كانت صفية من عُقلاء النساء، ومن ذوات التقى والصفاء، والشرف والحلم والوقار والفضل، والعبادة والورع والزهد. قال لها النبي ﷺ : «إِنَّكِ لابنة نبي، وإن عمك لنبي، وإنك لتحت نبي».
شهد لها النبي ﷺ بالوفاء والصدق فقال: «والله إنها لصادقة».
كانت محبة للعلم والمعرفة، وهي من راويات الحديث النبوي .
لحقت بالرفيق الأعلى سنة (٥٠هـ) ودفنت بالبقيع مع أمهات المؤمنين .
حَدِيثٌ مِنَ السِّيْرَةِ
كان اليهود في المدينة المنورة – وغيرها – ينظرون إلى الإسلام بعين الحقد والكراهية والحسد، فالحبيب المصطفى ﷺ لم يكن من جنسهم، كيما يسكن جأش غضبتهم الجنسية التي كانت متغلبة على نفسياتهم وعقليتهم.
من ناحية أخرى كانت دعوة الإسلام دعوة صالحة تؤلّف بين أشتات القلوب، وتطفىء نار العداوة والبغضاء، وتدعو إلى التزام الأمانة في الأمور كلها، وإلى الالتزام والتقيد بأكل الحلال من طيب الأموال .
وهذا يعني أن قبائل المدينة العربية ستتألف فيها بينهما، وحينئذ لا بد من أن تفلت من براثن اليهود فيفشل نشاطهم التجاري، ويحرموا أموال الربا الذي كانت تدور عليه رحى ثروتهم، وتقوى به شوكتهم وممتلكاتهم.
كان اليهود بخبثهم ومراوغتهم ونفسياتهم الضبابية، يُدخلون ذلك كله في حسابهم منذ عرفوا أن دعوة الإسلام ستستقر في المدينة، ولذلك كانوا يبطنون أشدَّ العداوة للإسلام، وللرسول الكريم ﷺ منذ أن دخل المدينة ، وإن كانوا لم يتجاسروا على إظهارها علانية، إلا بعد حين من الدهر.
إنَّ ذلك يظهر جلياً واضحاً أشدَّ الوضوح بما ذكرته ضيفة اليوم التي نعطر الأسماع والأفواه بسيرتها، وهي واحدة من نساء أهل البيت الطاهر، إنها السيدةصفية بنت حيي بن أخطب الهارونية رضي الله عنها .
ففي سيرته المعطار، روى ابن إسحاق – رحمه الله – عن أم المؤمنين صفية رضي الله عنها قال : حُدِّثْتُ عن صفية بنت حيي بن أخطب أنها قالت: كنتُ أحب ولد أبي إليه، وإلى عمي أبي ياسر، لم ألقها قط مع ولد لهما إلا أخذاني دونه، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة، ونزل قباء في بني عمرو بن عوف، غدا عليه أبي حيي بن أخطب، فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس، فأتيا كالين، كسلانين، ساقطين، يمشيان الهويني فهششت إليهما كما كنت أصنع، فوالله ما التفت إلي واحد منهما، مع ما بها من الغم، وسمعت عمي أبا ياسر وهو يقول لأبي حيي بن أخطب: أَهُوَ هُوَ ؟!
قال: نعم والله .
قال: أتعرفه وتثبته ؟
قال: نعم
قال: فما في نفسك منه؟
قال: عداوته – والله – ما بقيت .
هذه هي النفسية الرهيبة التي عاشها هذا الحاقد حيي بن أخطب، وقتل عليها بعد أن بذر من بذور الفتن في الجزيرة العربية، وفعل ما فعل من الأفاعيل التي أودت به وببني قريظة .
كانت صفية بنت حيي تصغي إلى حديث أبيها الذي يقطر خبثاً وحقداً وضغينة على الرجل الذي جاء يدعو إلى المحبة والسلام والفضيلة، إنها تحس عطفاً على رسالته، بل حماسة إلى دعوته، وإن همساً غربياً يهجس في أغوار أغوارها أن سيكون لها شأن في حياة النبي ﷺ، ولو رفعت عن بصيرتها حجب الغيب لرأت نفسها زوجة للرسول صلى الله عليه وسلم، ولخفق قلبها سروراً، وتهللت بالفرح أن من الله عليها بأن تصبح أم المؤمنين.
ويعتبر هذا الخبر الذي قرأناه آنفاً، شهادة من صفية على شدة كفر حيي بن أخطب، ومن شايعه من صحبه من اليهود الذين أكل الحقد قلوبهم، وتسرب الغدر إلى نفوسهم فكمن فيها، فباتوا يحيكون العداوة والمؤامرة لكل موحد.
من الجدير بالذكر أن صفية أم المؤمنين هذه، من سبط اللاوي بن نبي الله إسرائيل بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، ثم من ذرية رسول الله هارون أخي موسى عليهما السلام.
كانت صفية من عقلاء النساء، ومن ذوات التقى والزهد والصفاء، وممن عرفن بالكرم والتجاوز والصفح عن الناس، ففي حليته التي تتحلى بها الأفواه والأسماع، ذكرها الحافظ أبو نعيم الأصبهاني – رحمه الله – بقوله : ومنهن التقية الزاكية، ذات العين الباكية صفية الصافية زوجة النبي ﷺ .
إذن فلنشهد ساعات من الصفاء مع أمنا صفية رضوان الله عليها، ولنشهد معاً غزاة خيبر مع الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، تلك الغزاة التي سبيت فيها صفية، ومن ثم دخلت خدر أمهات المؤمنين، فكانت من البيت الذي أذهب عنه الرجس وطهره تطهيراً.
مَعَ الرَّسُولِ إلى خَيْبَرَ
عرفنا أن اليهود يبطنون العداوة لرسول الله ﷺ وللإسلام، ومن هؤلاء يهود خيبر، إذ كانوا – وهم في خيبر – يطوون أفئدتهم على البغضاء للرسول ﷺ، وكانوا يتحينون الفرص، وأحياناً يختلقونها ليطعنوا الإسلام طعنة في الصميم.
وكانت خيبر إذ ذاك وكرة الدس والتأمر، ونواة التحرشات، وإثارة الحروب وسبب كل بلاء وبلية.
ولما أن عاد المسلمون بعد صلح الحديبية إلى المدينة، دون أن تسمح لهم قريش بدخول مكة، والطواف حول البيت ظن اليهود أن نبي الإسلام محمد لم يقبل شروط الصلح المجحفة بالمسلمين إلا لوهن وضعف تسلل إلى أصحابه، فأرادوا أن يستغلوا ذلك الوهن، وحسبوا أنهم سيصيبون من المسلمين مقتلا، فبعثوا إلى غطفان وأعراب البادية، ليؤلبوهم على حرب رسول الله ﷺ.
ترامت الأنباء التي تحمل غدرهم إلى رسول الله ﷺ أن خيبر تتأهب للوقيعة به وبمن حوله، ولم ينتظر رسول الله ﷺ حتى يفجأه اليهود وحلفاؤهم بهجومهم وغدرهم، فاستنفر من حوله كيما يغزون معه، وجاء المخلفون عنه في الحديبية ليخرجوا معه رجاء الغنيمة، وكانوا من المنافقين وضعفة الإيمان، فأمر الله عز وجل الحبيب الأعظم فيهم فقال سبحانه : {سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا} [الفتح : ١٥].
وحدد رسول الله صلى الله عليه وسلم من يخرج معه إلى خيبر، لكي يقطع الطريق أمام المنافقين وأذيالهم، فأعلن الا يخرج معه إلا راغب في الجهاد، وأما الغنيمة فلا، فلم يخرج إلا أصحاب الشجرة الذين رضي الله عنهم، وهم ألف وأربعمئة موحد ممن بايعوا الله ورسوله تحت الشجرة في الحديبية، وخرج رسول الله ﷺ بأصحابه في المحرم افتتاح سنة سبع.
قال محمد بن إسحاق – رحمه الله -: أقام رسول الله ﷺ بالمدينة حين رجع من الحديبية ذا الحجة، وبعض المحرم، ثم خرج بقية المحرم إلى خيبر.
وذكر المفسرون وأهل العلم فقالوا : إن خيبر كانت وعداً وعدها الله تعالى بقوله : {وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه} [الفتح : ٢٠]
يعني صلح الحديبية، والمغانم الكثيرة خيبر.
ومن العجيب أن المنافقين كانوا على اتصال دائم بأسيادهم اليهود، فقد قام المنافقون يعملون لليهود، وأرسل رأس المنافقين وزعيمهم الخاسر عبد الله بن أبي ابن سلول إلى يهود خيبر: أن محمداً قصد قصدكم، وتوجه إليكم، فخذوا حذركم، ولا تخافوا منه، فإن عددكم وعدتكم كثيرة، وقوم محمد شرذمة قليلون عزل لا سلاح معهم إلا قليل.
ولكن رسول الله وأصحابه، كانوا في طريقهم إلى خيبر، وهم مجهزون تجهيزاً حسناً، وقد خرج مع الجيش الموحد نساء المقاتلين، ليعتنين بالجرحى، وقد كانت نساء غيرهم يصاحبن الجيوش في الحروب للترفيه، أو لتحريض الرجال على القتال .
كان الجيش الإسلامي يحمل الراية السوداء العظيمة المعروفة بالعقاب، وكانت من برد لعائشة ابنة الصديق رضي الله عنها، ولما أشرف الحبيب المصطفى على خيبر وناحيتهما قال لأصحابه الكرام : «قفوا» فوقف الجيش فقال: «اللهم رب السماوات وما أظللن، ورب الأرضين وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما أذرين، نسألك خير هذه القرية، وخير أهلها، ونعوذ بك من شرها وشر ما فيها، أقدموا باسم الله » وكان ﷺ يقول ذلك لكل قرية قدمها .
أشرف المسلمون على خيبر، وباتوا تلك الليلة، ولا تشعر بهم اليهود، وكان رسول الله ﷺ إذا غزا قوماً بليل لم يقربهم حتى يصبح.
فلما أصبح رسول الله صلى الفجر بغلس، وركب المسلمون، فخرج أهل خيبر بمساحيهم ومكاتلهم، ولا يشعرون بل خرجوا لأرضهم، فلما رأوا الجيش قالوا : محمد والله محمد والخميس؛ ثم رجعوا هاربين إلى مدينتهم وأفئدتهم تخفق، وأنفاسهم تضطرب، فقال النبي : «الله أكبر، خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين
ونصر الله عز وجل رسوله على أهل خيبر ، وفتح رسول الله ﷺ حصونها، وسبيت صفية بنت حيي ، وابنة عم لها، وجاء سيدنا بلال بن رباح بهما، فمر على قتلى اليهود، فلما رأتهم بنت عم صفية صاحت وصكت وجهها وحثت التراب على رأسها، فلما رأها النبي ﷺ قال : اعزبوا عني هذه الشيطانة.
والتفت إلى بلال وقال له : «أنزِعَتْ منك الرحمة يا بلال حتى تمر بامرأتين على قتلاهما وكان كنانة بن أبي الحقيق، زوج صفية قد قتل الغدره.
السَّيِّدَةُ صَفَيَّةُ وَإِسْلامُهَا
جاء الصحابي الكريم دِحْية بن خليفة الكلبي عندما جمع السبي فقال : يا نبي الله، أعطني جارية من السبي.
فقال: اذهب فخذ جارية
فأخذ صفية بنت حيي ، فجاء رجل إلى النبي ﷺ فقال : يا نبي الله أعطيت دحية صفية بنت حيي سيدة قريظة، وبني النضير، لا تصلح إلا لك.
قال: ادعوه بها فجاء بها، فلما نظر إليها النبي ﷺ قال : خذ جارية من السبي غيرها، وذهب دحية إلى حيث جمع السبي، وأخذ جارية أخرى هي أخت كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق زوج صفية .
وكان لرسول الله ﷺ سهم من الغنيمة يُدعى الصفي، إن شاء عبداً، وإن شاءَ أَمَةً، وإِن شاءَ فَرَساً يختاره قبل الخمس .
قالت أم المؤمنين عائشة الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما : وكانت صفية من الصفي .
فاختارها.
ونقل أحمد زيني دحلان – رحمه الله – في سيرته عن الحافظ ابن حجر في شأن صفية قال : ولد صفية مئة نبي ، ومئة ملك، ثم صيرها إلى نبيه ، وليس ممن توهب لدحية لكثرة من في الصحابة مثل دحية وفوقه، وقلة من كان في السبي مثل صفية في نفاستها نسباً وجمالاً، فلو خصه بها لأمكن تغيير خاطر بعضهم، فكان من المصلحة العامة ارتجاعها منه، واختصاصه بها، فإن في ذلك رضا الجميع .
وبعد أن تم الفتح المبين لخيبر، ركب المسلمون وانطلقوا، وكل خالجة وجارحة فيهم تشكر الله عز وجل على ما أتاهم من نصر، ورزقهم من غنائم .
وقطع رسول الله ﷺ ستة أميال من خيبر، وأراد أن يعرس بصفية ابنة حي، فأبت ورفضت لشيء كان في نفسها، فَوَجَدَ النبي ﷺ في نفسه، فلما سار ووصل إلى مكان يُسمى الصهباء، مال إلى هناك، ودخل على صفية ، وما من الناس أحد أكره إليها منه، قتل أباها في قريظة وزوجها وقومها في خيبر واخبرها بأن قومها صنعوا ما صنعوا، وغدروا حتى حاق بهم سوء أعمالهم، فما زال كذلك حتى أذهب الله الكره من نفسها.
روت صفية رضي الله عنها تلك اللحظات التي التقت رسول الله ﷺ وذهب ما بنفسها فقالت: انتهيت إلى رسول الله ، وما من الناس أحد أكره إلي منه، فقال: «إن قومك صنعوا كذا وكذا، قالت: فما قمت من مقعدي، وما من الناس أحد أحب إلي منه .
وخير النبي ﷺ صفية بين أن يعتقها، فترجع إلى من بقي من أهلها في خيبر، أو أن تشهد شهادة الحق فتسلم، وحينذاك يتخذها لنفسه، فقالت : أختار الله ورسوله، فأعتقها.
قال ابن قيم الجوزية – رحمه الله – ومن خصائص صفية : أن رسول الله ﷺ أعتقها وجعل عنقها صداقها”.
قال أنس بن مالك رضي الله عنه : أمهرها نفسها، وصار ذلك سنة للأمة إلى يوم. القيامة، يجوز للرجل أن يجعل عنق جاريته صداقها، وتصير زوجته على منصوص الإمام أحمد.
لقد اختارت صفية الله ورسوله، وعللت ذلك بقولها: يا رسول الله، لقد هويت الإسلام، وصدقت بك قبل أن تدعوني، حيث صرت إلى رحلك، وما لي في اليهودية أرب، وما لي فيها والد ولا أخ من العنق، وأن أرجع إلى قومي.
وهذه الإجابة من صفية تشير إلى حكمتها ونظرتها نظرة سليمة إلى الأمور، قال عنها الإمام الذهبي – رحمه الله -: وكانت شريفة عاقلة، ذات حسب وجمال ودين رضي الله عنها.
وكانت ذات حلم ووقار ووصفها أبو عمر القرطبي – رحمه الله – بقوله : كانت صفية عاقلة حليمة فاضلة.
وبعد ذلك أعرس بها رسول الله ﷺ بعد أن حلت، فمشطتها أم سليم الأنصارية وعطرتها، وكانت أضوا ما يكون من النساء.
ولما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم، سأل صفية : ما حملك على الامتناع من النزول اولاء؟ فقالت: خشيت عليك من قرب اليهود.
فرادها ذلك منزلة ومكانة عند النبي ﷺ ، وما قامت من مقعدها، ومن الناس أحد أحب إليها من النبي ﷺ، وأولم وأطعم أصحابه.
ولنترك سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه يروي لنا وقائع ذلك الحدث السعيد، حسب ما ورد في الصحيح.
أخرج الإمام البخاري – رحمه الله – بسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قدمنا خيبر، فلما فتح الله عليه الحصن، ذكر له جمال صفية بنت حيي بن أخطب وقد قتل زوجها، وكانت عروساً، فاصطفاها النبي ﷺ لنفسه، فخرج بها، حتى بلغنا سد الصهباء حلت، فبنى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صنع حيساً في نطع صغير ثم قال لي: «أذن من حولك.
فكانت تلك وليمته على صفية، ثم خرجنا إلى المدينة، فرأيت النبي ﷺ يحوي لها وراءه بعباءة، ثم يجلس عند بعيره، فيضع ركبته ، وتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب.
ورأى رسول الله ﷺ بأعلى عين صفية خضرة من أثر ضربة فسألها : ما هذه الخضرة ؟ فقالت : قلت لزوجي : إني رأيتُ فيما يرى النائم كأن قمراً وقع في حجري، فلطمني وقال : أتريدين ملك يثرب، أو قال : والله ما تتمنين إلا ملك العرب .
وكان عُمر صفية عندما دخلت رحاب البيت النبوي الطاهر سبعة عشر عاماً على أصح الأقوال، وكانت تكنى أم يحيى .
صَفَيَّةُ فِي بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ
قدمت صفية بصحبة النبي من خيبر إلى المدينة، وكان يعاملها في غاية الرفق، ووجدت صفية منه رقة وكياسة ولطفاً، فقالت: ما رأيت قط أحسن خُلقاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء البشير إلى أهل المدينة يعلمهم بقدوم رسول الله ﷺ، فخرجت المدينة تستقبل رسول الله ﷺ عند عودته من هذه الغزاة .. كانت وجوه الرجال تتهلل بالبشر، والولدان يغمرهم الفرح، بينما كانت النساء على أسطح المنازل، وقد عمرت أفئدتهن بالسرور.
أما المنافقون، فقد كانوا في كمد رهيب يظهرون غير ما تخفي الصدور، غَصَّتْ حلاقيمهم بنصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفضحهم الله عز وجل، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، وكلمة الله هي العليا.
وكانت النسوة في دور النبي ﷺ يتأهبْنَ لاستقبال نبي الإسلام، وحبيب المسلمين الذي نصره الله عز وجل بقلوب سليمة، وعزائم صادقة، ونفوس صافية .
ويبدو أن أمنا عائشة الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما قد أخذت الغيرة من نفسها مكاناً واسعاً، بعد أن جاءها نبأ زواج رسول الله ﷺ من صفية بنت حيي ملك اليهود، تلك الشابة الجميلة، ذات السبعة عشر عاماً.
بلغ الركب الميمون المدينة المنورة، وآثر رسول الله ﷺ ألا يدخل على نسائه الطاهرات بصفية الصافية، وأحب أن ينزلها في بيت الصحابي النجيب حارثة بن النعمان الأنصاري رضي الله عنه .
وتسامعت نساء الأنصار بصفية زوج النبي ﷺ ، وأم المؤمنين، تلك التي دخلت في عداد أمهات المؤمنين الطاهرات، وجئن زرافات ووحدانا ينظرن إلى جمالها وكمالها .
وراح النبي الكريم يزور أهل بيته، فبدأ كعادته بابنته فاطمة الزهراء رضي الله عنها، وأخذ يقبل سبطيه الحسن والحسين رضي الله عنهما، ثم دار على نسائه فأخذن يرحبن بمقدمه ويهنئنه بما فتح الله عليه، وقد لمح الغيرة في عيني عائشة فراح يرقبها .
لقد خرجت أمنا عائشة رضي الله عنها متنقبة على حذر، تقودها غيرتها إلى رؤية الضرة الجديدة التي اقتعدت مكانة فسيحة في نفوس نسوة المسلمين، لا، بل أثنوا على جمالها، ووصفوها بكل وسائل ومحاسن الجمال والحلاوة.
وها هي السيدة عائشة الصديقة ابنة الصديق رضي الله عنهما تسير على حذرٍ إلى بيت حارثة بن النعمان الأنصاري، حيث تقيم هناك صفية بنت حيي أم المؤمنين، تلك الضرة الجديدة الجميلة ذات الربيع السابع عشر، ودخلت عائشة متنقبة في وسط النساء، وهي تظن أن لن يعرفها أحد، ولكن الحبيب المصطفى ﷺ عَرَفَها، وانتظر حتى خرجت فأدركها، وأخذ بثوبها فقال باسما: يا شقيراء كيف رأيت؟ وحاولت عائشة رضوان الله عليها أن تجاهد عواطفها ونفسها لترد غيرتها المتدفقة، إلا أن غيرتها ظلت متأججة في نفسها وقالت : رأيت يهودية بين يهوديات.
فقال الحبيب الأعظم يصحح مفهوم عائشة ويرشدها إلى جادة الصواب، ويعلمها بإيمان صفية : لا تقولي ذلك فإنها أسلمت وحسن إسلامها .
وعادت عائشة إلى حفصة بنت عمر رضي الله عنهم جميعاً لتبثها نجواها، فقد كانتا متصافيتين، وكانت حفصة موضع سير عائشة، وكانت عائشة رضي الله عنها أكثر نساء النبي الكريم غيرة عليه، حتى إنها كانت تغار من أمنا خديجة إذا مدحها رسول الله ﷺ أو أثنى عليها، وقد قالت له ذات يوم لما ذكر صديقة الإسلام الأولى وحاضنته خديجة وأثنى عليها بخير : قد بذلك الله خيراً منها .
فغضب رسول الله ﷺ وقال : والله ما أبدلني الله خيراً منها، آمنت بي حين كذبني الناس، وواستني بمالها حين حرمني الناس، ورزقت منها الولد وحرمته من غيرها .
هذه عائشة كانت تغار من أم المؤمنين خديجة، وكانت قد ماتت بمكة، فكيف بمن هي تضارعها في الحسن، وهي تناصيها في السن والمكانة؟
صَفَيَّة ونساءُ النَّبيِّ
انتقلت صفية أم المؤمنين إلى دور النبي ﷺ ، ويبدو أنها أخذت على نفسها عهداً أن تصافي جميع أهل البيت، وتكون لهن صديقة وفية، فبدأت في استجلاب واستمالة القلوب بتقديم الهدية التي تعجب جماعة النساء.
وبدأت صفية بدرة البيت النبوي الطاهر فاطمة الزهراء رضي الله عنها التي الفتها، وأحبتها حباً شديداً، فوهبت لها حلية من ذهب كانت في أذنيها اعترافاً بحبها وولائها للرسول الكريم ﷺ، ووهبت كذلك بعض ضرائرها بعض حلي من ذهب كان معها لما قدمت من خيبر.
كانت صفية رضي الله عنها عاقلة فاضلة، تتودد إلى ضرائرها وخاصة عائشة وحفصة، ولكنها ظلت تشعر أنها غريبة في بيوت النبي ﷺ ، فأزواجه الطاهرات، لا يستطعن أَنْ يَنْسَينَ أَصْلَها ، فهذه حفصة تعيرها بأنها ابنة يهودي، ولكن الحبيب المصطفى يعلمها كيف ترد وتنتصف لنفسها.
أخرج أبو عيسى الترمذي – رحمه الله – في جامعه بسنده عن معمر عن ثابت، عن أنس رضي الله عنه قال: بلغ صفية أن حفصة قالت بنت يهودي، فبكت، فدخل عليها النبي ﷺ وهي تبكي، فقال: ما يبكيك؟ قالت: قالت لي حفصة، إني ابنة يهودي .
فقال النبي : وإنك لابنة نبي، وإن عمك لنبي، وإنك لتحت نبي، فقيم تفخر عليك ثم قال: «اتقي الله يا حفصة» .
ويبدو أن عائشة وحفصة كانتا تلوحان لصفية ببعض الكلام الذي تفوح منه رائحة الفخر والانتساب إلى العرب والاعتزاز بالنسب والقرابة من النبي ﷺ ، وفي هذه المرة أيضاً، يُفْصِحُ الرسول ﷺ عن مكانة صفية، ويرشدها إلى الانتصار لنفسها، وكيما يطيب قلبها وتشعر بمكانتها ومكانها في البيت النبوي .
ولعل أم المؤمنين صفية رضوان الله عليها كانت تجد فيها يقوله لها بلسماً شافياً لما يعتلج في صدرها من تلميح وتلويح ضرائرها لها، وتفخر هي الأخرى بما يفخرن به عليها. فدعونا نستمع إلى أمنا صفية، وهي تحدثنا عن ذلك فتقول : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد بلغني عن حفصة وعائشة كلام، فذكرت ذلك له . فقال: «ألا قلت : وكيف تكونان خيراً مني؟ وزوجي محمد، وأبي هارون، وعمي موسی؟!وكان الذي بلغها أنهم قالوا : نحن أكرم على رسول الله ﷺ منها، وقالوا : نحن أزواج النبي ﷺ وبنات عمه .
ويظهر أن عائشة رضي الله عنها قد انتقصت صفية أمام رسول الله ﷺ وعيرتها بأنها قصيرة، ولكن رسول الله ﷺ لم يرض بهذا، ولم يقره؛ فقد أخرج أبو داود والترمذي والبيهقي عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت للنبي ﷺ : حسبك من صفية كذا وكذا – قال بعض الرواة : تعني قصيرة – فقال: «لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته .
أحسب أن أم المؤمنين صفية رضي الله عنها كانت مثار غيرة أيضاً لابنة عمته وزوجه أم المؤمنين زينب بنت جحش وعلى الرغم من زهد زينب وجودها ومعروفها، إلا أنها قد ندت منها كلمة في حق ضرتها صفية، ويبدو أن رسول ﷺ قد غضب إذ ذاك، وعتب على زينب حيناً من الدهر.
ورد عن أمنا صفية رضي الله عنها هذا الخبر، فذكرت أن النبي ﷺ حج بنسائه، فبرك بصفية جملها، فبكت، وجاء رسول الله ﷺ لما أخبروه، فجعل يمسح دموعها بيده، وهي تبكي، وهو ينهاها ، فنزل رسول الله ﷺ بالناس ، فلما كان عند الرواح، قال لزينب بنت جحش : أفقري أختك جملاه – وكانت من أكثر من ظهراً – فقالت: أنا أفقر يهوديتك ! فغضب فلم يكلمها، حين رجع إلى المدينة، ومحرّم، وصفر، فلم يأتها، ولم يقسم لها، ويئست منه.
فلما كان ربيع الأول دخل عليها؛ فلما رأته، قالت: يا رسول الله، ما أصنع ؟ قال : وكانت لها جارية تخبؤها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: هي لك.
قال : فمشى النبي ﷺ إلى سريرها، وكان قد رفع، فوضعه بيده، ورضي عن أهله.
ولعل هذا الدرس النبوي الحكيم لزينب رضوان الله عليها، خفف عن صفية رضي الله عنها ما كانت تجده من الغربة، ونعمت بنعيم العشرة النبوية التي أبدلتها كل خير عن أهلها وعشيرتها، وفازت بنعيم أبدي اختصت به من لدن عليم خبير.
ولكن نساء النبي ﷺ كن يقتبس من أخلاق الرسول ﷺ، ومن شمائله، وخصائله الحميدة شيئاً كثيراً، فكانت الواحدة منهن تراعي الأخرى في بعض الشؤون، فهذه عائشة رضي الله عنها، مع شدة غيرتها من صفية، كانت ترعاها، وتحسن إليها لتأخذ حظها من رسول الله ﷺ.
أخرج ابن ماجه – رحمه الله – في السنن ، بسنده عن عائشة رضي الله عنها؛ أن رسول الله ﷺ وَجَدَ – غضب – على صفية بنت حيي في شيء؟ فقالت صفية : يا عائشة هل لك أن ترضي رسول الله ﷺ عني ولك يومي ؟ قالت : نعم.
فأخذت خماراً لها مصبوغاً بزعفران فرشته بالماء ليفوح ريحه، ثم قعدت إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي ﷺ : «يا عائشة! إليك عني، إنه ليس يومك». فقالت: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فأخبرته بالأمر فرضي عنها .
وَالله إنهَا لصَادِقَة
إذا كان الإنسان سليم الفطرة، نقي السريرة، فإنه يتكلم بلهجة صادقة لا تعرف إلى المكر سبيلا، ولا يعرف المكر لها طريقا، ولذا فإن هذه الصفات تكسب صاحبها احترام الناس جميعاً.
ومن هنا كانت أم المؤمنين صفية – رضي الله عنها – ذات سريرة صافية، وعلانية نقية، فقد أحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصدقت في حبها الله عز وجل، فجاءت تصرفاتها نابعة من معين الصدق، ومعين الوفاء، مما جعلها متفردة في بعض المواقف العطرة التي تنفح سيرتها بعطر معطار، وشهد رسول الله ﷺ لأمنا صفية بالصدق بعد أن أقسم على ذلك.
روى زيد بن أسلم رحمه الله – قال : اجتمع نساء النبي ﷺ فِي مَرَضِهِ الذي توفي فيه، فقالت صفية بنت حيي : والله يا نبي الله لوددت أن الذي بك بي.
فغمزنها أزواجه، فَأَبْصَرَهُنَّ ﷺ فقال : «مَضْمِضْنَ» قلن: من أي شيء يا نبي الله ؟قال: «من تغامز كن بها، والله إنها الصادقة.
قال: «من تغامز كن بها، والله إنها الصادقة».
فأكرم بهذه الشهادة النبوية العظيمة لأمنا صفية رضي الله عنها ! وهل هناك شهادة أعظم من الصدق؟ ومِنْ مَنْ؟ مِنَ الصادق المصدوق رسول الله ﷺ .
إنما هي صَفِيَّة
كانت أمنا صفية رضوان الله عليها تحتل مكانة عليا بين نساء رسول الله ﷺ في مقام الصدق، وكان رسول الله ﷺ يعرف قدرها ويكرمها، وهو من أعرف الناس، فكان – وهو في معتكفه – يخرج من المسجد تكرمة لها.
أخرج الإمام البخاري – رحمه الله – في صحيحه، في الاعتكاف عن الزهري قال : أخبرني علي بن الحسين رضي الله عنهما، أن صفية زوج النبي ﷺ أخبرته أنها جاءت إلى رسول الله ، تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان، فتحدثت عنده ساعة ثم قامت تنقلب، فقام النبي ﷺ يقلبها، حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة، مر رجلان من الأنصار، فسلما على رسول الله ، فقال لهما النبي ﷺ : على رسلكها، إنما هي صفية بنت حيي فقالا : سبحان الله يا رسول الله، وكبر عليهما.
فقال النبي ﷺ : «إنَّ الشَّيطان يبلغ من ابن آدم مبلغ الدم، وإني خشيت أن يُقذف في قلوبكما شيئاً».
مَعْرِفَتُهَا قَدْرَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ
عرفت أم المؤمنين صفية رضي الله عنها بتبصرها في الأمور على ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، ولذلك كانت تحاكم الأمور من هذه النافذة المضيئة الوضيئة، ولا تكاد تخرج عن مفهوم القرآن الكريم.
وأعتقد أن أم المؤمنين صفية رضي الله عنها كانت تدرك معاني القرآن الكريم، وتعرف بعض أسراره، ومدى أثره وتأثيره في النفوس الصافية التي تعيش في آفاق الذكر الحكيم، وتنعم في تلاوته أناء الليل، وأطراف النهار.
فالمؤمنون حقاً هم الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً، وارتبطوا على أساس صحيح سليم متين بالله عز وجل.
لكن الذين يخالفون هذه القاعدة هم مقصرون، ويحتاجون إلى تبصير وإرشاد إلى الطريق السليم.
وهذا ما كانت تفعله أمنا صفية، إذ كانت تأخذ بأيدي هذه الفئة التي تود العبادة على أساس صحيح .
روى أبو نعيم الأصبهاني – رحمه الله – عن عبد الله بن عبيدة، أن نفراً اجتمعوا في حجرة صفية بنت حيي زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكروا الله، وتلوا القرآن، وسجدوا، فنادتهم صفية رضي الله عنها : هذا السجود، وتلاوة القرآن فأين البكاء ؟لقد أرادت أمنا صفية أن تردهم وترشدهم إلى روح العبادة؛ الخشوع والخوف من الله عز وجل، فإذا ما تحقق الخشوع، وصحبه الخوف من الله، فاضت الدموع من العيون، ودلت على الخشوع، وهذا يشير إلى معرفة أمنا صفية بقدر الله عز وجل.
حلْمُها وَكَرَمُهَا وَصِدْقَتُها
كانت أم المؤمنين صفية رضي الله عنها تتخلق بالآداب المحمدية التي تلقتها في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك اكتسبت حلماً فوق حلمها، وآداباً فوق أدبها، فغدت قدوة النساء في الحلم والتقوى والورع والفضل، وفي معرض حديثه عنها، قال أبو عمر القرطبي – رحمه الله – في الاستيعاب : كانت صفية حليمة عاقلة فاضلة. ولعمري، فهذه من صفات الكمال عند الرجال، فكيف إذا اجتمعت في امرأة مثل أم المؤمنين صفية رضي الله عنها ؟!! لا شك أن أمنا صفية قد ضربت مثلاً شروداً في فضائل الأعمال، وأعلاها الصدق والحلم، ولهذا عندما تحدث عنها الذهبي – رحمه الله – وصفها بأنها من ذوات العقل والدين، واستدل على ذلك بما نقله عن أبي عمر بن عبد البر – رحمه الله – قال : روينا أن جارية الصفية زعمت أن صفية تحب السبت، وتصل اليهود، فبعث عمر يسألها، فقالت: أما السبت، فلم أحبه منذ أبدلني الله به الجمعة. وأما اليهود، فإن لي فيهم رحماً، فأنا أصلها.
ثم قالت للجارية: ما حملك على ما صنعت؟
قالت الجارية : الشيطان.
فقالت صفية رضي الله عنها في أناة: فاذهبي، فأنت حرة .
إن هذا التصرف الكريم هو ذروة الحلم الذي تحلت به أمنا صفية رضي الله عنها، في حين كانت صفية تقدر على القصاص، ولكنها أثرت مرضاة الله عز وجل الذي تهتدي بنور هدايته، والذي أثنى على عباده المتقين بقوله : {والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين} [آل عمران : ١٣٤]، وقال تعالى أيضاً {نصيب برحمتنا من نشاء ولا تضيع أجر المحسنين} [يوسف: ٥٦]. إن صفية أم المؤمنين في رحمتها للجارية وعفوها عنها، أوتيت أجرها مرتين : صلة رحمها، وعنق الجارية .
ولذلك كانت صفية أم المؤمنين تتصرف في أمورها من مشكاة الأنوار المقتبسة من القرآن الكريم والحديث الشريف، وهذا ما جعلها ذات حلم ووقار، ومكان احترام في نفوس من حولها من نساء أهل البيت، ومن صحابة رسول الله ﷺ وغيرهم من الناس.
وفي حياة الخليفة عثمان بن عفان – عليه سحائب الرضوان – كان لأمنا صفية رضي الله عنها، موقف وضيء يشير إلى فضلها ومعرفتها مكانة عثمان رضي الله عنه .
ورد ما يؤيد هذا، عن كنانة مولى أمنا صفية أنه قال : كنت أقود بصفية لترد عن عثمان، فلقيها الأشتر، فضرب وجه بغلتها حتى مالت: فقالت: ردني لا يفضحني هذا .
قال : ثم وضعت خشباً بين منزلها، ومنزل عثمان تنقل عليه الماء والطعام .
وبهذا التصرف الكريم، عبرت أم المؤمنين صفية عن عدم رضاها عن الذين ظلموا سيدنا عثمان، وضيقوا عليه، ومنعوا عنه الطعام والماء، فرأت من واجبها أن تكون خير معوان لذي النورين عثمان، كما عبرت عن سعة أفقها، وكمال عقلها الذي كانت تزن به الأمور، ولذلك وصفها ابن الأثير، والنووي – رحمهما الله – بقولهما : كانت عاقلة من عقلاء النساء .
وأثنى عليها الحافظ ابن كثير – رحمه الله – فقال : كانت من سيدات النساء عبادة، وورعاً، وزهادة، وبراً، وصدقة، رضي الله عنها وأرضاها.
وفي مجال الصدقة والجود، عرفت أم المؤمنين صفية رضي الله عنها، بأن الدراهم والأموال لا تستقر على كفها إلا عابرات سبيل إلى أماكنها، وعرفت بأنها لا تقيم العرض الدنيا من قيمة، وهي تعرف أن ما عند الله خير وأبقى، وكانت تدرك ما للصدقة من عظيم الأثر في النفوس، وما لها من ثواب عظيم عند الله عز وجل، ولذا فإنه قد كانت لها دار فتصدقت بها في حياتها، طلباً لرضوان ومرضاة الله سبحانه، واقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وما أجمل قول ابن العماد فيها : وكانت جميلة فاضلة، كفاها فضلا ونيلا زواج النبي ﷺ.
حُبهَا لِلْعِلْمِ وَرِوَايَةِ الحَدِيثِ
لما اتصلت صفية بنت حيي رضي الله تعالى عنها برسول الله ﷺ، ودخلت في عقد أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، أخذت تنهل من العلم والمعرفة في شغف شديد، وراحت تحفظ من القرآن الكريم ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، فقد أثر عنها بأنها ذات دين وحب للكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
وقد لاحظنا من خلال نفحات سيرتها المعطار، مقدار حبها للقرآن الكريم، والعمل بما جاء فيه.
أما حياتها مع الحديث النبوي الشريف، فكانت ممن نقل أقوال رسول الله ﷺ عملاً بقول الله عز وجل : {واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة} [الأحزاب: ٣٤].
هذا وقد ورد لها من حفظها عشرة أحاديث روتها عن النبي الكريم ﷺ ، منها حديث واحد متفق عليه في الصحيحين عند البخاري ومسلم.
حدث عن صفية أم المؤمنين ثلة من أكابر التابعين، منهم : علي بن الحسين، وإسحاق بن عبد الله بن الحارث وكنانة مولاها وابن أخيها، وآخرون.
ومن مرويات أمنا صفية ما أخرجه الحافظ أبو يعلى في مسنده، بسنده عن مسلم بن صفوان عن صفية أم المؤمنين قالت: قال رسول الله ﷺ : ولا ينتهي الناس عن غزو هذا البيت حتى يغزوه جيش، حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض، خسف بأولهم وآخرهم، ولم ينج أوسطهم قالت: قلت: يا رسول الله، أرأيت المكرة منهم؟ قال: يبعثهم الله – عز وجل – على ما في أنفسهم.
ومن مروياتها، ما رواه إسحاق بن عبد الله بن الحارث الهاشمي قال: حدثتنا صفية قالت : دخل علي رسول الله ، فقربت إليه كتفاً بارداً ، فكنت أسحاها، فأكلها، ثم قام فصل.
إلى الرفيق الأَعْلَى مَعَ الخالدات
مكثت صفية أم المؤمنين رضي الله عنها قرابة أربعين سنة بعد وفاة النبي ﷺ، وكانت تقضي حياتها في الطاعات والقربات بين صلاة وصيام، ونسك وصدقة، وعلم وفقه، وقد شهدنا جانباً من فضائلها في الصفحات السابقة.
وعاشت أمنا صفية عصر الخلفاء الراشدين كله، وشهدت أحداثه وفتوحات الإسلام العظيمة شرقاً وغرباً، وشاركت في بعض الأحداث المهمة في تاريخ الإسلام والمسلمين.
وفي سنة خمسين من الهجرة، ودعت صفية أم المؤمنين صفية هذه الدنيا، لتصير إلى الرفيق الأعلى، وهي راضية مرضية، بعد أن تركت في نساء أهل البيت الطاهر أثراً كريماً معطاراً، سيظل باقياً – بإذن الله – إلى ما شاء الله تعالى.
وفي اليوم الذي توفيت فيه صفية، أتى من أبلغ ابن عباس خبر وفاتها، فَسَجَدَ؛ وقد ذكر هذا الحديث الإمام الترمذي في جامعه بسنده عن الحكم بن أبان عن عكرمة قال : قيل لابن عباس بعد صلاة الصبح : ماتت فلانة – لبعض أزواج النبي ﷺ – فسجد.
قيل له: أتسجد هذه الساعة؟ فقال : أليس قال رسول الله ﷺ : إذا رأيتم آية فاسجدوا ؟ فأي آية أعظم من ذهاب أزواج النبي ؟! وفي المدينة المنورة دفنت امنا صفية إلى جوار أمهات المؤمنين الطاهرات وبنات النبي ﷺ ، هذا وقد شيع جثمانها عدد من كبار الصحابة حيث دفنت في البقيع .
كانت صفية رضي الله عنها قد ورثت مئة ألف درهم، أوصت بثلثها لأخ لها يهودي – أو لابن أختها – وكان ثلاثين ألفاً.
وعن قضية هذا الميراث، أخرج ابن سعد – رحمه الله – في الطبقات بسنده عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: ورثت صفية مئة ألف درهم بقيمة أرض وعرض، فأوصت لابن أختها – وهو يهودي – بثلثها .
قال أبو سلمة : فأبوا يعطونه حتى كلمت عائشة زوج النبي ﷺ، فأرسلت إليهم: اتقوا الله وأعطوه وصيته، فأخذ ثلثها وهو ثلاثة وثلاثون ألف درهم ونيف وتبقى أم المؤمنين صفية مع الخالدات، وتظل سيرتها العطرة تؤنس القلوب، وتبقى صفية قدوة للنساء، فهل تقتدي النساء بها، وهل يسرن على دربها ؟! رضي الله عن أمنا صفية، وعن نساء أهل البيت النبوي الطاهر، وجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أَحْسَنَه.
(نساءُ أهل البيت في ضوء القرآن والحديث)









