البراء بن عازب الأوسي الأنصاري: فاتح أبهر وقزوين وجيلان وزنجان

إسلامه

أسلم ابو عمرو البراء بن عازب الأوسي الانصاري قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم الى المدينة، فقد ذكر البراء : « ما قدم علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى قرأت : سبح اسم ربك الأعلى ، في سور من المفصل » . وقد أسلم البراء وهو صغير السن ، از رده الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة ( أحد ) لصغر سنه وأجازه يوم (الخندق) وهو ابن خمس عشرة سنة ؛ ومعنى ذلك انه أسلم قبل أن يبلغ العاشرة من عمره ، لانه أسلم قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كما ذكرنا ، ولان غزوة الخندق كانت في السنة الخامسة للهجرة .

لقد أسلم البراء منذ نعومة أظفاره ، فشب على الاسلام وعاش في بيت اسلامی ، اذ كان ابوه صحابيا ، فنشأ من أول نشأته ذا عقيدة عريقا في عقيدته ، لهذا حاول ان يبذل نفسه رخيصة في سبيل الله منذ كان صغيرا لا يتحمل أعباء الجهاد ، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يرده كل مرة : رده يوم ( بدر ) ، قال البراء : « استصغرني رسول الله صلى الله عليه وسلم انا وابن عمر ، فردنا يوم بدر » ، ورده يوم ( أحد ) كما ذكرنا، ولكنه قاتل تحت لواء النبي صلى الله عليه وسلم خمس عشرة غزوة ابتداء من غزوة الخندق ، قابلى في تلك الغزوات أعظم البلاء.

جهاده

1 – كان للبراء نصيب في مقاتلة المرتدين يناسب ايمانه الراسخ بعقيدته؛ فلما انتهت صفحة حروب الردة وابتدأت صفحة الفتح الإسلامي ، تدفقت سيول المجاهدين الى العراق وأرض الشام؛ والظاهر أن البراء كان مع مجاهدي العراق لأنه فتح بعض بلاد فارس وهي من فتوحات مجاهدي ارض العراق كما نعلم.

۲ – شهد البراء فتح ( تستر ) مع أبي موسى الاشعري ، واول ما ورد ذكر البراء قائدا ، هو قيادته لمعارك تعبوية في فتح(دسنتبى الرازي )

ولما تولى المغيرة بن شعبة الكوفة ، ولي البراء (قز وين) وأمره أن يسير اليها ، فان فتحها الله عليه غزا الديلم منها وانما كان مغزاهم من قبل من ( دستبی )؛ فسار البراء ومعه حنظلة بن زيد الخيل اخو عروة بن زيد الخيل حتى أتى ( أبهر) وكانت محصنة ، فحاصرها وقاتله أهلها ، ولكنهم طلبوا الامان بعد ذلك ، فصالحهم البراء ودخلها المسلمون .

ثم غزا البراء اهل حصن( قزوين ) ، فلما بلغهم قصد المسلمين لهم ،طلبوا من حلفائهم الديلم معاونتهم فوعدوهم خيرا ولكنهم لم يبروا بوعدهم ، فلما رأى أهل ( قزوين) ذلك طلبوا الصلح ، فصالحهم البراء ودخلها المسلمون أيضا ، وفي ذلك يقول أحد رجال البراء :

قد علم الديلم اذ تحارب

حين أتى في جيشه ابن عازب

بأن ظن المشركين كاذب

فكم قطعنا في دجى الغياهب

من جبل وعر ومن سباسب

اذ كانت المنطقة جبلية وعرة لم يألف العرب مثلها من قبل ، لأنهم من سكان السهول والصحارى ، ومع ذلك استولوا عليها.

وغزا البراء الديلم حتى أدوا له الاتاوة ، وغزا منطقة ( جيلان ) وفتح (زنجان ) عنوة.

الإنسان

كان البراء في أيام الرسول صلى الله عليه وسلم يرعى الابل عندما لا يكون مشغولا بالجهاد ، وقد سكن الكوفة وابتنى بها دارا وذلك أيام عمر بن الخطاب وله بها عقب ؛ وقد شهد مع علي بن ابي طالب معركة ( الجمل ) و ( صفين) وقتال الخوارج ، وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة وخمسة أحاديث . وروى عن أبيه عازب وعن الصديق أبي بكر والفاروق عمر وغيرهم من أكابر الصحابة ، كما كان من أصحاب الفتيا من الصحابة.

لقد كان البراء متين العقيدة قوي الإيمان ، كريما مضيافا شهما غيورا صادقا وفيا ، وقد عاش العقيدته ومات مخلصا لها ، ولا نعلم أنه أثرى بعد الفتح من الغنائم أو على حساب المصلحة العامة ؛ فكانت سيرته مثالا للمؤمن الحق الذي عاش لغيره لا لنفسه ولعقيدته لا لبطنه .

وكان عمره يوم الخندق خمس عشرة سنة ، لذلك ولد سنة عشر قبل الهجرة (٦١٣م) وتوفي في الكوفة ايام مصعب بن الزبير ، وقيل : بل توفي في المدينة المنورة سنة اثنتين وسبعين للهجرة (٦٩١م) . وفي رواية انه مات سنة احدى وسبعين للهجرة في الكوفة . ومن الواضح أن وفاته كانت سنة احدى وسبعين للهجرة لا سنة اثنتين وسبعين للهجرة ، لانه توفي في زمن مصعب بن الزبير كما أجمع على ذلك كتاب سيرته والمؤرخون له ، بينما قتل مصعب سنة احدى وسبعين للهجرة، وهذا يجعلنا نرجح ان وفاته كانت سنة احدى وسبعين للهجرة قبيل مقتل مصعب ، وكان عمر البراء حين توفاه الله احدى وثمانين سنة قمرية ، وقد توفي وهو مكفوف البصر.

القائد

تولى البراء منصب القيادة وهو في ريعان شبابه ، وانجز فتح البلدان التي فتحها وهو دون الثلاثين من عمره !

لقد كانت طبيعة الحرب التي خاضها البراء تحتاج الى قائد حنكته التجارب وعركته السنون – خاصة وأن العدو الذي يقاتله متفوق تفوقا عدديا ساحقا على المسلمين ، كما أن طبيعة الأرض التي يدافع عنها ذلك العدو جبلية وعرة تساعد المدافع على الدفاع المديد ، كما أن العرب يصعب عليهم القتال في الاراضي الجبلية – وهم أبناء الصحراء ، كما أنهم يعتمدون الى حد بعيد في حربهم على سرعة الحركة والحرب الخاطفة التي تعتمد على الفرسان ، والجبال تحدد من استخدام الخيل وتضيق نطاق الافادة منها – كل هذا جعل مهمة البراء صعبة للغاية ، ولكنه أثبت عمليا أنه أهل لاجتياز كل هذه العقبات لما كان يتحلى به من قابليات ممتازة.

ان البراء بذكائه الفطري وعقليته المتزنة كان قديرا على إصدار القرارات السريعة الصحيحة ، كما أنه كان يتحلى بالشجاعة الفائقة والاقدام العنيد ، له ارادة قوية ثابتة لا تزعزعها المخاطر والأهوال ، وله نفسية رصينة لا تتبدل في حالتي النصر والهزيمة ، يتمتع بقابلية سبق النظر ، يثق برجاله ويحبهم ويثقون به ويحبونه ويثق بقابلياته وبنصر الله له ثقة لا مزيد عليها ، له شخصية رصينة قوية وقابلية بدنية ممتازة وماض ناصع مجيد.

تلك هي مزايا قيادته التي أهلته لتولي منصب القيادة وهو في ريعان الشباب ، وهي مزايا كفيلة لرفع من يتمتع بها الى المناصب القيادية في كل زمان و مکان.

البراء في التاريخ

يفخر المحدثون حين يذكر البراء المحدث الذي روى عددا كبيرا من احاديث النبي صلى الله عليه وسلم وروى عن الشيخين : ابي بكر وعمر ، وعن كبار صحابة النبي صلى الله عليه وسلم ، فأضاف بأحاديثه الكثيرة الصحيحة ثروة لا تنضب الى مصادر الدين الحنيف.

ويفخر الفقهاء حين يذكر البراء الفقيه الذي كان يفتي الناس بأمور دينهم على هدى وبصيرة يوم كان كبار الصحابة على قيد الحياة .

اما العسكريون فيفخرون به حين يذكر البراء القائد الفاتح الذي صاحب النصر راياته في كل معاركه ، فحقق معجزات عسكرية خالدة بقوات قليلة في وقت قليل بخسائر لا تكاد تذكر الى جانب البلاد الشاسعة التي فتحها.

ان التاريخ يذكر للبراء مفاخر كثيرة ، كل واحدة منها تكفي لتخليده ، ويكفي أن نعيد الى الذاكرة ( أبهر و قزوین و جيلان و زنجان ) لتذكر العلماء الافذاذ ورجال الفكر النادرين الذين امدت تلك البلاد بهم العالم الاسلامي منذ فتحها البراء حتى اليوم ، ولنذكر الثروة الضخمة من الثقافة الاسلامية التي خدموا بها المسلمين والحضارة الانسانية.

لقد كان البراء أمة في رجل..

رضي الله عن راعي الابل ، المحدث الفقيه ، القائد الفاتح ، البراء بن عازب الأوسي الأنصاري.

(قادة فتح فارس، محمود خطاب شيت)

شارك هذا المقال:

مقالات مشابهة