أمّ المؤمنين حفصة بنت عمر ضي الله عنها

صوامة، قوامة، تقية، نقية، من أهل الجنة، تلميذة نجيبة في مدرسة نساء أهل البيت، وقد حفظت ستين حديثاً .

  • فقيهة عالمة من عالمات النساء في عصر النبوة، كانت من الكاتبات، وكانت حارسة للقرآن الكريم، وكان لها أثر كريم في جمع القرآن الكريم، فضائلها كثيرة جداً، وتوفيت بالمدينة سنة (٤٥هـ).

طِيبُ عَرْفِ العُودِ

هل نستطيع أن نهمس في أذن الجوزاء لنقول: إن ضيفة حلقتنا اليوم تنتظم في عقد أهل البيت الذي أذهب الله عنه الرجس وطهّره تطهيراً؟! ومن تكون ضيفتنا هذه التي ترصع كتابنا بذكرها؟ وتمتع الأسماع بسيرتها وسيرة من انتظمن في العِقْدِ الفريد، العِقْد النبوي تحت ظلال بيته الشريف؟ .
قبل أن تفصح عن هويتها، لا بد و أن نعرف أن أباها معروف بطيب عرف عوده، ثابت الأصول في الحسب والنسب معروف عند الخاص والعام، ومن منا لا يعرف الذي لا تطيب المجالس إلا بذكره؟ ولا تحسن السير إلا بصحبته ؟ .
ذلكم هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والد ضيفتنا اليوم، وإن شئت فَقُلْ : مَنْ نحن في ضيافتها، ومن نعيش أرغد اللحظات في أفياء سيرة حياتها، وحياة أهل البيت النبوي الكرماء، فما أمتع اللحظات التي نقضيها مع سير أعلام النبلاء!!!
وهذه الكريمة ابنة الكريم النبيلة ابنة النبيل، اختصتها أم المؤمنين عائشة بقولها : (هي التي كانت تساميني من أزواج النبي ). ولم تكن أم المؤمنين عائشة لتخلع هذا الثناء على ضرتها من أجل الثناء فحسب، وإنما كانت ضرتها من النسوة اللاتي ذهب الدهر بمقالاتهن، وعرف مقاماتهن فضلاً وديناً وصيانة وورعاً . بقوله : عندما بدأ الحافظ أبو نعيم الأصبهاني – رحمه الله – في ترجمتها، قدم لها الصوامة القوامة، المزرية بنفسها اللوامة، وارثة الصحيفة الجامعة للكتاب .
وهل هناك منزلة أرفع في العيادة من الصلاة والقيام ؟! وهاتان الصفتان من أخص صفات ضيفتنا في هذه الصفحات. إذن فحديثنا سيكون عن واحدة ممن شملتهن العناية الإلهية، فارتقين إلى سدة أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، وهي كما ذكرها الذهبي – رحمه الله – حفصة أم المؤمنين، الستر الرفيع بنت أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنها وعنه .

لَحَظَاتٌ مَعَ السَّابِقِينَ

الحياة حلوة رقيقة متدفقة بعطائها مع قصص السابقين الأولين إلى دوحة الإيمان الباسقة هؤلاء السابقون هم الصفوة المختارة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أولئك الذين تلاشت قلوبهم في محبته واتباعه، وعرفوا الله عز وجل عن طريقه، فاستضاءت نفوسهم به واستنارت عقولهم بهديه، وفاءت قلوبهم إلى ذكره آناء الليل وأطراف النهار.
من هؤلاء السابقين، حفصة ابنة الفاروق رضي الله عنهما، حيث نشأت، ونشأ معها حبها للإسلام، ومنذ أن عرفت الحياة رأت أن الإسلام ينبع من حولها، ويفيض بأنواره على البيت العُمرِي الذي غدا البيت الثاني بعد البيت البكري في أم القرى ومن حولها . رأت حفصة أباها وهو يجهر بإسلامه، ورأت أخوالها أبناء مظعون، وهم من سادات الصحابة، كما رأت عمها زيد بن الخطاب أحد فرسان مدرسة النبوة، ورأت عمتها فاطمة بنت الخطاب وزوجها سعيد بن زيد، رأت هؤلاء جميعاً يهتدون بهدي نور النبوة، فيمشون في نور الله عز وجل، فتهون أمامهم مصاعب الحياة، لأنهم نظروا فرأوا أن الآخرة خير وأبقى …. تفاعلت حفصة رضي الله عنها مع هذه البيئة النقية الطاهرة، ورأت الفيوضات الإلهية تكتنف أباها الذي كان يرى في ابنته حفصة سراً لم يستطع أن يكتشفه وهو في مكة، فقد كان يشعر نحوها بميل وعطف واحترام .
بلغت حفصة من الزواج ، فتقدم لخطبتها أحد أشراف بني سهم، وهو خنيس بن حذافة السهمي وهو أحد أفذاذ السابقين الأولين إلى الإسلام ، أعلن إسلامه مبكراً قبل دخول النبي الكريم ﷺ دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، وكان إسلامه قد تم على يد شيخ الصحابة وسيدهم؛ سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه . تم زواج حفصة بنت عمر من خُنيس بن حذافة، وفرح عمر رضي الله عنه بهذا الزواج الميمون، وبهذا الصهر الكريم، وأخذ الزوجان المؤمنان يتابعان حياة الإيمان تحت ظل الرحمة المحمدية، ولكن جموع فجار المشركين في مكة، غصت وشرقت الإسلام هذه النخبة الممتازة من صفوة المجتمع القرشي، وراحت تصب غضبها على كل من تقدر عليه، وراحت تعارض الدعوة بكل سبيل تَقْدِرُ عليه، وإذ ذاك أخذت جموع المسلمين تنحدر نحو الحبشة، إلى ظل عدل ملكها الذي لا يظلم عنده أحد. كان خُنيس بن حذافة في مقدمة المهاجرين إلى الحبشة، وكان في الثلة التي هاجرت وتركت أرض مكة لتنشر الإسلام في الحبشة، وتنجو من وطأة عذاب المشركين، ولكن خنيساً رضي الله عنه هزه الشوق إلى رسول الله ﷺ، وإلى مرتع صباه في أم القرى، وتذكر البيت العتيق، وراحت الذكريات تراود ذهنه صباح و مساء، فلم يقو على الصبر والبقاء في أرض الحبشة، فشد رحاله وعاد إلى مكة، ومن ثم جاء الأمر بالهجرة إلى عرين الأنصار في المدينة المنورة.
صحب خنيس زوجه المؤمنة الصابرة حفصة بنت عمر، وانطلقا مهاجرين إلى المدينة المنورة، وهنالك استقبله أحد الأنصار الأخيار، وهو رفاعة بن عبد المنذر، الذي أكرم مثواه وأَحْسَنَ نُزُلَه .
ولما تمت هجرة المؤمنين هاجر النبي ﷺ لله ولحق بأصحابه في المدينة، وهناك آخى بين أصحابه، وكان نصيب خنيس في المؤاخاة أحد فرسان الأنصار، وأحد الفدائيين الأخيار ويُدعى أبو عبس بن جبر الأنصاري.
سر خنيس وأبو عبس بهذه المؤاخاة، فكلاهما فارس من فرسان الرسول صلى الله عليه وسلم، ومتخرج في مدرسة النبوة. وهكذا يُعتبر خنيس رضي الله عنه من أصحاب الهجرتين إلى الحبشة، وإلى المدينة المنورة.

زَوْجُ الشَّهِيدِ

كانت حفصة وخنيس رضي الله عنهما يتلقيان تعاليم الإسلام في المدينة المنورة، ويتنعمان بنعيمه، وينعمان بظله، وتابعت حفصة رضي الله عنها حياة العلم وحب المعرفة، فأخذت تحفظ ما يتنزل به الروح الأمين على رسول الله ﷺ وتعيه، وتفكر في معاني القرآن الكريم تفكيراً رفعها إلى مصاف العابدات.
أما زوجها خنيس بن حذافة، فقد راح يرقب تحركات المشركين الذين أخذوا يثيرون الشَّعَب على المسلمين، ويعد نفسه ليوم يلتقي كبارهم كيما يجاهد في سبيل الله حق جهاده. وأطلت السنة الثانية للهجرة على المدينة المنورة، وراحت قريش تعد العدة لقتال المسلمين في بدر، وأقسم زعيم فجار الكفَّار أبو جهل بن هشام قائلاً : (والله لا نرجع حتى نرد بدراً، فنقيم عليه ثلاثاً، فتنحر الجزر، ونطعم الطعام، ونسقى الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبداً بعدها).

وانطلق المشركون نحو بدر، وهناك خرج المسلمون بقيادة الحبيب المصطفى صلى  الله عليه وسلم، وكان من بين جنود الرحمان خنيس بن حذافة زوج حفصة رضي الله عنهما، فقد خرج ابتغاء مرضاة الله عز وجل، وليخرس صوت أبي جهل، وشاركه شرف الخروج ستة من أقرباء وأهل زوجه حفصة وهم : أبوها عمر بن الخطاب وعمها زيد بن الخطاب، وأخوالها : عثمان وعبد الله وقدامة بنو مظعون، وابن خالها السائب بن عثمان بن مظعون فيكون سبعة رجال من أهل حفصة شاركوا في غزاة بدر، ونظموا في عقد البدريين الذين قيل لهم : اعملوا ما شئتم فقد وجَبَتْ لكم الجنة، وكانوا من خيار المسلمين. وجاهد خنيس رضي الله عنه في معركة بدر حق الجهاد – ولم يكن من بني سهم غيره في فريق المسلمين – وقاتل قتالاً شديداً أغاظ به المشركين، إذ خاض في صفوفهم ومزقها، وراح أبطال المسلمين وفيهم فتى بدر سيدنا علي بن أبي طالب، وفتى قريش حمزة بن عبد المطلب ، يفعلان بالمشركين الأفاعيل أيضاً . كان خُنيس يرى بسالة فرسان المسلمين فيزداد اندفاعاً، وشاهد وشهد أسد الله وأسد رسوله يمشي إلى الكفار، وقد أطل من حسامه المنون، فما أن يرى صناديدهم ريشة النعام التي في صدره حتى تنخلع قلوبهم، فقد بدأ المعركة بقتل عدد من أسيادهم منهم : ( عتبة بن ربيعة ) العبشمي، والأسود بن عبد الأسد المخزومي، وعقيل بن الأسود وغيرهم. أما خنيس بن حذافة رضي الله عنه فقد راح يقاتل بضراوة وبسالة، حتى أصابته سيوف المشركين في مواضع من جسمه، وانبعثت الدماء من جروحه، لكنه ظل يقاتل مع المسلمين حتى ولى المشركون الأدبار، وهم لا يلوون على شيء.
هذا، وقد وضعت الحرب أوزارها، ولما تغب شمس ذلك اليوم، وفرح المؤمنون بنصر الله عز وجل، حيث تم القضاء على أعمدة الشرك وغطارفتهم كأبي جهل بن هشام، وعتبة وشيبة ابني ربيعة، وأمية بن خلف، وغيرهم ممن لاقوا حتفهم في بدر، وغرقوا في طوفان الخزي تحت التراب والحجارة، وقذفوا في قليب بدر، وتلك نهاية الظالمين. بقي رسول الله ﷺ ثلاثة أيام في بدر، ريثما استرد المسلمون نشاطهم، وكان خنيس قد توقف النزف من جراحه، وها هو يسير في ركاب رسول الله ﷺ وَمَنْ معه تخفق على رؤوسهم رايات النصر، وفي المدينة أخذ سهمه من الغنائم، وعاد خنيس إلى زوجه حفصة التي تلقت أنباء النصر الإلهي من قبل، وأثنت على زوجها الذي عاد وآثار الجهاد على جسمه، تشهد له لا عليه، وربما حدثها خنيس عما لا قوة من العناية الإلهية في هذه الغزوة المباركة. نزل القرآن الكريم يشرح خطوات تلك المعركة، وقرأت حفصة سورة الأنفال، ويبدو أنها توقفت كثيراً عند قوله تعالى : {وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم} [الأنفال: ١٠]
وفرحت حفصة بنصر الله، وراحت تعالج جراح زوجها، فقد أخذت تنتقض عليه وتؤثر على صحته؛ ولكن الله عزَّ وجلَّ كَتَبَ له الشهادة، فلم تمض أيام قلائل حتى أسلم روحه إلى بارئها، ومات خنيس رضي الله عنه متأثراً بجراحاته وكتب في قائمة الشهداء الذين هم أحياء عند ربهم يرزقون.
ولما علم رسول الله ﷺ بوفاة خنيس ، صلى عليه، وأَمر أَنْ يُدفن في البقيع إلى جانب السلف الصالح عثمان بن مظعون خال حفصة رضي الله عنهم جميعاً .
وحزنت حفصة حزناً شديداً على زوجها خنيس الذي قضى نحبه بعد زواج لم يطل كثيراً، ولكن أمر الله كان قدراً مقدورا. أسلمت حفصة أمرها إلى الله، واستسلمت لقضائه الذي لا مرد له، وانصرفت لعبادتها وصلتها مع الله عز وجل، وفي بيت أبيها واصلت طاعة الليل بعبادة النهار، ووصلت الصلاة بالصيام ، لعل الله يجبر كسرها، فقد ترملت ولم ينقض ربيعها الثامن عشر.

حَفْصَةً وَسُنَّةٌ حَسَنَةٌ

بقيت حفصة أرملة بضعة أشهر، وكانت بوادر الذكاء ظاهرة على قسمات وجهها، وكذلك كانت بوادر الحزن ما تزال مرتسمة تبدو على تصرفاتها، ولم تخف علائم الحزن على العبقري الذكي عمر الذي كان ينظر بعينه اللماحة، ويبصر بنور البصيرة ما تعانيه حفصة ابنته من ألم وضيق، ولكنه كان يشعر بالسرور يغمر أرجاء نفسه حينما يلحظ تعلقها بالعبادة، وصلتها بالصلاح ومحامد المكارم.
كان الحبيب المصطفى يسأل عن أحوال أصحابه، وعن شؤونهم ولا شك أنه عرف ما حل بزوج الشهيد خنيس، وابنة صديقه عمر بن الخطاب، وها هي الآن في عدتها، وقد رثى لحالها.
ويبدو أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه، وهو الصديق الصدوق، قد لاحظ أن رسول الله ﷺ يعرض بخطبة حفصة كيما تدخل رحاب البيت النبوي لتغدو إحدى أمهاته اللاتي أذهب الله عنهن الرجس، وأكرمهن ومن عليهن بالطهارة، ولكن سر رسول الله ﷺ ، سيحفظ في صدر الصديق أبي بكر ولن يطلع عليه أحد. أحب الفاروق عمر أن يسن سنة حسنة في المجتمع الإسلامي، فأخذ يبحث عن منبع السعادة لابنته حفصة بطريقة لعلها تكون جديدة على الصحابة الكرام ولكنها منطقية، فيها دفء الإسلام، وصدق الحنان، وفيها كل معاني الخير والصلاح . وأخذ الفاروق رضي الله عنه يفكر في الطريق الذي تثمر فيه فكرته التي برقت في ذهنه منذ فترة، فوجد أن أقرب الأساليب لتحقيقها أن يفاتح أحبابه وأصحابه بما يعتمل في صدره، وبما يجول في خاطره.
نظر عمر رضي الله عنه إلى صديقه عثمان بن عفان، فإذا بعثمان يتلوى من الألم والحزن على فراق زوجه رقية ابنة رسول الله ﷺ، وتكاد نفسه تذوب حزناً على فراقها، وإن بين ضلوعه ناراً تتلظى، وفي الحلق جفاف، وفي القلب سهام على رحيل ابنة الحبيب المصطفى .
رفرفت على شفاه عمر فكرة ؛ أيمسح آلام عثمان بن عفان بأن يعرض عليه ابنته حفصة كيما تكون زوجاً له، وهو يعلم أن حفصة ليست كرقية بنت النبي ﷺ ، ولكنه أثر أن يبعد عنه وحشة الوحدة، ولما قويت في ذهنه هذه الفكرة، تعرض لعثمان رضي الله عنه وعرض عليه – بعد أن واساه برقية – وقال له : إن شئت أنكحتك ابنتي حفصة! … ويظهر أن عثمان رضي الله عنه قد هزته هذه المفاجأة، ولكنه أجاب عمر إجابة شافية فقال: سأنظر في أمري.
ولبث عمر بضعة أيام، ثم لقي عثمان ثانية، وذكره بزواج ابنته حفصة، فقال عثمان : دعني يا ابن الخطاب، فقد بدا لي أن لا أتروج في يومي هذا.
وشعر عمر بن الخطاب إذ ذاك بضيق يجثم على صدره، ووجد في نفسه شيئاً من عثمان أن رفض ابنته العابدة القانتة، وربما عَذَرَ عثمان، فحزنه على زوجه رقية ما يزال يحز بنفسه.
مكث عمر أياماً يفكر بمن يعرض عليه ابنته، فإذا به يلتقي الصديق، ومن كالصديق ؟ إنه نعم الصديق، ونعم العون على المصاعب، وربما يجد عنده السعادة لابنته حفصة، فتقدم منه وقال له : يا أبا بكر إن شئت زوجتك حفصة ابنة عمر . . وهنا صمت أبو بكر رضي الله عنه بعد أن ارتسمت على شفتيه ابتسامة رقيقة رفيقة بعمر، ولكن عمر وجد عليه أكثر من عثمان، وتأثر من موقف هذين الصَّدِيقين اللذين أحب أن يكونا عوناً على ما حل به وبابنته، وحَسِبَ أَنه قد سَن سنة حسنة نحوهما، وأسدى إليهما معروفاً يزيد من رصيده عندهما، إلا أن عمر رضي الله عنه لم يتوقف عند ذلك الحد، وأحب أن يبث حزنه إلى حبيبه محمد، وذهب إلى الحبيب المصطفى ، وشكى حاله، فقال له رسول الله ﷺ مواسياً مبتسماً : «يتزوج حفصة من هو خير من عثمان، ويتزوج عثمان من هي خير من حفصة» .
ومضت أيام فإذا النبي الله يزوج عثمان ابنته أم كلثوم بعد وفاة أختها رقية ؛ وبرقت في ذهن عمر فكرة ندية ؛ حقاً إن أم كلثوم خير من حفصة!!! ولكن من هو خير من عثمان؟ وأشرقت في نفس عمر بارقة أمل رفيقة، أيكون الرسول ﷺ خيراً من عثمان ؟! أتكون حفصة زوجاً له ؟ إن رسول الله ﷺ يتزوج بوحي إلهي، وهو والله خير من عثمان وعمر وآل عمر. وجاء ما بنفس عمر، فقد خطب رسول الله ﷺ ابنته حفصة، ثم تزوجها، وارتقت إلى شرف لا يدانيه شرف، إذ أضحت من أمهات المؤمنين وهذا ما جعل عمر رضي الله عنه يسعد بهذا النسب الكريم.
وفي هذه الواقعة اللطيفة يقول سعيد بن المسيب – رحمه الله – وهو أحد كبار فقهاء التابعين : فَخَارَ الله لهما جميعاً ؛ كان رسول الله ﷺ لحفصة خيراً من عثمان وكانت بنت رسول الله ﷺ لعثمان خيراً من حفصة وبرز الصديق أبو بكر رضي الله عنه ليعتذر من عمر قائلا له : لا تجد علي يا عمر، فإن رسول الله ﷺ قد ذكر حفصة، فلم أكن لأفشي سير رسول الله ﷺ، ولو تركها لتزوجتها .
وهنا ظهر لعمر مقام سيدنا أبي بكر، وأوليته في مقام الصدق، وصون سير رسول الله صلى الله عليه و سلم، وأدرك الحكمة الإلهية من هذا الزواج الميمون، وحمد الله عز وجل، وهتف قائلا : هذا من فضل ربي ليبلوني الشكر أم أكفر {ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم} [النمل: ٤٠].

وطفق عمر رضي الله عنه يثني على الله عز وجل بما هو أهله، ويكثر من شكره أن من عليه وعلى ابنته بالنبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، الذي أخرجهم من الظلمات إلى النور، وجبر كسره وكسر حفصة، حيث أضحى زوجاً لابنته العابدة القانتة.
كان هذا الزواج الميمون المبارك على الراجح سنة ثلاث من الهجرة النبوية، وكانت حفصة إذ ذاك تقترب من عشرين سنة رضي الله عنها، هذا وقد سبقتها إلى البيت النبوي الطاهر سودة بنت زمعة، وعائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، وكان عمر يوصي حفصة ألا تزاحم ابنة الصديق في شيء، وخاصة رسول الله ﷺ الذي عُرف بحبه لعائشة وأبيها، وربما كان يوصيها بقوله : أين أنت من عائشة وأين أبوك من أبيها ؟!.

حَفْصَةُ وَعَائِشَةُ رضي الله عنها

عندما دخلت حفصة البيت النبوي زوجة كريمة لرسول الله ﷺ ، عَمِلَت جهدها كله لتكسب مرضاة الله عز وجل، ومرضاة رسوله ، وبذلت من الرصانة والتقوى وحب المعرفة، ما أحلها محلاً كريماً لدى النبي الكريم ، فقد كانت في عصمته ورعايته، يفيض عليها من عطفه ومودته ما جعلها تخطو في العلم والتقوى خطوات عظيمة جعلت منها تلميذة نبوية نجيبة، وكانت حفصة تعمل لتصل إلى درجة الصديقة عائشة في العلم واكتساب رضا النبي الكريم ﷺ .
ظلت وصية عمر رضي الله عنه ماثلة أمام عيني حفصة بألا تزاحم الصديقة بنت الصديق في شيء، وحاولت حفصة بوسعها أن تنفذ هذه الوصية بحذافيرها، وكان عمر يتفقد أحوال حفصة من حين لآخر، ويراقب سلوكها في البيت النبوي الطاهر … كانت حفصة رضوان الله عليها تدرك أنها ليست في درجة عائشة في العلم، لا ، بل عائشة قد سبقتها إلى قلب النبي ، وسبقتها بعلمها وفطنتها وإدراكها، ولهذا كله لزمت حفصة الوصية العمرية، وأحبت أن تكون في صف عائشة رضوان الله عليها مهما تكن الأحوال والظروف . وفي غضون السنوات القليلة القادمة، وقدت إلى البيت النبوي الطاهر زوجات أخريات، وانضمت إلى حفصة وسودة وعائشة نساء كُن أمهات للمؤمنين، فلم تبق الأمور على ما كانت عليه، ويبدو أن الغيرة قد تسللت إلى نفس حفصة، ووجدت فيها بعض الضعف البشري، فكان رسول الله ﷺ يعالج بحكمته تلك الأمور علاجاً رفيقاً رقيقاً كمس الندى للزهر، وكالأم الرؤوم لوحيدها الرضيع .

لا تُرَاجِعِي رَسُولَ الله قلنا

إن عمر رضي الله عنه كان يهتم بأَمْرِ النبي الكريم ﷺ، ويعمل على مرضاته بكل سبيل وكان ينقل شعوره هذا إلى ابنته حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها، ولكن حفصة وأمهات المؤمنين عِشْنَ في كنف رسول الله ﷺ الذي كان يعاملهن معاملة رفيقة رقيقة، لم تكن عند أحد من الصحابة الكرام رضي الله عنهم، وربما استغرب أحدهم وأخذه العجب من تلك المعاملة الندية لأمهات المؤمنين اللاتي يراجعن رسول الله ﷺ أحياناً في بعض الأمور، ويسألنه عن بعض الآيات أو الأحكام أو الأمور الفقهية، وما شابه ذلك، فكان يجيبهن بحكمة تناسب سؤالهن على وجه الاسترشاد والتعليم.
وفي مثل هذه الأمور وردت في حياته مع زوجاته الطاهرات، ومع أصحابه الكرام، أو من كان يفد عليه، وقد كانت حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها ممن استر شدتِ الحبيب الأعظم في بشارته الشجريين بالجنة.
ففي صحيحه أخرج الإمام مسلم – رحمه الله – بسنده إلى جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه قال: أخبرتني أم مبشر أنها سمعت النبي ﷺ يقول عند حفصة : «ولا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها». قالت: بلی یا رسول الله ؛ فانتهرها .
فقالت حفصة: {وإن منكم إلا واردها} [مريم: ۷۱].
فقال النبي ﷺ : قد قال الله عز وجل : {ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جنيا}[مريم: ۷۲]. والذي يظهر أن هذا الخبر قد انتشر بين نساء المدينة، وعلمت به نساء النبي، ونساء الصحابة رضوان الله عليهم جميعاً، وعرفن ما جرى بين النبي ﷺ وبين حفصة، وكيف أرشدها إلى الفهم السليم الصحيح. وفي يوم من الأيام، كان عُمر بن الخطاب عليه سحائب الرضوان يحادث زوجه بحديث فيما بينه وبينها، واعترضت عليه في أمر من الأمور، فكبر عليه ذلك أن تعترض عليه زوجه، ورأى أن هذا التصرف غير عادي ، وكاد ينزل غضبه بها لولا أن أخبرته أنها ليست وحدها تراجعه، وإنما هناك من هي أفضل منها تراجع من هو أفضل منه ؛ ابنته حفصة أم المؤمنين .. ويبقى رسول الله ﷺ سائر يومه غضبان . كان عمر يسمع كلام زوجه وهو شبه مذهول لما يتلقى ، كأنها تتحدث بشيء من السحر، قال عمر في نفسه : أتراجع حفصة رسول الله ﷺ؟ لا أكاد أصدق ما أسمع، لعل في الأمر شيئاً ؟! .
لم يتوقف عمر بعد أن سمع ما سمع ، فوضع ملابسه على كتفه، ثم انطلق مسرعاً نحو المسجد النبوي الشريف ثم يمم نحو بيت حفصة أم المؤمنين، فدخل عليها والغضب يبدو في وجهه، ثم توجه إليها بالسؤال مستفهماً فقال : يا بنية، هل صحيح أنك تراجعين رسول الله ﷺ حتى يظل يومه غضبان؟! فتجيب حفصة إجابة طبيعية : نعم يا أبت، والله إنا لنراجعه …
قال عمر : وهل تهجره إحداكن اليوم إلى الليل ؟ قالت حفصة: نعم يا أبت.
وهنا قال عمر بلهجة صارمة : تعلمين يا حفصة أني أحذرك عقوبة الله عز وجل، وغَضَبَ رسوله الكريم ﷺ، وقد خَابَ مَنْ فَعَلَ ذلك منكن وخسير، أفتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله! .
ثم أضاف عمر قائلاً وقد بين لها مكانتها ومكانها في البيت النبوي : يا بنية لا يغرنك هذه – أي عائشة – التي قد أعجبها حسنها، وحُبُّ رسول الله ﷺ إياها! لا تراجعي رسول الله ﷺ وتسأليه شيئاً، وسليني ما شئت وما بدالك .
ثم إن سيدنا عمر رضي الله عنه أخبرها بواقعة حالها من البيت النبوي وقال لها : والله لقد علمت أن رسول الله ﷺ لا يحبك، ولولا أنا لطلقك .. وصمتت حفصة رضي الله عنها، واستجابت لنصيحة والدها، وقد كانت سامعة مطيعة لرسول الله ، ولكن لم تكن وحدها التي تراجع النبي ، بيد أن عمر لم يرد لابنته أن تسلك هذا السلوك، بل تتأدب مع رسول الله ﷺ بأدب النبوة، وتؤدي ما عليها تجاه ربها وزوجها رسول الله ، وتجاه البيت النبوي الطاهر الذي أذهب الله عنه الرجس وطهره تطهيراً.

حَفْصَةً وَمَارِيَةٌ وَدَرْسٌ قُرآني لَطِيفٌ

لما قدم سيدنا حاطب بن أبي بلتعة من سفارته الموفقة من مصر، جاء وبصحبته هدايا من المقوقس عظيم القبط، ومن بين الهدايا جاريتان لهما مكان في القبط العظيم هاتان الجاريتان هما مارية وسيرين بنتا شمعون.
وبينما كان حاطب في طريق عودته إلى المدينة المنورة، عرض الإسلام على مارية القبطية ورغبها فيه، ففتح الله على بصيرتها، ورأت ببصيرتها محاسن الإسلام، فأسلمت وشهدت شهادة الحق، وكذلك أسلمت أختها سيرين.
في المدينة المنورة اتخذ النبي ﷺ مارية سرية له، وأنزلها في بيت الحارثة بن النعمان الأنصاري، فكانت مارية على قرب من مسجد النبي ﷺ، وقرب دور نسائه الطاهرات رضي الله عنهن . وأعاد وفود مارية القبطية في هدايا المقوقس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، واصطفاؤها لنفسه ذكريات بعيدة، ذكريات ندية عبقة، ترشح برحيق القرآن الكريم، ذكريات إهداء ملك مصر في الماضي البعيد، السيدة هاجر المصرية إلى إبراهيم خليل الرحمن وأبي الأنبياء – عليه السلام – إذ أضحت هاجر أم العرب لما أنجبت إسماعيل – عليه السلام – أبا العرب ومن يدري، فلعل مارية هذه تنجب غلاماً زكياً للحبيب المصطفى ؟! راحت نساء النبي ﷺ يرقبن هذه الوافدة الجديدة الجميلة التي قدمت من مصر، وكانت من أشدهن مراقبة لها : عائشة وحفصة رضي الله عنهما، ولما كانت حفصة وعائشة صديقتين لا سير بينهما، فقد راحت كل واحدة منهن تبث للأخرى قلقها ومخاوفها من هذه القبطية التي أخذت نصيباً من وقتِ رسول الله ﷺ. وذات يوم كان رسول الله ﷺ في بيت أمنا حفصة رضي الله عنها، فاستأذنت حفصة في زيارة أبيها – أو عائشة – فأذن لها ، وحدث أن أتت مارية، فدخلت بيت حفصة، وأقامت مع النبي ﷺ زمناً ؛ وعادت حفصة من زيارتها فأبصرت مارية في بيتها، فلم تدخل، وجعلت تنتظر خروجها، فلما خرجت مارية، دخلت حفصة على النبي ﷺ وقالت له : لقد رأيتُ من كان عندك في البيت.
ثم حملتها الغيرة على البكاء فقالت : يا رسول الله ، لقد جئت إلي بشيء ما جئت به إلى أحد من نسائك في يومي وفي بيتي، وعلى فراشي، والله لقد سببتني، وما كنت لتصنعها لولا هواني عليك.
ورأى الرسول الكريم الله الغيرة ترتسم على وَجْهِ حَفْصَةً، وأدرك أن هذه الغيرة قد تدفعها إلى إذاعة ما رأت والتحدث به إلى صديقتها عائشة، أو إلى غيرها من أزواجه، فأراد إرضاءها بما يدفع غيرتها عن مارية، فقال لها: «ألا ترضين أن أحرمها فلا أقربها؟» قالت حفصة: بلى يا رسول الله .
وحلف لها أن مارية عليه حرام إذا هي لم تذكر شيئاً مما رأت، وقال لها : ولا تذكري ذلك لأحد، ووعدته حفصة أن تفعل ذلك، وألا تتحدث بحديث مارية . لكن الغيرة لم تترك حفصة دون أن حركت مَكَامِنَ السِّرِّ فيها، فلم تستطع كتمان ما وعدت، بل انطلقت إلى صفيتها عائشة رضي الله عنهما، وقالت لها : لقد حرم رسول الله ﷺ مارية على نفسه. ويعتقد أن الأمر لم يقف عند عائشة وحفصة، بل سرعان ما ذاع الخبر بين أزواج النبي ، ولعلهن جميعاً قد رَأَيْنَ ولاحظن أن مارية قد اقتعدت مكانة رفيعة عند رسول الله ﷺ ، فتابعن عائشة وحفصة حين ظاهرتا على النبي ﷺ على إثر قصة مارية المصرية.
وعرف رسول الله ﷺ أن حفصة لم تكتم عليه، وأنها أنبأت عائشة بأمر مارية القبطية، فلما أخبرها ببعض ما أسرته لعائشة تعجبت وقالت: من أنباك هذا ؟ قال: «نباني العليم الخبير». عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكاراً} [التحريم : ١ – ٥] .
وعند ذلك كفر رسول الله ﷺ عن يمينه ، وثاب إلى نسائه رشادهن، وعاد إليهن وهن عابدات مؤمنات تاثبات إلى الله عز وجل، وعادت إلى حياته البيتية السكينة، وخيم الاستقرار والصفاء على البيت النبوي الطاهر، وازدادت حفصة يقيناً بالله، وازدانت بخلعة الإنعام التي أكرمها الله بشرف أمومة المؤمنين، وراحت ترقب كل ما يرضي رسول الله ، لكي تسارع إلى تلبيته ومرضاته. وأحسب أنها كانت تقرأ دائماً : {عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكاراً} [التحريم : ١٥] فتسارع إلى اجتذاب رضاء النبي ﷺ عليها بكل ما تستطيع من سبيل.

أثارة من كريم شمائلها

عاشت حفصة رضي الله عنها في البيت النبوي الطاهر تمارس واجباتها على أكمل وجه، تصوم النهار، وتقوم من الليل، حتى جاءتها شهادة زاكية زكية، حملها جبريل الأمين عليه السلام إلى رسول الله ﷺ فيها كرامة ومكرمة لحفصة.
قال جبريل عليه السلام عن حفصة أم المؤمنين : إنها صوامة، قوامة، وهي زوجتك في الجنة. وفي رواية: «إنها صؤوم قؤوم، وإنها من نسائك في الجنة ، وقد شهد شاهد من أهلها بحسن صلتها بالله عز وجل بكثرة الصيام، فقد قيل: إنها ماتت حتى ما تفطر. ومنذ نشأة حفصة في بيت أبيها عمر، عُرفت بين أترابها بذكائها وفطنتها، ولما أشرق نور الإسلام على مكة، آمنت مع السابقات وهي في سن مبكرة، مما ساعدها على تنمية مواهبها، حيث كانت ذكية النظرات، تلتهم كل ما تجده من معرفة، وكانت تحفظ كل ما تسمعه من آي الذكر الحكيم الذي كان يتنزل ندياً على الحبيب المصطفى ﷺ ولذلك فإنها اشتاقت إلى معرفة الكتابة، فوافتها بذلك إحدى الصحابيات الفاضلات، وشَفَتْ ما بنفسها، وعلمتها الكتابة، هذه المعلمة الكاتبة الفاضلة تدعى : الشفاء بنت عبد الله العدوية القرشية، إحدى فضليات نساء قريش الكاتبات.
أسلمت قديماً، وكانت من المهاجرات الأول، وبايعت رسول الله ﷺ وكانت من عقلاء النساء وفضلاتهن، وكان النبي الكريم يزورها، ويقيل عندها، وكانت قد اتخذت له فراشاً وإزاراً ينام عليه. ولما انتقلت حفصة إلى البيت النبوي ظلت الشفاء رضي الله عنها، تتردد على أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها، وذات يوم دخل النبي ﷺ على حفصة، وكانت الشفاء عندها فقال لها : علميها رقية النملة كما علميتها الكتابة . وفي هذا جواز تعلّم المرأة الكتابة، والالتفات إلى المعرفة، ولعله من نافلة القول أن نشير إلى أن بعض نساء النبي ﷺ يعرفن القراءة أو الكتابة، فقد كانت الصديقة بنت الصديق عائشة رضي الله عنهما تقرأ في المصحف ولا تكتب؛ وكانت أم سلمة أم المؤمنين تقرأ ولا تكتب. وكان هناك بعض الصحابيات الفاضلات ممن كن يعرفن الكتابة منهن : أم كلثوم بنت عقبة الأموية ؛ ومن نساء عصر التابعين كانت عائشة بنت سعد بن أبي وقاص تقول: علمني أبي الكتاب. وكذلك كريمة بنت المقداد وغيرهن كثيرات، ممن كتبن أنصع الصفحات في تاريخ النساء الوضيء المضيء.
ولعل حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها، كانت واحدة من مراجع الفقه في العصر الراشدي، فقد كان عمر رضي الله عنه يعود إليها ليسألها عن بعض الأحكام المتعلقة في فقه المرأة المسلمة، ولئن أبدعت حفصة رضي الله عنها في مجال الفقه والعبادة والصلاح، فقد أبدعت في الأدب، وإنَّ الآثار الأدبية التي وصلتنا عن أمنا حفصة تدل دلالة بينة على بيانها الناصع، وثروتها الأدبية ذات الروافد القرآنية والحديثية، وأعتقد أن أسلوبها الرائع ينم عن ملكاتها الأدبية التي جعلتها من ذوات الفصاحة، وربات البلاغة في عصر النبوة، ولا أجد في هذا المجال أبدع من قولها، عندما طعن عمر رضي الله عنه ولنستمع إلى هذه الفقرات الناصعة عن روعة بيان أمنا حفصة رضي الله عنها إذ تقول : يا أبتاه، ما يحزنك وفادتك على رب رحيم ، ولا تبعة لأحد عندك، ومعي لك بشارة، لا أذيع السر مرتين، ونعم الشفيع لك العدل، لم تخف على الله عز وجل خشنة عيشتك، وعفاف نهمتك ، وأخذك بأكظام المشركين والمفسدين في الأرض.
وقد وَرَدَ أن أمنا حفصة رضي الله عنها ، خَطَبَتْ بعد استشهاد أبيها عمر خطبة في غاية الروعة والجمال والفصاحة نورد منها قولها : الحمد لله الذي لا نظير له، والفرد الذي لا شريك له، أما بعد : فكل العجب من قوم زين الشيطان أفعالهم، ونَصَبَ حبائله لختلهم، حتى هم عدو الله بإحياء البدعة، ونبش الفتنة، وتجديد الجور بعد دروسه، وإظهاره بعد دثوره، وإراقة الدماء، وإباحة الحمى، وانتهاك محارم الله عز وجل بعد تحصينها، فأضرى وهاج، وتوغر وثار غضباً لله ، ونصره لدين الله ، فأخسأ الشيطان، وكفَّفَ إرادته، وأصغر خده لسبقه إلى مشايعة أولى الناس بخلافة رسول الله ﷺ، الماضي على سننه، المقتدي بدينه المقتص لأثره، فلم يزل سراجه زاهراً، وضوءه لامعاً، ونوره ساطعاً له من الأفعال الغرر، ومن التقدم في طاعة الله، إلى أن قبضه الله إليه قالياً لما خرج منه … ولو رحنا نتتبع شمائل أمنا حفصة في جميع المجالات الفاضلة الخيرة الكريمة لما وسعتنا هذه الصفحات، ولكنا آثرنا أن نشير إلى نبذ من فضائل شمائلها التي عطرت الدنيا ببقائها لتكون أسوة وقدوة للمؤمنات.

القُرْآنُ الكَرِيمُ وَحَفْصَةُ

عندما رحت أتنسم الأخبار عن أمنا حفصة رضي الله عنها، وقفت طويلاً عند فضلها في جمع القرآن الكريم، ويبدو لي – والله أعلم – أن هذه خصيصة ربانية مباركة اختصها الله عز وجل بها، كيما تكون ذات فضل على أبنائها المؤمنين إلى يوم الدين. وكم توقفت طويلاً متأملاً الجهد الذي بذل في جمع القرآن المجيد، في العصر الراشدي، وكيف كانت أمنا حفصة رضي الله عنها حارسة الكتاب، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وإن كنت لأعلم – كما يعلم الناس جميعاً – أن الله عز وجل قد أنزل الذكر، وتعهد بحفظه، ولكن القرآن الكريم، بقي مسطوراً في قلوب الذين آمنوا، وصدقوا ما عاهدوا الله عليه، وكانت أجزاؤه وسوره محفوظة في صدور الوُعَاةِ من حَفَظَةِ الصحابة، ومن بعدهم، وكانت ذاكرتهم صافية نقية، لا تشوبها شائبة، ولا يعتريها الوهن والنسيان. لكنه من المؤكد أن القرآن الكريم، كان بالإضافة إلى حفظه في الصدور، للمزيد من رائعة هذه الخطبة الأدبية، انظر أعلام النساء (٢٧٦/١) حيث توجد كامل الخطبة . – ١٩٤ – كان مكتوباً في قطع الأدم، والعسب، وكسر الأكتاف، وما شابه ذلك، وعندما قبض النبي ﷺ ، كان يُرجع إلى ذاكرة الصحابة ممن يحفظون القرآن، وهم كثر، وإلى كتاب الوحي وهم معروفون، ومن ثم يُرجع إلى النصوص المكتوبة، إذا أشكل أمر في القراءة أو نحوها .
لم يبق الأمر على هذا النحو، فقد كانت حروب الردة قد أنت على كثير من المسلمين، ومن بينهم عدد جم من خيرة حفاظ القرآن الكريم، الذين قضوا نحبهم وما بدلوا تبديلاً، وإذ ذاك ساورت المخاوف العبقري النبيه النبيل سيدنا عمر بن الخطاب في أمر القرآن الكريم، وخشي أن يصيب المقدور بقية البررة من الصحابة، وعند ذلك يصعب جمع القرآن … هنالك سرت بارقة أمل مباركة في ذهن عمر رضي الله عنه، وتوجه إلى الخليفة أبي بكر الصديق عليه سحابات الرضوان، وأفضى إليه ما يدور في خلده فقال : أخشى أن يستحر القتل كرة أخرى بين حفاظ القرآن في غير اليمامة من المغازي، وأن يضيع لذلك كثير منه، والرأي عندي أن تسارع فتأمر بجمع القرآن . شرح الله عز وجل صدر سيدنا أبي بكر رضي الله عنه لهذه الفكرة المباركة، ولكن من يقوم بهذه المهمة العظيمة ؟! عند ذلك عجم أبو بكر عيدانه، وتفحصها جيداً، فألفى أن زيد بن ثابت الأنصاري أصلبها عوداً في هذا المجال، وهو كبير كتاب النبي الكريم من الأنصار، فأوعز إليه أبو بكر قائلاً : إنك رجل شاب، عاقل، لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ، فتتبع القرآن فاجمعه.
وقام زيد رضي الله عنه بأصعب مهمة في تاريخ الإسلام في هذا المضمار الضخم، وقد تهيب له بادىء الأمر، ولكنه كشف عن ساعد الجد والعمل التواصل، وقد تحدث زيد عن مهمته هذه فقال : لما أمرني أبو بكر رضي الله عنه، فجمعت القرآن، كتبته في قطع الأدم وكسر الأكتاف والعسب، فلما توفي أبو بكر رحمه الله ورضي عنه، كان عمر؛ كتبت ذلك في صحيفة واحدة فكانت عنده.
استغرق عمل زيد هذا قرابة ثلاث سنين ولما كملت كتابة النسخة الأولى، عهد بها عمر إلى حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها، لتبقى في حيازتها، وبهذا أضحت أمنا حفصة حارسة للقرآن طيلة خلافة أبيها عمر رضي الله عنهما .
وظلت الحالة كما هي حتى حَدَثَ الاختلاف في وجوه القراءات بين الأمصار، ولاحظ هذا الاختلاف أحد نجباء أصحاب رسول الله ﷺ ، وصاحب السر، سيدنا حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، وذلك عندما كان يجاهد في إرمينية وأذربيجان، ولاحظ اختلاف القراءات عند الشاميين والعراقيين، فجزع لذلك، وطار إلى خليفة المسلمين – إذ ذاك – عثمان بن عفان – عليه سحائب الرضوان – جزعاً خائفاً من الاختلاف، وأوعز إليه كيما يتدخل في الأمر، ليقف الناس حتى لا يختلفوا على كتابهم – القرآن الكريم – كما اختلف اليهود والنصارى.
لاحظ سيدنا عثمان بن عفان رضوان الله عليه شدة تأثر حذيفة بن اليمان لهذا الموضوع، وقد وصلت عثمان الأنباء عن هذا الاختلاف من مصادر أخرى فتبلورت فكرة جمع القرآن، وكتابة المصحف في نسخ ، وبعثها إلى الأمصار حتى لا يكون هناك خلاف أو اختلاف .
وهنا برز ثانية الإمام الكبير، شيخ المقرئين والفرضيين، مفتي المدينة سيدنا زيد بن ثابت كاتب الوحي رضي الله عنه، برز ليؤدي المهمة التي أوكلها إليه عثمان بن عفان رضي الله عنه، وشد أزره بثلاثة من فصحاء قريش، كل واحد منهم بحر في فن البيان والفصاحة والخطابة وهم : عبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، ثم استأذن عثمان رضي الله عنه، بأن يأخذ النسخة الأولى من عند أم المؤمنين حفصة، كيما ينسخوها في المصاحف ثم تعاد إليها . هذا وقد كتبت مصاحف عثمان بإشراف حفظة القرآن وعليه الصحابة وولاية زيد بن ثابت الذي تلقى العرضة الأخيرة، وعمل على جمع صحف أبي بكر، فعلى الرغم من اعتمادهم على صحف أبي بكر رضي الله عنه، وعلى الرغم من حفظهم للقرآن الكريم، فقد كانوا يستوثقون فيما يختلفون فيه من الآيات، فيسألون عنها من تلقاها من رسول الله ﷺ. وقد اختط عثمان رضي الله عنه، وبموافقة أعلياء الصحابة رضي الله عنهم منهجاً حكيماً لكتابة المصاحف، يجعله كفيلاً بما هيىء له من كونه إماماً يُرجع إليه عند الاختلاف، ومصباحاً يهتدى به عند النزاع، وذلك المنهج يتضمن النقاط التالية : ألا يكتب فيه إلا ما يتيقن كونه قرآنا بنقل عدد التواتر له عن رسول الله ﷺ دون ما نقله الأحاد مهما كانوا ثقات حفاظاً .
ألا يكتب إلا ما استمر متلواً طوال حياة رسول الله ﷺ، دون ما نسخت تلاوته، لأن منسوخ التلاوة ليس بقرآن وإن بقي حكمه.
أن يجرد من كل ما ليس قرآناً، كالذي كان يكتبه بعض الصحابة في مصاحفهم الخاصة شرحاً لمعنى، أو بياناً لناسخ أو منسوخ، أو نحو ذلك.
أن يكتب القرآن كله في ذلك المصحف مرتب الآيات في سورها على ما وقفهم عليه النبي .
أن يكتب مرتب السور على ما نشاهده اليوم في المصاحف. أن تكتب منه مصاحف متعددة ليرسل إلى كل مصر واحد منها للرجوع إليه .
أن يكتبوه بلسان قريش عند اختلافهم كما قال عثمان رضي الله عنه : إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء، فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم . وهكذا تم العمل المبارك على أكمل وجه، وأدق طريقة، ثم بعث عثمان رضي الله عنه إلى كل مصر من الأمصار بمصحف، ورد الصحيفة إلى أم المؤمنين حفصة لتكون في حيازتها ، وليكون لها فضل هذا العمل إلى يوم القيامة، وإلى ما شاء الله .

المُحَدِّثَةُ الوَاعِيَةُ

إذا كانت أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها قد اقتعدت مكانة كبرى في سدة حفظ القرآن الكريم ورعايته، لقد حلّقت عالياً في معرفة الحديث النبوي الشريف، وكانت إحدى أمهات المؤمنين الواعيات الحافظات له، بل كانت أم المؤمنين حفصة واحدة من اللاتي أكثرن رواية الحديث الشريف، وحفظنه في صدورهن، وكيف لا ، وقد كانت حفصة تلميذة نجيبة في مدرسة النبوة، وفي البيت النبوي بعد أم المؤمنين عائشة وأم سلمة؟ ولها في مجال الحديث الشريف أثر طيب، فقد روت عن النبي ﷺ ، وعن أبيها ستين حديثاً.
اتفق لها الإمامان البخاري ومسلم على ثلاثة أحاديث.
وقيل على أربعة أحاديث – وانفرد مسلم بستة أحاديث . روى عن حفصة من الرجال، أخوها الصحابي عبد الله بن عمر وهي أكبر منه بست سنين، وقد أطاب وأجاد، وغبط من قبل بعض الصحابة، لمكانته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكثرة دخوله على حفصة، ولهذا كان يدعى : المؤتسي برسول الله ، فقد كان يسأل أخته حفصة عن هدي الحبيب المصطفى ، كيما يقتدي به، ويهتدي بهديه.
وممن روى عن حفصة أيضاً من الرجال : ابن أخيها حمزة بن عبد الله بن عمر، وحارثة بن وهب، وشتير بن شكل والمطلب بن أبي وداعة، وعبد الله بن صفوان بن أمية، والمسيب بن رافع، وطائفة أخرى من كبار علماء الصحابة والتابعين .
وقد تلقت جماعة من النساء الحديث الشريف عن أمنا حفصة، وَرَوَيْنَه وحفظنه، منهن الصحابية الكريمة أم مبشر الأنصارية؛ وامرأة أخيها صفية بنت أبي عبيد، وغيرهما. ومن مرويات أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها، ما أخرجه البخاري في صحيحه – وغيره – بسند عن نافع عن عبد الله بن عمر قال : أخبرتني حفصة أن رسول الله ﷺ كان إذا اعتكف المؤذن للصبح، وبدا الصبح، صلى ركعتين خفيفتين قبل أن تقام الصلاة. ومما أخرجه الإمام مسلم – رحمه الله – لأم المؤمنين حفصة رضي الله عنها، ما جاء في صحيحه بسنده عن عبد الله بن صفوان يقول : أخبرتني حفصة أنها سمعت النبي ﷺ يقول : ليؤمن هذا البيت جيش يغزونه، حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض، يُخسف بأوسطهم، وينادي أولهم آخرهم، ثم يُخسف بهم، فلا يبقى إلا الشريد الذي يخبر عنهم فقال رجل : أشهد عليك أنك لم تكذب على حفصة، وأشهد على حفصة أنها لم تكذب على النبي ﷺ. وفي سنن أبي داود وسنن البيهقي عن حفصة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه وثيابه ويجعل يساره لما سوى ذلك . وتروي أمنا حفصة رضي الله عنها بعضاً من شمائل رسول الله ﷺ، وهديه في العبادة، فتقول : أربع؛ لم يكن يدعهن رسول الله ﷺ : صيام يوم عاشوراء، والعشر، وثلاثة أيام من كل شهر، وركعتا الفجر . هذا وتعد أم المؤمنين حفصة – عليها سحائب الرضوان – إحدى النساء اللاتي يرجع إليهن في بعض الفتاوى، ويؤخذ برأيهن في ذلك. أورد الإمام أبو محمد علي بن حزم الظاهري، أسماء طائفة من الصحابة الذين رويت عنهم مسألة، أو مسألتان أو أكثر بقليل في الفتيا، وسرد أسماء عدد من أعيان الصحابة، كما سرد أسماء عدد من الصحابيات وهن : حفصة أم المؤمنين صفية أم المؤمنين، أم حبيبة أم المؤمنين، جويرية أم المؤمنين، ميمونة أم المؤمنين، فاطمة بنت رسول الله ﷺ رضي عنها ، كيما يكون سلوكه كسلوك رسول الله ﷺ ، وسلوك الصديق الأكبر أبي بكر رضي الله عنه .
وتعال – عزيزي القارىء – نشهد هذا المشهد الكريم، من الخليفة عمر وابنته حفصة رضي الله عنهما، لنعرف مقامهما في عالم الزهد والزهاد.
ففي خلافة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كثرت الفتوح واتسعت رقعة الدولة الإسلامية، وأضحت الشخصيات اللامعة، تفد إلى المدينة المنورة، لتقابل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ذلك الذي دوخ الفرس، وأذل الروم ؛ فكان يقابلهم بهدوء، ودون أن يعمد إلى تغيير هيئته وشكله، مما جعل ابنته حفصة تدعوه إلى مقابلة هؤلاء بشيء ألين من لباسه الخشن.
وذات يوم، قالت له ابنته حفصة أم المؤمنين : يا أبت البس لين الثياب إذا وفدت عليك الوفود من الآفاق، ومر بصنعة طعام تطعمه وتطعم من حضر. فقال عمر رضي الله عنه يخاطب ابنته في هدوء، ويلفت نظرها إلى أشياء تعلمها : الست تعلمين أن أعلم الناس بحال الرجل أهل بيته ؟! قالت حفصة : بلى يا أبت. قال عمر: ناشدتك الله ، هل تعلمين أن رسول الله ﷺ لبث في النبوة كذا وكذا سنة، لم يشبع هو، ولا أهل بيته غدوة إلا جاعوا عشية، ولا شبعوا عشية إلا جاعوا غدوة؟ قالت حفصة : نعم … قال عمر : وناشدتك الله هل تعلمين أن النبي ﷺ لبث في النبوة كذا وكذا سنة، لم يشبع من التمر هو وأهله حتى فتح الله عليه خبير؟! وناشدتك الله ، هل تعلمين أن رسول الله ، قربتم إليه يوماً طعاماً على مائدة فيها ارتفاع، فشق ذلك عليه، حتى تغير لونه، ثم أمر بالمائدة فرفعت ووضع الطعام على دون ذلك، أو وضع على الأرض ؟! فقالت حفصة : نعم … قال عمر: ناشدتك الله ، هل تعلمين أن رسول الله ، كان ينام على عباءة مثنية، فثنيت له ليلة أربع طاقات فنام عليها، فلما استيقظ قال : «منعتموني قيام الليل بهذه العباءة اثنوها باثنتين كما كنتم تثنونها؟! وناشدتك الله ، هل تعلمين أن رسول الله ، كان يضع ثيابه لتغسل فيأتيه بلال، فيؤذنه بالصلاة، فما يجد ثوباً يخرج به إلى الصلاة حتى تجف ثيابه، فيخرج بها إلى الصلاة ؟! قالت حفصة : أَعْلَمُ ذلك يا أبت.
فقال عمر : وناشدتك الله هل تعلمين أن رسول الله ﷺ ، صنعت له إمرأة من بني ظفر – من الأنصار – كساءين إزاراً ورداء، وبعثت إليه بأحدهما قبل أن يبلغ الآخر، فخرج إلى الصلاة، وهو مشتمل به ليس عليه غيره، قد عقد طرفيه إلى عنقه فصلى كذلك ؟! وما زال عمر رضي الله عنه يقول حتى أبكاها، وبكى هو وانتحب، حتى كادت نفسه تخرج من شدة التأثر، وقال لها : كان لي صاحبان، سلكا طريقاً، فإن سلكت غير طريقهما، سلك بي طريق غير طريقهما، وإني والله سأصبر على عيشهما الشديد، لعلي أدرك معهما عيشهما الرغيد – يعني رسول الله وأبا بكر ..
ودخل عمر رضي الله عنه على ابنته حفصة ، فَقَدَّمَتْ إليه مرقاً بارداً وخبزاً، وصبت في المرق زيتاً، فقال عمر : أَدْمَانِ في إناء واحد، لا أذوقه حتى القى الله عز وجل .
بمثل هذه المشاهد نجد أن أمنا حفصة، وسيدنا عمر قد أجاد كل واحد منها، في معرفة طريق الزهد، وسلوكه سلوكاً صحيحاً، مهتدياً بهدي رسول الله . وتابعت أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها طريقها في التماس الهدي النبوي ، وكان الهدي العمري ينير لها الطريق أحياناً، لتبقى في نور الهداية النبوية، وظلت كذلك حتى طعن سيدنا عمر رضي الله عنه، فجاءت حفصة والنساء يسترنها فولجت على أبيها عمر، فبكت عنده ساعة، لكنه وفي تلك الحالة من الآلام والأوجاع، منعها من النوح والتعديد. ذكر الزبيدي – رحمه الله – في شرحه على الإحياء هذا فقال: دخلت حفصة على عمر – عندما طعن – فقالت : یا صاحب رسول الله ويا صهر رسول الله ويا أمير المؤمنين؛ فقال لابنه : اجلسني، فلا صبر لي على ما أسمع .
وقال لها : إني أحرج لما لي عليك من الحق أن تندبيني بعدها، فأما عينيك فلا أملكها، إنه ليس من ميت يندب بما ليس فيه إلا مقته الملائكة. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : لما طعن عمر صرخت حفصة، فقال : يا حفصة، أما سمعت رسول الله ﷺ يقول : إنَّ المعول عليه يُعَذِّب  . وبهذا ذكر سيدنا عمر ابنته حفصة بالهدي المحمدي.

« وَجَاءَتْ سَكَرَةُ الموتِ بِالحَقِّ »

في ظل الخلافة الراشدة، ظلت أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها، تعيش وهي مرعية الجانب، مرضية المكانة من الخلفاء والصحابة، وكبراء العلماء، وأعلياء الفقهاء، وكل يشير إليها بإصبع الاحترام والتوقير، ويعترف بفضلها، ويعرف فضائلها، ويقر بمكانتها من البيت النبوي، فهي واحدة من روافد العلم والفقه والأدب في عصر النبوة.
وفي بداية خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، احتدمت الفتنة الأليمة حينذاك، وأرادت حفصة أن تخرج مع عائشة أم المؤمنين رضي الله عنهما إلى البصرة، ولكن أخاها عبد الله بن عمر أشار على حفصة أخته أن تلزم بيتها، وتلتزم عبادتها، وألا تشارك أحداً في الحض على ثأر أو ما شابه ذلك. قرت حفصة رضي الله عنها في بيتها، ولزمت ما أشار به عبد الله بن عمر، وظلت تحتفظ بكبير الاحترام لأخيها وتعترف بمكانته وفضله.
وتمضي الأيام والسنون، ويظل بيت أم المؤمنين حفصة منارة علمية، وموثلاً لطلاب العلم والحديث إلى أن حلّ العام الخامس بعد الأربعين من الهجرة؛ وفي شهر شعبان من تلك السنة، شعرت أم المؤمنين حفصة بالوهن والضعف وعرفت أنها سكرة الموت قد جاءت بالحق فلم تمض بضعة أيام حتى لبت نداء الحق، وصعدت روحها إلى ربها راضية مرضية. هذا وقد صلى عليها أمير المدينة وقتذاك مروان بن الحكم وحملت في نعش على سرير، وحمل سريرها بعض الطريق ثم حمله أبو هريرة إلى قبرها في البقيع ، ونزل في قبرها أخواها: عبد الله وعاصم ابنا عمر، وبنو أخيها عبد الله : سالم وعبد الرحمن وحمزة ؛ وقد بلغت من العمر ستين سنة على أغلب الروايات وكان ممن شيع جنازة أم المؤمنين حفصة إلى مثواها الأخير، الصحابي الجليل أبو سعيد الخدري ضي الله عنه .
وبعد؛ فهل أديناً جزءاً من حق أمنا حفصة في هذه الصفحات المباركات من سيرتها المعطاء ؟! أرجو الله عز وجل أن يكرمنا بأهل البيت النبوي الطاهر، وأن يحشرنا مع الذين أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، إنه عفو كريم .

(نساءُ أهل البيت في ضوء القرآن والحديث )

شارك هذا المقال:

مقالات مشابهة