أم المؤمنين جویریة بنت الحارث رضي الله عنها

من فضليات النساء وساداتهن .
كانت أعظم الناس بركة على قومها.
كانت ذات عقل حصيف، ورأي موفق، وكانت قانتة ذاكرة شاكرة، تقية نقية السريرة.
عالمة ناقلة للحديث الشريف، روى أحاديثها أصحاب الكتب الستة.
توفيت سنة (٥٠هـ) عن عمر يناهز السبعين، ودفنت بالبقيع في المدينة المنورة.

شَخْصِيَّةً فَرِيدَةٌ

كانت السيدة بنت الحارث بن أبي ضرار المصطلقية تعتز بأبيها الحارث سيد قومه، وكانت قد نشأت في ظل سيادة أبيها لقومه في عز وسؤدد وكما نعلم فإن للبيوت العريقة أعظم الأثر وأبقاه في تنشئة ناشئيها، وتربية بناتها وبنيها.
تزوجت جويرية بنت الحارث في حداثة سنها مسافع بن صفوان، أحد فتيان خزاعة، وأصل بني المصطلق، اقترنت به في وقت مبكر، قبل أن تتم العقد الثاني من عمرها .
وقد زين الله عز وجل السيدة جويرية – على حداثة سنها – بكريم الصفات، وجميل الأخلاق، وحسن الأدب، وغيرها من مكارم الفضائل وفضائل المكارم،
ما جعلها من فضليات النساء وساداتهن. لهذه الصفات الكريمة، اعتلت السيدة جويرية بنت الحارث سدة أمهات المؤمنين، وأضحت واحدةً من نساء أهل البيت الذي أذهب الله عنه الرجس وطهره تطهيراً .. ولكن كيف دخلت السيدة جويرية في سلك الدرر النبوي، وغدت إحدى حبات العقد الفريد، فصارت من أمهات المؤمنين الطاهرات؟ هذا ما سنعرفه – إن شاء الله – في الصفحات التالية.
بداياتُ النُّورِ وَنَفَحَاتُ الهُدَى
عم نور الإسلام الدنيا، وتساقط رذاذه على الجزيرة العربية، إلا أن بني المصطلق كانوا لا يزالون يغطون في نوم الرواسب الجاهلية، بزعامة رئيسهم الحارث بن أبي ضرار، وكانت تصك آذانهم أخبار الحروب التي نشبت بين المسلمين، وبين الأعداء الذين أقض مضاجعهم صدى انتصاراتهم المدوية هنا وهناك، فتثير في نفوسهم السقيمة نعرة الطيش المتهور. وكان بنو المصطلق من بقايا الغناء المتخلف في الجزيرة العربية، وقد استولى عليهم الرعب، وخافوا إن هم ظلوا في موقفهم الاعتزالي المتردد المتحير، أن تدور عليهم الدائرة، وتقضي عليهم كتائب المجاهدين الموحدين، وهم في غفلتهم يترددون، أو هم ساهون أو نائمون.
بدأ الشيطان يتسلل إلى نفوسهم. ويلعب بهم، ويزين لهم أنهم أقوياء وإذ ذاك تحركوا ليهاجموا المجتمع المسلم بقيادة قائده الأعظم الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأخذوا يعدون العدة لذلك، ويتأهبون بكل ما قدروا؛ وما يقدرون عليه من الرجال، والعدة، والسلاح، والمون، كيما يهاجموا قوة هذا المجتمع المنتصر. ومشى زعيمهم ورجالهم الذين أخذتهم العزة بالإثم، مشوا في أحياء بقايا غسالات القبائل، ونفايات العشائر، يجمعونها معهم لتجربة حظهم في رد السيل الجارف الذي اكتسح امامه كل قوى الجاهلية الوثنية المعتمدة، وأزال كل العقبات من طريق دعوته، وأضاء الدنيا بتبليغ رسالته، رسالة الحق والعدل والنور والهدى.

حِكْمَة نبوية

في المدينة المنورة، كانت الأخبار ترد رسول الله صلى الله عليه وسلم، عما يدور في الجزيرة العربية، وبلغ خبر تجمع بني المصطلق وتحفزهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظر بعين الحكمة إلى هذا الخبر، وأراد جرياً على منهجه، وحكمته النبوية أن يتحرى ويتأكد ما بلغه عن بني المصطلق، فبعث رسول الله ﷺ بريدة بن الحصيب بن عبد الله الأسلمي ليعلم له علم أولئك القوم، ويأتيه من صفوفهم، واجتمع برئيسهم ورأسهم الحارث بن أبي ضرار، وتحدث إليه، واختبر أمره وسره، فوجدهم على عزيمة مهاجمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ليستأصلوهم من أرضهم وديارهم
ورجع بريدة بن الحصيب بما حصده واستخلصه من أخبار القوم، وبما علم من نيتهم، وبما سولت لهم أنفسهم، فأخبر رسول الله ﷺ خبرهم، وبث إليه حديثهم، وألقى بين يديه سيرهم وجهرهم، فندب رسول الله ﷺ أصحابه، وكانوا سبعمئة مقاتل، وخرج بهم مسرعاً إلى بني المصطلق، وخرجت معه في هذه الغزاة أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق عائشة رضوان الله عليها. وبلغ رئيس بني المصطلق الحارث بن أبي ضرار، ومن معه من الجموع ، مسير الحبيب المصطفى إليه، وإلى جموعه التي تجمعها رابطة الطمع، وهي أوهن من خيط العنكبوت، فتملك الخوف الحارث بن أبي ضرار، ورُعب رعباً شديداً، ارتعدت فرائصه واستولى عليه الذعر والهلع، واستحوذ على جموعه الفزع، فتفرقوا عنه وتركوه مع لفائف قومه، وهم لا يقلون عنه خوفاً وهلعاً.
أما رسول الله، فقد بلغ بأصحابه إلى المريسيع”، فضرب عليه قبة، وتهيأ الجمعان للقتال، وقبل أن ينشب قتال أو نزال أمر الحبيب الأعظم ﷺ
عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن ينادي بني المصطلق أن يقولوا : لا إله إلا الله، كيما يمنعوا بها أنفسهم وأموالهم.
لكن بني المصطلق ركبوا شيطان الغرور، وركبهم غرور الشيطان، فأبوا أن يستجيبوا لدعوة الحق، ونور الحقيقة، وسماحة الإسلام، وبدأوا الحرب؛ فرمى رجل منهم المسلمين بنبله وسهامه، وأشعلوا فتيل الحرب، وأوروا زنادها، ولحظ إذ أمر رسول الله ﷺ أحبابه وأصحابه أن يحملوا على هؤلاء الأعداء حملة رجل واحد، فاستجابوا وصدقوا الله عز وجل في حملتهم حتى أخذوا أعداءهم أخذاً، فلم يفلت منهم أحد، وقتلوا منهم عشرة.
كان مسافع بن صفوان زوج جويرية بنت الحارث من العشرة الذين جندلتهم السيوف المسلمة، وأسروا سائرهم، وكانوا سبعمئة رجل، وغنموا أموالهم، وسبوا نساءهم وذراريهم، واستاقوا نعمهم وشاءهم، ونصر الله عز وجل رسوله نصراً عزيزاً.

جويرية ونَصْرُ المنتصرين

بعد أن انتهى أمر غزوة بني المصطلق بذلك النصر المبارك السريع، عاد الرسول إلى المدينة المنورة منصوراً مظفراً، تساق الأسرى والغنائم والسبي من النساء والذراري بين يديه، وكان ذلك شيئاً كثيراً أنعش المسلمين، وأغناهم؛ والروايات متفقة على أن عدد الأسرى كان أكثر من سبعمئة، وكانت غنائم الإبل ألفي بعير، وغنائم الشاة خمسة آلاف شاة، وكان السبي من النساء والذراري أهل مائتي بيت.
هذا وقد قسمت هذه الغنائم، ووزعت الأسرى والسبايا والدراري بين المجاهدين، وكانت من بين السبايا السيدة العاقلة جويرية بنت الحارث سيد بني المصطلق؛ وكانت فتاة ما تزال في زهرات العمر الأولى، ووقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري رضي الله عنه فكاتبها على تسع أواق من الذهب.
كانت السيدة الحسيبة جويرية بنت الحارث على حداثة سنها حين سبيت قد زينها الله عز وجل بعقل رصين، وخلق كريم ، وتفكير حصيف، وحسن بصر بالأمور، وفصاحة تعرف مواقع الكلام، وتدرك تأثيره في النفوس الكريمة، وتعزز لا يصبر على الضيم، وسؤدد سما بها عن الرضا بمذلة الرق، والتطلع إلى الحرية الكريمة، إذ عاشت في ظلال العز والسؤدد، وفي بيت من أعز البيوت العربية المنيفة الذي تخفق فيه رفرفات الشرف والمجد والرفعة، ولذلك رضيت جويرية بما كاتبت عليه ثابت بن قيس على الرغم من كثرتها، لأنها كانت تتطلع بذكاء إلى معالي الأمور، تخوض لها لحج المكارم، لتقتعد على ذروتها، وتنسنم قمتها، فقد كانت ذات نفس كبيرة استطاعت من خلالها أن تكسب الخلود على مدى الأيام، وتغدو حسيبة النسب بالاتصال بسيد الكائنات محمد صلى الله عليه وسلم، ثم لتكون أماً للمؤمنين، وهل
هناك مرتبة أرفع وأعظم وأكرم من هذه المرتبة؟! أما كيف غدت جويرية درة من درر العقد النظيم في نساء آل البيت النبوي، فهذا ما ستكشفه لنا السطور التاليات.

سوددُ جُوَيْرِيَّةً وطُمُوحُهَا

أنعم الله عز وجل على السيدة جويرية رضي الله عنها بنعمة كريمة لفتت نظر أمنا عائشة رضي الله عنها فقالت تصفها وكانت حلوة ملاحة .
ويبدو أن هذه الملاحة جعلتها متميزة بين النساء، فقد كانت تنظر إلى عليا الآمال، ومعالي العلا نظرة تدل على طموحها الكريم، وفراستها المستلهمة من تربيتها الكريمة السامية.
فقد كان من سمو نفسها، ورفعة تصوراتها، وطموح آمالها، أنها بعد أن كاتبت على نفسها بذلك القدر الباهظ من المال، أن جاءت وآمال الفراسة الصحيحة تقودها إلى سيد المكارم والمكرمات وأكرم البشر، وأعلمهم بمنازل الناس ومقاماتهم، وأحقهم أن تمد إليه يد العرفان، لانتشالها من وهدة ألقتها فيها أعاصير التخلف الجاهلية فباعدت بينها وبين حياتها التي كانت كلها نسائم رقيقة من الصبا، ورشحات عبقة من ندى رغد العيش الرفيف.
جاءت جويرية رسول الله ﷺ النبي الكريم، هذا الذي هزم قومها، وأسر رجالهم، وسبى نساءهم، وذراريهم بالأمس القريب، فكانت هي إحدى سبايا قومها، وهي ابنة سيدهم ورئيسهم، ووقعت في سهم رجل من علية المسلمين، وفصحاء الأنصار ثابت بن قيس خطيب الحبيب المصطفى في محافل المنافرات، إلا أن جويرية لم تصبر نفسها الكبيرة على بلاء الرق وهوانه .
وقفت جويرية أمام الرسول الكريم ﷺ تستعينه على الخروج من سجن حريتها لتتنفس عبير الكرامة، وتستشعر العزة التي كانت تتقلب بين أزاهرها، وطلبت منه أن يعينها، وقصت عليه القصص فقالت: يا رسول الله إني امرأة مسلمة، أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، أنا جويرية بنت الحارث سيد قومه، وكان من أمري ما لا يخفى عليك.
وفي رواية أنها قالت: قد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك، ووقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس، فكاتبني على ما لا طاقة لي به، ولا يدان لي، ولا قدرة عليه، وهو تسع أواق من الذهب، وما أكرهني على ذلك إلا أني رجوتك صلى الله عليك، وجئتك أسألك في كتابتي .
ولك عزيزي القارىء أن تتصور في تلك اللحظات موقف جويرية أمام رسول الله ﷺ
وهي ترجو من مكارمه الفياضة ما يحقق حريتها.
ولكن من كان يدري أن جويرية رضي الله عنها، وَضَعَتْ رَحْلَ رجائها بين يدي النبي ﷺ ، لتكون معه في أعلى عليين، أماً للمؤمنين، وحليلة سيد المرسلين وسيد الأولين والآخرين من كان يعلم ذلك؟.
كان ذلك في علم العليم الخبير، قبل أن يخلق الله الأرض ومن عليها؛ إذن، فليأخذ الرسول الكريم بيد هذه المسلمة المؤمنة، وليلحق بها في الفراديس، إلى أرفع منزلة في الجنات ليخرجها من ضيق الرق وسجن العبودية لغير الله عز وجل، إلى آفاق العزة، وإلى آمال السؤدد، وإلى أكرم المكارم، ولتكن زوجاً لأكرم البشر، ولتكن أماً لصفوة البشر، أماً للمؤمنين، أماً لثابت بن قيس، ومن فوقه، ومن دونه من المسلمين، ولتكن سيدة نبيلة من سيدات نساء العالمين، ولتنظم في السلك الكريم، وتدخل البيت النبوي الطاهر الذي طهره الله عز وجل تطهيراً .
في ذلك الموقف حط االنبيل، أضحت جويرية بكلمة واحدة أماً للمؤمنين، عندما قال لها سيد الأولين والآخرين حبيبنا محمد وهي تسأله كتابتها : وهل لك في خير من ذلك ؟ فقالت ونور يقين الأمال تضيء نفسها وما هو يا رسول الله ؟ فقال الحبيب المصطفى : أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك
الله أكبر . . !! … الله أكبر، أي غيث مطال هذا الذي فاضت به سماوات الغيب، لتروي بنميره العذب قلباً كان قبل لحظات يتحرق طلباً لاستنشاق عبير الحرية ؟!!. الله أكبر، أي شعور استأثر بمشاعر جويرية، وأي سمو أجل وأسمى وأعظم من هذا الذي تسمعه من رسول الله ، وهو يقول: «أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك» لقد كانت ترجوه أمر بسيط، فإذا به يرجى للعظائم، نعم أعظم العظائم .
كانت جويرية حين تكلم النبي ﷺ ، وتسمع كلامه، مليئة الفؤاد بالأمل المرجى، تتكلم وتسمع وهي رابطة القلب ثابتة الجأش، ساكنة الفؤاد، مضيئة الروح، تنظر بعين البصيرة إلى المستقبل القريب، فأجابت رسول الله ﷺ إجابة نورانية، فلم تتلعثم، ولم تتردد، ولكنها أسرعت بكل مشاعرها وهي تقول : نعم، يا رسول الله، قد فعلت.

بَرَكَةُ جُوَيْرِيَّة أم المُؤْمِنِينَ

دخلت السيدة النبيلة جويرية ابنة الحارث إلى خدرها أماً للمؤمنين وزوجاً لسيد الأولين والآخرين ، وحين ذاك سرى النبأ العظيم هما ندياً يصافح أسماع المسلمين ويلامس نفوسهم، فتسامعوه بينهم، وتعالموه في محافلهم، وأضاء ذاك الحدث والحديث الآفاق، كما يضيء لمع البرق في السماء الصافية.
قال المسلمون وقد صقلتهم التربية المحمدية، وهذبتهم الآيات القرآنية الندية
إن رسول الله ﷺ قد تزوج السيدة جويرية بنت الحارث المصطلقية، فأرسلوا كلهم ما في أيديهم من السبي وقالوا متعاظمين: هم أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا الموقف النبيل، تتحدث السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، وتصور تلك الرشحات الندية في جميع جوانبها، بأبرع أسلوب، وأوجز كلام فتقول: فما رأينا امرأة أعظم بركة على قومها منها، فلقد أعتق الله تعالى بها مئة أهل بيت من بني المصطلق.
وكان اسم جويرية رضي الله عنها برة، فغيره رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسماها جويرية، كره أن يقال: خرج من عند برة.
ومن الجدير بالذكر ما أورده أبو عمر القرطبي في الاستيعاب، نقلاً عن أبي عبيدة قال: تزوج رسول الله ﷺ جويرية في سنة خمس من التاريخ.
وقال أبو عمر القرطبي في الاستيعاب : كان اسمها برة فغير رسول الله ﷺ اسمها وسماها جويرية .
وكذلك فعل مع زينب بنت جحش أم المؤمنين وميمونة أم المؤمنين، وزينب بنت أبي سلمة رضي الله عنه، كان اسم كل واحدة منهن برة، فحوله إلى هذه الأسماء .

جوَيْرِيَةً وَنَفْحَةٌ إِنْعَامِ رَبَّانِيَة

روى الإمام البيهقي – رحمه الله – عن أم المؤمنين جويرية رضي الله عنها قالت : رأيت قبل قدوم النبي ﷺ بثلاث ليال، كأن القمر يسير من يثرب حتى وقع في حجري، فكرهت أن أخبر أحداً، فلما سبينا، رجوت الرؤيا، فأعتقني وتزوجني .
وكانت أم المؤمنين جويرية عندما تزوجت رسول الله ﷺ في ميعة الصباء وقد ذكرت عمرها، وقتذاك فقالت: تزوجني رسول الله ﷺ وأنا بنت عشرين سنة.
وكانت جويرية رضي الله عنها من أجمل النساء كما ذكر الإمام الذهبي – رحمه الله – في سيره.
واعتقد أن نفحة من نفحات الإنعام الإلهي، جعل جويرية رضي الله عنها بهذه المنزلة العظيمة، منزلة أمهات المؤمنين الطاهرات، فقد أكرمها الله عز وجل بالعقل الحصيف، والرأي الموفق الرصين وتغلغل الإيمان ورسخ في نفسها فجعلها رزينة هادئة مطمئنة الضمير، وراحت بفكرها المتسامي عن رغائب الأرض، ودنايا الأمور تنظر إلى العلياء، وإلى معالي المعالي في السيادة الحقيقية.
تركت وتناست ترف البيت الذي كانت سيدة ومتسيدة فيه بمواريث الجاهلية الجهلاء التي لا تعرف إلا فرشاً وثيرة، وسرراً مرفوعة، وطعاماً شهياً، وشراباً سائغاً هنياً، ونواقاً مرياً طرياً، وذلك بين أتراب تعلو وجوههن ابتسامات وضحكات، ينعمن في حياة معطلة بترف عن الحركة النفسية أو الفكرية، وحتى الحركة البدنية التي شلها الفراغ الملول. في لحظة مرت كمر السحاب، تركت جويرية هذا كله، ورغبت في النعيم المقيم الذي رأته بآفاق بصيرتها الممتدة إلى ما وراء الأشياء، ورأته كذلك ببصيرة عقلها الذي جعلته الدليل على الحكم بين الأشياء، ناهيك بالنفحة الربانية الإلهية التي اكتنفت أمنا جويرية كيما تحظى بأشرف مقامات الشرف، وأعلى مقامات السمو بأمومة المؤمنين.
وإلا فما الذي جعل امرأة سيدة مثل جويرية ابنة سيد قومها على سرعة رضاها والمسارعة بالإيجاب، وهي في عمر الزهرة التي تطل من برعمها متنفسة أنفاس الحياة مع ندى الصباح في ظلال الربيع الساحر الأسر ذي النسائم المستحلاة، والأوقات المستجلاة؟ أجل، إن النفحة الإلهية، والمقادير الغيبية هي التي ألقت بآمال جويرية ورجاواتها بين يدي أكمل البشر، وأكرم الكرماء سيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم، وجاءته على استحياء تسأله في كتابتها وهو في بيت أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق عائشة رضي الله عنها.
في رحلة الإنصاف الممزوج بالغيرة، تقول أمنا عائشة تصف جويرية فأنصفت القول، وأنصفت جويرية : وكانت امرأة حلوة ملاحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه.
لكن هذه الملاحة والحلاوة، فعلت ما فعلت في نفس عائشة رضي الله عنها، فهل استطاعت عائشة وهي الحبيبة النبوية أن تصنع شيئاً ؟! إن العناية الإلهية، والنفحات الندية المجللة بإنعام الإنعام، جعلت من هذه الوافدة أماً أخرى لجماعة المؤمنين، وشاركت في هذا العقد بقية الأخريات اللواتي سبقتها إلى دوحة البيت العظيم الطاهر.
ولكن أمنا عائشة مع هذا كله، تنفحنا برحيق أحاديثها الفواحة بالصدق، الممزوجة بحب الإخلاص، ورسوخ الإيمان، وكيف لا؟ وقد صنعت عائشة على عيني الصديق، وأحاطت بها العناية والرعاية المحمدية ؟! إذن دعنا نستمع إلى عائشة وهي تتحدث عن مشاعرها وشعورها في تلك الساعة التي رأت فيها جويرية على باب حجرتها.
قالت عائشة رضي الله عنها : فوالله، ما هو إلا أن رأيتها على باب حجرتي فكرهتها، وعرفت أنه سيرى منها ما رأيت – أي من ملاحتها – ولكن نفحات الإنعام جادت بكفها على جويرية رضي الله عنها، وخلعت النفحات الرحمانية جلابيب السيادة الحقيقية، فكانت أماً للمؤمنين توقيراً وتعظيماً، وإسعاداً لها بكتف رسول الله ، وإدخالاً للبهجة على رسول الله ﷺ بما وهبها الله عز وجل من كمال إنساني كانت به من صفة الصفوة من نساء العالمين.

القَانِتَةُ الذَّاكِرَةُ

لقيت أم المؤمنين جويرية رضي الله عنها في بيت الرسول صلى الله عليه وسلم، ما تشتهيه الأنفس، وتلد الأعين في العبادة والتقى وحسن الصلة بالله عز وجل على أساس صحيح، فراحت تحذو حذو أمهات المؤمنين في الصلاح والعبادة وتقتبس من الرسول صلى الله عليه وسلم ومن أخلاقه، ومن شمائله الحميدة ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، حتى غدت مثلا شروداً في الفضل والفضيلة.
كانت جويرية أم المؤمنين عليها سحائب الرضوان من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، ومن العابدات القانتات، ومن الصابرات في مجال مناجاة الله عز وجل، وتحميده وتقديسه وتسبيحه، وذكره بالغدو والأصال، وحين تصبح ، وحين تظهر، وحين تمسي.
أخرج الإمام الترمذي – رحمه الله – بسند صحيح عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن جويرية رضي الله عنها : أن النبي ﷺ مر عليها، وهي في مسجدها أول النهار؛ ثم مر عليها قريباً من نصف النهار، فقال لها: ما زلت على حالك؟ قالت: نعم قال : وألا أعلمك كليمات تقوليهن؟ سبحان الله عدد خلقه، ثلاث مرات سبحان الله رضا نفسه ثلاث مرات سبحان الله زنة عرشه، ثلاث مرات سبحان الله مداد كلماته، ثلاث مرات
وروى مسلم في صحيحه، وأبو داود في سننه عن جويرية رضي الله عنها قالت : أتى على رسول الله ﷺ فقال : ولقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن : سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته .
أي فضل أفضل وأرفع، وأي شرف أشرف وأعلى، من فضل وشرف جمعا بين فضائل العلم والتسبيح ؟! وأي مكرمة أعظم من هذا الذي حدث لجويرية رضي الله عنها ؟ لقد انتهت بما انتهت إليه من النور والهدى، والرحمة، والسعادة في زواجها من رسول الله صلى  الله عليه وسلم، وشرف بنو المصطلق رئيسهم الحارث بهذه المصاهرة التي رفعتهم علياً، حيث أضحت ابنة سيدهم زوجاً وأماً للمؤمنين، وكانت ميمونة السنا والنقيبة على قومها إذ أعتقهم الله تعالى بها وببركتها من رق العبودية، وأقبل بهم أبو جويرية الحارث بن أبي ضرار على الإسلام، ودخلوا في دين الله أفواجاً، وحسن إسلامهم، وشرفوا به، وكانوا من كتائب المجاهدين، ومن فرسان مدرسة النبوة الميامين، الذين اختصهم الله عز وجل لنصرة دينه، ونشر رسالته، وإعلاء كلمته .
ويتبادر لي أن بركة أم المؤمنين جويرية تخطت قومها، لتعم المسلمين، فلقد كانت غزاة قومها غزاة جمعت من معالم منهج الرسالة أحداثاً تشريعية، وحوادث اجتماعية، وأحكاماً فقهية، وآداباً سياسية قيادية كتمت أنفاس النفاق، وفضحت كيد المنافقين، وشددت من قوة تماسك هذا المجتمع الذي أشجاهم حتى ماتوا بغيظهم لم ينالوا خيراً.

العالمةُ نَاقِلَةُ الحَدِيث

إذا أراد الله عز وجل بامرىء خيراً، أكرمه بالإقبال على العلم يقتبس من نوره ما شاء، ليكمل طريق الهداية والحق في هذه الحياة الدنيا، كيما يكون من المقبولين، ومن الفائزين، ومن السعداء.
وأمنا جويرية رضي الله عنها ممن أراد الله بها خيراً، فقد زاد الله عز وجل هذه السيدة العظيمة زوج النبي ﷺ كمالاً فوق كمالها، ونبلاً فوق سيادتها، ومكانة فوق سؤددها، حيث جعلت حصافة عقلها، وزكانة تفكيرها، وإشراق روحها، وصفاء قلبها، ونقاء سريرتها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي ترقبه في عبادته الخاصة يوم يكون في بيتها، وتشهده في تسبيحه لخالقه، وتقديسه لبارئه، وتصغي إليه وهو يوحد الله عز وجل، وتصيح إليه وهي تسمع أحاديثه العذاب في أدب وآداب الإسلام الاجتماعي، وأحكامه العبادية، وشرائعه النظامية، وتلحظ بعين الحقيقة تلطفه في عشرته الزوجية، وتقرأ الرحمة في معاملته الداخلية والخارجية، فتعي ذلك كله وعياً ضابطاً محكماً يرويه عنها من أصحابه الذين وهبوا حياتهم للعلم، فوهبهم العلم تاجه ونوره، إذ يأخذونه عن رسول الله ﷺ مشافهة، أو رواية أقرب ما تكون للمشافهة، إما لأنه سماع عن أقرانهم، أو شهود لمجالس سماعه، أو تلقياً لأسراره من أمهات المؤمنين زوجاته الطاهرات وأخذاً لحقائقه العلمية ممن كان أهلاً لحمل هذه الحقائق والأسرار التشريعية والآداب السلوكية في تربية البيت ومن يضمه بين جنباته.
هذا وقد كانت أم المؤمنين جويرية زوج النبي واعية عالمة بما تسمع، عاملة بما تعلم، تقية، نقية، ورعة، فقيهة، عابدة، مضيئة القلب والعقل، مشرقة الروح، تحب الله عز وجل، وتحب رسوله الكريم ﷺ، وتحب الخير للناس أجمعين
.وكانت جويرية رضي الله عنها تروي من حديث رسول الله ﷺ، يرويه عنها سدنة العلم من علماء الصحابة الكرام – رضوان الله عليهم – لينشروه في المجتمع المسلم علماً وعملاً، ودعوة وهدياً وهداية.
روى عن أمنا جويرية من الصحابة: خبر الأمة عبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله الأنصاري، وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم. وروى عنها من الأجلاء كريب مولى ابن عباس، والطفيل ابن أخيها، وعبيد بن السباق، ومجاهد، وأبو أيوب يحيى بن مالك الأزدي، وآخرون.
هذا وقد جاء لأم المؤمنين جويرية رضي الله عنها سبعة أحاديث، منها حديث عند الإمام البخاري، وعند الإمام مسلم حديثان”. وقد روى عنها أصحاب السنن الأربعة أيضاً في كتبهم.
ومن مروياتها الحديث الذي أخرجه الإمام البخاري – رحمه الله – في صحيحه بسنده عن قتادة عن أبي أيوب عن جويرية بنت الحارث رضي الله عنها أن النبي ﷺ دخل عليها يوم الجمعة، وهي صائمة فقال: أصمت أمس؟ قالت: لا قال : تريدين ان تصومي غداً ؟ قال: لا قال: «فأفطري»  فقد كان من هذيه كراهة تخصيص يوم الجمعة بالصوم فعلا منه وقولاً ، وصح النبي ﷺ عن إفراده بالصوم، ولذلك أدلة في الصحاح والسنن من حديث جابر بن عبد الله، وأبي هريرة، وحديث جويرية الأنف الذكر، وعبد الله بن عمرو، وجنادة الأزدي – رضي الله عنهم – وغيرهم . وثبت أنه شرب يوم الجمعة وهو على المنبر، يريهم أنه لا يصوم يوم الجمعة، وعلل المنع من صومه بأنه يوم عيد، فقد روى الإمام أحمد – رحمه الله – من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله ﷺ : يوم الجمعة يوم عيد، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده “. وقد أخرج السنة إلا البخاري، حديث التسبيح والذكر الذي مر معنا في ثنايا سيرة أمنا جويرية، ولا مانع من إعادة الخير هنا، فقد أخرج السنة إلا البخاري عن جويرية أم المؤمنين رضي الله عنها أن النبي ﷺ خرج من عندها، ثم رجع بعد أن أضحى، وهي جالسة، فقال: ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟ قالت: نعم. قال النبي ﷺ : ولقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن : سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضاء نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته. وفي رواية المسلم : سبحان الله عدد خلقه سبحان الله رضاء نفسه، سبحان الله زنة عرشه سبحان الله مداد كلماته.
زاد النسائي في آخره: والحمد لله كذلك وفي رواية له : سبحان الله وبحمده، ولا إله إلا الله، والله أكبر عدد خلقه ورضاء نفسه وزنة عرشه، وعدد كلماته ومن الجدير بالذكر أن أمنا جويرية قد كتب لها شرف الجهاد، وشرف الصحبة مع الرسول الكريم إلى ساحات إعلاء كلمة الله ؛ أخرج ابن سعد – رحمه الله – عن عبد الله بن أبي فروة قال : سمعت عبد الرحمن الأعرج يحدث في مجلسه بالمدينة يقول : أطعم رسول الله ﷺ جويرية بنت الحارث بخيبر ثمانين وسقاً تمراً، وعشرين وسقاً شعيراً”.

مع الصديق والفاروق رضي الله عنهم

عاشت أم المؤمنين جويرية رضي الله عنها عيشة كريمة في ظلال الخلافة الراشدة، فقد كان سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يعرف مكانة أمهات المؤمنين الطاهرات رضي الله عنهن، وكان يقسم المال بينهن بالسوية.
فلما مات أبو بكر رضي الله عنه، واستخلف عمر رضي الله عنه، فتح الله عليه الفتوح، فجاءه المال أكثر من ذي قبل فقال : قد كان لأبي بكر في هذا المال رأي، ولي رأي …. ثم فرض لأزواج رسول الله ﷺ اثني عشر ألفاً لكل امرأة، إلا صفية ابنة حبي، وجويرية ابنة الحارث رضي الله عنهما، ففرض لكل واحدة ستة آلاف درهم، فأبين أن يأخذنها، فقال : إنما فرضت لهن بالهجرة، فقلن لعمر: ما فرضت لهن بالهجرة، إنما فرضت لهن لمكانتهن من رسول الله ﷺ، ولنا مثل مكانهن.
فقالت عائشة رضي الله عنها : إن رسول الله ﷺ كان يعدل بيننا؛ فأبصر عمر ذلك فجعلهن سواء، وعدل بينهن.
وظلت مكانة جويرية نفسها في الخلافة الراشدة، وفي بداية العهد الأموي تحظى بالاحترام والتوفير من الناس جميعهم.

ارجعي إلى ربك

توفي الحبيب المصطفى وهو راض عن أزواجه الطاهرات، ومنهن جويرية بنت الحارث رضوان الله عليها.
وعاشت أمنا جويرية بعد رسول الله ﷺ راضية مرضية، قضت شطر حياتها في أفياء عدل خلفاء النبي ﷺ ومع أزواج النبي الطاهرات، وكانت حياتها منعمة بالعلم والذكر والدعاء والتسبيح، وتلقين العلم لأهل العلم الذين ينشدون مآربهم العلمية في المدينة المنورة، ويقصدون منارات العلم، وشوامخ الرواة، ومن هؤلاء زوجات النبي الطاهرات رضي الله عنهن. وكانت جويرية أم المؤمنين بما حفظته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، تحكي بعض الذكريات عن حياتها مع الرسول صلى الله عليه وسلم، أو تتحدث عن قصة زواجها من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وامتدت حياة أم المؤمنين جويرية رضي الله عنها إلى خلافة سيدنا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما وقد بلغت سبعين سنة.
ففي سنة خمسين  من الهجرة النبوية الشريفة، شعرت أم المؤمنين جويرية رضي الله عنها بقرب لقاء الله عز وجل، وشعرت بالمرض يدب في جسمها، وفي شهر ربيع الأول من السنة نفسها توفيت أم المؤمنين جويرية رضي الله عنها، وشيع جثمانها إلى البقيع لترقد في مثواها الأخير، إلى جانب أمهات المؤمنين، وبنات الحبيب الأعظم ، وصلى عليها مروان بن الحكم، وكان إذ ذاك أمير المدينة المنورة.
هذه قطوف دانية مباركة من سيرة أمنا جويرية إحدى نساء أهل البيت النبوي الذي خصه الله عز وجل بالطهارة فما أعظم بركة جويرية علينا! وما أجمل سيرتها التي تشرح الصدور رضي الله عنها وأرضاها.

(نساءُ أهل البيت في ضوء القرآن والحديث)

شارك هذا المقال:

مقالات مشابهة