أمّ المؤمنين هند بنت أبي أمية، أم سلمة رضي الله عنها

من سادة وسادات النساء، اشتهرت بحصافة الرأي وكانت تسعى لمرضاة الله ورسوله دائماً.
كان لها مكانة رفيعة عند النبي ﷺ ، وكان يصلي في بيتها.
في بيت أم سلمة نزل قول الله تعالى: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} .
كانت من فقيهات الصحابيات روت (۳۷۸) حديثاً) وكانت عالمة، قارئة فصيحة أديبة، لها كلمات مأثورة.
عاشت أكثر من (۸۰) سنة) وهي آخر أمهات المؤمنين وفاة.

أُولئِكَ الْمُقْرِبُونَ

كان في صدر الأباة السابقين إلى دوحة الإيمان، ثلة من كبراء مكة، الذين ضربوا أروع الأمثلة في ميادين الشجاعة والسخاء، والصبر والإيمان.
من بين أولئك الأباة : أبو سلمة، عبد الله بن عبد الأسد المخزومي، السيد الكبير أخو رسول الله ﷺ من الرضاعة، وابن عمته برة بنت عبد المطلب، وأحد السابقين الأولين إلى الإسلام، الذين أصابهم رذاذ الإيمان وحب رسوله الأمين . كان رقم أبي سلمة في سجل الإيمان بارقاً يلمع بين الأرقام الأولى، فقد أسلم بعد عشرة أنفس ، فكان من المقربين الذين عرفوا الحق من أول يوم انبلجت فيه نسمات الإيمان الندية على مكة – بل الدنيا – فأضاءت تلك النفوس الصافية التقية النقية.
أسلم أبو سلمة رضي الله عنه في وقت مبكر من بزوغ فجر الإسلام، ويُعد من السابقين الأولين إلى الانضواء تحت راية الإيمان، وفي ذلك يحدثنا ابن سعد – رحمه الله – يقول : انطلق عثمان بن مظعون وعبيدة بن الحارث بن المطلب، وعبد الرحمن بن عوف وأبو سلمة بن عبد الأسد، وأبو عبيدة بن الجراح، حتى أتوا رسول الله ﷺ، فعرض عليهم الإسلام، وأنبأهم بشرائعه، فأسلموا جميعاً في ساعة واحدة، وذلك قبل دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم، وقبل أن يدعو فيها طبقات ابن سعد وتبرز من بين أولئك السابقين، امرأة سجلت أعظم الأثر في البيت النبوي الطاهر، في مجالات خيرة متنوعة الفضائل، هذه المرأة الفاضلة هي : السيدة المحجبة الطاهرة، هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله المخزومية ابنة عم خالد بن الوليد، ومشهورة بكنيتها أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها .
قال عنها الإمام الذهبي – رحمه الله – : من المهاجرات الأول، كانت قبل النبي ﷺ عند أخيه من الرضاعة : أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي، الرجل الصالح، وكانت من أجمل النساء، وأشرفهن نسباً.
وتعد أم سلمة رضي الله عنها، من أولى المؤمنات في الإيمان بالله عز وجل، وبالنبي محمد، ولم يسبقها في عالم النِّساء، إلا صديقة المؤمنات الأولى خديجة وبناتها، وإلا أم أيمن الحبشية، وأم الفضل زوج العباس بن عبد المطلب رضي الله عنهن جميعاً، ولهذا تنتظم أم سلمة في عقد المؤمنات السابقات إلى خيري الدنيا والآخرة.

كَرَمُ الْأَعْرَاقِ

لو القينا الأضواء على حياة أم سلمة قبيل الإسلام، لألفينا أنها امرأة ذات شرف وطهر في أهلها، وذات نسب مُعْرِق في المعالي، ومنبت كريم حسيب في قومها بني مخزوم، ثم هي بعد ذلك كله، ابنة واحد من كرماء قريش، وأنداهم كفاً، وأجودهم عطاء، فأبوها زاد الراكب أحد الأجواد الذين سارت الأمثال والركبان بالحديث عن جودهم، فكانوا إذا سافروا، وخرج معهم الناس، لم يتخذوا زاداً معهم، ولم يوقدوا ناراً لهم، فيكفونهم ويغنونهم .
ولا ريب أن هند بنت أبي أمية، قد تأثرت بهذه البيئة الكريمة التي عاشتها في مطلع فجر حياتها، ورأت ما رأت من مكانة أبيها وكرامته كَرَمِهِ بين الناس، فلا عجب أن تكون هي الأخرى، ذات يد معطاء، ونفس صافية، تَعْرِفُ مَكَامِنَ الرحمة، فتفجر البر في نفوس الناس تفجيراً.
ولما بلغت هند بنت أبي أمية مبلغ النساء، تزوجها أبو سلمة بن عبد الأسد، أحد الأشراف من بني مخزوم، وأحد ذوي الرأي الجزل والشجاعة والكرم والمروءة فيهم، فانتقلت إلى داره لتعيش معه ولتكون من الخالدات.
كان أبو سلمة بن عبد الأسد يرب محمد بن عبد الله الأمين الكريم ﷺ الذي سمعت هند كثيراً عن شمائله في المجالس، إذ هو ريحانة الندى في مكة، ومعقل كل رجاء، ومجمع كل جود ومناط كل فضيلة، ورأس الشرف والنسب، إذ لا يعلو على نسبه أحد في الخافقين، فهو سليل الأسياد الأشراف، والمكارم والتقى والجود، ولله در من قال:
نسب كان عليه من شمس الضحى
نُور أو من فَلَقِ الصباح عمودا
ما فيه إلا سيد مِنْ سيد
حاز المارم والتقى والجودا

يُضاف إلى ذلك كله، أن أبا سلمة تربط بينه وبين محمد بن عبد الله ﷺ صلة القرابة، فمحمد ابن خال أبي سلمة هي برة بنت عبد المطلب عمة النبي .
كانت هند أم سلمة تعيش حياة النعيم والرخاء، والسعة والدعة، وخفض العيش، ينفق عليها زوجها ويرعاها، ويحنو عليها حنو المرضعات على الفطيم، فقد عرفت بين أترابها بكمال طلعتها، وجمال روحها، ورقة طبعها، ناهيك بكرم والدها الذي غطى رجال مكة وما حولها. لكنها، وفي غضون أيام تترك هذا النعيم كله، لتنتقل إلى نعيم روحي آخر، عبقت مكة كلها بأريجه، إنه عبق الإسلام الذي يدعو إليه محمد صلى الله عليه وسلم، وسارعت أم سلمة وزوجها إلى الإيمان بالله، فكانا من السعداء.
كبر إسلام هذين الزوجين الكريمين على بني مخزوم، ولعب بهم الغيظ، على محمد، وعلى أصحابه، لا ؛ بل إن رسول الله ﷺ، قد اتخذ من دار الأرقم بن أبي الأرقم بن أسد المخزومي مَعْهَد تلقي رسالته، ولم يعلم بها بنو مخزوم .
كانت هذه الدار مجمع السابقين إلى الإيمان من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، والذي زاد من غيظ المخزومين، ثم قريش، أنه أقبل على الإيمان أهل الصدق من خلص شباب قريش رجالاً ونساء، قد اتبعوا دينه، وصدقوا رسالته، وكثروا وتكاثروا في ظل الإيمان، وفي ظلال الرعاية الربانية.
نعم لقد أسلمت أم سلمة وأبو سلمة، وبنو مخزوم بقضها وقضيضها، تركب رأسها تعاند الإسلام والمسلمين وها هو عمها الوليد بن المغيرة المخزومي الملقب بالوحيد والعدل، ومن ذوي الشرف، والعز، والسؤدد لكنه يؤلب ويكيد، وابن عمها كذلك ومن معه يصبون الأذى صباً على إخوانها في الإسلام، وعلى أخيها في الرضاعة ، المؤمن السابق، مولى المخزوميين عمار بن ياسر رضي الله عنه .
واستفاقت قريش وبنو مخزوم من غفلاتهم، فإذا بهم يَرَوْنَ أَن محمداً صلى الله عليه وسلم، قد اجتذب منهم زهرات شبابهم إلى رحيق الإيمان، فإذا هم عنده ومعه مسلمون مؤمنون، قد هجروا آلهة آبائهم وأسلافهم، وسفهوا معه أحلامهم، ومع هذا وذاك دخلوا معه بشظف العيش، ويبس الحياة وفقرها، بعد الترف والمتعة في بيوتهم بين أهليهم وذويهم، وفارقوا المال والولد والإخوة والآباء والأمهات والزوجات، وتبدلوا بهم – وهو الحق – محمد ا ، وأصحابه .
وطارت عقول قريش من أدمغتهم ، وانخلعت قلوبهم من بين أضلعهم، لما يَرَوْنَ ويشاهدون ويسمعون، وعندئذ أقبل كفار قريش على مَنْ آمَنَ مِنْ قبائلهم يعذبونهم، ويؤذونهم، ليردوهم عن دينهم ، ولكن المؤمنين كانوا يزدادون إيماناً مع إيمانهم، وتزداد جموع فجار المشركين حقداً على حقد وسوء في اختلاف فنون الأذى والتعذيب.
وفي رحلة العذاب والتعذيب نالت أم سلمة وزوجها نصيبها من أذى المشركين، وصبرا صبر الكرام، مع إخوانهم المؤمنين، حتى جاءت نفحة الهجرة إلى الحبشة، لتتولى أم سلمة الحديث الشائق العبق حولها، ولتكون هي رواية حديث الهجرة، الذي يعتبر أصح، وأجود وأجمع ما عبر عن قصة الهجرة إلى أرض الحبشة، فأحسنت الحديث وجودت وجمعت الحقائق ونظمتها في عقد بياني فريد، يعد واحداً من المصادر الأساسية في بداية السيرة النبوية.
وكانت أم سلمة إحدى المهاجرات مع زوجها أبي سلمة فمع المهاجرين في الحبشة نعيش لحظات رغيدة، ومع المهاجرين نحيا بأرواحنا؛ نحيا مع تلك الفئة الكريمة التي تعتبر من أعز بيوت العرب وقبائلها.

وسنشهد ونشاهد أشرافاً وأعلاماً من أرومة قريش وهي تشد الرحال إلى الحبشة؛ قال ابن إسحاق – رحمه الله – : وكان أوّل من خرج من المسلمين من بني أمية بن عبد شمس بن عبد مناف عثمان بن عفان؛ معه امرأته رقية بنت رسول الله ﷺ.

أُمَّ سَلَمَةَ وَحَدِيثُ الهِجْرَةِ

قُلنا: إِنَّ أَمْ سَلَمَةَ رضي الله عنها، كانت مع الذين هاجروا أول هجرة في الإسلام إلى الحبشة، وهناك ولدت لزوجها أبي سلمة ابنته زينب، ثم بعد ذلك، ولدت له سلمة وعمر ودرة.
ومن الجدير بالذكر ما ورد بأن أهل الهجرة الأولى إلى الحبشة كانوا اثني عشر رجلاً، وأربع نسوة : عثمان وامرأته، وأبو حذيفة بن عتبة وامرأته سهلة بنت سهیل، وأبو سلمة وامرأته أم سلمة، وعامر بن ربيعة وامرأته ليلى بنت أبي حشمة، والزبير بن العوام، ومصعب بن عمير، وعبد الرحمن بن عوف، وعثمان ابن مظعون، وأبو سيرة بن أبي رهم، حاطب بن عمرو، وسهيل بن وهب، وعبد الله بن مسعود.
خرج هؤلاء متسللين سراً، فوفق الله لهم ساعة وصولهم إلى الساحل سفينتين للتجار، فحملوهم فيها إلى أرض الحبشة، وكان مخرجهم في رجب في السنة الخامسة من المبعث ثم خرجوا ثانية، وكانوا ثلاثة وثمانين رجلاً، ومن النساء تسع عشر امرأة.
وفي إحدى الجلسات المباركة، راحت أم المؤمنين أم سلمة تروي ذكريات وحديث الهجرة إلى الحبشة – عزيزي القارىء – طويل الهجرة الحبشية .
الذيول، عريض الأكناف، ولكني أحب أن أشير إلى أنها كانت – كذلك – هجرة تبليغ، ونشر للدعوة المحمدية، تلك التي تركت أثرها وآثارها بالحوار الصدوق الذي تولاه جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه باسم سائر المسلمين المهاجرين واستجاب لها النجاشي، وأحْبَارِه، ورهبانه الذين فاضت أعينهم بالدمع لما سمعوا من الحق، وأنزل الله عز وجل فيهم قرآناً يتلى إلى أن يرث الأرض ومن عليها {ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى} [المائدة: ۸۲] . ولنعد إلى مائدة أم سلمة الإيمانية، نغذي الأرواح، وتمتع الأسماع بفقرات رطبة من شذى قصة الهجرة، لاحظ معي رقة الألفاظ، ودقة التعبير، وحسن التأليف، وسمو القصد، وكمال الرؤية السليمة للأحداث، قالت أم سلمة عليها سحائب الرضوان : لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا فيها خير جار، النجاشي، أمنا على ديننا، وعبدنا الله تعالى، لا نؤذى، ولا نسمع شيئاً نكرهه، فلما بلغ قريشاً ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين منهم جلدين، وأن يهدوا للنجاشي وبطارقته هدايا مما يستطرف من متاع مكة .
ثم بعثوا عبد الله بن أبي ربيعة، وعمرو بن العاص، وقالوا لهما : ادفعا إلى كل بطريق هديته، قبل أن تُكلّما النجاشي فيهم، ثم قدما إلى النجاشي هداياه، ثم سَلاهُ أن يسلمهم إليكما، قبل أن يكلمهم. فخرجا حتى قدما على النجاشي. فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته … ثم إنها قدما هداياهما إلى النجاشي .. .. ثم كلماه فقالا : أيها الملك، إنه قد ضَوَى إلى بلدِكَ مِنا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك. وقد بعثنا إليك فيهم أشراف من آبائهم، وأعمامهم، وعشائرهم، لتردهم إليهم، فهم أعلى بهم عينا، وأعلم بما عابوا عليهم، وعاتبوهم فيه. فقال بطارقته حوله : صَدَقا أيها الملك …. فأسلمهم إليهم ….. فغضب النجاشي ثم قال : لا ها الله .. لا أسلمهم إليهما .. .. حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما ….. وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منها، وأحسنت جوارهم ما جاروني. ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله ﷺ فدعاهم، ودعا أساقفته، فلما جاؤوا سألهم فقال لهم : ما هذا الدين الذي قد فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا به في ديني، ولا في دين أحد من هذه الملل؟! فقال جعفر بن أبي طالب رضوان الله عليه : أيها الملك، كُنا قوماً أَهْلَ جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً ونعبده … منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله لنوحده، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده، لا نشرك به شيئاً وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. فصدقناه، واتبعناه على ما جاء به من فعدا علينا قومنا، فعذبونا وافتتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الله … ورجونا أن الأوثان .. .. فلما قهرونا وظلمونا . خرجنا إلى بلادك . لا تظلم عندك أيها الملك … فقال له النجاشي : هل معك مما جاء به عن الله من شيء ؟! قال جعفر: نعم. فقال له النجاشي: فاقرأه علي. فقرأ عليه صدراً من {كهيعص} [مريم] فبكى – والله – النجاشي، حتى أخضلت لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال لهم النجاشي: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة. ثم قال الرسولي قريش انطلقا، فلا والله لا أسلمهم إليكما، ولا يكادون . فلما خرجا من عنده، قال عمرو بن العاص : والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد .

ثم عدا من الغد، فقال له : أيها الملك، إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولاً عظيماً، فأرسل إليهم، فسلهم عما يقولون فيه.

فأرسل إليهم فلما دخلوا عليه قال لهم : ماذا تقولون في عيسى ابن مريم؟ فقال جعفر بن أبي طالب : نقول فيه الذي جاءنا به نبينا ، يقول : هو عبد الله ورسوله، وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول فضرب النجاشي بيده إلى الأرض، فأخذ منها عوداً، ثم قال : والله ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود، ثم قال للمسلمين: اذهبوا فأنتم شيوم آمنون – بأرضي من سبكم غرم، ما أحب أن لي دَبْراً – جَبَلاً – من ذَهَبٍ، وأني آذيت رجلا منكم.
فخرج رسولا قريش من عنده مقبوحين، مردوداً عليهما ما جاءا به، وأقمنا عنده بخير دار، مع خير جار هذه شذرات ذهبية من قصة المهاجرين في الحبشة، استمعنا إليها من ام سلمة، واستمتعنا بما فيها من دروس وعبر، ولاحظنا كيف حفت العناية الإلهية المهاجرين، وكيف اكتنفتهم في أرض غربتهم، فعاشوا بخير دار مع خير جار، ولكن قلوبهم ظلت معلقة بمكة بالبيت العتيق، بالأهل بالأصحاب، بالحبيب المصطفى الذي أخرجهم من ظلمات الجاهلية إلى نور الهدى ودين الحق، فما كان يأتي من مكة خبر، بأن الله أعز رسوله بأنصار حتى يهرع من برحهم الشوق إلى الأحبة بالعودة إلى أحب أرض الله إليهم، وقد عاد عثمان بن عفان، ورقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو سلمة، وأم سلمة وأولادهما، وبعض المسلمين حنوا إلى العودة
قدم أبو سلمة وأم سلمة من الحبشة إلى مكة، وهما يحسبان أنهما سيعيشان بين قومهما بأنعم بال، فإذا بأشرار الفجار يبطشون بهما، وبغيرهم ممن عاد إلى مكة ولا يكفون عن الإيذاء بالمؤمنين وأراد أبو سلمة وزوجه العودة إلى الحبشة، وقبل أن يتجهز للرحيل، بلغه إسلام من أسلم من الأنصار الذين بايعوا رسول الله ﷺ عند العقبة وإذ ذاك عزم على أن يهاجر إلى عرينهم كيما يأتي الله بالفرج ، أو نصر من عنده. والآن، دعونا نعيش ثانية رحلة الهجرة إلى المدينة المنورة مع الأسرة الصابرة، المؤلفة من أبي سلمة وأم سلمة وبينهما رضي الله عنهم ؛ وتعالوا نستنشق عبير تلك الأحاديث العطرة التي تصل القلوب ببارئها، وتمتد إلى أغوار النفس فتربطها بوشائج الحب مع الحبيب المصطفى ، ولأصحابه الكرام، ولأهل البيت الأطهار الأخيار.

أم سَلَمَةَ الإيمان وروائع الإِيمَانِ ونُورُ اليقين

كان للبيعة الكبرى في العقبة فتح الفتوح، في تفريج كرب المسلمين المعذبين في أم القرى، وكان لها من الفضل في توحيد مجتمعهم، وشد سواعدهم وصلابة قناتهم ما جعلهم قوة مرهوبة، يخافها أعداء الإسلام، وكان لها من إدخال البهجة على قلب رسول الله ﷺ ما جعله يظهر سروره لأصحابه، ويبشرهم بأنه قد أخبر بدار هجرتهم، وهي يثرب – المدينة – دار الأنصار، وعرين الأبطال الذين بايعوه على أن يكونوا حرباً لمن حاربه وسلماً لمن سالمه من العالمين. صار في المدينة المنورة، وفي كل دار من دور الأنصار ذكر للحبيب المصطفى ﷺ ولرسالته السماوية، وهذا جعل بعض أباة الضيم من السابقين الأولين في مكة، يتطلعون إلى الهجرة حيث يأمنون على دينهم وعبادتهم وأنفسهم ورأوا أن المدينة المنورة هي المكان الأمن الأمين، والحصن الحصين الذي تطمئن فيه قلوبهم، لأنه يجمعهم إلى إخوانهم في الإيمان من أنصار الله، وأنصار رسوله ودعوته .
أعد المؤمنون العدة للهجرة، وكان في مقدمتهم أبو سلمة أحد ذوي الهجرتين هجرة الحبشة وهجرة المدينة المنورة، ومعه زوجه أم سلمة أيضاً صاحبة الهجرتين.
لكن أبا سلمة رضي الله عنه، أبت عليه رجولته وشجاعته ورسوخ إسلامه، أن تكون هجرته إلى المدينة المنورة سراً من الأسرار، فكيف يستخفي بهجرته وهو الفارس المعلم والبطل المقدم ؟! لا ، لن يهاجر مستخفياً، بل سيهاجر مستعلناً تحت سمع وبصر قومه بني مخزوم، أولئك الذين كانوا ينالون منه ويؤذونه، ويستهزئون به، ويمنعه إسلامه أن يرد عليهم عداوتهم عليه، لأن السابقين الأولين كانوا مأمورين بالصبر والعفو، والاحتمال السمح المتكرم ، وأبو سلمة من سراة السابقين الأولين رضي الله عنهم . هذا وقد كانت هجرة أبي سلمة إلى المدينة المنورة، قبل بيعة العقبة الكبرى بنحو سنة، ومن هنا كانت قصة هجرة أبي سلمة، وهجرة زوجه السيدة النبيلة أم سلمة – التي شرفها الله بعد استشهاد أبي سلمة فصارت أماً للمؤمنين إذ تزوجها رسول الله ﷺ – مثلاً مضروباً، ونموذجاً يحتذى، وأسوة تؤنسى في مواقف الشجاعة، وقوة العقيدة، والوفاء، واحتمال الصبر، وما هنالك من معالي المكارم .
والآن، دعونا نجلس في بيت أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها، نستمع ثانية إلى حديث الهجرة – ولكن هذه المرة إلى المدينة المنورة – نستمع إلى أمنا وهي تكشف عن روائع الإيمان، وقوة نور اليقين في هجرتها، وهجرة زوجها أبي سلمة رضي الله عنها .
المنورة : تقول أم سلمة في معرض حديثها عن المهاجرين والهجرة إلى رحاب المدينة لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة، رحل لي بعيره، ثم حملني عليه، وحمل معي ابني سلمة بن أبي سلمة في حجري، ثم خرج بي يقود بي بعيره، فلما رأته رجال بني المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم قاموا إليه فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيتك صاحبتك هذه علام نتركك تسير في البلاد؟ فنزعوا خطام البعير من يده فأخذوني معه، وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد رهط أبي سلمة، فقالوا : لا والله لا نترك ابننا عندها إذ انتزعتموها من صاحبنا … فتجاذبوا ابني سلمة بينهم، حتى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبد الأسد، وحبسني بنو المغيرة عندهم .
وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة، ففرقوا بيني وبين زوجي، وبين ابني، فكنت أخرج كل غداة، فأجلس بالأبطح ، فما أزال أبكي حتى أمسي، سنة أو قريباً منها، حتى مر بي رجل من بني عمي، أحد بني المغيرة، فرأى حالي، فرحمني فقال لبني المغيرة : ألا تخرجون هذه المسكينة، فرقتُم بينها وبين ولدها ؟! فقالوا لي : الحقي بزوجك إن شئت، ورد بنو عبد الأسد إلي عند ذلك ابني، فارتحلت بعيري، ثم أخذت ابني فوضعته في حجري، ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة، ومامعي أحد من خَلْقِ الله، فقلتُ: أتبلغ بمن لقيت حتى أقدم على زوجي.

ذَرْوَةُ وَفَاءِ المُروَعَةِ

إن الأحداث الكبيرة التي مرت بها أم سلمة رضي الله عنها لدليل على همتها، وصدق إيمانها، وقد صدقت رضي الله عنها في محنتها، فما قاسته في التفريق بينها وبين زوجها، وما رأته في نزع ابنها من حجرها حتى خُلِعَتْ يده، وما لزمته من خروجها إلى الأبطح نهارها تبكي سنة أو قريباً منها، أمور عظيمة، لا يتعاظمها إلا احتمالها بالصبر عليها، وقد احتملت وصبرت صبراً جميلاً، حتى قيض الله عز وجل لها فرجا .
ولنكمل رحلة الهجرة مع أم سلمة، وكيف لاقت ولقيت من ذروة الوفاء، وقمة النخوة الرجولية، وكرم النفس من أحد الذين امتن الله عليهم بالإسلام فيما بعد؛ وهو عثمان بن طلحة العبدري الذي أثنت عليه أم سلمة ثناء سطرته أمهات المصادر، هذا الثناء يشهد له بِحُسْنِ ونُبل الكرم والوفاء . فلنتابع حديث أم سلمة عن الهجرة …. تقول بعد أن غادرت مكة تلقاء المدينة :حتى إذا كنتُ بالتنعيم ، لقيت عثمان بن طلحة بن أبي طلحة أخا بني عبد الدار، فقال لي : إلى أين يا بنت أبي أمية؟ فقلت : أريد زوجي بالمدينة . قال : أو ما معك أحد؟ فقلت : لا والله، إلا الله، وبني هذا. قال : والله مالك من مترك. فأخذ بخطام البعير، فانطلق معي يهوي بي، فوالله ما صبحت رجلا من العرب قط أرى أنه كان أكرم منه، كان إذا بلغ المنزل، أناخ بي، ثم استأخر عني، حتى إذا نزلت استأخر ببعيري، فحط عنه، ثم قيده في الشجرة، ثم تنحى إلى شجرة، فاضطجع تحتها، فإذا دنا الرواح، قام إلى بعيري، فقدمه فرحله، ثم استأخر عني، وقال: اركبي؛ فإذا ركبت واستويت على بعيري، أتى فأخذ بخطامه، فقاده حتى ينزل بي، فلم يزل يصنع ذلك بي، حتى أقدمني المدينة، فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباء، قال: زوجك في هذه القرية – وكان أبو سلمة بها نازلاً – فادخليها على بركة الله، ثم انصرف راجعاً إلى مكة. فكانت أم سلمة رضوان الله عليها تقول : والله ما أعلم أهل بيت في الإسلام أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة . وتثني أم سلمة رضي الله عنها على ذلك الرجل الشهم الكريم الذي أَحْسَن صحبتها فتقول : وما رأيتُ صاحباً قط كان أكرم من عثمان بن طلحة”.
وكان يُقال : إن أم سلمة، أول ظعينة دخلت إلى المدينة المنورة مهاجرة.
وفي ربوع المدينة المنورة هبطت أم سلمة تعيش إلى جانب أبي سلمة، يعبدان الله تعالى، ويتزودان بزاد التقوى من رسول الله ﷺ.
هذا، وفي تلك الأثناء عكفت أم سلمة على رعاية أولادها وتربيتهم وتغذيتهم بحب الله عز وجل، وحب النبي ﷺ ، فأولادها صحابيون حازوا شرف الصحبة النبوية. وهم: زينب، عمر، سلمة، درة. ولما كانت غزاة بدر، خرج زوجها أبو سلمة ليكون في البدريين الذين من الله عليهم بجنته، وكانوا إذ ذاك خير أهل الأرض. ومضى عام، فإذا المشركون يتجهزون لقتال المسلمين وخرج المسلمون إلى أحد، وهناك التقوا المشركين، وكان أبو سلمة رضي الله عنه من الجنود الأوفياء في الجيش المحمدي، وفي أحد رماة أبو أسامة الجشمي بسهم في عضده، ولما عاد المسلمون إلى المدينة مكث أبو سلمة شهراً يداوي جرحه ويعالجه، وبجانيه زوجه الوفية أم سلمة، تقوم على رعايته وخدمته إلى أن برأ جرحه … وكان شماس بن عثمان المخزومي رضي الله عنه، وقد حمل من أحد إلى المدينة المنورة، وبه رمق، فأدخل على عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، ورأت ذلك أم سلمة، فقالت: ابن عمي يدخل إلى غيري ؟!فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: احملوه إلى أم سلمة فحملوه إليها، فمات عندها، فأمر رسول الله ﷺ أن يُرد إلى أحدٍ، فيُدفن هناك، كما هو في ثيابه التي مات فيها، وكان قد مكث يوماً وليلة، ولم يذق شيئاً، فلم يُصَلِّ عليه رسول الله ﷺ ولا غسله.

دَعْوَةً مُستَجَابَةٌ و عُقْبِي صَالِحةً

انقضى شهران على غزاة أحدٍ ، وبلغ رسول الله ﷺ أن بني أسد، يدعون إلى مهاجمته ومحاربته في داره بالمدينة، فأحب النبي ﷺ أن يباغتهم في ديارهم، واختار لهذه المهمة أحد أفذاذ فرسان المسلمين ترى من يكون هذا الفارس؟ لقد وقع اختيار النبي ﷺ على ابن عمته أبي سلمة المخزومي، فدعا إليه أبا سلمة، وعقد له لواء سرية قوامها مئة وخمسون رجلاً من المهاجرين والأنصار منهم أبو عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص، وأمره بالانطلاق إلى بني أسد، وأوصاه قائلاً : «سير حتى تنزل أرض بني أسد، فأغر عليهم قبل أن تلاقى عليك جموعهم». كان أبو سلمة قد أصيب بجرح بالغ في غزوة أحد – كما أسلفنا – وقد ضمده فالتأم، وكان التئامه من السطح، فلم يعبأ بجرحه، وخرج لينفذ أمر رسول الله ﷺ، وسار بسريته وأغذ السير حتى انتهى إلى مكان العدو، فأخذهم على غرة، وأحاط بأعداء الله، وأعداء رسوله في عماية الصبح، وراحت السيوف المؤمنة تضرب منهم كل بنان، وتطايرت السهام من الأيدي المؤمنة، لتسقر في أفئدة القوم الظالمين، واستمات المسلمون في القتال، وأبلوا بلاء حسناً، فقد كانوا يشعرون أن هذه المعركة التي يخوضونها معركة ذات أهمية كبيرة، فالنصر فيها يغسل عنهم هزيمة أحد، ويُعيد ما ضيعت أحد من هيبة المسلمين في القبائل المحيطة بالمدينة، وغيرها من القبائل التي سولت لها أنفسها أن تعتدي على حرم المدينة .
ارتفعت صيحات المسلمين تهتف: الله أكبر الله أكبر، وراح أبو سلمة يصول ويجول حتى أجهده النضال، فنغر جرحه، وهو لا يأبه به حتى تم النصر المبين لأفراد سريته، وساقوا الغنائم والإبل والشياه، إلى المدينة المنورة، وكانت فترة غيابهم تسعاً وعشرين ليلة. وعاد المسلمون المجاهدون لثمانٍ خَلَوْنَ من صفر من السنة الرابعة للهجرة، وفي ركابهم النصر، ولكن الوجوه كانت حزينة، فأبو سلمة قائد السرية مريض قد ذبل، وأنهكه جرحه، ودخل على أهله، وهو ينوه بحمل الآلام فاستقبلته أم سلمة رضي الله عنها خافقة القلب، وكادت تند منها صرخة يأس حينما رأت حال أبي سلمة.
وسجي أبو سلمة في فراش الموت، فجاء رسول الله ﷺ ليعوده، فالفاه يجود بآخر الأنفاس، فبقي إلى جواره يدعو له بخير حتى عبر إلى الله عز وجل وهو يدعو اللهم اخلفني في أهلي بخير.
وأغمض بيده الشريفة عيني أبي سلمة، ثم دعا له، وكبر عليه تسع تكبيرات، فقيل له : يا رسول الله، أَسَهُوتَ أَمْ نَسِيتَ؟ فقال: «لم أسه، ولم أنس، ولو كبرت على أبي سلمة ألفاً، كان أهلاً لذاك. والحقيقة، فقد كان أبو سلمة رضي الله عنه واحداً من أفذاذ الرجال الفضلاء الذين يدركون معنى الحياة الكريمة فقد أوصى زوجه أم سلمة وصية كريمة جعلتها من سادة وسادات النساء، بل أم المؤمنين، وعندما أضحت أم المؤمنين اغتبطت أيما اغتباط  ذكرت المصادر الوثيقة أن أم سلمة قالت لأبي سلمة رضي الله عنهما : بلغني أنه ليس امرأة يموت زوجها، وهو من أهل الجنة، ثم لم تزوج، إلا جمع الله بينهما في الجنة، فتعال أعاهدك ألا تزوج بعدي، ولا أتزوج بعدك .
قال أبو سلمة : أتطيعينني؟ قالت أم سلمة : نعم .
فقال : إذا من تزوجي .
ثم رفع يديه داعياً الله عز وجل : اللهم ارزق أم سلمة بعدي رجلاً خيراً مني لا يحزنها ولا يؤذيها .
وقضى أبو سلمة رضي الله عنه نحبه، فلما مات قالت أم سلمة رضي الله عنها : من خير من أبي سلمة ؟ ولم تلبث أم سلمة رضي الله عنها حتى جاء خير من أبي سلمة، جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام على الباب، وذكر الخطبة إلى ابنها، فقالت : أرد على رسول الله ﷺ! أو أتقدم إليه بعيالي ؟! لكن الله عز وجل قدر أن تكون أم سلمة إحدى أمهات المؤمنين، تنتظم في عقدهن لتغدو من البيت الطاهر الكريم، وقد استجيبت دعوتها، ودعوة زوجها أبي سلمة، وقد تحققت دعوة أم سلمة عن قريب.
فعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: لما توفي أبو سلمة، أتيت النبي ﷺ فقلت : كيف أقول؟ قال: قولي: اللهم اغفر لنا وله، وأعقبني منه عقبى صالحة فقلتها، فأعقبني الله محمداً.

إلى رِحَابِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ

مضى أبو سلمة إلى ربه، وخلف زوجه أم سلمة، وقد استجاب الله عزوجل دعاءهما، واعتدت أم سلمة عدتها، فلما انتهت عدتها، تم أمر الله عز وجل، وأضحت أم سلمة في رحاب البيت النبوي الشريف.
فتقول : تروي المصادر الحديثية، وكتب السيرة، والطبقات، خبر الزواج الميمون، لما انقضت عدة أم سلمة رضي الله عنها، تقدم إليها أبو بكر الصديق وخطبها، فلم تتزوجه، وردته في رفق، ثم تقدم إليها عمر الفاروق يخطبها فردته بحجة أنها مسنة، وأن معها أولاداً صغاراً. وبعث إليها رسول الله ﷺ يخطبها، فإذا بالنشوة تملؤها من الرأس إلى القدم ، فهو شرف عظيم كريم أن تصبح زوج رسول الله ﷺ وتغدو أم المؤمنين، ولكن مرت بخيالها عائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر، وهما شابتان عند رسول الله ﷺ، فتحركت إذ ذاك غيرتها، وبعثت إلى رسول الله ﷺ بقولها : إني امرأة غيرى ومسنة، وإني مصبية، وليس أحد من أوليائي شاهداً.
وبعث إليها رسول الله ﷺ بأنه سيدعو الله عز وجل أن يُذهب غيرتها ، وأن سنه أكبر من سنها، وأن الله عز وجل سيكفيها صبيانها، وهم على الله ورسوله، وأما أولياؤها ؛ فليس أحد منهم إلا سيرضى رسول الله ﷺ.
وعند ذلك قالت لابنها : قم فزوج رسول الله ﷺ فزوجها، وكان هذا الزواج الميمون المبارك في شهر شوال من السنة الرابعة من الهجرة النبوية الشريفة . وعرفت عائشة رضي الله عنها ، أن النبي ﷺ تزوج أم سلمة رضي الله عنها، فحزنت حزناً شديداً، لما ذكر لها من جمالها ، فتلطفت حتى رأتها، فرأت أضعاف ما وصِفَتْ به، فذهبت إلى حفصة بنت عمر – وكانت عُرى الصداقة موثقة بينهما – وأخذت تتحدث عن أم سلمة، وعن جمالها، فقالت حفصة : لا والله ، إن هذه إلا الغيرة ما هي كما تقولين، وإنها لجميلة.
وراحت حفصة تتحدث عن تقدم أم سلمة في السن، وأن جمالها بقايا من بقايا، وإذ ذاك عادت الثقة إلى نفس عائشة، فرأتها بعد ذلك، فكانت كما قالت حفصة، ولكنها كما قالت عائشة نفسها عن نفسها بأنها امرأة غيري.

أَم سَلَمَةَ فِي البَيْتِ النبوي الطَّاهِر

ما رأيكم أن نشهد الساعات الأولى لأم سلمة في البيت النبوي الطاهر ؟! لقد طفقت منذ اللحظات الأولى تقوم بشؤون البيت النبوي، اسمع ما يقوله عنها المطلب بن عبد الله بن حنطب : دَخَلَتْ أيم العرب – أم سلمة – على سيد المسلمين أول العشاء عروساً، وقامت آخر الليل تطحن .
هذه البدايات الأولى لأم سلمة، في البيت الذي أذهب الله عنه الرجس، وطهره تطهيراً.
وماذا بعد من إشراقات لأمنا أم سلمة ؟! هناك الكثير من المواقف الكريمة اللطيفة التي تشير إلى حسن رأيها، وفهمها للأمور فهماً سليماً، مراعية بذلك أمر الرسول صلى الله عليه وسلم.
ففي الموطأ، ذكر الإمام مالك – رحمه الله – ما يشير إلى حصافة رأي أم المؤمنين أم سلمة قال : لما بنى رسول الله ﷺ بأم سلمة قال: ليس بك على أهلك هوان، إن شِئْتِ سَبعتُ لك، وسبعت عندهن – يعني نساءه – وإن شئت ثلاثاً، ودرت؟ قالت : ثلاثاً .
هذا، وقد لقيت أم سلمة – رضي الله عنها – كل رعاية في رحاب العطف المحمدي، كما لقي أودلاها كل حب وحنو من الحبيب المصطفى ، فقد جاءت أم سلمة بطفلتها زينب إلى بيت النبي ﷺ ، فكان يأتي أم سلمة ويقول: «أين زناب؟ وكان الحبيب المصطفى يداعب الطفلة زينب ويغمرها بعطفه وحنانه، إلا أن عمار بن ياسر – وكان أخو أم سلمة من الرضاعة – جاء يوماً فانتزع زينب من حجر أمها وهو يقول: دعيها فقد آذيت بها رسول الله ﷺ فأخذها عند ذلك والتمس لها مرضعاً. هذا وقد شغلت أم سلمة بيت زينب أم المساكين رضي الله عنهما، وأخذت تسعى لمرضاة الله عز وجل، ومرضاة رسوله وذلك تمتعت بمكانة رفيعة عند النبي الكريم ، وذلك لما كان يرى منها من شدة العناية به، وملاحظة رضاه في كل شيء، ولم يؤثر عنها، أنها خالطت أمهات المؤمنين بالغيرة منهن، مع أنها – كما أسلفنا – كانت تخشى الغيرة على نفسها، إلا أن الله عز وجل قد أَذْهَبَ غيرتها ببركة دعاء النبي ﷺ ، فلم تعد تغار من الضرائر وشفى نفسها، وأقر عينها أن ابنتها زينب ربيبة النبي ﷺ، قد أضحت أفقه نساء أهل زمانها، ببركة النبي ﷺ، فكان إذا ذكرت امرأة بالمدينة فقيهة، ذكرت زينب بنت أبي سلمة ربيبة المصطفى عليه الصلاة والسلام.
وقد شهد ابن عبد البر – رحمه الله – لزينب بالفقه فقال : كانت زينب مِنْ أَفْقَه نساء زمانها .

أَمُّ سَلَمَةَ مِنْ أَهْلِ البَيْتِ

إن نساء أهل البيت النبوي رضوان الله عليهن، لَسْنَ كأحدٍ من النساء في الفضيلة والفضل والشرف والتقوى، لما منحهن الله عز وجل من صحبة النبي الكريم ﷺ ، وعظيم المحل منه، ونزول القرآن الكريم، والذكر الحكيم في حقهن، قال الله عز وجل : {وإنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} [الأحزاب : ٣٣]. قال الزجاج – رحمه الله -: يُراد به نساء النبي ﷺ.
وقيل: يُراد به نساؤه وأهله الذين هم أهل بيته.
قال القرطبي – رحمه الله -: الذي يظهر من الآية أنها عامة في جميع أهل البيت من الأزواج وغيرهم، وإنما قال: ويطهركم، لأن رسول الله ﷺ وعلياً وحسناً وحسيناً كان فيهم، وإذا اجتمع المذكر والمؤنث غُلبَ المذكر، فاقتضت الآية أن الزوجات من أهل البيت، لأن الآية فيهن، والمخاطبة لهن، يدل عليه سياق الكلام . وقال الإمام فخر الدين الرازي – رحمه الله -: إن الله بقوله : {وليُذهب عنكم الرجس} ليدخل فيه نساء أهل بيته ورجالهم، واختلفت الأقوال في أهل البيت، والأولى أن يُقال: هم أولاده، وأزواجه والحسن والحسين منهم، وعلي منهم، لأنه من أهل بيته بسبب معاشرته ببنت النبي ﷺ ، وملازمته للنبيﷺ .
وأم سلمة رضي الله عنها واحدة من أمهات المؤمنين اللاتي سماهن الله عزّ وجل : أمهات المؤمنين فقال سبحانه : {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم} [الأحزاب: ٦]
ولهذه الأمومة الكريمة تكاليفها، وللمرتبة السامية الباسقة التي استحققن بها هذه الصفة تكاليفها، ولمكانتهن من رسول الله ﷺ تكاليفها، ولذلك قال الله عز وجل في فضلهن : {يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن} إلى قوله {وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً. واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة} [الأحزاب: ٣٢ – ٣٤] فهذه آيات شريفة في زوجات نبينا صلى  الله عليه وسلم وذكر عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله عز وجل : {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت} .. قال: نزلت في نساء النبي .
ثم قال عكرمة من شاء باهلته أنها نزلت في نساء النبي خاصة  .
وبهذا نجد أن البيت النبوي الطاهر هو المقصود بالطهارة، وهذا يتولى تكريم من الله عز وجل، وتشريف واختصاص عظيم، حيث يتولى الله سبحانه بذاته العلية تطهيرهم، وإذهاب الرجس عنهم، وهي رعاية علوية مباشرة بأهل البيت العظيم، الذي اختصه الباري بالخير العميم، وفضله على بيوت الدنيا تفضيلاً. وفي بيت أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها نزلت هذه الآية الكريمة:{ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} [الأحزاب: ٣٣].
قال الحافظ ابن كثير – رحمه الله – في تفسيره : وهذا نص في دخول أزواج النبي ﷺ في أهل البيت ههنا لأنهن سبب نزول هذه الآية.
ونقل عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله أنها نزلت في نساء النبي ﷺ خاصة.
وعلق ابن كثير – رحمه الله – على هذا القول تعليقاً كريماً مجوداً يشير إلى سعة أفقه وفهمه فقال: فإن كان المراد أنهن كُن سبب النزول دون غيرهن فصحيح، وإن أريد أنهن المراد فقط دون غيرهن ففي هذا نظر”.
ويدل ابن كثير – رحمه الله – على أن أهل البيت النبوي، معرفون كالشمس في رابعة النهار، فأزواجه الطاهرات رضي الله عنهن هم من آله الطاهرين، ويشير ابن كثير – رحمه الله – إلى التدبر في الذكر الحكيم لمعرفة ذلك فيقول : ثم الذي لا شك أنه من تدبر القرآن، وأن نساء النبي ﷺ داخلات في قوله تعالى : {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً} [الأحزاب: ۳۳]
فإن سياق الكلام معهن، ولهذا قال تعالى بعد هذا كله : {واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة } [الأحزاب: (٣٤] أي : واعملن بما ينزل الله تبارك وتعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم، في بيوتكن من الكتاب والسنة؛ واذكرن هذه النعمة التي خصصتن بها من بين الناس؛ أن الوحي ينزل في بيوتكن دون سائر الناس.
ويتابع ابن كثير قوله : وعائشة الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها، أولاهن بهذه النعمة، وأحظاهن بهذه الغنيمة، وأخصهن من هذه الرحمة العميمة، فإنه لم ينزل على رسول الله ﷺ الوحي في فراش امرأة سواها كما نص على ذلك صلوات الله وسلامه عليه.
هذا، وقد بلغت أَزْوَاج النبي ﷺ ، هذه المنزلة السامية بلطف الله عز وجل بهن، وبخبرته بهن، حيث إنهن أهل لذلك الفضل من الله عز وجل، فقد جعلهن في بيوت تتلى فيهما آيات الله والحكمة، وكان جل شأنه بين خبيراً، إذ اختارهن لرسوله أزواجاً، وكرمهن في البيت النبوي، فصرن يُعرفن أهل البيت وأهل البيت هنا في سياق الآية: نصب على النداء أو على المدح.
قال القاسمي – رحمه الله – في تفسيره النفيس: والمراد بهم من حواهم بيت النبي ﷺ.
وذكر أبو السعود – رحمه الله – في تفسيره معلقاً على أهل البيت، ومن هم فقال: وهذه كما ترى آية بينة، وحجة نيرة على كون نساء النبي ﷺ من أهل بيته. وقد تساءل القاسمي – رحمه الله – في تفسيره بقوله : قد تنازع الناس في آل محمد من هم ؟! وأورد أقوالاً عديدة خلص منها إلى القول الآتي: بأن الصحيح أن أزواجه من آله، فإنه قد ثبت في الصحيحين، عن النبي ﷺ أنه علمهم الصلاة عليه : اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته؛ ولأن امرأة إبراهيم” من آله وأهل بيته، وامرأة لوط من آله وأهل بيته بدلالة القرآن، فكيف لا يكون أزواج محمد من آله وأهل بيته ؟! ولأن هذه الآية تدل على أنهن من أهل بيته، وإلا لم يكن لذكر ذلك في الكلام معنى.
إذن، فزوجات النبي الطاهرات كلهن من أهل البيت الذي أذهب الله عنه الرجس وطهره تطهيراً، ويبدو أن أمنا أم سلمة رضي الله عنها كانت تفخر على ضرائرها بشرف نزول هذه الآية الكريمة في بيتها، وبذلك تكون قد شاركت الصديقة ابنة الصديق عائشة بهذه الميزة الكريمة، حيث كان الوحي ينزل على الحبيب المصطفى في بيتها .
ومن مكارم أم سلمة رضوان الله عليها، أن النبي الكريم ﷺ كان يؤدي الصلاة في بيتها، وقد شهد شاهد من أهلها بهذا، وهو ابنها عمر بن أبي سلمة حيث قال: رأيت النبيﷺ يصلي في بيت أم سلمة في ثوب واحد، متوشحاً به، واضعاً طرفيه على عاتقه.

أم سلمة تَحْمِلَ بشارة ربانية ونبوية

لأم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها، مكارم لم تكن إلا لها، وكأن هذه المكارم قد اختصت بها من لدن حكيم خبير، فقد حملت بشارة التوبة لأكثر من صحابي كريم، إذ كان يتنزل القرآن الكريم على النبي الكريم وهو عند أم سلمة رضي الله عنها يحمل توبة الله تبارك وتعالى على عباده المؤمنين، وتنقل أمنا هذه البشارة إلى أصحابها.
ونحن مرسلو القول في هذا بمشيئة الله .
ففي غزوة بني قريظة، أبي رسول الله ﷺ إلا أن ينزل يهود قريظة على حكمه بعد خيانتهم لله ورسوله – فأرسلوا إليه أن ابعث إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر الأنصاري لنستشيره في أمرنا، وكانوا حلفاء أبي لبابة.
فذهب إليهم أبو لبابة، فلما رأوه، قام إليه الرجال، وجهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه، فرق لهم، وقالوا له : ما ترى، أننزل على حكم محمد ؟ فقال أبو لبابة: نعم فانزلوا، وأوماً إلى حلقه بالذبح .. وفي اللحظة ذاتها شعر أبو لبابة، أنه قد خان الله ورسوله، فندم وقال في خوف شديد: إنا لله وإنا إليه راجعون. وسربله الندم، وعلاه القهر، وساورته الهموم، وجعل ضميره يؤنبه، ويجزه وخزاً شديداً أليماً، فقال له أحد أحبار اليهود: مالك يا أبا لبابة ؟ فقال في صوت متهدج وقد غلفه الندم : خُنْتُ الله ورسوله ﷺ. وملات الدموع عينيه، ثم انطلق راجعاً على وجهه، فلم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل ذهب إلى المسجد النبوي الشريف، وكان الحر شديداً يومذاك، ولكن النار التي تتلقى في جوفه كانت أشد حراً، وأعظم أثراً، ففكرة أنه خَانَ الله ورسوله كانت تلسعه لسعاً يعذبه ولا يطيق نفسه.
ارتبط أبو لبابة بالمسجد إلى عمود من عُمده بسلسلة ثقيلة، وكان العمود عند باب أم المؤمنين أم سلمة زوج النبي ﷺ، وكان أكثر تنقل رسول الله ﷺ عند ذلك العمود، وكان ما فعله أبو لبابة غير مألوف، فحف إليه أناس من المسلمين يسألونه الخبر، فقال في تأثر وانفعال: والله لا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى أموت أو يتوب الله علي مما صنعت.
ظل أبو لبابة مرتبطاً في العمود تأتيه امرأته – أو ابنته – فتحله للصلاة، ثم يعود فيرتبط، وأقام على ذلك بضع ليال، وجعل أبو لبابة يرهف سمعه لعله يسمع ان قد تاب الله عليه، فقد كان على يقين من أن الله يغفر الذنوب جميعاً، وأنه هو الغفور الرحيم. ونزلت توبة أبي لبابة من فوق سبعة أرقعة.
بسم الله الرحمن الرحيم : {وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم} [التوبة : ۱۰۲].
وقد نزلت توبة أبي لبابة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في بيت أم سلمة؛ فقالت أم سلمة رضي الله عنها: فسمعت رسول الله من السحر وهو يضحك؛ فقالت له : مم تضحك يا رسول الله أضحك الله سنك؟ قال : تيب على أبي لبابة.
قالت أم سلمة: أفلا أبشره يا رسول الله ؟ قال : إن شئت.
فقامت أم سلمة على باب حجرتها – وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب – فقالت: يا أبا لبابة أبشر فقد تاب الله عليك.
قالت أم سلمة : فثار الناس، وأسرعوا إليه ليطلقوه، ولكن أبا لبابة أبى وقال : لا والله حتى يكون رسول الله هو الذي يطلقني بيده الشريفة.
وبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما مر عليه خارجاً إلى صلاة الصبح أطلقه، وغمر السرور أبا لبابة بأن تجاوز الله عما أسرف.
وراح المسلمون، والموحدون يتلون في بيوت الله ما أنزل الله فيه: {وآخرون اعترفوا بذبونهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم} [التوبة : ١٠٢].
وفي غزاة تبوك، تخلف ثلاثة من الصحابة الكرام عنها، وهم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، عند أم المؤمنين أم سلمة، لما نزل في شأن هؤلاء الثلاثة قوله تعالى: {وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم} [التوبة : ١١٨].

وقد صور القرآن الكريم حالة هؤلاء النفر، وما هم فيه بسبب تخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبر الله سبحانه وتعالى أن الأرض على سعتها، ضاقت عليهم ؛ وهو مثل للحيرة كأنهم لا يجدون فيها مكاناً يقرون فيه بسبب القلق والجزع الذي يملا نفوسهم، كما ضاقت عليهم قلوبهم، فأصبح لا يسعها أنس ولا سرور لأنها خرجت من فرط الوحشة والغم. هذا وقد تحدث أحد أولئك النفر الثلاثة، وهو كعب بن مالك عن خبر تخلفه وصاحبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن إحسان أم سلمة إليه، واعتنائها بأمره، وعن نزول الوحي عندها، فقال من حديث طويل ورد في الصحاح، فلنستمع إلى فقرات كاشفة من هذا الحديث: عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه قال: سمعت أبي كعب بن مالك، وهو أحد الثلاثة الذين يجيب عليهم : أنه لم يتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، في غزوة غزاها قط غير غزوتين: غزوة العشرة، وغزوة بدر، قال: فأجمعت صدق رسول الله ﷺ ضحى، وكان قلما يقدم من سفر سافر إلا ضحى، وكان يبدأ بالمسجد فيركع ركعتين.
ونهى النبي عن كلامي وكلام صاحبي، ولم ينه عن كلام أحد من المتخلفين غيرنا، فاجتنب الناس كلامنا، فلبثت كذلك حتى طال علي الأمر، وما من شيء أهم إلي من أن أموت فلا يصلي على النبي ﷺ ، أو يموت رسول الله ﷺ ، فأكون من الناس بتلك المنزلة، فلا يكلمني أحد منهم، ولا يصلي علي، فأنزل الله توبتنا على نبيه حين بقي الثلث الآخر من الليل، ورسول الله ﷺ عند أم سلمة، وكانت أم سلمة محسنة في شأني، معنية في أمري، فقال رسول الله ﷺ ديا أم سلمة تيب على كعب. قالت: أفلا أرسل إليه فأبشره؟ قال: «إذا يحطمكم الناس فيمنعونكم النوم سائر الليلة، حتى إذا صلى رسول الله ﷺ صلاة الفجر، أذن بتوبة الله علينا .. الحديث. هذا وقد كسبت أم سلمة هذه الفضيلة الأخرى.
وكان لأم سلمة رضي الله عنها فضيلة أخرى في هذا المجال من قبل أيام فتح مكة المكرمة، إذ كلمت رسول الله ﷺ في اثنين من الذين كانوا يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهما : أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقد لقيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بموضع بين مكة والمدينة، فالتمسا الدخول عليه، فكلمته أم سلمة رضي الله عنها فيهما، ورجت أن يصفح عن زلتهما فيها مضى، فقالت: يا رسول الله لا يكن ابن عمك، وابن عمتك وصهرك أشقى الناس بك.
قال : ولا حاجة لي بهما، أما ابن عمي فهتك عرضي، وأما ابن عمتي فهو الذي قال لي بمكة ما قال.
فلما بلغها قوله، قال أبو سفيان بن الحارث : والله لتأذنن لي، أو لأخذن بيد بني هذا، ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشاً وجوعاً.
وعندما بلغ ذلك الحبيب المصطفى ﷺ رق لهما، وأذن لهما، فدخلا وأسلمها، وإذ ذاك سرت أم سلمة بانضمام هذين الرجلين إلى دوحة الإسلام”.
ومما يشبه هذا في شفاعتها ويشارتها للناس، ما ورد أنها ترضت رسول الله على أخيها المهاجر بن أبي أمية، الذي استعمله الرسول ﷺ على كندة، وكان قد تخلف بتبوك، فرجع رسول الله ، وهو عاتب عليه، فبينما أم سلمة رضي الله عنها تغسل رأس النبي ﷺ قالت: كيف ينفعني عيش وأنت عاتب على أخي ؟ فرأت من النبي ﷺ رقة، فأومات إلى خادمها، فدعت أخاها، فلم يزل بالنبي صلى الله عليه وسلم، يذكر عذره حتى رضي الله عنه، واستعمله على كندة، فتوفي النبي ﷺ، ولم يسير إلى عمله، ثم سار بعده. وهكذا كانت أم المؤمنين أم سلمة سباقة في هذا الضمار النفيس، الذي يشير إلى علو همتها، وإلى صفاء نفسها وكرامتها رضي الله عنها.

أم سَلَمَةَ والجهاد

من يسر الإسلام، التخفيف عن غير القادرين على القيام ببعض التكاليف الشرعية، ومن ذلك خفف عن المرأة، فلم يكلفها بأعباء القتال، لضعف بنيتها الجسدية، ولذلك سمح لها بأعمال توافق حالها كالسقي، وتجهيز الطعام، ومداواة الجرحى، ونحو ذلك من خدمات. وقد كتب لأم سلمة رضي الله عنها شرف الجهاد، وشرف صحبة النبي ﷺ في مغازيه، فقد حضرت عدداً من غزواته، فكانت في غزوة المريسيع، وفي غزاة خيبر، وفي فتح مكة، وفي حصار الطائف، وفي غزوة هوازن وثقيف، وصحبته كذلك في حجة الوداع. وكان لأم سلمة رضي الله عنها بعض الآثار المحمودة، والمواقف المأثورة في غزواتها، ولعل موقفها وجزالة رأيها في قصة الحديبية، يشير إلى كرامتها، ويمن رأيها، وسعة أفقها ونظرتها إلى الأمور بميزان الشريعة. ففي المدينة المنورة، رأى النبي ﷺ في النوم، أنه دخل مكة، هو وأصحابه آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين، وأنه دخل البيت، وأخذ مفتاحه، وطاف هو وأصحابه مع الطائفين.
ولما قضيت صلاة صبح اليوم التالي، وكان رسول الله ﷺ بادي البشر، وجعل يقص على أصحابه رؤياه، وقد ألقوا إليهم سمعهم مستبشرين فرحين بما آتاهم الله عز وجل، فقد صاروا جميعاً موقنين أن الفتح قريب، فرؤيا الأنبياء وحي وحق، وما رأى الرسول الكريم رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح .
وخرج رسول الله ﷺ لأداء العمرة ، وخرجت معه زوجه أم سلمة أم المؤمنين، وأم عمارة المازنية، وأم منيع الأنصارية، وأم عامر الأشهلية وغيرهن، وخرج معه المهاجرون والأنصار، وأحرموا بالعمرة، وأنساب المسلمون في الصحراء، وقد ارتفعت التلبية من أعماقي القلوب : لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك … ولكن قريشاً ركبت رأسها، ومنعوا المسلمين من أداء عمرتهم، ثم جرى الصلح بين المسلمين والمشركين، وكانت الهدنة المعروفة.
وكان أصحاب رسول الله ﷺ قد خرجوا وهم لا يشكون في الفتح بعد أن قص عليهم رؤياه، فلما انتهى الأمر بالهدنة، دخل الناس أمر عظيم، حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال فيها ورد في الصحيح : والله ، وما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ، فأتيت النبي ، فقلت : يا رسول الله ، الست نبي الله ؟
قال: «بلی».
قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟
قال: «بلی».
قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذا؟
قال: «إني رسول الله؛ ولست أعصيه؛ وهو ناصري».
قلت: أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف حقاً؟
قال : بلى أفأخبرتك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا.
قال : فإنك أتيه ومطوف به.
قال: فأتيت أبا بكر …
فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبي حقاً؟
قال: بلى.
قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذا؟
قال: أيها الرجل، إنه رسول الله، وليس يعصي الله، وهو ناصره، فاستمسك بغرزه حتى تموت، فوالله إنه لعلى الحق قلت : أو ليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، فأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا. قال : فإنك أتيه ومطوف به .
ولم يكن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم في ذلك اليوم على شك من شيء، وإنما ظنوا أنهم قد بخسوا حقهم مع المشركين، وهم المنتصرون الغالبون المتمسكون بحبل الله عز وجل، ولذلك توجه إليهم رسول الله ﷺ وقال لهم : قوموا فانحروا ثم احلقوا.
إنهم يسمعونه ويرونه، ولكنهم سمعوه ثانية يقول: قوموا فانحروا ثم احلقوا ثم كرر ذلك ثلاث مرات، فلم يقم منهم أحد.
فلما لم يقم منهم أحد، دخل النبي ﷺ على أم سلمة، فاضطجع فقالت: مالك يا رسول الله ؟ فذكر لها أنه أمر الناس بالأمر، فلم يفعلوه، وأمرهم بالحلق والنحر مراراً فلم يجيبوه، وهم يسمعون كلامه وينظرون إلى وجهه الشريف.
فقالت أم سلمة رضي الله عنها: أتحب ذلك؟ – أي أن يطيعك أصحابك فيما تأمرهم به – فأشار أن نعم .
قالت: اخرج، ثم لا تكلم أحداً حتى تنحر بدنك، ثم تدعو بحالقك، فيحلقك .
فقام ، وأخذ الحربة، وقصد هديه، وأهوى بالحرية إلى البدن رافعاً صوته: «بسم الله والله أكبر، ثم دخل قبة له من أدم أحمر، ودعا بخراش بن أمية بن الفضل الخزاعي فحلق رأسه.
فلما رأى الناس ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضاً، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً عما.
وبهذا نجا الصحابة الكرام من مخالفة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وذلك ببركة رأي أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها التي تذكرنا بمواقف أم المؤمنين خديجة عليها سحابات الرضوان.
وإن نسي التاريخ، فلا ينسى مواقف أم سلمة رضي الله عنها، وخصوصاً ذلك اليوم الذي يُقرن باسمها كلما ذكر يوم الحديبية.
ومن المكارم التي اختصت بها أمنا أم سلمة رضي الله عنها، أنها رأت جبريل عليه السلام في صورة دحية الكلبي ” رضي الله عنه، من ذلك ما ورد عن سيدنا سلمان الفارسي رضي الله عنه قال : أنبئت أن جبريل عليه السلام، أتى نبي الله ﷺ وعنده أم سلمة، فجعل يتحدث، ثم قام، فقال نبي الله لأم سلمة : ومن هذاء؟ أو كما قال.
قالت: هذا دحية الكلبي .
قالت: والله، ما حسبته إلا إياه، حتى سمعت خطبة نبي الله يخبر خبرنا، أو كما قال .ومن مكارم أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها، أنها كانت تحتفظ بعدد من شعره الشريف مخضوباً بالحناء.

فَصَاحَتُهَا وَأَدَبُهَا

أمنا أم سلمة رضي الله عنها واحدة من النساء اللاتي حفظ الدهر مقامهن، واحتفظ بأثارة من أقوالهن التي تجري مجرى الحكمة، وهي واحدة من النساء اللاتي كن يقرأن ولا يكتبن، وهذا ما زاد في رصيدها البياني. وتعود مصادر الفصاحة عند أم المؤمنين أم سلمة إلى ثقافتها الكبيرة من القرآن الكريم، إذ إنه منبع الفصاحة وسلسبيل البيان، ثم رفدت فصاحتها بكلام النبوة، والأدب النبوي الذي غديت به. هذا، وقد كانت أم سلمة رضي الله عنها، إحدى نساء قريش المعدودات فصاحة وبياناً، وقد أثر عنها أنها كانت تقرض الشعر أحياناً، وبما روي عنها، أنها رئت ابن عمها الوليد بن المغيرة رضي الله عنه فقالت:
ياعين فابكي للوليد … بن الوليد بن المغيرة
قد كان غيثاً في السنين … ورحمة فينا وميرة
ضخم الدسيعة ماجداً … يسمو إلى طلب الوتيرة.
مثل الوليد بن الوليد … أبي الوليد كفى العشيرة
فسمع النبي ﷺ قولها، فقال: ما اتخذتم الوليد إلا حناناً، فسموه عبد الله .
ومما يشير إلى فصاحة أم سلمة رضي الله عنها، وامتلاكها ناصية البيان ما كتبته إلى عائشة أم المؤمنين رضي الله عنهما، حينما عزمت على الخروج إلى وقعة الجمل قالت: من أم سلمة زوج النبي إلى عائشة أم المؤمنين، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو، أما بعد : لو علم رسول الله ﷺ أن النساء يحتملن الجهاد، عهد إليك، أما علمت أنه نهاك عن الفراطة في الدين، فإن عمود الدين لا يثبت بالنساء إن مال، ولا يرأب بهن إن انصدع .. جهاد النساء غض الأطراف، وضم الديول، وقصر الموادة.
ما كنت قائلة لرسول الله ، لو عارضك ببعض هذه الفلوات ناصة قعوداً من منهل إلى منهل ، وغداً تردين على رسول الله ، وأقسم لو قيل لي : يا أم سلمة، ادخلي الجنة، لاستحييت أن ألقى رسول الله ﷺ هاتكة حجاباً ضربه علي، فاجعليه سترك، وقاعة البيت حصنك، فإنك أنصح ما تكونين لهذه الأمة، ما قعدت عن نصرتهم. ولعلك قرأت حديث الهجرة الذي مر معنا، ولاحظت فصاحة أم سلمة رضي الله عنها، ومرت معك جمل من روائع قولها، وبدائع لفظها حينما قالت عن النجاشي: أقمنا عنده بخير دار، مع خير جار.
وقولها: أمنا على ديننا، وعبدنا الله تعالى لا نؤذى ولا نسمع شيئاً نكرهه .
ولام سلمة رضي الله عنها كلام يفيض فقها وعلماً، كأنه خرج من نبع النبوة، اسمع قولها : من خرج في طاعة الله فقال: اللهم إني لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا رياء، ولا سمعة، ولكني خرجت ابتغاء مرضاتك واتقاء سخطك، فأسالك بحقك على جميع خلقك أن ترزقني من الخير أكثر مما أرجو، وتصرف عني من الشر أكثر مما أخاف استجيبت له بإذن الله.
ولما توفيت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، حضرت أم سلمة وفاتها، وجعلت تقول: رحمك الله وغفر لك، وعرفنيك في الجنة.
سيرتها المعطاء. والأمثلة كثيرة على فصاحة أمنا أم سلمة، وقد مر بنا بعضها خلال غضون

راوية الحَدِيثِ

أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها، إحدى النساء اللاتي أكثرن الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يتقدمها في الرواية من نساء النبي سوى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.
وأم سلمة رضي الله عنها، قد وعت الحديث الشريف، وتفقهت بأمور الدين والشريعة الغراء، حتى كانت تعد من فقهاء الصحابيات، وممن يرجع إليها في بعض الأمور والأحكام والفتاوى، وخصوصاً فيما يخص فقه المرأة المسلمة وفيها يتعلق ببعض أحكام الرضاع، أو الطلاق، أو ما شابه ذلك، وقد ورد أن سيدنا عبد الله بن عباس كان يرسل فيسألها عن بعض الأحكام.
وتعتبر أم سلمة رضي الله عنها واحدة ممن يرجع إليها بالفتيا في عهد الصحابة، وهي من المتوسطين فيها روي عنهم من الفتيا، وهم ثلاثة عشر فقط هي أولهم وهم : أم سلمة أم المؤمنين، أنس بن مالك، أبو سعيد الخدري، أبو هريرة، عثمان بن عفان، عبد الله بن عمرو العاص ، عبد الله بن الزبير، أبو موسى الأشعري سعد بن أبي وقاص، سلمان الفارسي، جابر بن عبد الله، معاذ بن جبل، وأبو بكر الصديق.
قال ابن حزم : ويُضاف إليهم ؛ طلحة بن عبيد الله، الزبير بن العوام عبد الرحمن بن عوف، عمران بن الحصين أبو بكرة، عبادة ابن الصامت ومعاوية بن أبي سفيان”. وأما الثروة الحديثية التي أثرت عن أم المؤمنين أم سلمة فتبلغ ثلاثمئة وثمانية وسبعين حديثاً، حفظتها عن رسول الله .
وقد أخرج لها منها في الصحيحين (۲۹) حديثاً والمتفق عليه (۱۳) حديثاً انفرد البخاري بثلاثة أحاديث، ومسلم بثلاثة عشر.
وأحاديثها منثورة أيضاً عند أصحاب السنن الأربعة وفي المسانيد.
هذا وقد روت أم سلمة عن النبي ﷺ ، وعن أبي سلمة، وعن فاطمة الزهراء رضي الله عنهم جميعاً.
أما الذين رووا عن أم المؤمنين أم سلمة فكثر؛ فممن روى عنها من رجال الصحابة : عبد الله بن عباس، وأبو سعيد الخدري، وابنها عمر رضي الله عنهم.
وأما من روى عنها من نساء الصحابة؛ فعائشة أم المؤمنين، وابنتها زينب رضي الله عنهما.
وروى عنها عدد غفير من كبار التابعين من الرجال منهم : سعيد بن المسيب، والشعبي، ومجاهد وعطاء بن أبي رباح، وسليمان بن يسار، وعروة بن الزبير، وآخرون.
وأما من روى عنها من نساء الصحابة والتابعين، فكثيرات أيضاً منهن : خيرة أم الحسن البصري، وهند بنت الحارث الفراسية، وصفية بنت شيبة وصفية بنت محصن وغيرهن .
ومن مرويات أم سلمة رضي الله عنها ما ورد في الصحيح عن هند بنت الحارث الفراسية؛ عن أم سلمة زوج النبي ﷺ – وكانت من صواحباتها – قالت : كان يسلم فينصرف النساء فيدخلن بيوتهن من قبل أن ينصرف رسول الله ﷺ. وما رواه الشيخان عن أم سلمة قالت: قلت يا رسول الله، هل لي أجر في بني أبي سلمة أنفق عليهم ولست بتاركتهم هكذا وهكذا، إنما هم بني؟ قال : نعم لك أجر ما أنفقت عليهم.
ومن مرويات أمنا أم سلمة ما أخرجه لها أصحاب الصحيح والسنن والمسانيد وغيرهم، بسند إلى زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنما أنا بشر، وأنتم تختصمون إلي، ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه منه شيئاً، فإنما أقطع له قطعة من النار .
وقد نقلت لنا أم سلمة رضي الله عنها صورة عن دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيها أخرجه الحافظ أبو يعلى – رحمه الله – بسنده عن شهر بن حوشب قال: سألت أم سلمة، قلت: يا أم المؤمنين، ما أكثر دعاء رسول الله ، إذا كان عندك ؟ قالت: كان أكثر دعائه: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. قالت: فقلت له : يا رسول الله، ما أكثر دعاءك يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك !.. قال: يا أم سلمة، إنه ليس من آدمي إلا وقلبه بين إصبعين من أصابع الله، ما شاء الله أقام وما شاء أزاغ .
ونقلت كذلك إلينا أم سلمة دعاء الحبيب المصطفى في السفر، قالت : كان النبي إذا خرج في سفر يقول :اللهم إني أعوذ بك أن أذلّ، أو أضل، أو أظلم، أو أظلم، أو أجهل، أو يجهل علي .
ومن مروياتها في آل البيت النبوي، ما رواه الإمام أحمد من حديث أم سلمة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أهلوا يا آل محمد بعمرة عمرة في حج» .
والأحاديث التي روتها أم سلمة رضي الله عنها كثيرة منثورة في دواوين الحديث الشريف، ولا يمكن استقصاؤها في بحثنا هذا، وبحسبنا في المجال ما يدل على فضلها وفضل عائشة رضي الله عنها، ما ذكره البلاذري بسنده عن محمود بن لبيد قال: كان أزواج النبي يحفظن من حديث النبي ﷺ كثيراً، ولا يمثل عائشة وأم سلمة.

وَفَاةُ أَمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها

بلغت أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها من الكبر عتيا، وتجاوزت الثمانين، وعاشت الخلافة الراشدة، وامتدت بها الحياة إلى عهد يزيد بن معاوية .
كانت حياة أم سلمة مفعمة بالأحداث الكثيرة، ولكن حياة العلم ، ورواية الحديث هي الغالبة على حياتها، إذ كانت إحدى المراجع الفقهية في صدر الإسلام، وكان يؤخذ برأيها.
هذا وقد كانت أم سلمة رضوان الله عليها آخر من مات من أمهات المؤمنين الطاهرات، وهي إحدى الصحابيات المعمرات اللاتي تخطين الثمانين، وقد توفي رسول الله ﷺ وهو راض عنها، وعن بنيها، وكان بيتها أحد مراكز الإشعاع العلمي والفقهي للصحابة والتابعين والعلماء من شتى الأمصار.
قال ابن أبي خيثمة والذهبي – رحمهما الله – : عمرت أم سلمة رضي الله عنها حتى بلغها مقتل الحسين الشهيد، فوجمت لذلك وغشي عليها، وحزنت عليه كثيراً، ثم لم تلبث بعده إلا يسيراً، وانتقلت إلى الله تعالى، وذلك في ولاية يزيد بن معاوية، وكان ذلك سنة إحدى وستين على الصحيح، وقد عاشت نحواً من تسعين سنة رضي الله عنها .
وقيل ماتت وعمرها ٨٤ سنة رضي الله عنها .
ولما توفيت أم سلمة أوصت أن يصلي عليها أبو هريرة رضي الله عنهما، ودخل قبرها ابناها عمر وسلمة وعبد الله بن عبد الله بن أبي أمية، وعبد الله بن وهب بن زمعة، ودفنت بالبقيع إلى جانب أمهات المؤمنين وأهل البيت النبوي الأطهار. ومن الجدير بالذكر أنه أول من مات من أزواج النبي زينب بنت جحش، توفيت في خلافة عمر رضي الله عنه، وآخر من مات أم سلمة زمن يزيد بن معاوية سنة ثنتين وستين رضي الله عن أم المؤمنين أم سلمة، وجعلها في عباده المتقين، مع آل البيت المحمدي الطاهر.

(نساءُ أهل البيت في ضوء القرآن والحديث )

شارك هذا المقال:

مقالات مشابهة