو ) يثير اهل فارس، فكاتب اهل فارس ، فكاتب هؤلاء أهل الاهواز وتعاقدوا على النصرة، فجاءت الاخبار حرقوصا وجزءا وحرملة بن مريطة التميمي وسلمى بن القين التميمي فكتبوا الى عمر بن الخطاب بالخبر ، فكتب عمر الى سعد بن ابي وقاص في الكوفة :«أبعث الى الاهواز جيشا كثيفا مع النعمان بن مقرن وعجل ، فلينزلوا ازاء الهرمزان ويتحققوا أمره » ، وكتب الى أبي موسى الأشعري في البصرة مثل ذلك ، فهزم النعمان قوات الهرمزان وفتح (رامهرمز)، وسار الهرمزان الى ( تستر) وسار المسلمون اليها ايضا ، ففتحها المسلمون بعد قتال طويل وخسائر فادحة وأسروا الهرمزان وارسلوه الى عمر بن الخطاب.

الإنسان

كان حرقوص شاعرا ، وقد قال يصف فتح سوق الأهواز :

غلبنا الهرمزان على بلاد

لها في كل ناحية ذخائر

سواء برهم والبحر فيها

اذا صارت نواجبها بواكر

لها بحر يعج بجانبيه

جعافر لا يزال لها زواخر

وهو شعر فارس يصف أعماله العسكرية.

لقد كان حرقوص صريحا غاية الصراحة ، يقول ما يعتقده دون تردد ولا خوف او وجل ، وليس شرطا أن يكون مصيبا فيما يقوله او مخطئا . على كل حال ، هو يقول ما يعتقده .
كان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم غنائم هوازن يوم ( حنين ) ، فجاءه حرقوص فقال : « اعدل یا رسول الله» فقال : « ويحك ، ومن يعدل اذا لم أعدل ؟!» ، فأراد عمر بن الخطاب ان يقتله ، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم منعه من قتله.

وبعد عزله عن الاهواز ، نزل حرقوص البصرة فكان على رأس الناقمين على عثمان بن عفان من أهل البصرة ، فقاد جماعة منهم إلى المدينة المنورة مظهرا انه يريد الحج ، فكان من الذين حاصروا عثمان وحرضوا على : قتله.

ولكنه نجا من القتل في المعركة التي دارت رحاها بين أهل البصرة ورجال طلحة والزبير وذلك بعد مقتل عثمان بن عفان، ونجا من القتل بعد هذه المعركة ايضا ، لأن عشيرة حرقوص بني سعد من تميم منعوه.

وشهد مع علي بن أبي طالب معركة (صفين)، ثم صار مع الخوارج بعدها ، فأتى عليا مع رجل آخر من الخوارج ، فقالا له : « لا حكم الا لله ! » فقال على لهما : ( لا حكم الا لله ! » ، فقال حرقوص : « تب عن خطيئتك وارجع عن قضيتك واخرج بنا إلى عدونا نقاتله حتى تلقى ربنا !) ، فقال علي : « قد أردتكم على ذلك فعصيتموني ، وقد كتبنا بيننا وبين القوم كتابا وشرطنا شروطا وأعطينا عليها عهودا ، وقد قال الله تعالى : ( أوفوا بعهد الله اذا عاهدتم ) ، فقال حرقوص : « ذلك ذنب ينبغي أن تتوب عنه ) .

وكان الامام علي بن أبي طالب يقول عن شعار الخوارج : ( لا حكم الا لله !) ، يقول : ( كلمة حق أريد بها باطل ) . ولما أجمع الخوارج على قتال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، أرادوا تولية أمرهم حرقوص بن زهير، ولكنه أبى ذلك فتولاها غيره ، فشهد معركة ( النهروان ) بين علي والخوارج قائدا للمشاة ، فقتل في هذه المعركة سنة سبع وثلاثين للهجرة (٦٥٧ م) .

ان حرقوصاً كان مثالاً من أمثلة التطرف في الرأي ، فكان مخلصا لما يعتقده كل الاخلاص ولكنه كان مخطئا كل الخطأ : كان يعتقد بأن عثمان على ضلال فخرج عليه وحرض على قتله ، وخرج على علي بن ابي طالب بعد (صفين) ، فشهر سيفه على المسلمين وكان حرياً به ان يشهره على اعداء المسلمين.

لقد ختم حرقوص حياته انسانا بما لا يليق بماضيه المجيد قائدا.

القائد

كان حرقوص فارسا شجاعا مقداما ، وكانت له عصبة من قومه بني سعد تطيعه وتثق به و تنفذ أوامره ، فكانت هي قوته الضاربة في حروبه .

وكان ذكياً خبيرا بالحرب ، فكانت قراراته صحيحة ، وكان ذا شخصية نافذة وارادة قوية وقلب لا يعرف للموت معنى .

إن سر انتصار حرقوص يرجع الى عاملين : الأول مزاياه الشخصية في القيادة ، والثاني كثرة قبيلته وقوتها.

لقد كان أعرابيا في قيادته، لذلك كان فتحه أشبه بالفارة لم يكن ليصمد طويلا امام الفرس لو لم تدعمه قوات المسلمين الاخرى.

حرقوص في التاريخ

كان حرقوص ممن خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا .

كان عملا صالحا في قيادته ، فالتاريخ يذكر له فتح مدينة ( سوق الاهواز) ومنطقتها الواسعة حتى اليوم وسيبقى يذكر له هذا العمل بالتقدير والاعجاب.

وكان عملا سيئا في تطرفه الشديد بآرائه والتمسك بها والدفاع عنها حتى الرمق الاخير ، فكان هذا التطرف من عوامل تفرقة الصفوف واشعال نار الفتنة الكبرى – واخيرا ادى به هذا التطرف الى امتشاق الحسام وقتال اخوانه المسلمين.

أما عمله الصالح فآثاره خالدة ما بقي الاسلام في الأهواز ، وأما عمله السيء فأمره إلى الله .

تری ، هل تذهب حسناته سيئاته ، لأن الحسنات يذهبن السيئات أم أن سيئاته أكبر من كل حسناته ؟

يا ليته اقتصر على أعماله قائدا إذا لكان أمره بينا ولما تنازع في منزلته الرفيعة اثنان!

(قادة فتح فارس، محمود خطاب شيت)

شارك هذا المقال:

مقالات مشابهة