أم المؤمنين زینب بنت جحش رضي الله عنها

وردت قصتها في القرآن الكريم، وسماها الله مؤمنة بنص القرآن، وبسببها نزلت آية الحجاب.
كانت من علية نساء قريش، وكانت ذات يد طولى في المعروف تعمل بيدها وتتصدق.
اختصها الله بمكرمة فريدة بأن زوجها رسوله من فوق سبع سماوات .
كانت خاشعة متضرعةً عابدة راضية، صوامة، قوامة، كثيرة الخير والصدقات .
من راويات الحديث النبوي عاشت (٥٣ سنة) وتوفيت سنة (٢٠هـ) ودفنت بالبقيع .

أَنْوارُ الهِدَايَةِ

جاءت رسالة الإسلام، لتنقذ الإنسانية من ضلالها، وتخرجها من منحدرها الذي هوت إليه، لتقف بها في مصاب أنوار الهداية، وهي تنكسب من أشعة شمس الرسالة الخاتمة، منطلقة إلى أرجاء الحياة، وفي يدها مصباح الكلمة الإلهية مشرقاً، تنادي البشرية أن اعبدوا ربكم الله الذي لا إله إلا هو رب العرش العظيم .
ويوم قام رسول الله ﷺ ممتثلاً أَمر ربه حينما أوحى إليه : وأنذر عشيرتك الأقربين) [الشعراء: ٢١٤] أخذ الحبيب المصطفى يدعو أقاربه إلى نور الهداية الربانية، ويأخذ بأيديهم إلى نور الفتوحات الرحمانية، فاستجاب ثلة من الأقربين، ممن فتح الله بصرهم وبصائرهم، وآمنت وصدقت بما أنزل الله عز وجل على النبي .
تبرز من بين هؤلاء الأعلام الأقربين امرأة سباقة إلى الخيرات، سابقة إلى المبرات، لتأخذ مكانتها في عِقْدِ السابقات، وفي العقد الفريد الذي يمثل أمهات المؤمنين الطاهرات اللاتي يمثلن البيت النبوي الذي أذهب الله عنه الرجس وطهره تطهيراً، وجعله أشرف بيوت الدنيا وأعلاها .
وقبل أن نتعرف ضيفة البيت النبوي الكريم، لا بد وأن نعرف أنها ممن ذكر القرآن قصتها، ووردت سيرتها في الحديث النبوي الشريف، لتزداد شرفاًوتشريفاً، كما عُطّرت بقصتها كتب السيرة، والطبقات، والتأريخ وغيرها؛ بينما أكثر المفسرون والعلماء الثناء عليها في ثنايا تفاسيرهم ومصنفاتهم .
والآن ما رأيكم أن نبحر في بحار أنوار سيرة هذه الكريمة المعطار؟ إنها زينب – أم المؤمنين – بنت جحش بن رياب الأسدية ، ابنة عمة رسول الله ﷺ أمها : أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم، وهي أخت حمنة، وأبي أحمد، وعبد الله رضي الله عنهم .
قال البيهقي في دلائله زينب بنت جحش بن رياب الأسدية تكنى أم الحكم .

السيدة الشَّرِيفَةُ وشَرَفُ السَّيَادَة

كان مولد زينب بنت جحش في مكة المكرمة، ويبدو أنها ولدت قبل الهجرة بأكثر من ثلاثين سنة.
ترعرعت زينب بين شرف السيادة، وسيادة الشرف، وأنعم الله عليها بالجمال، والحسب الرفيع، والنسب الأصيل، فكانت من علية نساء قريش، ومن فضليات النساء في مكة ومن حولها.
فمن أخوالها : الحمزة، والعباس، وما أدراك ما الحمزة والعباس رضي الله عنهم فالحمزة: أسد الله، وأسد الرحمن، وأسد النبي ﷺ والعباس: من يمنع الجار، ويبذل المال، ويعطي في النوائب.
ومن خالاتها صفية بنت عبد المطلب الهاشمية، شقيقة حمزة وأم حواري النبي ﷺ الزبير بن العوام الأسدي من المهاجرات الأول، وإحدى فضليات نساء الإسلام. وأخواها: عبد الله بن جحش الأسدي، وأبو أحمد بن جحش فأما عبد الله، فأحد فرسان مدرسة النبوة الأطهار، وأحد الشهداء الأبرار الأخيار.
وأما أبو أحمد، واسمه عبد بن جحش الأعمى، فهو أحد السابقين الأولين من المؤمنين، ومن المهاجرين إلى المدينة المنورة، ومن شعراء الإسلام المجيدين، وممنشهد بدراً والمشاهد كلها، مع الرسول الكريم .
وأختها : حمنة بنت جحش من طليعة السابقات المبكرات، في الانضمام إلى ثلة الأولين السابقين الذين امتدحهم الله بقوله : {والسابقون السابقون.
أولئك المقربون في جنات النعيم ثلة من الأولين} [الواقعة: ١٠ – ١٤].
ويتوج هذه السيادة ويشرفها ويضمخها بأطيب الطيب، قرابتها من رسول الله ، فهو ابن خالها محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، وجدهما واحد هو : عبد المطلب سيد قريش في زمانه إذن، فزينب من أوسط العرب داراً ونسباً وحسباً وكرماً.
وتدل الأخبار التي وصلتنا عن زينب بنت جحش أنها قد تأثرت في الاعتزاز والتمسك بنسبها وشرف أسرتها، وجعلها تشعر بشيء من الفخر، حتى لقد صرحت بهذا مرة عندما قالت: أنا سيدة أبناء عبد شمس، ولكنا سنلحظ وستلاحظ كيف تلاشى فخرها عندما أضحت سيدة نساء عبد شمس أماً للمؤمنين الموحدين باقترانها من رسول الله ، ودخولها رحاب البيت النبوي الكريم، ذلك البيت الذي فجر فيها مكامن الفضل تفجيراً، فأثرت الدنيا بفضلها وجودها ومكارم أخلاقها رضي الله عنها.

المُهَاجِرَةُ الْمُؤْمِنَةُ إلى الله

منذ أن أعلن النبي ﷺ دعوته، وأنذر أقرباءه، كانت زينب رضي الله عنها من اللاتي لامست دعوة الإيمان أنفسهن، فاستضاءت بنورها، ونعمت بنعيمها، وعاشت في أفياء الإيمان سعيدة النفس، رضية القلب.
بينما حرم مشركو مكة الخير كله، من جحدوا الرسالة المحمدية، وقعدوا بكل صراط يوعدون، ويصدون عن سبيل الله من آمن به، يبغونها عوجاً.
أخذ فجار الكفار، يصبون ألوان العذاب على من أمن رجلاً كان أو امرأة، وأرهقوا المسلمين إرهاقاً شديداً حتى شغلوهم بأنفسهم، فناموا نومة المجرم الذي اغترف الإثم، ولكنه أمن القصاص، وظن أن لا تناله يد العدالة.
وصبر المسلمون جميعاً صبر الكرام، وتحملوا إجرام المجرمين، وسقطت سمية بنت خباط – أم عمار بن ياسر – شهيدة بيد فاجر المجرمين، وفرعون الأمة عمرو بن هشام أبي جهل، وأوذي غيرها من النساء والرجال في سبيل الله عز وجل.
هذا وقد تحملت زينب بنت جحش ونساء قومها نصيباً من أذى قريش حتى هاجر بعضهم إلى الحبشة، ثم عادوا إلى مكة، إلى أن جاء الإذن بالهجرة إلى المدينة؛ وعندئذ هرعوا وارتحلوا إلى المدينة ترفع رؤوسهم الثقة بالله عز وجل، ويحدوهم نور اليقين.
هكذا جعل المسلمون يهجرون مكة أم القرى، حتى خلت منهم ديارها، وحتى هجرت دور بأسرها، وغلفت أبوابها، وغدت تصفر فيها الرياح، وكان من هذه الدور دار بني جحش ودار بني مظعون ودار بني البكير، هجرها سكانها رجالاً ونساء كباراً وصغاراً .
كان عدد النساء اللاتي هاجرن من بني جحش وبني مظعون وبني البكير عدداً كبيراً، وقد أورد ابن إسحاق – رحمه الله – أسماء طائفة منهن فقال : ومن نائهم زينب بنت جحش وأم حبيب بنت جحش، وأم قيس بنت محصن وجذامة بنت جندل، وأم حبيب بنت ثمامة وأمنة بنت رقيش، وسخبرة بنت تميم، وحمنة بنت جحش. وكان من المهاجرين أبو أحمد بن جحش الذي رسم الهجرة، بأشعار جميلة من ذلك قوله يذكر هجرة قومه إلى الله ورسوله : ولو خلقت بين الصفا أم أحمد إلى الله تغدو بين مثنى وواحد ويقول في قصيدة أخرى يصف الأبيات المعبرة :
لما رأتني أم أحمد عادياً … بذمة من أختى بغيب وأرهب
تقول فإما كنت لابد فاعلا … فيمم بنا البلدان ولتنا يشرب
فقلت لها بل يثرب اليوم وجهنا … وما يشأ الرحمن فالعبد يركب
إلى الله وجهي والرسول ومن يقم … إلى الله يوماً وجهه لا يجيب
دعوت بني غنم لحقن دمائهم … وللحق لما لاح للناس ملحب
أجابوا بمحمد الله لما دعاهم … إلى الحق داع والنجاح فأوعبوا
ورعنا إلى قول النبي محمد … قطاب ولاة الحق منا وطيبوا
نمت بأرحام إليهم قريبة … ولا قرب بالأرحام إذ لا تقرب
ستعلم يوماً أينا إذ تزايلوا … وزيل أمر الناس للحق أصوب

في المدينة في رحاب الأنصار

في المدينة المنورة وجد المهاجرون إخوانهم الأنصار وهم يؤثرونهم على أنفسهم فطابت نفوسهم، حيث أكرمهم الأنصار، وأووهم وأسوهم، وقاسموهم أموالهم وديارهم، وأنزلوهم من نفوسهم منزلة الأهل والعشيرة.
إن هذه الهجرة الجماعية، أثارت المشركين، ولكن ملا الفجار لم يعترفوا بأنهم السبب في ذلك، فهم يجرمون، ويرمون الوزر على أكتاف غيرهم، ويقهرون المستضعفين، ومع ذلك يتهمون الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، بأنه سبب الشتات والشقاق.
روى ابن إسحاق – رحمه الله – أن عتبة بن ربيعة، والعباس بن عبد المطلب، وأبا جهل بن هشام، مروا وهم مصعدون إلى أعلى مكة، فنظر إليها عتبة بن ربيعة تخفق أبوابها يبابا، ليس فيها ساكن، فلما رأها كذلك تنفس الصعداء، ثم قال : وكل دار وإن طالت سلامتها يوماً ستدركها النكباء والحوب” ثم قال : أصبحت دار بني جحش خلاء من أهلها . فقال أبو جهل وهو يشير إلى العباس: هذا عمل ابن أخي هذا، فرق جماعتنا، وشئت أمرنا، وقطع بيننا. إن أبا جهل بهذا الكلام تبرز فيه طبيعته العدوانية، وتبرز نفسه الحاقدة، على رسول الله ، ولكن الله عز وجل متم نوره ولو كره المشركون.
وفي المدينة المنورة أخذت زينب بنت جحش مكانتها بين المؤمنات، وفي سجل الأوائل كانت زينب رضي الله عنها من المهاجرات الأول.
هذه الأولية المباركة في الهجرة جعلت لها ذكراً حسناً في نساء الأنبياء، ونساء الصحابة الكرام رضي الله عنهم.

نفحات إيمانية زينبية

حينما تملك الإيمان قلوب المؤمنين، ومنهم زينب بنت جحش راحت قلوبهم التي استودعت بذور الإيمان تنبت بالخيرات، كما ينزل الوابل الصيب على التربة البكر الخصبة، {فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأثبتت من كل زوج بهيج} [الحج : ٥] .
فالإيمان بالله عز وجل قوة ساحرة، إذا استمكنت شعاب القلب، وتغلغلت في أعماقه، تكاد تجعل المستحيل ممكناً. وزينب ابنة جحش رضي الله تعالى عنها، واحدة من علية النساء، ممن لامت قلوبهن نفحات الإيمان، فجعلت منهن فرائد ودرر لا تتكرر في الدنيا، وقد صقل رحيق الإيمان ورذاذ الإخلاص نفس زينب بنت جحش، فجعلها ذلك من سادة نساء الدنيا في الدين، والورع، والجود والمعروف، وناهيك بالورع عند المرأة لتكون من الفضليات.
وقد رشحتها هذه الصفات الكريمة، لتنظم في سلك الدرر، وتغدو واحدة من أمهات المؤمنين، وإحدى نساء أهل البيت التقي النقي الذي أذهب الله عنه الرجس وطهره تطهيراً، بل جعلها واختصها بمكرمة متفردة بها، حيث أنكحها رسوله في السماء، فهل بعد ذلك من مفخر ؟! إن الإيمان الذي أضاء نفس زينب، رفعها مكاناً علياً في مقام الصلاح، وفي محراب العبادة، فكانت صوامة تقوم الليل تناجي ربها تبكي خوفاً وطمعاً؛ ولم تتوقف عند هذا الحد فحسب، وإنما كانت بارة بمن حولها من الناس، ومن الذين يطلبون المعروف عند أهله، فكانت زينب رضي الله عنها، كهفاً وملاذاً للمحتاجين، تفيض عليهم من جودها ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، حتى غدت مثلاً في الكرم الزينبي المرفود بالكرم النبوي.

زينب في القرآن

في الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا مِن خَلْفه، شهد الله عز وجل لزينب بنت جحش بالإيمان، ودعاها مؤمنة بقوله : {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً} [الأحزاب: ٣٦].
فالمؤمنة هنا زينب بنت جحش رضي الله عنها، المرأة الحسيبة الشريفة التي اختيرت من بين نساء الصحابة كيما تكون المثل العملي لتحطيم الموروثات الجاهلية التي صحح الإسلام الحنيف مفاهيمها.
ولكن، ما شعور زينب؟ وما الإحساس الذي ساورها يوم أن عرض عليها رسول الله ﷺ الزواج من حبه ومولاه زيد بن حارثة؟ هلموا، فلنقف وقفة إكبار أمام هذه المؤمنة التي استكانت لأمر الله وقضائه وقدره، وغذاؤها بذلك رحيق الإيمان الذي قامت عليه نفسها، فأضحت لا ترى إلا من خلاله، وتزن أمورها بميزان التقوى ذلك الميزان الذي لا يخسر معه أحد.
تقول المصادر الوثيقة المتعددة : إن سيدنا وحبيبنا محمداً صلى الله عليه وسلم، قد خطب زينب بنت جحش ابنة عمته على زيد بن حارثة مولاه، وسمعت زينب حديث الخطبة هذه لزيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدهشت ولم تتوقع ذلك أبداً، وأخذتها الأفكار المتصارعة ذات اليمين وذات الشمال، وراحت بها إلى الماضي … ولكن نسبها الرفيع همس في وجدانها قائلاً: إن زيد بن حارثة هذا من الموالي وهل يكون المولى من الأكفاء لذات الحسب والشرف والنسب ؟! وندت منها كلمة فقالت للرسول ﷺ : لا أتزوج أبداً، وأنا سيدة عبد شمس .
وفي رواية ابن سعد – رحمه الله – قالت : يا رسول الله ، لا أرضاه لنفسي وأنا أيم قريش.
وشاركها في هذا الرأي أخوها عبد الله بن جحش، ورفض أن تكون أخته زينب، وهي قرشية حسيبة أصيلة وابنة عمة النبي ﷺ ، وزينة نساء قريش، رفض أن تكون تحت مولى من الموالي اشترته خديجة بنت خويلد، ثم وهبته لرسول الله ﷺ، الذي أعتقه، ومن عليه بشرف الانتساب إليه، فكان يدعى : زيد بن محمد، إلى أن أمر الله أَنْ يُدعى كل واحد لأبيه.
فكر عبد الله بن جحش في هذا كله، وفكر بأخته زينب فرأى في ذلك عاراً كبيراً عليها، فقد كانت الأعراف عند العرب لا تسمح بهذا أبداً، إذ لم تكن بنات الأشراف الشريفات ليتزوجن من الموالي، وإن أعتقوا وأضحوا أحراراً.
لكن الإسلام الحنيف، أراد أن تزول مثل هذه الاعتبارات القائمة على سوق هزيلة في نفوس تغلغلت فيها العصبية وحدها، وأَعْمَتها مقاليد التقاليد الموروثة عن الآباء والأجداد.
أراد الإسلام أن يدرك الناس جميعاً أن لباس التقوى ذلك خير، وأن لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، فالله عز وجل يقول : {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات : ١٣].
أما الحبيب المصطفى ﷺ فقد كان يرى أن زينب ابنة عمته هي التي تحتمل هذا الخروج عن تقاليد العرب، والقضاء على عاداتها، وكان رسول الله ﷺ يعلم أن تقاليد الجاهلية لم تكن قد انمحت من نفوس المسلمين بعد، إذن، فليكن مولاه وجبه زيد بن حارثة هو الذي يتزوجها وأحب رسول الله ﷺ أن تقبل زينب وأخوها عبد الله أن يكون زيد بن حارثة زوجاً لها، وقال لها: «بل فانكحيه، فإني قد رضيته لك» .
وقبل أن تتردد زينب في هذا نزل قول الله عز وجل : {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} [الأحزاب: ٣٦].
وهنا لم يبق أمام زينب وأخيها عبد الله بعد نزول هذه الآية، إلا الامتثال والإذعان لأمر الله وقضائه وإلا : {ومن بعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً} [الأحزاب:].
وهنا قالا : رضينا يا رسول الله، وانفردت زينب بقولها : قد رضيته يا رسول الله منكحاً؛ فأجاب الحبيب المصطفى ﷺ وقد رضيته لك قالت زينب رضي الله عنها ورشحات الإيمان والتسليم تقطر من كلامها : إذن لا أعصي رسول الله ، وقد أنكحته نفسي.
وساق زيد بن حارثة رضي الله عنه إلى بني جحش عشرة دنانير وستين درهماً، ودرعاً، وخماراً، وملحفة وإزراراً، وخمسين مداً من الطعام، وعشرة أمداد من التمر، أعطاه ذلك كله الحبيب المصطفى.
وبني زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش سليلة أشرف بيت في قريش زينب التي كانت تعتز بنسبها، وذلك لتقرير حقيقة المساواة بين البشر، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، وأن ليس لحر على عبد من فضل إلا بالتقوى. رضيت زينب بنت جحش رضي الله عنها قضاء الله عز وجل، وقضاء رسوله الكريم الذي ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى رضيت وقبلت أن تتزوج وهي الشريفة سليلة المطلبيين عبداً، فقد كانت مؤمنة عميقة الإيمان، شهد الله لها بالإيمان، وهذا أعلى ما تطمح وتطمع به: مرضاة الله عز وجل، ومرضاة الرسول صلى الله عليه وسلم.
لقد استكانت زينب للأوامر الإلهية الصادرة من لدن حكيم خبير، فغدت بطاعتها سيدة من سادات النساء في عصر النبوة، وفي كل العصور رضي الله عنها

حكمة بالغة

بنی زید بزينب رضي الله عنهما، وأكد الإسلام أن الناس سواسية كأسنان المشط، يتفاضلون بميزان التقوى، فالناس جميعهم لأدم، وآدم من تراب، ومن أراد أن يتفاخر، فليتفاخر بالتراب.
كان زيد بن حارثة رضي الله عنه أفطس الأنف، ولم يكن جميل الصورة فلم ينشرح له قلب زينب رضي الله عنها، ولم يكتب للبيت الجديد الوفاق، ولم ترفرف عليه أجنحة السعادة، بل وهت العلاقة بين زيد وزينب، فبعد أن صارت زينب إلى زيد، لم يسلس له قيادها، ولم تنس إباءها، بل شمخت عليه وتعالت وتعمدت إيلام قلب زيد بالتعالي عليه في النسب والحرية.
الم زيد هذا النفور من زينب، ولما كان ربيب النبي ﷺ، فقد غُذي ونشأ على الكرامة، ولذا فإنه أبى أن يرتبط بهذه التي زهدت فيه، واشتكى زيد ذلك إلى النبي ﷺ المرة بعد المرة يقول له : يا رسول الله ؛ إن زينب تتعظم عليَّ لشرفها، وإن فيها كبراً، وهي تؤذيني بلسانها.
وكان الحبيب المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه في خلقه السمح وسجاياه الظاهرة المطهرة، يهدهد من آلام زيد ويقول له : {أمسك عليك زوجك واتق الله} [الأحزاب: ۳۷].
ويرجع زيد إلى زينب، وتكون الحالة هي هي، أو قريبة من هي، فيذهب إلى رسول الله ﷺ يعرض عليه أن يطلقها، ولكن رسول الله ﷺ يقول: {أمسك عليك زوجك} كان في ذلك حكمة بالغة من الله عز وجل، الذي أراد أن تتلاشى تقاليد الجاهلية، ويسود شرع الإسلام.
لقد حطم زواج زيد بن حارثة من زينب بنت جحش رضي الله عنهما حلقة متينة من تقاليد الجاهلية: ترفع السادة عن الزواج من العبد، وإن كانوا أتقياء، وكانوا أكفاء.
وكان هناك حلقة أخرى، كتب على الرسول الكريم أن يحطمها، فقد كان العرب قبل الإسلام، لا يتزوجون أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهنَّ وطَراً.
كانت زينب رضي الله عنها كارهة للبقاء مع زيد، وكان زيد يأتي رسول الله ﷺ يلتمس منه أن يوافق على طلاق زينب، وكانت الحكمة تقضي أن يقبل ذلك الفراق، وأن يخطب ابنة عمته لنفسه، لتتم شريعة الإسلام، وتتحطم حلقات الجاهلية الواهية، وليعوضها عن تضحيتها الغالية: إطاعة للله ورسوله ولكنه كان يخشى الناس فقال لزيد: {أمسك عليك زوجك}.
أصبحت الحياة بين زينب وزيد لا تطاق، وكان لا بد من الطلاق، إلى أن أتى أمر الله عز وجل، وغلب على ذلك كله، فسمح لزيد بطلاقها، بعد أن استحال جو البيت جحيماً كما قال تعالى : {لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قَضَوْا منهنَّ وطَراً وكان أمر الله مفعولاً} [الحزاب : ٣٧].
هذا وقد نزل الله عز وجل على الحبيب المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم في الكتاب العظيم مفخرة المفاخر التي زكاه بها فيها زكى إخوانه المرسلين، وهو صاحب المقام المحمود في هذه التزكية المنيفة، فقال له متلطفاً به في أشد مضايق مواقفه في رسالته : {ما كان على النبي من حرج فيها فرض الله له سُنَّةَ الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدراً مقدوراً. الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله وكفى بالله حسيباً} [الأحزاب: ۳۸ و ۳۹].
تم الأمر الإلهي المقدر، ونفذ رسول الله ﷺ ما أمره ربه في غير حرج، فلما انقضت عدة زينب قال النبي ﷺ لزيد : اذهب فاذكرها علي.
فانطلق حتى أتاها وهي تخمر عجينها أبشري أرسلني رسول الله ﷺ يذكرك . قالت: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أوامر ربي عز وجل.
ثم قامت إلى مسجدها، ونزل القرآن الكريم، وجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها بغير إذن.
وبهذا زوج الله عز وجل هذه المؤمنة بنص كتابه بلا ولي، ولا شاهد، وكانت زينب رضي الله عنها تقول مفتخرة بذلك على أمهات المؤمنين : زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات. والآن، فلا بد لنا من وقفات شافية مع هذه القصة العظيمة، كيما نعرف كيف طهر الله عز وجل، المجتمع المسلم من رجس مفسدة اجتماعية، لا تتحقق إلا بعزيمة الرسول الكريم .

منهج قويم

شرفت السيدة النبيلة زينب بنت جحش رضي الله عنها بأشرف مقامات القرب من رسول الله ﷺ ، فكانت أماً للمؤمنين بزواجه من السيدة الحسيبة النبيلة زينب رضوان الله عليها وضعاً للأمور في مواضعها.
فقد كان العرف الجاهلي، بأباطيله وشروره ومفاسده، يجعل من الدعي ابنا، ويعطيه خصائص البنوة الحقيقية في أمور تجر على المجتمع، من الشرور والأسواء والويلات مالم تؤمن مغباته وعواقبه على حياة الأمة في حاضرها، وفي مستقبلها .
وقد كان من أظهر مفاسد هذا العرف الباطل، التعاير بتزويج الرجل الحسيب النسيب زوجة دعية إذا طلقها الدعي باعتقاد واه، أن الدعي هو ابن حقيقي من الصلب، فإذا أراد الله عز وجل أن يبطل هذا العرف الفاسد المفسد، وهذا الموروث السرطاني الذي يبدد أواصر المجتمع، لم يكن ثمة من يتحمل ثقل هذا الإبطال، سوى رسول الله ، فهو أقوى إرادة، وأمضى عزماً، وأعظم نفساً، وأظهر ذيلاً، وهو الأسوة المتأسى به في امتثال تطبيق الأحكام الشرعية، وهو القدوة التي تجري على سننها أمته، وهو مهبط الخطاب الإلهي في جميع الأحكام الربانية.
من هذا المنطلق، كان الرسول الحبيب، هو المختار لتصحيح أباطيل الجاهلية، ومفاسدها في واقع الحياة فقيل له : وإذ تقول للذي أنعم الله عليه بنعمة الإيمان والإسلام، وكفالتك إياه، وتحبيبه إليك وأنعمت عليه بالعشق والحرية والرعاية، وإحسان التربية والاختصاص بك، فكان حبك ومولاك، ولم يكن ابنا لك وَلَدَتْهُ مِنْ صُلْبِك.
ثم إن زيداً وهو يعرض عليك ثقل الحياة الزوجية في بيته مع زوجه، وما يلقى من مرارة في عشرته معها، ويشاورك مستأذناً في مفارقتها بعد يأس منه في حسن الموافقة، فتقول له متلطفاً : أمسك عليك زوجك واتق الله لأنك منبع التلطف والإحسان، تأبى عليك نفسك الزاكية، وتأبى عليك مكارم أخلاقك أن تشير على زيد بقصم عرى ما عقد الله بينه وبين زوجه من وشائج كان من حقها أن يظللها الود والسكون، وهما منك في القرب الودود، بمكانهما الذي لهما عندك، ولهذا كنت تقول له بلطف {أمسك عليك زوجك واتق الله} [الأحزاب: ۳۷].
إنه لم يكن هنالك قط أمر من الله لك بتطليقها من زيد، وإن تكن قد سبقت إليك لوائح إشارتنا، إذ قطعنا وشائج الجاهلية المزورة بين الدعي ومتبنيه يقولنا : وما جعل أدعياء كم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم ) [الأحزاب : ٤]. ولقد أوضحنا الحق الذي جعلناه نهجاً في واقع الحياة بتصحيح وضع هؤلاء الذين شدت بهم الحياة نهجها القويم، رفعاً الخسيسة الصفت بهم إلصاقاً، ففتهم عن آبائهم ونفت آباءهم عنهم، وباعدت بينهم، ثم وصلنا ما قطعه الجهل في الجاهلية بأعرافها الفاسدة المفسدة، وقلنا لك كيما تعلم أمتك وادعوهم لآبائهم {هو أقسط عند الله} [الأحزاب:] .
لأنه الحق، ولأنه سبيل الخير الذي يهدي إليه الله في شريعته المنزلة لإقامة منار العدل : {فإن لم تعلموا آباءهم} [الأحزاب: ٥].
فلا ضيعة لهم عند الله، ولا ضيعة لهم في مجتمع الإسلام، لأنهم إخوانكم في الدين الذي جمعت وشيجة الإيمان بين سلائله من جميع الأجناس والأوضاع.
{وإنما المؤمنون إخوة} [الحجرات: ١٠]. وهم بهذا الإخاء الإيماني مواليكم، وأقرب الموالين لكم، يناصرونكم وتناصروهم على البر والتقوى، فهم أحق بالإكرام والإحسان .
ولكنك في هذا التلطف مع حبك ومولاك، أخفيت في نفسك لوامح الإشارة فيما أنزلناه عليك من قطع وشائج الجاهلية الكاذبة التي عقدوها بأهوائهم وشهواتهم بين المتبنى ومتبنيه، وما يترتب على قطع تلك الوشائج الجاهلية المخترقة من إصلاح اجتماعي في مجتمع رسالتك، لتكون أنت مصدره ومنبعه، والمتأسى به فيه في التطبيق الواقعي الذي يقوم أود الحياة. وعوج مناهجها.
وَلَكِنْ رَسُولَ الله : في رحلة تحطيم التقاليد الجاهلية، جاء الخطاب الإلهي صريحاً للناس كافة بأن محمداً رسول الله، وكل ما يتقوله المتقولون والمنافقون والذين في قلوبهم مرض، من أن محمداً ينهى عن زوجات الأبناء، ويتزوج هو زوجة ابنه زيد، كل هذا ليس له قيمة في ميزان العدل الإلهي، بل ليس له مكانة في المجتمع الإسلامي، ولا يؤثر على سير الرسالة، وأنزل الله عز وجل : {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم  ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليها} [الأحزاب: ٤٠].
وأوضح الله عز وجل أن الأدعياء ليسوا أبناء، فالكلام وإن تعارف عليه أهل الجاهلية لا يغير واقعاً، بل لا يخلق علاقة غير علاقة الدم، ولذلك قال عز وجل : {وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم{ [الأحزاب : ٤].
هذا وقد أجمع أهل التفسير على أن قوله تعالى: ﴿وما جعل أدعياءكم أبناءكم أنزل في سيدنا زيد بن حارثة وغيره لأن زيداً سبي صغيراً، فابتاعه حكيم بن حزام بن خويلد رضي الله عنه، فوهبه العميه أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، فوهبته أمنا خديجة للنبي ، فأعتقه، ثم تبناه، فأقام زيد عند النبي ﷺ مدة، ثم جاء أبوه وعمه في فدائه، فقال لهما الحبيب المصطفى وخبراء فإن اختراكها فهو لكما دون فداء». فاختار زيد الرق مع رسول الله ﷺ على حريته، فقال النبي ﷺ عند ذلك : يا معشر قريش اشهدوا أن زيداً ابني أرثه ويرثني. ولما تزوج النبي ﷺ زينب بنت جحش التي كانت امرأة زيد بن حارثة الذي تبناه النبي قالوا : تزوج محمد امرأة ابنه، فكذبهم الله عز وجل في ذلك، ورد علاقة النسب إلى أسبابها الأصلية الحقيقية، وهي علاقة الدم، والأبوة، والبنوة الواقعية، وقال: {والله يقول الحق وهو يهدي السبيل} [الأحزاب: ٤]. وهكذا قضي على تلك العادة الذميمة المذمومة التي لا تستند إلى حقيقة أو شريعة، وكانت زينب بنت جحش رضي الله عنها هي المرأة العظيمة التي أكرمها الله عز وجل بهذا، وحكى قصتها في كتابه العزيز منبها إلى فضلها، ولذلك كانت تقول : إن الله أنكحني في السماء”.

زَيْنَبُ وَآيَةُ الحِجَابِ

روى الشيخان البخاري ومسلم والإمام أحمد والترمذي، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قصة نزول الحجاب صبيحة عرس أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها، وسنعتمد رواية البخاري في صحيحه حيث أخرج بسنده عن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه قال: بني على النبي ﷺ بزينب بنت جحش بخبز ولحم، فأُرسِلْتُ على الطعام داعياً، فيجيء قوم فيأكلون ويخرجون، ثم يجيء قوم فيأكلون ويخرجون، فدعوت حتى ما أجد أحداً أدعو. فقلت: يا نبي الله ما أجد أحداً أدعوه، قال: فارفعوا طعامكم، وبقي ثلاثة رهط يتحدثون في البيت، فخرج النبي ﷺ فانطلق إلى حجرة عائشة فقال: «السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله. فقالت: وعليك السلام ورحمة الله، كيف وَجَدْتَ أهلك بارك الله لك؟ فتقرى حجر نسائه كلهن، يقول لهن كما يقول لعائشة ويقلن له كما قالت عائشة . ثم رجع النبي ﷺ ، فإذا ثلاثة رهط في البيت يتحدثون، وكان النبي ﷺ شديد الحياء، فخرج منطلقاً نحو حجرة عائشة، فما أدري أخبرته أو أخبر أن القوم خرجوا، فرجع حتى إذا وضع رجله في أسْكُفَة الباب داخلة وأخرى خارجة، أرخى الستر بيني وبينه وأنزلت آية الحجاب.
والآن ما رأيكم أن نقرأ معاً آية الحجاب التي نزلت يوم تزوج رسول الله ﷺ أم المؤمنين زينب ؟! {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يُؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مُسْتَأنسين الحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحي منكم والله لا يستحي من الحق وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً إن ذلكم كان عند الله عظيماً} [الأحزاب: ٥٣].
وأود أن أشير إلى أن هذه الآية الكريمة تفيد أن كلمة حجاب تعني : الشيء يحجز بين طرفين، فلا يرى أحدهما الآخر، أي تنعدم معه الرؤيا تماماً، ولا يمكن أن يغني أن لباساً يلبسه إنسان، لأن اللباس أياً كان قدره ونوعه – ولو ستر جميع بدن المرأة حتى وجهها – فلن يمنع هذه المرأة أن ترى الناس من حولها، ولن يمنع الناس أن يروا شخص المرأة وإن تسربلت بالسواد من قمة رأسها – مع وجهها – حتى أخمص قدميها، والحجاب الوارد في قوله عز وجل {فاسألوهن من وراء حجاب} [الأحزاب: ٥٣] هو الستر الذي يكون في البيت، ويرخى ليفصل بين مجلس الرجال، ومجلس النساء. ولعل حديث الفاروق عمر رضي الله عنه يوضح المفهوم الذي أردته من كلمة الحجاب. فقد أخرج الإمام البخاري بسنده عن أنس قال: قال عمر رضي الله عنه : قلت: يا رسول الله، يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب.
ويبدو أن سيدنا عمر رضي الله عنه كان يرغب في فرض الحجاب كيما تحفظ المرأة حفظاً سليماً، ويظهر إخلاصه في هذا برغبته في أشياء تنفع المسلمين عامة، وأشياء تتعلق بنصيحته لزوجات النبي ﷺ، وإحداهن ابنته حفصة أم المؤمنين، إذ كان يود لو نزل ما يشفي غليله في الحجاب، وقد أكرمه الله عز وجل في هذا لإخلاصه، وعن هذا الإكرام يتحدث سيدنا عمر فيما أخرجه الإمام البخاري رحمه الله – بسنده عن حميد عن أنس قال: قال عمر: وافقت الله في ثلاث – أو وافقني ربي في ثلاث – قلت: يا رسول الله، لو اتخذت مقام إبراهيم مصلى. وقلت: يا رسول الله، يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب. قال : وبلغني معاتبة النبي ﷺ بعض نسائه، فدخلت عليهن قلت: إن انتهيتن أو ليبدلن الله رسوله خيراً منكن حتى أتيت إحدى نسائه قالت: يا عمر، أما في رسول الله ﷺ ما يعظ نساء حتى تعظهن أنت؟ فأنزل الله : {وعسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن مسلمات ….} الآية

من رقائق الفضائل الزينبية

لا زالت نسمات البركات تلاحقنا، ولا زالت بركة أم المؤمنين زينب بنت جحش تسيل على المؤمنين من فيضها منذ دخولها يومها الأول في رحاب البيت النبوي الطاهر.
فعندما تزوج النبي زينب بنت جحش أولم عليها، وأشبع المسلمين خبزاً ولحماً، ثم ذهبوا ولم يرجعوا، ثم أهدت له أم سليم بنت ملحان الأنصارية طعاماً ليلة دخوله بزينب فأطعم منه خلقاً كثيراً، وبورك في هذا الطعام.
وسأل الجعد أنساً فقال: عَدَدَ كم كانوا ؟! فقال أنس: زهاء ثلاثمائة . وتكثير الطعام صبيحة عرس زينب يشير إلى بركتها، كما أن ذلك معلماً واضحاً من علامات النبوة.

القُرْآنُ وَزَيْنَبُ وَعَائِشَةُ وَحَفْصَةٌ

دخلت زينب بنت جحش رضي الله عنها البيت النبوي الطاهر، وقد سبقتها إليه عائشة بنت الصديق وحفصة بنت عمر رضي الله عنهم جميعاً، ويبدو أن عائشة قد أخذها ما أخذها من زينب، وتسللت الغيرة إلى نفسها، فزينب هذه ابنة عمة النبي ﷺ، وهي وضيئة النفس جميلة الطلعة، ثم نزل القرآن في شأنها، ولذلك أوجست عائشة خيفة أن تهتز مكانتها عند النبي ﷺ، ولكن زينب نفسها، بشهادة عائشة، كانت ورعة همها من دنياها مرضاة الله عز وجل ومرضاة، رسوله .
أما نص شهادة السيدة عائشة رضي الله عنها، فكما ورد في الصحيح : قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي ﷺ.
وروى أبو بكر بن أبي خيثمة – رحمه الله – من طرق عن عائشة رضي الله عنها قالت: لم يكن أحد من نسائه يساميني في حسن المنزلة عنده غيرها . – تعني زينب بنت جحش … وكان الحبيب المصطفى يمكن عند زينب، فقد كانت تعجبه صفاتها الخيرة، وشمائلها الكريمة، وربما أطال الجلوس عندها إذ كانت تكرمه وتسقيه العسل، لذا فقد كانت زينب رضي الله عنها، تحب أن تسقيه العسل، ويبدو أن عائشة وحفصة رضي الله عنهما قد طرقت الغيرة أبوابها، وتسللت إلى نفسيهما، وأسرت كل واحدة إلى الأخرى ما بنفسها من الغيرة تجاه الوافدة الجديدة زينب أم المؤمنين، فتواصت عائشة وحفصة أن تحتالا كيما يخفف النبي ﷺ من زيارته للضرة الجديدة، فماذا كان؟ نزل القرآن الكريم كيما ينصف زينب رضي الله عنها، وها هي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تروي خبر ذلك.
أخرج الإمام البخاري – رحمه الله – في صحيحه بسنده عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يشرب عَسَلاً عند زينب ابنة جحش، ويمكث عندها، فواطأت أنا وحفصة عن أيتنا دخل عليها فلتقل له: أكلت مغافير ؟ إني أجد منك ريح مغافير. قال: لا، ولكني كنت أشرب عسلاً عند زينب ابنة جحش فلن أعود له، وقد حلفت لا تخبري بذلك أحداً .وعند ذلك نزل قوله عز وجل : {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} إلى قوله تعالى : {إن تتوبا} [التحريم : ١-٣]
لعائشة وحفصة، {وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً} [التحريم: [٢]
لقوله: بل شربت عسلاً ولن أعود له، وقد حلفت فلا تخبري بذلك أحداً يبتغي مرضاة أزواجه، فيعني بقوله : ولن أعود له على جهة التحريم. وبقوله : «حلفت أي بالله، بدليل أن الله تعالى، أنزل عليه عند ذلك معاتبته على ذلك، وحوالته على كفارة اليمين بقوله تعالى : {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} يعني العسل المحرم بقوله: ولن أعود له.
وتبتغي مرضاة أزواجك أي تفعل ذلك طلباً لرضاهن والله غفور رحيم غفور لما أوجب المعاتبة، رحيم برفع المؤاخذة.
وبعد هذا الدرس القرآني من العليم الخبير، ذلك الذي حث عائشة وحفصة على التوبة على ما كان منها من الميل إلى خلاف محبة رسول الله ﷺ، ثابت كل واحدة منها، وعرفت مكانة زينب رضي الله عنها.

زيْنَبُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ

حلّقت أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها عالياً في سماء المجد، ونالت أعلى مقامات القرب والشرف منذ دخولها البيت الطاهر، وحظيت بالمكانة العظمى عند النبي الكريم ، فقد حباها الله عز وجل من كريم الصفات وجميل المآثر ما جعلها فريدة بين النساء.
واقتبست زينب أم المؤمنين رضي الله عنها كثيراً من أخلاق رسول الله ﷺ فكانت تحذو حذوه في طرق الخير وخصوصاً الزهد في زخرف الدنيا، فالآخرة خير وأبقى، لذلك كانت كريمة اليد، سخية النفس لها أخبار عطرة في الجود وفي الزهد.
وكان رسول الله ﷺ يدرك هذه الخصلة الحميدة في زوجه زينب، فكان يحلها من نفسه مكاناً عظيماً، وقد أثنى عليها بأنها من أصحاب المعروف، فكان يقول لأزواجه بأنها أطولهن يداً في المعروف. أخرج الإمام مسلم – رحمه الله – بسنده عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت: قال رسول الله : أسرعكن لحاقاً بي أطولكن يداً. قالت: فكن يتطاولن أيتهن أطول يداً. قالت: فكانت أطولنا يداً زينب لأنها كانت تعمل بيدها وتتصدق.
وفي حياة زينب مع الرسول ﷺ وقفات رائعة، فقد أثنى عليها النبي ﷺ بحسن الخشوع والعبادة.
عن عبد الله بن شداد أن رسول الله ﷺ قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن زينب بنت جحش أواهة قيل: يا رسول الله، ما الأواهة؟ قال : والخاشعة المتضرعة، {وإن إبراهيم لحليم أواه منيب} [ هود : ٧٥] .
كانت زينب بنت جحش أم المؤمنين رضي الله عنها كثيرة الصلاة، خاشعة القلب، موصولة دائماً بالله عز وجل، وكان رسول الله ﷺ يحب هذه الصفات العالية فيها، وتعجبه صلاتها وصلتها بربها عز وجل.
روى الطبراني – رحمه الله – عن راشد بن سعد الحبراني قال: دخل رسول الله ﷺ منزله ومعه عمر بن الخطاب، فإذا هو بزينب بنت جحش تصلي، وهي تدعو في صلاتها، فقال النبي ﷺ : «وإنها لأواهة» . وكثيراً ما كان الرسول الكريم يكثر من الثناء عليها بقوله : «إنها أواهة» وكفى بشهادة رسول الله ﷺ لتضع زينب في مكانة سامية.
ولله در أبي نعيم الأصبهاني إذ أصاب بقوله في مفتتح ترجمته لزينب رضي الله عنها فقال: الخاشعة الراضية، الأواهة الداعية .
وكانت زينب رضي الله عنها تعرف مدى ارتباطها بالرسول ﷺ، وتدرك قيمة الوشيجة التي أحلتها حظوة ومكانة عنده، فكانت تقول للنبي ﷺ : يا رسول؛ إني لأدل عليك بثلاث ما من نسائك امرأة تدل بهن : إن جدي وجدك واحد، وإني أنكحنيك الله عز وجل من السماء، وإن السفير جبريل عليه السلام. وأعتقد أن أمنا زينب رضوان الله عليها، كانت تفاخر أمهات المؤمنين الأخريات، بما اختصت به من عزة الشرف، وشرف العزة، وفي كرم المكانة، وفي زواجها الميمون فتقول: أنا أكرمكن ولياً، وأكرمكن سفيراً؛ زوجكن أهلكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات .
وخلال رحلة حياة أم المؤمنين زينب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت ترافقه في رحلات الجهاد، فقد كانت معه في حصار الطائف، وفي غزاة خيبر، وذكر الذهبي رحمه الله – أن رسول الله ﷺ أطعم زينب بنت جحش بخيبر مئة وسق. ورافقته زينب رضي الله عنها في رحلة العبادة، فلما كانت حجة الوداع كانت من نسائه الطاهرات، وقال لهن يوم إذ : وهذه ثم ظهور الحصر)فكانت نساء النبي عليه الصلاة والسلام يحججن سوى أم المؤمنين سودة بنت زمعة وزينب بنت جحش قالتا : لا تحركنا دابة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي رواية الإمام أحمد؛ فكانتا تقولان: والله لا تحركنا دابة بعد أن سمعنا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهكذا قرت زينب أم المؤمنين في بيتها ملتزمة حرفية ما قال أخرج محمد بن سعد رحمه الله – في طبقاته قال : لم تحج زينب بنت جحش بعد حجة رسول الله ﷺ التي حجتها معه حتى توفيت، في خلافة عمر سنة عشرين، وكانت زينب قد عملت بوصية رسول الله ﷺ حينما قال لأزواجه : أيكن اتقت الله، ولم تأت بفاحشة مبينة، ولزمت ظهر حصيرها، فهي زوجتي في الآخرة.

ثناء أمهات المؤمنينَ عَلَيْهَا

لا شك أن ثناء المرأة على المرأة ليس بالشيء الهين، ولا يمكنك أن تنتزع الثناء من واحدة لأخرى إلا بشق الأنفس؛ ويبدو أن طبيعة المرأة وأثرتها لا تسمح لها أن تجود بالثناء على بنات جنسها، أو أن تمتدح صفات طيبة فيها، ولقد أصاب الشاعر قديماً حينما قال: كضرائر الحسناء قلن لوجهها … حمداً وبغياً إنه للميم
ولكن أمهات المؤمنين رضي الله عنهن كُن يعرفن لكل ذي حق حقه، فقد شرين من معين الأدب النبوي، وتغذين بأدب القرآن، فكُن يقلن الحق، وكن يثنين على بعضهن بما فيه مرضاة الله عز وجل وبما هو موجود، وذلك دون مجاملة أو محاباة، فليس هناك من أمر يدعو لذلك، ولقد كانت أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها تكن كل الحب والاحترام لأمهات المؤمنين، وتثني عليهن خيراً، في الوقت الذي تستطيع أن تقول ما تشاء. ففي حديث الإفك الطويل الذي روته أمنا عائشة رضي الله عنها، يشهد لزينب بطيب عنصر الأصل، كما يشهد بدينها وصيانتها وورعها وترفعها عن اللغو، قالت أمنا عائشة : وكان رسول الله ﷺ يسأل زينب ابنة جحش عن أمري ، فقال: يا زينب ماذا علمت أو رأيت؟
فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، ما علمت إلا خيراً.
قالت – عائشة -: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي رسول الله، فعصمها الله بالورع .. الحديث.
وظلت كلمات زينب الطيبة رصيداً غالياً لعائشة رضي الله عنهما، ولذلك أثنت عليها عائشة خير ثناء، بل بخير ما يثنى من كريم الصفات، وفضائل المكرمات ومحاسن الشمائل.
ورد في الصحيح ثناء لأم المؤمنين عائشة على أم المؤمنين زينب رضوان الله عليهما، من حديث طويل قالت فيه عائشة فأرسل أزواج النبي ﷺ زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ ، وهي التي كانت تساميني منهن في المنزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم أر امرأة قط خيراً في الدين من زينب، وأتقى لله، وأصدق حديثاً، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالاً لنفسها في العمل الذي تصدق به وتقرب به على الله تعالى.. الحديث.
وفي المسند، أخرج الإمام أحمد – رحمه الله – عن عروة بن الزبير عن عائشة بلفظ : ولم أرَ امرأة خيراً منها، وأكثر صدقة، وأوصل للرحم، وأبذل لنفسها في كل شيء يتقرب به إلى الله عز وجل من زينب.
وقد أثنت عائشة على زينب في مجال البر والصدقات، واصطناعها المعروف فقالت: وكانت أطولنا يداً زينب، لأنها كانت تعمل بيدها وتصدق”.
ولما توفيت أم المؤمنين زينب رضي الله عنها طفقت عائشة تعدد فضائلها، وتجود بالثناء عليها، وتذكر مناقبها، فقد كانت تحدث الناس عن شمائلها الحسان.
يروى عن عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية – رحمها الله – عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، أنها أثنت على زينب بنت جحش فقالت : يرحم الله زينب، لقد نالت في الدنيا الشرف الذي لا يبلغه شرف : إن الله زوجها، ونطق بها القرآن؛ وإن رسول الله قال لنا : أسرعكن بي لحوقاً أطولكن باعاً، فبشرها بسرعة لحوقها به، وهي زوجته بالجنة.
وإنه مما يزيد من مكانة زينب بين أمهات المؤمنين، أنها كانت تعمل بيدها وتتصدق، وهذا يشير إلى مدى برها وجودها، فالمرأة إذا جادت بمالها الخاص دليل على طبيب نفسها وكريم أصلها، وقد شهدت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لزينب بهذه الخاصية المباركة كثرة الصدقة والإيثار فقالت : كانت – زينب – صناع اليد فكانت تدبغ، وتخرز، وتصدق.
ولو رحنا نعدد ما أثنت به عائشة على زينب رضي الله عنهما لعرفنا مقدار محبة عائشة لها، وعرفنا مكانة زينب في العقد الفريد الذي نظمت فيه، فكانت من أمهات المؤمنين الطاهرات رضي الله عنهن .
وإذا كان الثناء على الأحياء فضيلة، فإن الثناء على الأموات من أمهات الفضائل، ولذلك فإن زينب رضي الله عنها لما توفيت قالت عائشة: لقد ذهبت حميدة، متعبدة، مفزع اليتامى والأرامل .
وإذا ما ذكرت أم المؤمنين زينب أمام عائشة أم المؤمنين أكثرت الثناء عليها، وأكثرت من ذكر ونشر محاسنها، ففي تهذيبه ذكر الإمام النووي – رحمه الله – أن عائشة قالت: يرحم الله زينب بنت جحش لقد نالت في هذه الدنيا الشرف الذي لا يبلغه شرف، إن الله عز وجل زوجها نبيه في الدنيا ونطق به القرآن.
وسأل عروة بن الزبير – رحمه الله – خالته أم المؤمنين رضي الله عنها قال: يا خالة أي نساء رسول الله ﷺ كانت أثر عنده؟ فقالت: ما كنت أستكثره، ولقد كانت زينب بنت جحش وأم سلمة لهما عنده مكان، وكاننا أحب نسائه إليه فيها أحسب بعدي .
وفي معرض الثناء الفياض بالخير، الفياض بالبركات تشارك أم أخرى من أمهات المؤمنين بنشر طيب أعمال وصفات زينب بنت جحش رضي الله عنها، وتشير إلى صلاحها وصلاتها، تقول أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها : كانت امرأة صالحة صوامة قوامة.

وهذه الشهادة ترفع أم المؤمنين زينب عالياً عالياً، وتجعلها تقتعد مكانة سامقة في العبادة والصلاح، وكفاك بهذه المنزلة شرفاً.
وكما كانت عائشة تثني على زينب، كانت أم سلمة أيضاً، تمتدح زينب إذا ما ذكرتها بعد وفاتها، ذكرت زينب بنت أم سلمة قالت: سمعت أمي أم سلمة تقول : – وذكرت زينب بنت جحش فترحمت عليها وذكرت بعض ما كان يكون بينها وبين عائشة – فقالت زينب : إني والله ما أنا كأحد من نساء رسول الله ﷺ إنهن زوجن بالمهور، وزوجهن الأولياء، وزوجني الله رسوله، وأنزل في الكتاب يقرأ به المسلمون لا يبدل ولا يغير: {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه} … الآية.
قالت أم سلمة : وكانت لرسول الله معجبة، وكان يستكثر منها، وكانت امرأة صالحة صوامة قوامة صنعاً تتصدق بذلك كله على المساكين.
ويبدو أن فقهاء العلماء، وعلماء الأمصار، قد اقتبسوا مدائحهم لأم المؤمنين زينب من ثناء أمهات المؤمنين عليها، فهذا الحافظ ابن كثير – رحمه الله – في معرض ترجمته لأم المؤمنين زينب يقول : كانت زينب بنت جحش من المهاجرات الأول، وكانت كثيرة الخير والصدقة.
أما الذهبي – رحمه الله – ففي كل مكان كتب فيه عن أم المؤمنين زينب يذكر من نفحاتها الإيمانية ما تلد له الأسماع والأبصار.
ففي سير أعلام نبلائه ذكرها بقوله : كانت من سادة النساء ديناً وورعاً وجوداً ومعروفاً رضي الله عنها.
وإذا ما تحدث في تاريخه، ووفيات المشاهير والأعيان، أوجز صفاتها بقوله : كانت كثيرة البر والصدقة وجمع الواقدي – رحمه الله – صفات أم المؤمنين، والثناء عليها في عبارة واحدة قال: كانت امرأة صالحة، صوامة قوامة صناعاً، تتصدق بذلك كله على المساكين.

زَيْنَبُ في ظِلَّ الخُلَفَاءِ

أدركت أمنا زينب رضي الله عنها خلافة الصديق، وكانت خلاله مرعية الجانب، يعرف مكانتها في البيت النبوي الطاهر، فهي تناصي ابنته عائشة في المنزلة الكريمة لدى النبي ﷺ ، وكلتاهما جوهرتان في عقد فريد من نساء أهل البيت الطاهر المطهر.
أما في عهد الفاروق عمر، فكانت زينب تناصي ابنته حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها، وكان عمر رضي الله عنه يعرف مقدار قدرها، ويشهد بورعها، وبزهدها، وإعراضها الشديد عن الدنيا التي جعلتها في يدها، ولم تجعل لها من سبيل إلى قلبها.
كان سيدنا عمر رضي الله عنه يقسم لأمهات المؤمنين في العام اثني عشر ألف لكل واحدة، وكانت زينب بنت جحش رضي الله عنها لا تستبقي منه درهماً واحداً، بل تنفق ذلك المال كله على ذوي أرحامها، وعلى أيتام قريش، وهي تشعر بسعادة تغمرها، فكانت الدراهم وسيلتها لإدخال السرور إلى قلوب ذوي الحاجات وتفريج كروبهم.
ولتشهد سوياً هذا الموقف العطر الكريم لأمنا زينب رضوان الله عليها .
ففي السنة التي توفيت فيها أرسل عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى زينب بعطائها الذي لها، فقالت: غفر الله لعمر غيري من أخواتي أمهات المؤمنين كان أقوى على قسم هذا المال.
قالوا لها : هذا المال كله لك يا أم المؤمنين.
قالت رضي الله عنها: سبحان الله العظيم واستترت منه بثوب
وقالت: صبوه، واطرحوا عليه ثوباً. – ثم أمرت إحدى النساء واسمها برزة بنت رافع – وهي التي روت هذا الخبر وقالت لها : يا برزة ادخلي يدك فاقبضي منه قبضة، فاذهبي بها إلى بني فلان، ثم بني فلان، وذكرت جماعة من رحمها وأيتامها.
وبقيت بقية تحت الثوب، فقالت لها برزة بنت رافع : غفر الله لك يا أم المؤمنين، والله لقد كان لنا في هذه الدراهم حق !! فقالت زينب رضي الله عنها : لكم ما تحت الثوب.
قالت برزة بنت رافع : فعددنا المال فوجدناه خمسة وثمانين درهماً. ثم إن أم المؤمنين زينب رضي الله عنها رفعت يدها إلى السماء ودعت ربها فقالت : اللهم لا يدركني عطاء لعمر بعد عامي هذا .. فاستجاب الله في انت عام إذا.
قال ابن سعد – رحمه الله -: ما تركت زينب بنت جحش رضي الله عنها درهماً ولا ديناراً، كانت تتصدق بكل ما قدرت عليه، وكانت مأوى المساكين. ويذكر ابن سعد – رحمه الله – عن محمد بن كعب أنه قال: كان عطاء زينب بنت جحش اثني عشر ألف درهم، ولم تأخذه إلا عاماً واحداً، حمل إليها اثنا عشر ألف درهم، فجعلت تقول : اللهم لا يدركني قابل هذا المال فإنه فتنة : ثم قسمته في أهل رحمها، وفي أهل الحاجة حتى أنت عليه؛ فبلغ عمر فقال: هذه امرأة يراد بها خير؛ فوقف على بابها وأرسل بالسلام، وقال: قد بلغني ما فرقت فأرسل إليها بألف درهم يستنفقها فسلكت بها طريق ذلك المال”.

روَايَتُهَا لَأَحَادِيثِ الْمُصْطَفَى

أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها، إحدى أمهات المؤمنين الطاهرات اللاتي روين الحديث النبوي الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كانت ممن وعين الحديث النبوي وحفظنه، وروينه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولم تكن أم المؤمنين رضي الله عنها من المكثرات في الرواية، وإنما أحصى لها أصحاب الأحاديث أحد عشر حديثاً روتها عن النبي ﷺ ، اتفق لها الإمامان البخاري ومسلم على حديثين.
وبالإضافة إلى وجود أحاديث أمنا زينب في الصحيحين، فإن أحاديثها منثورة في بقية الكتب الحديثية الأربعة وهي، سنن الترمذي، والنسائي، وأبي داود وابن ماجه، إذن فحديثها في الكتب الستة يُضاف إليها المسانيد، كأحمد وأبي يعلى .
روى عن أم المؤمنين زينب رضي الله عنها من الرجال: ابن أخيها محمد بن عبد الله بن جحش، وأرسل عنها القاسم بن محمد ابن أبي بكر، ومذكور مولاها . وروى عنها من أمهات المؤمنين أم المؤمنين رملة بنت أبي سفيان المشهور بكنيتها أم حبيبة رضي الله عنها.
ومن الصحابيات زينب بنت أبي سلمة وأمها أم المؤمنين أم سلمة، كما روت عنها : كلثوم بنت المصطلق .
ومن الأحاديث الشهيرة المعروفة التي رويت عن أمنا زينب بنت جحش رضوان الله عليها، ماورد الصحيحين وغيرهما بسند عن حميد بن نافع، عن زينب بنت أبي سلمة، أنها أخبرته قالت: دخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها، فدعت بطيب فمست منه، ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة، غير أني سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: «ولا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم تحد على الميت فوق ثلاث ليال، إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً»
ومما أخرجه لها البخاري في صحيحه، وغيره من أئمة الحديث، ما رووه بسند عن أم حبيبة بنت أبي سفيان عن زينب ابنة جحش: أن رسول الله ﷺ دخل عليها يوماً فزعاً يقول : «ولا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه» – وحلق بإصبعيه الإبهام والتي تليها – قالت زينب ابنة جحش : فقلت: يا رسول الله، أفنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم إذا كثر الخبث»

وَفاتُهَا وَوَصِيَّتُهَا

عاشت أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها شطراً من الخلافة الراشدة، وفي سنة عشرين من الهجرة المباركة شعرت أم المؤمنين زينب بدنو الرحيل إلى المليك المقتدر، لتلقى محمداً، ونقل عليها المرض، فمرضها أمهات المؤمنين رضي الله عنهن.
ولما حضرت زينب بنت جحش الوفاة قالت: إني قد أعددت كفني، فإن بعث لي عمر بكفن، فتصدقوا بأحدهما، وإن استطعتم إذ أدليتموني أن تصدقوا بحقوقي فافعلوا.
وفي سنة عشرين للهجرة توفيت أم المؤمنين زينب، وصعدت روحها إلى بارئها راضية مرضية، وذلك في خلافة عمر بن الخطاب، ولها من العمر ثلاثاً وخمسين سنة، وكانت أول نساء رسول الله ﷺ لحوقاً به، وبذلك تحققت نبوة رسول الله ﷺ حيث ذكر ذلك .
أخرج ابن سعد – رحمه الله – بسنده عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ يوماً، وهو جالس مع نسائه وأطولكن باعاً أسرعكن لحوقاً بيه فكن يتطاولن إلى الشيء، وإنما على رسول الله بذلك الصنعة.
وكانت زينب امرأة صنعاً، فكانت تتصدق به فكانت أسرع نسائه لحوقاً به .
هذا وقد أوصت أم المؤمنين زينب ابنة جحش رضي الله عنها أن تحمل على سرير رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجعل عليه نعش وأوصت كذلك أن لا تتبع بنار.
ولما ماتت، أمر عمر منادياً فنادى: ألا يخرج على زينب إلا ذو رحم من أهلها. فقالت أسماء بنت عميس رضي الله عنها : يا أمير المؤمنين، ألا أريك شيئاً رأيت الحبشة تصنعه لنسائهم ؟ فجعلت نعشاً، وغشته ثوباً، فلما نظر إليه قال: ما أحسن هذا ما أستر هذا ! ثم قال: نعم الخباء الظعينة. وقيل : إن زينب هي أول امرأة جعل عليها النعش، وبعد ذلك أمر عمر منادياً فنادى أن اخرجوا على أمكم. ولما حملت زينب إلى قبرها بالبقيع، قام عمر إلى قبرها فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال : إني أرسلت إلى نساء النبي ﷺ حين مرضت هذه المرأة، أن من يمرضها ويقوم عليها، فأرسلن نحن، فرأيت أن قد صدقن.
ثم أرسلت إليهن حين قبضت من يغسلها ويحنطها ويكفنها؟ فأرسلن: نحن، فرأيت أن قد صدقن.
ثم أرسلت إليهن: من يدخلها في قبرها ؟ فأرسلن، من كان يحل له الولوج عليها في حياتها، فرأيت أن قد صدقن.
فاعتزلوا أيها الناس، فنحاهم عن قبرها، ثم أدخلها رجلان من أهل بيتها . وعن عبد الرحمن بن أبزى قال صلّى عمر على زينب بنت جحش، فكبر عليها أربع تكبيرات فأراد أن يدخل القبر، فأرسل إلى أزواج النبي ﷺ فقلن : إنه لا يحل لك أن تدخل القبر، وإنما يدخل من كان يحل أن ينظر إليها وهي حية، بنو أخيها، وبنو أختها.
وأمر عمر رضي الله عنه أن يُضرب فسطاط بالبقيع على قبرها لشدة الحر يومئذ، فكان أول فسطاط ضرب على قبر بالبقيع، وكان عمر رضي الله عنه والأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ قيام على أرجلهم، فأمر عمر محمد بن عبد الله بن جحش وأسامة بن زيد وعبد الله بن أبي أحمد بن جحش ومحمد بن طلحة بن عبيد الله ابن أختها حمنة، فنزلوا في قبر زينب بنت جحش أم المؤمنين، وهؤلاء محارمها.
وبعد، فهذه نفحات ندية من سيرة أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها، وإني أرجو الله عز وجل أن أكون قد وفقت في نظم سيرتها في عقد نساء أهل البيت الطاهر الذي أذهب عنه الرجس وطهره تطهيراً. رضي الله عن أمنا زينب وأرضاها، وجعل الجنة مأواها، ونسأل الله عز وجل أن يكرمنا بآل البيت، ويحشرنا مع الذين أنعم عليهم، ويدخلنا في رحمته، إنه سميع مجيب.

(نساءُ أهل البيت في ضوء القرآن والحديث)

شارك هذا المقال:

مقالات مشابهة