- لها أربعون منقبةً لم تكن لغيرها، ونزل بحقّها قرآن يتلى إلى ما شاء الله.
- فضلها على النّساء كفضل الثريد على سائر الطّعام، وهي زوجة النبي ﷺ في الدنيا والآخرة.
- ملأتِ الدّنيا بعلمها، وكان لها مكان الصّدارة في البيت النّبوي الطاهر، وهي أفقه نساء الأمّة على الإطلاق.
- هي المرأة الأولى في عام الرّواية والحفظ، روت (٢٢١٠) أحاديث.
- كان بيتها مهبط الوحي، ومنبع الفوائد، وموئل العلماء، وشداة المعرفة، توفيت بالمدينة سنة (٥٨هـ) رضي الله عنها.
الصّدّيقةُ ومناكب حِسان
قال رسول الله ﷺ: «أُريتُكِ في المنامِ ثلاثَ ليال، جائني بك الملَكُ في سَرقَةٍ من حرير، فيقول: هذه امرأتك، فأكشف عن وجهك فإذا أنتِ هي، فأقول: إن يكُ هذا من عند الله يُمضه».
وأخرج الترمذي ـ رحمه الله ـ في جامعه: أن جبريل جاء بصورتها في خرقةٍ خضراء إلى النبي ﷺ فقال: «هذه زوجتك في الدنيا والآخرة».
وفي كتابه «الإجابة» عدَّ الزركشي –رحمه الله– أربعين منقبة لهذا الزوجة لم تكن لغيرها.
كما أن فضّلها على النساء كفضلِ الثريد على سائر الطعام.
إنّ أمّ المؤمنين هذه أعطيت تسعاً من حميد الخصال، وكريم الفضائل، لم تعطها امرأة في مشرق شمس الدعوة المحمدية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
فمن هذه المرأة العظيمة التي ملأت الدنيا وشغلتِ النّاس ؟!
ومن هذه المرأة التي احتلت مكان الصدارة في البيت الذي كرمه الله، فأذهب عنه الرجس وطهّره تطهيرا؟
حاولتُ أن أحصي المصادر القديمة التي تصدرت وتصدت للكتابة عن ضيفتنا اليوم –بل نحن ضيوفها– فتجاوزت المئات ، وفاقت تصوري عندما بدأت الحديث عنها، وإذ ذاك علمتُ أن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وهل هناك أجمل من نشر الفضائل والأقتداء بها؟!
إذن، فلندخل البيت الذي أنزل فيه شطر القرآن كيما يطيب لنا الحديث عن فضل صاحبته، أو نتعرف بعض مناقبها ونعرف مكانتها، وكيما تكون لنسائنا قدوة يقتدين بها، ويهتدين بهديها، ليفُزن برضوانٍ من الله عز وجل.
كان الإمام مسروق بن عبد الرحمن الهمداني الكوفي —رحمه الله— وهو تابعي جليل من كبار التابعين إذ حدث عنها قال: حدثتني الصديقة بنت الصديق، حبيبة حبيب الله، المبرأة في كتاب الله.
هذه المبرأة في كتاب الله هي: عائشة أمّ المؤمنين بنت أبي بكر الصديق الأكبر، القرشية التيميّة، المكية، النبوية، فقيهة نساء الأمة، وأفقه نساء الأمة على الإطلاق، زوجة النبي الحبيب محمد ﷺ، وأشهر نسائه الطاهرات رضي الله عنهن.
وأمّها هي الصحابية الجليلة أمُّ رومان بنت عامر التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حقها: «ومن سره أن ينظر إلى امراةٍ من الحور العين فلينظر إلى أم رومان».
الصديقة والدوحة الباسقة
عائشة رضي الله عنها إحدى بنات الصحابة اللاتي ولدن في الإسلام، وهي أصغر من فاطمة الزهراء رضي الله عنهما بثماني سنين، وكانت تقول عن أبويها: لم أعقل أبوي إلا وهم يدينان الدين.
إذن، فقد جُبِلَت عائشة على الطاعة والإيمان منذ إشراقة نور الإسلام في أمّ القرى مكة المكرمة.
وفي أحضان هذين الأبوين الكريمين، نشأت عائشة بنت الصديق، وفتحت عينها على شمس الإيمان وتغذّت برحيقه، وتربت على لبانه، واشتد عودها على حبه، واستظلت بظله، فكان أبواها كالدوحة الباسقة التي يستظل بظلها، وكالشجرة المباركة ذات القطوف الدانية التي تؤتي أكلها كل حين.
ومنذ أن كانت عائشة طفلة صغيرة، كان أبواها يلاحظان بركتها، ويشعران بحفاوة الله تعالى بهما، وماكانا يوما من الأيام يحسبان أنها ستغدو حبيبة الحبيب ﷺ وأم المؤمنين، وموئل العلماء، ومقصد العارفين، وبركة نساء النبي ﷺ في العلم والفقه والمعرفة فوفدت خولة إلى بيت أبي بكر، وجرت الخطبة المباركة لعائشة في مجراها الذي انتهى بالزواج بعد سنوات في المدينة المنورة بعد غزاة بدر الكبرى.
كانت عائشة عندما تزوجت في بداية ربيع حياتها، وكانت قد ملكت بيتها الجديد في اللحظة الأولى، لأنها كانت تدل فيه بمكانة الزوجة المحبوبة عند زوجها العطوف، وبمكانة النبوة الناشئة عند الأبوة الرحيمة، ومكانة ابنة الصديق العزيز التي أضفى عليها المودة والإيثار، ماكان بين النبي ﷺ والصديق من مودة هي أوثق من مودة الرحم، لأنها مودة الوفاء والإعجاب والإيمان، بل مودة الحياة ومابعد الحياة.
وانتقلت عائشة رضي الله عنها من نورٍ إلى نور، ومن ضياءٍ إلى ضياءٍ أشد، وقد سجلت لنا خطرات نفسها خطرة خطرة، ووصفت لنا في بيت النبوة كل صغيرة وكبيرة، وكل ظاهرة وخافية، بيد أنها لم تذكر كلمة واحدة تنم عن وحشة الانتقال من بيت إلى بيت، ومن معيشة إلى معيشة، ومن ظل أبوين إلى ظل زوج لا تعرف عنه إلا ما تعرفه عن النبي ﷺ من صفات النبوة، لأن عطف النبي ﷺ هو العطف الغامر الذي لم يحتج عائشة إلى عطفٍ سواه، فكان عطفه صلى الله عليه وسلم هو المأوى الذي تلوذ به، وتأوي إليه، وكان النور الذي ألفته في بيت النبوة قد طغى على النور الذي حملته من بيت أبويها ، فازدادت نورا على نور بما اكتسبته من نورانية بيت النبي الكريم صلى الله عليه وسلم الذي غدا بيتها وفيه كان مهبط الوحي يتنزل بالقرآن ليتلى في أصقاع الأرض.
الصديقة وأحداث الهجرة
كان الإسلام نورا يتسلل إلى أفئدة الذي أراد الله بهم خيرا، وكان الكافرون الأقوياء –بزعمهم– يحاولون جاهدين أن يطفئوا نور الله بأفواههم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.
وكان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يتلقى الوحي من ربه ، فيأخذ عنه الناس علم الدنيا والآخرة ، والحكمة النازلة من السماء، وكان في الوقت ذاته على خلق عظيم تهوي إليه الأفئدة، وتتأثر بذاته الشريفة الخطبة العميقة المعطاء، وتغترف من كنوز مكارم أخلاقه، فكل من احتك به من أتباعه كان يثرى، وتكتسب ذاته عمقا وخصبا.
استمر كفار قريش في إيذاء المسلمين، واشتدت عداوتهم ضراوة لما أيقنوا أن محمدا صلى الله عليه وسلم، قد بايع الأوس والخزرج على أن يمنعوه فيما يمنعون منه نسائهم وأبنائهم، وإذ ذاك إذن الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالهجرة وقال لهم: « إن الله قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها»
كان المسلمون يخرجون جماعات إلى المدينة، فلما راحت قريش ترصد طريق المدينة، أخذوا ينسلون آحادا، وأخذ الأنصار في عرينهم يستقبلون الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله، وكان هؤلاء الأنصار الأطهار يلقون أسماعهم إلى المهاجرين مستبشرين فرحين، فهم أصحاب نبيهم الذين تلقوا عنه العلم والحكمة، وحفظوا عنه القرآن المجيد.
أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان على انتظار رباني، كيما يأتيه الإذن بالهجرة، ولما أتى أمر الله بذلك، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفيا، وانطلق إلى دار ابي بكر في نحر الظهيرة، وهناك رأته أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها ، فقالت لأبيها الصديق وكانت عائشة بقربها: يا أبتِ هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنّعا، فقال الصديق رضوان الله عليه: فداءٌ له أبي وأمي والله ماجاء به في هذه الساعة إلا أمرا!.
وسارع الصديق أبو بكر مهرولا، فقد أتى الحبيب المصدق صلى الله عليه وسلم في ساعة لم يكن يأتيهم فيها، فقال صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: «أخرج من عندك» .
وكانت أسماء وعائشة رضي الله عنهما عنده، فقال: إنما هم أهله بأبي أنت يا رسول الله.
ولما اطمان الحبيب المصطفى ﷺ إلى من كان عند الصديق قال : « فإني قد أذن لي في الخروج » فقال الصديق بلهفة وحب: الصحبة يارسول الله …. الصحبة يارسول الله، فقال الحب الأعظم عليه الصلاة والسلام «نعم»
إنها لحظات دقيقة، ودقائق حرجة راقت فيها نفس أبي بكر الصديق، فرقَّ قلبه وترقرق الدمع وسال على وجنتيه من فرط السرور، وهل هناك منة أعظم من أن يصحب حبيبه وصفيه إلى أرض الله …… إلى المدينة المنورة.
وتعال معي نتصور شعور أمنا عائشة رضي الله عنها، وكانت لا تزال وقتذاك في ربيعا السابع أو أكثر بقليل، ماذا كان شعورها وهي ترى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي عقد عليها منذ فترة، وهو يصحب والداها الصديق ليهاجرا إلى المدينة ؟!
ماذا دار في خلدها ، لا شك أنها كانت على ثقة من أن الله عز وجل سيؤيد زوجها وأباها، فقد سمعت ورأت رسول الله صلّى الله عليه وسلم وهو يتأهب للهجرة، كان قلبها يخفق بين جوانحها، وكان لسانها يسيل بالدعاء وتبتهل إلى الله عز وجل أن تصاحب السلامة هذين المهاجرين.
وراح النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه يودعان أسماء وعائشة رضي الله عنهما، بعد أن جهزتاهما أسرع جهاز، وصنعتا لهما سفرة، ووضعتاها في جراب، وتذكر رسول الله صلّى الله عليه وسلم بناته وزوجه سودة ومن تركهم في داره من مواليه، فراح يدعو الله عز وجل في حرارة ويقول: « اللهم اصحبني في سفري اخلفني في أهلي»ثم انطلق أفضل ركب في رعاية الله.
ذهب أبو قحافة والد الصديق إلى دار ابنه لما علم بخروجه مهاجرا، فاستقبلته حفيدتاه أسماء وعائشة ، وأراد أن يطمئن فيما إذا كان الصديق قد ترك مالا لأهله وقال: والله إني لأراه قد فجعكم بماله في نفسه.
فقالت أسماء: كلا يا أبتِ، إنه قد ترك لنا خيرا كثيرا، وأخذت بيد جدها ووضعنها في كوة البيت، في المكان الذي كان أبوها يضع ماله، وكانت قد وضعت أحجارا ووضعت عليها ثوبا ثم قالت: يا أبتِ ضع يدك على هذا المال، فوضع يده عليه فقال: لا بأس إذا كان ترك لكم هذا فقد أحسن ، وفي هذا بلاغٌ لكم.
كانت عائشة رضي الله عنها ترى هذا كله، وترتسم في ذهنها تلك الصورة الفريدة، من أختها أسماء التي خطت مجد شهرتها من مثل هذه المواقف العطرة .
بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه مأمنهما في المدينة المنورة، وما إن استقر بالرسول صلى الله عليه وسلم المقام في مهاجره ، حتى بعث مولاه وحبه زيد بن حارثة ومولاه الآخر أبا رافع ليحضرا أهل النبي ﷺ وبناته، وأرسل معهما أبو بكر ولده النجيب عبد الله بن أبي بكر ليحضر كذلك أم رومان وأسماء وعائشة رضي الله عنهن.
في طريق هجرة أم المؤمنين عائشة، شعرت بما نالها من إكرام الله عز وجل، وشعرت بالعناية الإلهية تحف بركبها ذات اليمين وذات الشمال، وأحست كذلك بلطفٍ خفيّ يكتنفها، وهي تسير مع أهلها إلى عرين الأنصار في المدينة المنورة.
وها هي ذا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تَصِفُ ما حدث في طريق الهجرة فتقول: قدمنا مهاجرين، فسلكنا في ثنية صعبة، فنفر بي جمل كنت عليه نفورا قويا منكرا، فوالله ما أنسى قول أمي: يا عويشة أو يا عريسة، فركب بي رأسه، فسمعت قائلا يقول: ألقي خطامه .
فألقيته، فقام يستدير كأنما إنسان قائم تحته.
وتتابع الركب مسيرته إلى أن قدم المدينة المنورة، ونزلت عائشة رضي الله عنها في دار أبيها بالسنح، وأقامت هنالك قرابة سنتين، حتى كانت وقعة بدر، ونصر الله عز وجل المسلمين فيها، وإذ ذاك انتقلت عائشة من روضة أبيها إلى رحاب جنة البيت النبوي لتغدوا من أهله الذين طهرهم الله تطهيرا.
الصديقة والزواج المبارك الميمون
مضى شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة، وأقبل شهر شوال ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين فرحين بنصر الله في بدر، وهناك وجد النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوج عائشة ابنة صديقه وصدّيقه أبي بكر، وحدد يوم الزواج، وظل ذلك اليوم مائلا في فؤاد أم المؤمنين عائشة، فهو أسعد أيام حياتها، فهل هناك أمنية أغلى من أن تكون زوج النبي المصطفى خاتم الأنبياء والمرسلين؟!.
أما ذلك الحديث والحدث السعيد فقد تكلفت المصادر –الحديثية وكتب الطبقات والسيرة والتاريخ وغيرها– بروايته عن أمنا عائشة رضوان الله عليها ، ونحن مرسلو القول في الجمع بينها وتبسيطها.
ففي ذلك اليوم السعيد اجتمع في بيت أبي بكر رضي الله عنه رجال ونساء من الأنصار، وجاءت أم رومان إلى ابنتها عائشة وهي في أرجوحة بين نخلتين، فأنزلتها من الأرجوحة، وسوت شعرها، ومسحت وجهها بالماء ثم أقبلت تقودها حتى وقفت بها عند الباب وهي تنهج، حتى إذا ماسكن بعض نفسها، أدخلتها الدار فإذا نسوة من الأنصار ، في البيت فيهن أسماء بنت يزيد الأنصارية، فقلن: على الخير والبركة وعلى خير طائر ، وأسلمتها أم رومان إليهن، فأصلحن من شأنها، حتى إذا تم ذلك دخلت بها إلى حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا، وعنده رجال ونساء من الأنصار ، فأجلستها في حجره ثم قالت، هؤلاء أهلك يارسول الله، فبارك الله لك فيهن، وبارك لهن فيك.
وقام الرجال والنساء، وخرجوا، وبنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة، فما نحرت جزور ولا ذبحت شاة، ولكن سعد بن عبادة الأنصاري رضي الله عنه، أرسل إليهم بحفنته التي كان يرسلها، ومعها قدح من لبن فشرب الحبيب المصطفى ﷺ بعضه وشربت عائشة بعضه.
كان لشهر شوال أثر عطر في نفس أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ، ففيه كانت أعظم ذكرياتها وأعزها، ومن أجل ذلك أحبت هذا الشهر ، قال أبو عبيدة معمر بن المثنى رحمه الله : كانت تستحب أن يبنى بنسائها في شوال.
وعن هذا كله حدثت أمنا عائشة رضي الله عنها فقالت: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال، وبنى بي في شوال، فأي نسائه كان أحظى عنده مني؟ إذن لقد أضحى شهر شوال عند أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها شهر الذكريات العطرة، والبركات الكثيرة، والخيرات التي لا حصر لها، بل شهر الفضل والفضائل والإحسان.
لم يكن مهر الصديقة عائشة رضي الله عنها ذلك المهر الضخم، وإنما كان بسيطا، خمسمئة درهم فقط، وقد ذكرت عائشة مقدار كل واحدة من زوجاته الطاهرات عندما سألها التابعي الجليل أبو سلمة بن عبد الرحمن، –وهو أحد الرواة الثقات– كم كان صداق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قالت: كان صداقه لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونشا.
قالت: أتدري ما النش؟
قال: قلتُ: لا
قالت: نصف أوقية، فتلك خمسمئة درهم فهذا صداق رسول الله صلى الله عليه وسلم لأزواجه.
حملت عائشة رضي الله عنها إلى الدار التي أعدت لها، دار النبي ﷺ التي كانت ملتصقة بالمسجد النبوي الشريف؛ وهناك … هناك أضحى بيتها مهبط الوحي ومنبع الفوائد، وموئل العلماء والعظماء، وفيه ومنه خرج شطر العلم للعالم كله.
من الجدير معرفته أن حجرات أزواج النبي الطاهرات قد ضمّت إلى المسجد النبوي، إلا حجرة أمنا عائشة عليها سحابات الرضوان، ففيها دفن النبي ﷺ وصاحباه العمران أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ولا تزال إلى الآن –في ظلال القبة الخضراء– فواحة الشذا، تهفو إليها نفوسهم من مشارق الأرض ومغاربها، يسعون إليها من كل فج عميق، ليشهدوا وليشاهدوا مهبط الوحي، ويسلموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى صاحبيه الصديقين والفاروق.
وفي ذلك البيت المطهر، ومنذ ذلك اليوم الميمون الذي دخلت فيه عائشة رحاب البيت النبوي، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعها على عينه، ليأخذ عنها المسلمون دينهم، فكانت عائشة بفضل تلك البركات الميمونة أفقه نساء الأمة، ومعهن أمهات المؤمنين عليهن سحابات الرضوان.
الصِّديقَةُ في البَيتِ النَّبويّ الطّاهر
كانت السعادة ترفرف على بيوت النبي ﷺ على الرغم من حياة التقشف التي عاشها النبي وأهله، فقد كانت تمر الأيام والأسابيع ولا توقد في بيوت النبي ﷺ نار، وإنما كانوا يأكلون الأسودين، التمر والماء.
حياة سعيدة، مادام القلب موصولا بالله، حياة رقيقة مع الشظف والفاقة، سعيدة بالعطف الذي كان يغمر به الحبيب المصطفى صاحب القلب الكبير، حتى صار حطام الدنيا عند أهله، ومن لاذ به لايساوي مثقال ذرة من هباء.
وهذا ما جعل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها سيدة في كل مكرمة، ولكل مكرمة، سيدة في السخاء وفي الزهد، وفي كل فضيلة، وإن تاريخها الوضيء ليحكي تلك المكارم التي اقتبستها من البيت النبوي، واحتضنتها حتى آخر نفس من حياتها.
لتدخل أعماق السيدة الأم العظيمة، أمنا عائشة رضي الله عنها، ولندخل معها –إن أذنت– بيتها الطاهر الموفق وكيف وقد أطلق عليها رسول الله ﷺ اسم موفقة – لندخل الحجرة النبوية التي خصصت لعائشة رضي الله عنها.
منذ الأيام الأولى لزواج عائشة رضي الله عنها، أحبت أن تحتل مكان خديجة في البيت المحمدي الطاهر، وأن تأخذ مكان الطاهرة خديجة في قلبه الشريف منذ أول أيامها.
لكنّ أوفى الأوفياء الرسول الكريم ﷺ كان مخلصاً خالصا رضي الله عنه، فمقامها ومكانتها
لم ولن تشارك فيه امرأة أخرى مهما علا شأنها ومهما ومهما …
ولقد سبق عائشة إلى البيت النبوي زوجة أخرى هي سودة بنت زمعة العامرية، وكانت قد جاوزت مرحلة الصبا، وكان زواجه صلى الله عليه وسلم منها بالإضافة إلى أنه وحي، زواج عطف ومودة ومواساة، وحكمة محمدية تنضج بالرحمة التي أرسلها الله للعالمين.
كانت عائشة رضي الله عنها تحبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وترجوا أن يكون لها ولد منه، كما كان لخديجة، ولكن الأيام مرت دون أن تنجب، إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها:
«اكتني بأبن أختك عبد الله بن الزبير» فكانت كنيتها أم عبد الله .
الصديقة واللطف النبوي
سجلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ذكرياتها الخلوة وخطرات نفسها وماكانت تلقاه من الرعاية النبوية، واللطف والعطف معها في حياتها الزوجية في البيت النبوي.
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمتلك من العطف والرحمة، ما يغني زوجه الصغيرة عائشة من عطف أبويها، فقد تركها على سجيتها تلعب بالعرائس في بيته، كما كانت تلعب لهن في بيت أمها وأبيها، وربما جاء أترابها الصغار، فكن يستحين منه صلى الله عليه وسلم، ويدخلن وراء الستر، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرسلهن إلى عائشة كي يلعبن معها لما يعلم من سرورها بذلك.
روى البخاري رحمه الله وغيره عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: كنتُ ألعبُ بالبنات –تعني اللعب– فيجيء صواحبي فينقمعن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فيدخلن عليّ، وكان يسربهن لي فيلعبن معي.
وروت عائشة رضي الله عنها أيضا قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا ألعب بالبنات فقال: « ماهذا ياعائشة؟» قلت: خيل سليمان ولها أجنحة، فضحِك.
كان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يقدّر حداثة سنّها، وحاجتها للعب كيما تستكمل أنوثتها، ولذلك كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تسدي النصائح إلى الآباء وإلى الأمهات أن ينتبهوا لهذه الناحية فتقول: فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو، وفي رواية: فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن التي تسمع اللهو.
وكانت أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها، ترى السودان وهم يلعبون بحرابهم في المسجد، حين تنصرف وقد سرت بهم، روت عائشة أم المؤمنين هذه الحادثة فيما أخرجه أهل الحديث فقالت:
قدم وفد الحبشة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقاموا يلعبون في المسجد، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه، وأنا أنظر إليهم حتى أكون أنا التي أسأم.
وهكذا كان الحبيب المصطفى ﷺ يتعهّد زوجه عائشة بما يسرها وهي في السنوات الأولى من زواجها وإن عجب الصحابة لذلك، حيث كان ﷺ المثل الأعلى لها في كل ما يفعل، فالصحابة الكرام لا تتسع أحلامهم لما يتسع له صلى الله عليه وسلم حلمه وصدره.
فربما مر أبو بكر الصديق رضي الله عنه ببيت ابنته، فيسمع صوتها عاليا في حضرة النبي ﷺ، فيستأذن أبو بكر على النبي ﷺ، فأذا عائشة ترفع صوتها عليه وهنا يكاد يغضب فيقول منبّهاً: يابنت فلانة، ترفعين صوتك على رسول الله ﷺ! وربما هم بلطمها، ولكن النبي الكريم ﷺ حال بينه وبينها؛ ثم يخرج أبو بكر رضي الله عنه، وقد علا وجه عائشة الحزن، فجعل صلى الله عليه وسلم يترضاها وقال لها: « ألم تريني حلتُ بين الرّجل وبينك؟» فرضيت رضي الله عنها، ثم يستأذن أبو بكر الصديق مرة أخرى، فسمع تضاحكهما وعندئذ قال رضي الله عنه: أشركاني في سلمكما كما أشركتماني في حربكما … قالا: قد فعلنا.
وكانت السيدة عائشة رضي الله عنها تلقى العطف النبوي في شتى المجالات، فكان يسبقها مرة، ويمزح معها.
روت عائشة حديث السباق هذا فقالت:
سابقني النبي ﷺ فسبقته ما شاء الله، حتى إذا رهقني اللحم، سابقني فسبقني فقال: «ياعائشة، هذه بتلك».
الصديقة وشؤون الجهاد
لا شكّ في أن الإسلام قد أصدر أحكاماً، بشأن المرأة تنبني على رعاية طبيعتها التي جبلت عليها، وعلى استعدادها الخلقي والعقلي، مما يتم لمصلحتها الشخصية، وغيرها في المجتمع الإسلامي.
ففي مجال الجهاد أباح الإسلام مشاركة المرأة في ساحات الجهاد، وكان جهادها يتناسب مع أنوثتها، كاستخدام المرأة في التمريض، ومداواة الجرحى، وإيصال الطعام والماء إلى المجاهدين، وماكانت تشارك في القتال الفعلي، إلا في حالات الضرورة القصوى، كما فعلت أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية في غزاة أحد، حيث انخرطت في الصفوف، وراحت تقاتل دفاعا عن رسول الله صلّى اللَّه عليه وسلم.
أما عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، فقد ضربت بسهم وافر في مجال الجهاد، حيث كان لها الأثر المحمود في غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم، وكانت أولى مشاهدها في في غزوة أحد، حيث خرجت تؤدي دورها فكانت تسقي المجاهدين الماء، وبصحبتها أم سليم بنت ملحان الأنصارية رضي الله عنها، بل كان الجيش الإسلامي يوم أحد يصحب اربع عشرة امرأة من خيار الصحابيات، بينهن سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء رضي الله عنها، وأم أيمن الحبشية، وحمنة بنت جحش، رضي الله عنهن وغيرهن.
ولما اشتدت المعركة رؤيت عائشة رضي الله عنها تنقل الماء لسقاية المجاهدين، روى شاهد عيان وهو أنس بن مالك رضي الله عنه دور النسوة وعائشة في غزوة أحد فقال: ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم، وإنهما لمشمرتان أرى خدم خلخال سوقهما تنقلان القرب على متونهما، ثم تفرغانه في أفواههم، ثم ترجعان فتملآنهما، ثم تحبيئان فتفرغانه في أفواه القوم.
وانتهت المعركة، وخرجت عائشة في نسوة تستروح الخبر، فلقيت هند بنت عمرو بن حرام الأنصارية أخت عبد الله بن عمرو بن حرام، تسوق بعيرا لها، عليه زوجها عمرو بن الجموح، وابنها عمرو خلاد بن عمرو بن الجموع، وأخوها عبد الله بن عمرو بن حرام ، فقالت لها عائشة: عندك الخبر، فما وراءك، فقالت هند: خيراً ، أما رسول الله صلّى اللَّه عليه وسلم فصالح، وكل مصيبة بعده جلل –هينة– واتخذ الله المؤمنين شهداء.
فقالت لها عائشة: فمن هؤلاء؟ قالت هند: أخي، وابني، وزوجي،
قالت عائشة: فأين تذهبين بهم؟
قالت هند: إلى المدينة أقبرهم بها.
وراحت هند تزجر بعيرها فبرك البعير؛ ثم زجرته فقام، ولما وجهت به إلى المدينة برك، وكررت مرارا والجمل يبرك، عندئذ وجهته راجعة إلى أحد فأسرع، فرجعت بهم إلى النبي ﷺ ليدفنهم مع الشهداء، وهناك في أحد أخبرها رسول الله صلّى الله عليه وسلم أنهم ترافقوا في الجنة جميعهم وتابعت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها رحلة الجهاد، فكانت في عداد المجاهدات في غزاة الأحزاب، فقد نزلت من الحصن، الذي كانت فيه مع النساء والأطفال، وتقدمت إلى الصفوف الأمامية، واقتحمت حديقة فيها نفر من المسلمين، ومعهم عمر بن الخطاب الذي أنكر جرأتها، واستغرب من إقدامها وقال لها: ماجاء بك؟ والله إنك لجريئة، وما يؤمنك أن يكون بلاء أو يكون تحوز؟.
وما زال يلومها حتى تمنت أن الأرض تنشق وتدخل فيها.
وإذا ذاك قال طلحة بن عبيد الله لعمر رضي الله عنهما: ياعمر، ويحك إنك قد أكثرت منذ اليوم، وأين التحوز أو الفرار إلا إلى الله تعالى.
وعادت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها إلى الحصن في المدينة، حتى أنزل الله عز وجل نصره على المؤمنين، وأرسل جنودا لم يروها، وتشتت جموع الأحزاب وقذف الله في قلوبهم الرعب، فهاموا على وجوههم وعادوا من حيث أتوا.
وفي السنة السادسة من الهجرة، خرجت القرعة على عائشة رضي الله عنها لتكون في عداد الجيش المنطلق إلى المريسيع لغزو بني المصطلق، وفي هذه الممحصة للإيمان وقعت أخطر حادثة أدخلت على كل مسلم ومسلمة من البلاء مالم يدخل عليه مثله في محن الشدائد والأزمات التي ابتلي فيها المسلمون، تلك الحادثة هي دسيسة الإفك التي كشفت عن خسة وفجور المنافقين ومن خلفهم جموع اليهود الذين تغلي قلوبهم بالحقد على الإسلام، وعلى المسلمين، وعلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم خاصة.
الصديقة ومحنة ومنحة
إن محنة الإفك التي اخترعها المنافقون والمرجفون في مصانعهم الهزيلة الخاوية، قابلها المسلمون بصبر جميل، وتجلدوا لها، واحتملوا لهيبها، ونيران فتنتها، لأنهم فوجئوا بها، فلم يعرفوا لها مدخلا ولا مخرجا.
أعتقد أن المقادير الإلهية، والتدابير الربانية ، أرداتها لتكون أبلغ درس في التربية الاجتماعية الصافية للمجتمع المسلم الذي كان نواته البيت النبوي، الذي باركه الله، فأذهب عنه الرجس وطهره تطهيرا، ولقد بدأت تلك الحادثة بالمحنة، ولكنها ختمت بالمنحة الإلهية، وهل هناك كرامة أعظم من المنح الإلهية؟.
كانت حادثة الإفك أسوا مكر، وأخبث فجور، كاد به المنافقون المجتمع المسلم النقي القائم في تركيبه، على الطهارة والتطهر من دنس الأرجاس المعنوية والحسية، وعلى من كان التقول والافتراء، ومن هي تلك التي قيل عنها ماقيل؟!!.
هي بنت الصديق الأكبر الذي لم يوصم بيته بوصمة لا أثر لها في الجاهلية، حتى يوصم بهذه الوصمة في الإسلام! ومع نبيّ الإسلام! وفي بيت الإسلام!! الله أكبر الله أكبر، ألا ما أعظم تلك الفرية التي اختلقها المنافقون! وخلفها المرجفون في المجتمع المسلم الطاهر، لا، بل في البيت النبوي الطاهر، ذلك البيت العظيم الكريم، الذي أذهب الله عنه الرجس وطهره تطهيرا،
ولنا وقفات مضيئة وضيئة، مع القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل بين يديه، ولا من خلفه، وكذلك لنا وقفات كاشفة مع الحديث النبوي الشريف، الذي خص الصديقة بنت الصديق بالمكرمات من قبل حديث الإفك، ومن بعده.
فلترهف السمع والأحاسيس ، ولنقف وقفة إعظام وإكرام أمام كلام العليم الخبير الذي فضلح شراذمة المنافقين، وأذاب شخصيتهم من المجتمع الطاهر في عصر النبوة، كيما يكون المجتمع خالصا نقيا نديا يفوح برائحة الطهر والطهارة.
الصديقة وحسد الحسّاد
كان المسلمون بقيادة الحبيب الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم قد أنهوا معركة بنو المصطلق، بنصرٍ مكين على جموع المصطلقين، وكانت انتصارات رسول الله صلى الله عليه وسلم تفعم قلوب المنافقين حنفا وغيظا، وتشحن نفوسهم كيدا وهمّاً، وتعترض في حلاقيهم غصة مرة تكاد تكتم منهم الأنفاس، فلا يتنفسون إلا من وراء أستار الظلام، لكونهم لا يملكون الشجاعة التي يفقدونها في كل المواقف، وخصوصا في ميادين القتال؛ فهم فجرة جاحدون إذا خلوا إلى شياطينهم من فجار اليهود، وهم مسلمون –بزعمهم– إذا رأوا نجاح المسلمين، ولكن كانوا كما ذكر الله عز وجل في الذكر الحكيم : {ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون} .
وأتى القرآن الكريم بأدق التفاصيل لوصف هؤلاء المنافقين فقال: { لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلاً لولّوا إليه وهم يجمحون} .
كان زعيم المرجفين ، وكبير كبار المنافقين، وفاجر فجار الأفاكين عبد الله بن أبي ابن مسلول الذي اختلق تلك الحادثة الأليمة، حادثة التقول بالكذب والباطل والافتراء المختلق في مصانع الفجور والنفاق، على أطهر الطاهرات المطهرات –بنص القرآن والحديث – الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما، حبيبة الحبيب، سيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم، أم المؤمنين عائشة رضوان الله عليها وعلى أبويها.
قلنا: كان الذي تولى كبر هذا الإفك والبهتان وأشاعه، واستوشاه، هو الخبيث الفاجر، رأس النفاق وزعيم المنافقين عبد الله بن أبيّ ابن سلول، –قبحه الله وأخزاه– وجاراه في ذلك بعض من استنزلهم الشيطان وسول لهم، وأملى لهم، فاستحوذ على مكامن الإيمان من أنفسهم فغطاها بظلام ضلالاته، وكادت تكون فتنة قاسمة لظهر المجتمع المسلم، لولا فضل الله ورحمته.
الصديقة وشدة بلاء الإفك
في حادثة الإفك كادت تكون فتنة عمياء، فقد أصابت المسلمين بهزة عنيفة زلزلت كيانهم، ولم يكن الناس فيها سواسية، ولكنهم كانوا مختلفين في آرائهم تجاه حادثة الافتراء والظلم.
فقد سكت بعضهم، فلم يدرِ من شدة الدهش والذهول مايقول، وأفصح بعضهم بعظيمة العظائم ، وقبيحة القبائح، وكعّ أناس عن الإفصاح بالحق في تنزيه حليلة النبي ﷺ الطاهرة المطهرة عائشة رضي الله عنها ، وأنزل الله عز وجل عقابه على من جبن وسكت ولم يدفع الإفك والبهتان عن ساحة الطهر والكمال، الساحة النبوية البكرية، وادخر للمنافقين الذين صرحوا وكذبوا جهنم كلما خبت زادها سعيراً وتوقداً.
أجل لقد كان في هذا الحدث الجلل، من خطر الحديث وشدة البلاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يعلم مداه إلا العليم الخبير، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إمام الصابرين صبر أجمل الصبر، وعالج الأمر بحكمة هادئة، فقد كان همه أن يقي المجتمع المسلم ، من عواصف الفتن ، وهزات المحن، وقواصم المكائد النفاقية المنبثقة عن بعض الرواسب الجاهلية،
كان هذا الحدث الخطير، والحادثة اللئيمة لأم المؤمنين رضي الله عنها، زوجة سيد الخلق، وأحب الناس إليه، وأبويها وآلها، وخاصة المسلمين ما أقض مضاجعهم، ونشف الدَّمْعَ في مآقيهم، وخصوصاً عائشة رضي الله عنها، حتى مَنَّ الله عليها وعلى المؤمنين، فكشف الغمة، وفرج الكربة، وأنزل وحيه بالقرآن المجيد على رسوله الكريم محمدﷺ بما لم يكن أحد في الحسبان، حيث كان يُظَنُّ أن يرى الرسول ﷺ رؤيا منامية في تبرئة أطهر الطاهرات، وأفقه الفقيهات، أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما.
لكن الله عز وجل أراد أن يجعل منها خصيصة ليرفع من شأن عائشة رضي الله عنها إظهاراً لشرفها الذاتي والاجتماعي، وإنافة لمكانتها في أهل البيت طهراً وفضلاً وشرفاً، وثقلاً في ميزان الفضائل والمكارم الإنسانية والإيمانية لمكانتها من قلب رسول الله ﷺ.
في الفقرات التالية نشهد الحدث كاملاً ، ترويه لنا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بأسلوبها المشرق الأدبي الرصين الذي يُعتبر بحق قطعة أدبية فريدة في عالم الحديث .
الصِّدِّيقَةُ وبَدَايَةُ المَوْقِفِ
في هذه الفقرة تصوّر لنا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بداية الموقف الذي ألم بالبيت النبوي الطاهر المطهر.
ذكرت عائشة رضي الله عنها من حديثها الطويل عند الإمام البخاري-رحمه الله – في الصحيح فقالت :
فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمت شهراً، والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك، لا أشعر بشيء من ذلك، وكان الذي يُريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل علي رسول الله ﷺ ثم يقول: «كيف تيكم؟ ثم ينصرف، فذلك يريبني ولا أشعر بالشر.
وتتابع ام المؤمنين عائشة رواية تفاصيل الحادثة فتقول : فأخبرتني أم مسطح بقول أهل الإفك ، فازددت مرضاً على مرضي، فبكيت يومي ذلك كله، لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، وأصبح أبواي عندي وقد بكيت ليلتين ويوماً، لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم ، حتى إني لأظن أن البكاء فالق كبدي .
فبينما أبواي جالسان عندي وأنا أبكي دخل رسول الله ﷺ علينا فسلَّم، ثمَّ جلس، ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل، وقد لبث شهراً لا يوحى إليه في شأني شيء .
فتشهد رسول الله ﷺ حين جلس ثم قال : يا عائشة؛ إنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله ، وإن كنتِ ألممت بذنب فاستغفري الله ، وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف، ثم تاب، تاب الله عليه .. …
فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة، فقلتُ لأبي : أجب عني رسول الله ﷺ فيما قال، فقال أبي : والله ما أدري ما أقول لرسول الله ، فقلت لأمي : أجيبي عني رسول الله ﷺ فيما قال، قالت أمي : فوالله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ .
الصِّدِّيقَةُ وشَهَادَةُ البَرَاءَةِ وبَدَايَةُ الفَرَج
حز الحزن في نفس الصِّدِّيقة عائشة رضي الله عنها خطوطاً، ولكنها بعد إذ رأت أن أبويها عجزا عن الكلام أمام الحضرة النبوية، ولم يتكلم أي واحد منهما بكلمة، وهي الأثيرة عندهم جميعاً، هنالك فوضت أمرها للعليم الخبير كيما يحل ما حل بها وبالبيت النبوي والبيت البكري، ولنستمع الآن إلى بقية الحديث الشائق، ونحن نرقب الفرج القريب مع أم المؤمنين رضي الله عنها.
قالت عائشة رضي الله عنها تروي حديث البراءة : فقلت وأنا جارية حديثة السن، لا أقرأ من القرآن كثيراً :
إني والله لقد علمتُ لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به، فلئن قلت : إني بريئة لا تصدقوني، ولئن اعترفت لكم بأمرٍ – والله يعلم إني منه بريئة – لتصدقني ، فوالله لا أجد لي ولكم مثلاً إلا أبا يوسف حين قال : فَصَبر جميل والله المستعان على ما تصفون [يوسف: ١٨]. ثم تحولت فاضطجعت على فراشي، والله يعلم أني حينئذ بريئة، وأن الله مبرئي ببرائي،
ولكن والله ما كنتُ أظنُّ أنَّ الله تعالى منزل في شأني وحياً يتلى، لشأني في نفسي، كان أحقر من أن يتكلم الله في بأَمْرٍ ، ولكن كنتُ أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا يبرئني الله بها، فوالله ما رام رسول الله ﷺ مجلسه، ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتى إنه ليتحدر منه العرق مثل الجمان – وهو في يوم شات – من ثقل القول الذي أنزل عليه، فسري عن رسول الله ﷺ وهو يضحك، فكانت أول كلمة تكلم بها أن قال : يا عائشة، أما الله فقد براك .
فقالت أمي : قومي إليه،
فقلت: لا والله، لا أقوم إليه، فإنّي لا أَحْمَدُ إلا الله عز وجل.
وأنزل الله تعالى : إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم العشر الآيات، ثم أنزل الله تعالى في هذا براءتي …
وهكذا أنزل الله عزَّ وجلَّ فرجه، وأزاح الهم عن قلب البيت النبوي، والبكري، وكل بيوت المؤمنين الذين أهمهم هذا الأمر الذي ينضح بخبث المنافقين وفجورهم، ولؤم نحيزتهم.
إن المتأمل في آيات سورة النور : [۱۱ – ۲۰] وفي ضوء ما روته أمنا عائشة رضي الله عنها في رواية الصحيح، يجد أنها جاءت بأكفا، وأجود الحفاوة والتشريف والمنافحة، عن حرم رسول اللهﷺ ، وتنزيه ساحتها، وتعزية المجتمع المسلم وتسلية رسول الله ﷺ فيما أصابه من البلاء، وشدة المحنة، وفيما جاء به أعداء الله، وأعداء رسوله، وأعداء أهله الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وكذلك أعداء دينه من المنافقين، ومرضى القلوب الحاسدين المرجفين كل هذا تعظيماً لقدر الحبيب المصطفىﷺ ، وصونا لساحته أن يكون متنزلاً للبهتان المفترى، وإعزازاً لأحب الناس إليه، أن يحوم حول حمى شرفها وطهرها رشح من نزيز الحاقدين الفجرة الكفرة.
وسأعرض عليك – أيها القارىء الكريم – نموذجاً من رشح أولئك الحاقدين كيما تكتمل الصورة، ويتم التصور عن نظرة هؤلاء الذين أعمى الحقد قلوبهم وبصائرهم .
ففي العصر الحديث، شغل حديث الإفك المستشرقين، فصاغوه في روايات شتى نورد منها – ها هنا وعلى سبيل المثال – رواية المستشرق الألماني بروکلمان صاحب کتاب «تاريخ الشعوب الإسلامية» وإليك نص تعريبه : …… – وقام النبي خلال سنة (٦٢٧م) أيضاً بحملات عدة، على بعض القبائل البدوية، ولقد أَبْعَدَ في إحداها، حتى لقارب مكة، وكانت هذه الغزوات آمنة إلى حد ساعده على أن يصطحب فيها اثنتين من أزواجه، فاتفق مرة، أن أضاعت زوجه المفضلة عائشة بنت أبي بكر – وكانت آنذاك في الرابعة عشرة من عمرها – قلادتها ، فخرجت تبحث عنها مساء، ففاتتها قوافل الغزاة، ولم تعد إلى المعسكر إلا في اليوم التالي، وبرفقتها شاب كانت قد عرفته من قبل، وتطرق الشك في إخلاص عائشة إلى نفس النبي ، فردها إلى بيت أبويها، ولكن الله لم يلبث أن برأها بعد شهر واحد في إحدى الآيات الموحاة إلى النبي، مضيفاً في الوقت نفسه أن أي اتهام لامرأة بالخيانة الزوجية، لا يؤيده أربعة شهود عيان، يعتبر فرية، أو قذفاً يستحق عليه صاحبه مئة جلدة.
وكان علي صهر النبي أحد خصوم عائشة الذين ألحوا عليه في طلاقها، وليس من شك في أن جذور العداء الذي تكشفت عنه عائشة لعلي بعد أن استخلف على المسلمين ترجع إلى هذه الحقبة، ومهما يكن من شيء، فلم يكن الحادثة العقد هذه أدنى تأثير على وضع المرأة الاجتماعي في الإسلام كما يظن : فالحجاب الذي تصطنعه النساء المتزوجات كان عادة عربية قديمة، وكان النبي قد فرضه، قبل هذه الحادثة لأسباب أخرى، والواقع أن الحجاب لم يحل بين النساء في الجاهلية، وفي الإسلام أيضاً حتى عَهْدِ الأمويين، وبين الظهور في الناس في كثير من الحرية والتأثير في المجتمع العربي تأثيراً مذكوراً في بعض الأحيان، إن مؤسسة الحريم التي وضع قواعدها العباسيون على غرار النموذج المسيحي – البيزنطي، هي وحدها المسؤولة عن انحطاط المرأة في الشرق.
لاحظ معي – عزيزي القارىء – رواية بروكلمان هذه، بما فيها من دس السموم ونفث الحقد، وبث الشك وبَذْرِهِ في النفوس؛ ولاحظ الخلل والخطأ والتحامل الخفي الذي يحاول بروكلمان بخبثه إخفاءه، ويأبى إلا أن يظهر في أسلوبه، من ذلك قوله : فردها إلى بيت أبويها، وقوله : علي صهر النبي أحد خصوم عائشة، وما شابه ذلك. ولكن الله عز وجل يرد كيد الخائنين إلى نحورهم، ويجللهم بالخزي والعار، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون ..
إن تلك الرواية الاستشراقية وأمثالها، لا تضير في رصيد أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، بل تجعل المنصف يبحث عن الحقيقة والحقائق في مكامنها حتى يصل إلى الغاية المنشودة.
الصِّدِّيقَةُ وشَهَادَةُ البَرَاءَةِ وبَدَايَةُ الفَرَج
حز الحزن في نفس الصِّدِّيقة عائشة رضي الله عنها خطوطاً، ولكنها بعد إذ رأت أن أبويها عجزا عن الكلام أمام الحضرة النبوية، ولم يتكلم أي واحد منهما بكلمة، وهي الأثيرة عندهم جميعاً، هنالك فوضت أمرها للعليم الخبير كيما يحل ما حل بها وبالبيت النبوي والبيت البكري، ولنستمع الآن إلى بقية الحديث الشائق، ونحن نرقب الفرج القريب مع أم المؤمنين رضي الله عنها.
قالت عائشة رضي الله عنها تروي حديث البراءة : فقلت وأنا جارية حديثة السن، لا أقرأ من القرآن كثيراً :
إني والله لقد علمتُ لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به، فلئن قلت : إني بريئة لا تصدقوني، ولئن اعترفت لكم بأمرٍ – والله يعلم إني منه بريئة – لتصدقني ، فوالله لا أجد لي ولكم مثلاً إلا أبا يوسف حين قال : فَصَبر جميل والله المستعان على ما تصفون [يوسف: ١٨]. ثم تحولت فاضطجعت على فراشي، والله يعلم أني حينئذ بريئة، وأن الله مبرئي ببرائي،
ولكن والله ما كنتُ أظنُّ أنَّ الله تعالى منزل في شأني وحياً يتلى، لشأني في نفسي، كان أحقر من أن يتكلم الله في بأَمْرٍ ، ولكن كنتُ أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا يبرئني الله بها، فوالله ما رام رسول الله ﷺ مجلسه، ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتى إنه ليتحدر منه العرق مثل الجمان – وهو في يوم شات – من ثقل القول الذي أنزل عليه، فسري عن رسول الله ﷺ وهو يضحك، فكانت أول كلمة تكلم بها أن قال : يا عائشة، أما الله فقد براك .
فقالت أمي : قومي إليه،
فقلت: لا والله، لا أقوم إليه، فإنّي لا أَحْمَدُ إلا الله عز وجل.
وأنزل الله تعالى : إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم العشر الآيات، ثم أنزل الله تعالى في هذا براءتي …
وهكذا أنزل الله عزَّ وجلَّ فرجه، وأزاح الهم عن قلب البيت النبوي، والبكري، وكل بيوت المؤمنين الذين أهمهم هذا الأمر الذي ينضح بخبث المنافقين وفجورهم، ولؤم نحيزتهم.
إن المتأمل في آيات سورة النور : [۱۱ – ۲۰] وفي ضوء ما روته أمنا عائشة رضي الله عنها في رواية الصحيح، يجد أنها جاءت بأكفا، وأجود الحفاوة والتشريف والمنافحة، عن حرم رسول اللهﷺ ، وتنزيه ساحتها، وتعزية المجتمع المسلم وتسلية رسول الله ﷺ فيما أصابه من البلاء، وشدة المحنة، وفيما جاء به أعداء الله، وأعداء رسوله، وأعداء أهله الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وكذلك أعداء دينه من المنافقين، ومرضى القلوب الحاسدين المرجفين كل هذا تعظيماً لقدر الحبيب المصطفىﷺ ، وصونا لساحته أن يكون متنزلاً للبهتان المفترى، وإعزازاً لأحب الناس إليه، أن يحوم حول حمى شرفها وطهرها رشح من نزيز الحاقدين الفجرة الكفرة.
وسأعرض عليك – أيها القارىء الكريم – نموذجاً من رشح أولئك الحاقدين كيما تكتمل الصورة، ويتم التصور عن نظرة هؤلاء الذين أعمى الحقد قلوبهم وبصائرهم .
ففي العصر الحديث، شغل حديث الإفك المستشرقين، فصاغوه في روايات شتى نورد منها – ها هنا وعلى سبيل المثال – رواية المستشرق الألماني بروکلمان صاحب کتاب «تاريخ الشعوب الإسلامية» وإليك نص تعريبه : …… – وقام النبي خلال سنة (٦٢٧م) أيضاً بحملات عدة، على بعض القبائل البدوية، ولقد أَبْعَدَ في إحداها، حتى لقارب مكة، وكانت هذه الغزوات آمنة إلى حد ساعده على أن يصطحب فيها اثنتين من أزواجه، فاتفق مرة، أن أضاعت زوجه المفضلة عائشة بنت أبي بكر – وكانت آنذاك في الرابعة عشرة من عمرها – قلادتها ، فخرجت تبحث عنها مساء، ففاتتها قوافل الغزاة، ولم تعد إلى المعسكر إلا في اليوم التالي، وبرفقتها شاب كانت قد عرفته من قبل، وتطرق الشك في إخلاص عائشة إلى نفس النبي ، فردها إلى بيت أبويها، ولكن الله لم يلبث أن برأها بعد شهر واحد في إحدى الآيات الموحاة إلى النبي، مضيفاً في الوقت نفسه أن أي اتهام لامرأة بالخيانة الزوجية، لا يؤيده أربعة شهود عيان، يعتبر فرية، أو قذفاً يستحق عليه صاحبه مئة جلدة.
وكان علي صهر النبي أحد خصوم عائشة الذين ألحوا عليه في طلاقها، وليس من شك في أن جذور العداء الذي تكشفت عنه عائشة لعلي بعد أن استخلف على المسلمين ترجع إلى هذه الحقبة، ومهما يكن من شيء، فلم يكن الحادثة العقد هذه أدنى تأثير على وضع المرأة الاجتماعي في الإسلام كما يظن : فالحجاب الذي تصطنعه النساء المتزوجات كان عادة عربية قديمة، وكان النبي قد فرضه، قبل هذه الحادثة لأسباب أخرى، والواقع أن الحجاب لم يحل بين النساء في الجاهلية، وفي الإسلام أيضاً حتى عَهْدِ الأمويين، وبين الظهور في الناس في كثير من الحرية والتأثير في المجتمع العربي تأثيراً مذكوراً في بعض الأحيان، إن مؤسسة الحريم التي وضع قواعدها العباسيون على غرار النموذج المسيحي – البيزنطي، هي وحدها المسؤولة عن انحطاط المرأة في الشرق.
لاحظ معي – عزيزي القارىء – رواية بروكلمان هذه، بما فيها من دس السموم ونفث الحقد، وبث الشك وبَذْرِهِ في النفوس؛ ولاحظ الخلل والخطأ والتحامل الخفي الذي يحاول بروكلمان بخبثه إخفاءه، ويأبى إلا أن يظهر في أسلوبه، من ذلك قوله : فردها إلى بيت أبويها، وقوله : علي صهر النبي أحد خصوم عائشة، وما شابه ذلك. ولكن الله عز وجل يرد كيد الخائنين إلى نحورهم، ويجللهم بالخزي والعار، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون ..
إن تلك الرواية الاستشراقية وأمثالها، لا تضير في رصيد أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، بل تجعل المنصف يبحث عن الحقيقة والحقائق في مكامنها حتى يصل إلى الغاية المنشودة.
الصدِّيقَةُ ووقْفَةُ تَأَمَل مَعَ الصَّبْرِ
عندما يقف الإنسان يتدبّر معاني الآيات الكريمة التي برأت عائشة رضي الله عنها، تجول في خاطره تلك الساعات التي مر بها البيت النبوي، والبيت البكري، وكيف تلقى النبيﷺ هذا الخبر، وكيف صبر رسول الله ﷺ وآل أبي بكر تحت وطأة بلاء حديث الإفك ؟!!
نعم لقد آذى رسول الله ﷺ ما بلغه عن عائشة أطهر الصادقات وأصدق الطاهرات، من أحبها مع أبيها حباً يفوق تصوّر المتصورين، فهو لا يعلم عن زوجه عائشة إلا خيراً، ولكن ما بال الناس يتقولون عليها؟
لقد لبث رسول الله ﷺ تحت وطأة بلاء هذه المحنة القاسية صابراً صبراً لم يعرف في تاريخ النوازل والبلايا والخطوب الأحد من قبله، ولا لأحد من بعده، حتى نزلت آيات براءة عائشة بعد سبع وثلاثين ليلة من بداية المحنة، فقد بلغه حديث الإفك عند وصوله إلى المدينة، بعد ظفره ببني المصطلق، تحدث به أهل النفاق ومرضى القلوب، ولاكته ألسنتهم وهم يعلمون أنهم كاذبون مفترون، يحسبونه هينا وهو عند الله عظيم.
وما بالك بحال آل أبي بكر؟!
لم يكن حالهم أقل حزناً من حُزْنِ رسول اللهﷺ ، فإنهم منذ بلغهم الإفك، وما تحدث به المنافقون وأتباعهم، وهم يرزحون تحت فجيعة هذا البلاء العاصف، لا يدرون ما يقولون، ولا ما يفعلون تلاحقهم النظرات المتنوعة من كل مكان، وفي كل مكان.
ولك أن تتخيل تلك اللحظات الحرجة، بل الساعات والأيام التي قضوها، وهم يعيشون مرارة المحنة، ولكنهم استسلموا لقضاء العزيز الحميد الذي له ملك السماوات والأرض، منتظرين حكمه بكشف الغمة التي أحاطت أثقالها بأكنافهم، وكان أمر النبي ﷺ أَهم لديهم من أمر أنفسهم.
وصفت أم المؤمنين عائشة حالها، وحال أبويها في أحرج لحظات البلاء التي أذابت فيهم عناصر الحركة النفسية والفكرية، تقول عائشة : والله ما أعلم أهل بيت دخل عليهم ما دخل على آل أبي بكر في تلك الأيام .
في تلك اللحظات الحرجة، وعند نزول الوحي على رسول الله ﷺ، وصفت أم المؤمنين حالها وما نزل بهما حين نزول الوحي فقالت :
فأما أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت، فوالله ما فزعت ولا باليت، قد عرفت أني بريئة، وأن الله عز وجل غير ظالمي ، وأما أبواي فوالذي نفس عائشة بيده، ما سري عن رسول الله ﷺ حتى رأيتُ لتخرجن أنفسهما فرقاً من أن يأتي تحقيق ما قال الناس ….
لكن الوحي حسم كل ذلك بشهادة الطهر والبراءة لعائشة رضي الله عنها، وأنزل الله عزَّ وجل في شَأْنٍ قصة الإفك، وشأن المتكلمين فيه بالباطل والكذب، وتبرئة الصديقة عائشة رضي الله عنها والثناء عليها ـ وذكر ما أعده الله لها من عظيم الثواب في الآخرة، ونقاء السيرة والسريرة في الدنيا، وعلو الدرجة في المجتمع المسلم أينما كانت أجياله وأوطانه – قرآنا يتلى، ويتعبد بتلاوته وتشريعاته، ويصلى به، آيات محكمات، ملزماً لكل مؤمن ومؤمنة بما جاء به من هداية وأحكام إلى يوم القيامة؛ وذلك في نحو ست عشرة آية من صدر سورة النور، تبدأ بقوله تعالى 🙁 إنَّ الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم) وتختم بقوله عز وجل: (أولئك مبرون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم) [النور: ١٠-٢٦].
قال الزمخشري – رحمه الله – : كل آيةٍ منها مستقلة بما هو تعظيم لشأن رسول اللهﷺ ، وتسلية له، وتنزيه لأم المؤمنين رضي الله عنها، وتطهير لأهل البيت وتهويل لمن تكلم في ذلك أو سمع به، فلم تمجه أذناه ….
ومن ثمرات الصبر في تلك الحادثة، أنَّ الله عز وجل أخبر بأن ما قيل فيها من الإفك كان خيراً لعائشة رضي الله عنها، ولم يكن ذلك الذي قيل شراً لها، ولا خافضاً من شأنها، بل رفعها الله بذلك، وأعلى قدرها، وأعظم شأنها وكرامتها، وصار لها ذكراً بالطيب والبراءة بين أهل الأرض والسماء، فيا لها من منقبة ما أجلها وما أعظمها !!
الصِّدِّيقَةُ وَخَصَائِصُ مُميزة
في حياة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها خصائص كريمة تستحق الوقوف، هذه الخصائص الشريفة مميزة في حياتها مع رسول الله ﷺ وقد تفردت بها في عالم النساء، ورقت إلى ذروة المعالي في البيت النبوي، ومن يقتعد تلك المنزلة فحق له أن يفخر ! .
وقد أبانت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أبلغ بيان، بأروع أسلوب إذ تحدثت عن نفسها بعد أن برأها الله وأكرمها بشهادة زاكية زكية في القرآن المجيد الذي أنزله الله عز وجل، وتكفل بحفظه إلى ما شاء سبحانه.
في جلسة ندية مباركة أفصحت عائشة عما تفردت به عن غيرها من النساء،
قالت :
لقد أعطيت تسعاً ما أعطيتهن امرأة :
لقد نزل جبريل عليه السلام بصورتي في راحته حين أمر رسول الله ﷺ أن يتزوجني .
ولقد تزوجني بكراً وما تزوج بكراً غيري.
ولقد توفي رسول الله ﷺ وإن رأسه لفي حجري .
ولقد قبر في بيتي.
ولقد حفت الملائكة ببيتي، وإن كان الوحي لينزل عليه وأنا معه في الحافة،فما يبينني عن جسده .
وإني لابنة خليفته وصديقه .
ولقد نزل عذري من السماء .
ولقد خلقت طيبة عند طيب.
ولقد وعدت مغفرة ورزقاً كريماً .
ولقد صدقت أم المؤمنين – عليها سحائب الرضوان – في كل ما حدثت به عن نفسها من الفضل والشرف والخصائص النبيلة، والصفات الكمالية التي لم تجتمع في امرأة قبلها ولا بعدها رضي الله عنها .
ويبدو أن كثير من العلماء والأدباء والشعراء قد أغرموا في تلك الخصائص النبيلة المباركة، وراحوا يقولون فيها أجود وأبدع ما تجود به قرائحهم من روائع القول، وبدائع البدائه التي أضفت إلى تراثنا العظيم زاداً طيباً يتحف العقول، ويغذي النفوس، ويهذب الطباع، ويزيد الخير والنماء في رصيد أمنا عائشة رضوان الله عليها .
ويبدو أيضاً أنَّ عدداً من العلماء الأدباء والشعراء العلماء، قد سمعوا ما وصفت به أم المؤمنين عائشة نفسها من خلال حديثها، فنظموا ذلك شعراً، وكان أبو عمر بن موسى بن محمد الأندلسي، ممن راقته تلك المعاني، فقال من قصيدة رقيقة رائعة يمتدح بها أم المؤمنين عائشة :
إنّي أقول مبّيناً عن فضلها…ومترّجماً عن قولها بلساني
يا مبغضي لا تأتِ قَبْر محمّد… فالبيتُ بيتي والمكانُ مكاني
إنّي خصصت على لسان محمّد… بصفاتِ برٍّ تحتهن معاني
وسبقتُهنَّ إلى الفضائل كلّها… فالسَّبْقُ سَبْقي والعنان عناني
زوجي رسول الله لم أَرَ غيره… الله زوّجني به وحَبَاني
وأتاهُ جبريلُ الأمين بصورتي… فأحبَّني المختارُ حينَ رآني
وأنا ابنةُ الصِّدِّيق صاحب أحمد…وحبيبه في السِّرِّ والإعلان
وتكلّم الله العظيم بحجتي… وبراءتي في مُحْكَم القرآن
والله في القرآنِ قد لَعَن الذي… بعد البراءة بالقَبحِ رماني
والله فضّلني وعظّم حرمتي… وعلى لسان نبيّه برّاني
والله وبّخ مَنْ أرادَ تنقصّي… إفكاً وسبَّحَ نَفْسَه في شاني
ومن فضائل شمائل أمنا عائشة رضي الله عنها ما أورده القرطبي في تفسيره
قال :
قال بعض أهل التحقيق :
إن يوسف عليه السلام لما رُمي بالفاحشة برأه الله على لسان صبي في المهد؛ وإنَّ مريم لما رميت بالفاحشة براها الله على لسان ابنها عيسى صلوات الله عليه؛ وإنَّ عائشة لما رميت بالفاحشة برأها الله تعالى بالقرآن، فما رضي لها ببراءة صبي، ولا نبي ، حتى برأها الله بكلامه من القذف والبهتان .
الصِّدِّيقَةُ وَأُمَّهَاتِ المؤمنينَ وحَديثُ الإِفْكِ
لم تكن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وحدها في البيت الذي أذهب الله عنه الرجس وطهره تطهيراً، وإنما كانت هنالك شريكات لها في البيت النبوي من أمهات المؤمنين، مثل : أم سلمة، وسودة بنت زمعة ، وزينب بنت جحش وحفصة بنت عمر رضي الله عنهن .
وكان من أجل النعم الإلهية على البيت النبوي، وعلى المسلمين، أنَّ الله عز وجل قد حمى أمهات المؤمنين الطاهرات كلهن عن التكلم في محنة هذا البهتان الخبيث، فلم يؤثر عن واحدة منهن في عائشة كلمة واحدة، بل إشارة خفية، وهن ضرائرها وشريكاتها في القرب الداني من رسول الله ﷺ ؛ وكان من الطبيعي أن يكن هن اللاتي يخشى عليهن من بواعث الغيرة أن تدفعهن أو بعضهن إلى التحدث فيما يحوم حول ذلك.
لكن الله ذو الفضل العظيم والخير العميم، قد حفظهن جميعاً حفظاً مباركاً المقام حرم رسوله أن تظل عروش بيوتهن في خلوتهن أو جلوتهن معه بما يعصمهن عن الانزلاق إلى مزالق الباطل، والتقول على من يعرفن أنها أحب الناس إليهﷺ، وأعزهن عنده، وأعرفهن بمطارح أنظاره، وأسرعهن إلى التعلق بأسباب رضاه في كل ما تقر به عينهﷺ .
هذا، وقد خص الله عز وجل أم المؤمنين السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها، بموقف نبيل كريم من عائشة رضي الله عنها في قصة الإفك، وهي التي تناصيها عند رسول الله ﷺ مما كان يخاف منه العثرة، ذلك أنَّ رسول الله ﷺ خصها بالسؤال عن عائشة قبل أن ينزل الوحي ببراءتها وطهارة ذيلها من رجس الإفك،
وافتراء البهتان، فقال لها :
«يا زينب ماذا علمت أو رأيت؟»
فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري والله ما علمت إلا خيراً.
قالت عائشة رضي الله عنها تثني على زينب وتعرف لها فضلها في دينها وأدبها وجودها ومعروفها: وهي التي تساميني من أزواج النبي ﷺ فعصمها الله بالورع .
إنه من الصعب أن تنتزع ثناء امرأة على امرأة في مثل هذه المواقف، ولكن نساء النبي ﷺ كُنَّ من نوع آخر، فكانت الواحدة منهن تثني على ضرتها بما هي أهله .
روي عن عائشة أنها أثنت على ضرتها زينب بنت جحش فقالت: كانت زينب بنت جحش تساميني في المنزلة عند رسول الله ﷺ ؛ وما رأيت امرأة خيراً في الدين من زينب، وأتقى الله، وأصدق حديثاً، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة رضي الله عنها.
أما المنافقون وزعيمهم عبد الله بن أبي ابن سلول، فقد رد الله كيدهم إلى نحورهم، وانكمد ابن سلول غيظاً بحقده، وخاب سعيه، وكتب في سجل الأشقياء والمحرومين، وكانت حادثة الإفك شاهدة على فجوره ونفاقه إلى ما شاء الله تعالى …
الصَّدِّيقَةُ ورخصة ربَّانِيَّة
من نفحات بركات أم المؤمنين عائشة ويمنها أن نزلت بسببها آية التيمم، وهي تشريع الرحمة، ورفع الإصر عن هذه الأمة الإسلامية.
ففي إحدى أسفار رسول الله ﷺ – وربما في غزوة بني المصطلق – خرجت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها في هودجها مع نساء المسلمين، حتى إذا كانوا في مكان يُسمى : البيداء، أو ذات الجيش ، أو تربان، انسلت قلادة مِنْ عُنُقِ عائشة ووقعت، فأقام رسول الله ﷺ على التماسه، وأقام الناس معه حتى طلع الفجر، وليس مع القوم ماءً ؛ فأتى النَّاسُ إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فقالوا له : ألا ترى ما صنعت عائشة ؟ أقامت برسول الله ﷺ، وبالناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء ؟!.
فجاء أبو بكر رضي الله عنه إلى عائشة، ورسول الله ﷺ واضع رأسه الشريف على فخذها قد نام ، فقال : حبستِ رسول الله ﷺ والناس وليسوا على ماء، وليس معهم ماء؟!.
وغدا أبو بكر رضي الله عنه يعاتبها، وجَعَل يطعنُ بيده في خاصرتها، ولا يمنعها من التحرك إلا مكان رأس رسول الله ﷺ على فخذها؛ وراح أبو بكر يزيد في عتابها، وقد وصفت السيدة عائشة ذلك فقالت: فلقيت من أبي ما الله به عليم من التعنيف والتأفيف وقال : في كلِّ سَفَرٍ للمسلمين منك عناء وبلاء، وقال أبي ما شاء الله أن يقول.
ونام رسول الله ﷺ حتى أصبح على غير ماء، وعندئذ أنزل الله عز وجل الرخصة في التيمم :(….. وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد
منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً فامسحو بوجوهكم وأيديكم [النساء : ٤٣] و [المائدة : [٦] وعندئذ قام المسلمون مع رسول الله ﷺ فتيمموا، ثم وقفوا خَلْفَه يصلون، وأشرقت نفوسهم بأنوار اليقين .
وقضيت الصلاة… فتقدم أسيد بن الحضير الأنصاري رضي الله عنه – وهو أحد النقباء بالعقبة – فقال : ما هذا بأول بركتكم يا آل أبي بكر، لقد بارك الله للناس فيكم يا آل أبي بكر، ما أنتم إلا بركة لهم.
وأما أبو بكر رضي الله تعالى عنه فقد تقدم من ابنته عائشة على ما روت فقالت: يقول أبي حين جاء الله من الرخصة للمسلمين : والله ما علمت يا بنية إنك لمباركة ! ماذا جعل الله للمسلمين في حبسك إياهم من البركة واليسر.
وأما عقد عائشة فكما قالت: فبعثنا البعير الذي كنت فيه، فوجدنا العقد تحته .
وقد اغتبط المسلمون، وفرحوا فَرَحاً شديداً بفضل الله عليهم، إذ فرج عنهم ضائقتهم ببركة عائشة رضي الله عنها، وجاءها أبوها الصديق – كما ذكرنا -بعد هذا العتاب الشديد، وقد رأى غبطة المسلمين بحفاوة الله تعالى بهم حفاوة عامة في كل زمان ومكان ببركتها وإكراماً لها، وإظهاراً لفضلها، وتشريفاً لمقامها،
فقال لها ووجهه يتبلج بنور المحبة الأبوية : إنك المباركة .
نعم ما كان أعظم بركة تلك القلادة !! القلادة التي قلدت الأمة المحمدية رخصة التيمم التي فرح المسلمون بنزولها من لدن حكيم مجيد، وما ذاك إلا من يمن السيدة عائشة رضي الله عنها وبركتها، وإشراق روحها، ناهيك بمنزلتها من الله عز وجل في عِلمها وفقهها وعملها وورعها رضي الله عنها وأرضاها.
الصِّدِّيقَةُ حَافِظَةُ الحديث الأولى
عندما لحق النبي بربه، كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لم تخط إلى التاسعة عشرة، على أنها ملأت أرجاء الأرض علماً، فهي في رواية الحديث وحفظه نسيج وحدها، ولم يكن بيت أصحاب رسول الله ﷺ مَنْ كَانَ أَرْوَى منها، ومن أبي هريرة رضي الله عنهما، على أن عائشة كانت أدق منه، وأوثق وأضبط .
لقد امتازت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بالصدق في العلم، والأمانة في الرواية، وكانت من أنفذ الناس رأياً في أصول الدين، ودقائق الكتاب المبين، وكان كبار الصحابة إذا أشكلت عليهم الفرائض فزعوا إلى عائشة، فحسرت حُجب الإشكال، وكشفتْ سُحبها، وأبانت حقيقتها ومقاصدها .
امتازت عائشة رضي الله عنها بحافظة قوية جعلتها واحداً من المراجع المهمة في عالم الحديث النبوي الشريف وحده، ولم يكن نفاذ رأيها ورجاحة كفتها وقفاً على الحديث الشريف وحده، وإنما بلغت السُّها في رواية الشعر والأدب والتاريخ، وكذلك كان نفاذها في الطب، وعلم الكواكب، والأنواء، والأنساب، وما إلى كل ذلك، وهذا عروة بن الزبير فقيه المدينة المنورة، وأحد علمائها الأفذاذ الذين يقصدون من كل فج عميق يقول : ما رأيت أحداً أعلم بفقه ولا بطب ولا يشعر من عائشة .
إن نظرةً واحدةً إلى مُسْنَدِ عائشة رضي الله عنها نعرف إلى أي مدى بلغت أمنا من الإحاطة بالعلم، بل بحوادث الأمم ومشكلات التاريخ، ودقائق الأحكام، ورقائق العبادات .
وكانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تحسن أن تقرأ، ولم يكن يعرفُ ذلك إلا عدد محدود من أصحاب رسول الله، ومن يعرف القراءة والكتابة كان يدعى «الكامل».
ومن الإنصاف أن نقول :
كانت أزواج النبي الطاهرات جميعاً رضي الله عنهن قسيمات عائشة في إذاعة العلم، وإفاضة الدين، ورواية الحديث على المسلمين، وعلى طلاب العلم، وشداة الدين من أصقاع المعمورة.
هذا وقد روت عائشة رضي الله عنها عن النبي الكريم ﷺ علماً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وآمنت بكل كلمة قالها النبي، وحفظتها حفظ من يتبرك بها، ولا يغفل عنها، وكانت من أكثر الصحابة حفظاً وفتيا.
ولم تقف عائشة في العلم عند هذا فحسب، وإنما روت كذلك عن أبيها الصديق، وعن عمر بن الخطاب، وسعد بن أبي وقاص، وحمزة بن عمرو الأسلمي ، رضي الله عنهم : وقد روت عن النساء أيضاً، فروت عن سيدة النساء فاطمة الزهراء، وعن جذامة بنت وهب رضي الله عنهما .
وقد روى عن عائشة طائفة كبيرة من الصحابة الكرام رجالاً ونساء.
وروى عنها عدد من جلة التابعين من الرجال منهم : عروة بن الزبير، وعامر الشعبي، وعطاء بن أبي رباح، ومسروق بن الأجدع، وسعيد بن المسيب، وغيرهم كثيرون جداً لا يحصون.
ويبدو أن النساء اللاتي رَوَيْنَ عن أم المؤمنين عائشة لم يكن أقل حظاً من الرجال، وقد أَثْرَيْنَ عَصْرَ التابعين في نَقْلِ ما سمعوه عن سيدة النساء الصادقات، وسيدة البيت النبوي بلا منازع، وسيدة العالمات الحافظات القانتات العابدات السائحات .
أقول: تصدت نساء العصر النبوي، وعصر التابعين خاصةً لفنون العلم، وخصوصاً رواية الحديث النبوي الشريف، وأمعن في ذلك إمعاناً حَلَّقْنَّ فيه في مواطن؛ وكان لهن مظهر خلقي كريم في العلم والتعليم.
نستطيع الآن أن نورد أسماء بعض العالمات الفقيهات اللاتي روين عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وممن تركن أنصع الآثار العلمية في تاريخها الوضيء المعطاء ، اذكر منهن :
زينب بنت أبي سلمة المخزومية الصحابية المعروفة، وخيرة أم الحسن البصري ، وحفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، وصفية بنت أبي عبيد، وعائشة بنت طلحة التيمية”، وعمرة بنت عبد الرحمن ، ومعاذة العدوية، وأم كلثوم بنت أبي بكر – أخت عائشة لأبيها – ونهية مولاة سيدنا أبي بكر الصديق، وجسرة بنت دجاجة، وذفرة بنت غالب وزينب بنت نصر وزينب السهية، وسمية البصرية، وشميسة العتكية ، وصفية بنت شيبة، وغيرهن كثيرات .
ويدل هذا على سعة علم عائشة رضي الله عنها التي انتزعت إعجاب علماء التابعين، والفقهاء منهم لما حباها الله من فضله في مجال العلم، وقد بلغ ما روته الصديقة عائشة رضي الله عنها من الأحاديث الشريفة ألفين ومئتين وعشرة أحاديث، وهو أعلى وأكبر عدد ترويه امرأة عن رسول الله ، وهي معدودة من الصحابة السبعة الذين بلغت مروياتهم أكثر من ألف حديث نبوي شريف؛ وهم : أبو هريرة، عبد الله بن عمر بن الخطاب، أنس بن مالك، عائشة بنت أبي بـ بكر عبد الله بن مسعود جابر بن عبد الله الأنصاري، وأبو سعيد الخدري واسمه سعد بن مالك رضي الله عنهم.
وقد أغرم أحد الشعراء بهؤلاء الحفاظ الأعلام من الصحابة فصاغهم شعراً ونظمهم بقوله :
سبع من الصحبِ فَوقَ الْأَلْفِ قد نَقَلُوا
من الحديث عن المُخْتَارِ خَيْر مُضَر
أبو هريرة سَعْدٌ جَابِرٌ أَنَسٌ
صديقة وابن عباس كذا ابن عُمر
هذا ومرويات السيدة عائشة رضي الله عنها منثورة في كتب الصحيح، وفي السنن، والمسانيد، وقد اتفق لها الشيخان؛ البخاري ومسلم على مئة وأربعة وسبعين حديثاً، انفرد البخاري بأربعة وخمسين، وانفرد مسلم بتسعة وستين، وقد مر معنا نماذج من مروياتها في ثنايا سيرتها.
ومما أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود وغيرهم لأمنا عائشة رضي الله عنها ، ما رواه القاسم بن محمد عنها قالت : قال رسول الله ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد .
إن نظرة واحدة في كتب الحديث، ندرك من خلالها مدى علم ومعارف أم المؤمنين عائشة، ونعرف بأنها التلميذة النبوية النجيبة، وهي معلمة العلماء، وسيدة المفسرين وأستاذة المحدثين وفقيهة نساء الأمة على الإطلاق، ناهيك بمعارفها وآدابها المنثورة في ثنايا المصادر، تلك التي تشهد لها بعلو مقامها، ونفاذ رأيها، وروائع كلماتها المستمدة من فيض نور النبوة.
وبالإضافة إلى تلكم المزايا الرفيعة في شخصية أمنا عائشة رضي الله عنها، فقد كانت من الصحابة المكثرين في الفتيا، الذين يُرجع إليهم في كل ما يتعلق بأحكام الشريعة .
والمكثرون من الصحابة فيما روي عنهم من الفتيا سبعة وهم : عائشة أم المؤمنين عمر بن الخطاب ابنه عبد الله بن عمر، علي بن أبي طالب عبد الله بن عباس عبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت رضي الله عنهم.
وفي كتابه الممتع أنساب الأشراف أخرج البلاذري – رحمه الله – بسنده عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال : كانت عائشة قد اشتغلت بالفتوى في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، وهلم جر إلى أن ماتت وكنت ملازماً لها.
الصِّدِّيقَةُ والثَّنَاءُ العَطِرُ
خص الله عز وجل أمنا عائشة رضي الله عنها بفضائل ومناقب، جعلت كثيراً من أفذاذ العلماء، وكبار الزهاد، وأصفياء العباد، يفصحون بأدق المديح ، وأخص الثناء للسيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ؛ وتبارى الأعلام في ذلك، فأدلوا دلاءهم في مضمار الثناء والامتداح ، لمن خصها الباري عز وجل بشهادة الظهر والبراءة من فوق سبعة أرقعة، وليس بعد هذا الثناء ثناء.
لقد تبارى العلماء والكتاب في نثر ونشر فضائل عائشة رضي الله عنها في مجالسهم، وسجلوها في بطون مؤلفاتهم، لتبقى قدوة للمؤمنات إلى ما شاء الله ؛ ولا أجد في هذا المجال أجمع وأوجز من ثناء عروة بن الزبير – رحمه الله – قال عروة : صحبت عائشة، فما رأيت أحداً قط كان أعلم بآية أنزلت، ولا بفريضة، ولا بسنة، ولا بشعر ولا أروى له، ولا بيوم من أيام العرب، ولا بنسب، ولا بكذا، ولا بكذا، ولا بقضاء، ولا طب منها. فقلت لها : يا خالة : الطب من أين علمتيه؟
فقالت: كنتُ أمرض، فيُنعتُ لي الشيء، ويمرض المريض فينعتُ له، وأسمع الناس ينعت بعضهم لبعض فأحفظه .
قال عروة : فَلَقَدْ ذَهَبَ عامة علمها، لم أسأل عنه.
وقال عروة أيضاً : لو لم يكن لعائشة من الفضائل إلا قصة الإفك، لكفى بها فضلاً، وعلو مجد، فإنها نزل فيها من القرآن ما يتلى إلى يوم القيامة.
ولعل الإمام مسروق بن الأجدع – رحمه الله – من أكثر الذين رووا عن أم المؤمنين عائشة، ونهلوا من معين علمها، ولذلك سيل مسروق: هل كانت عائشة تحسن الفرائض ؟ فقال مسروق : والله لقد رأيت أصحاب محمد الأكابر يسألونها عن الفرائض ؛ وفي رواية : رأيت مشيخة الصحابة يسألونها عن الفرائض .
وقال أبو بردة بن أبي موسى عن أبيه أبي موسى الأشعري قال : ما أشكل علينا أصحاب محمدﷺ حديث قط، فسألنا عنه عائشة، إلا وجدنا عندها منه علما .
وقال الإمام الزهري – رحمه الله – لو جُمعَ عِلْمُ عائشة إلى علم جميع النساء، لكان علم عائشة أفضل.
وأما عطاء بن أبي رباح – وهو ممن روى عن عائشة – وهو من جلة التابعين وأكابرهم، فقد أثنى على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بأوجز لفظ، وأجمعه، فقال: كانت عائشة أفقه الناس، وأحسن الناس رأياً في العامة.
الصديقة عائشة والفَضَائِلُ الكَرِيمَةَ العَطِرَةُ
لا يستطيع الباحث أن يحصي فضائل ومناقب أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بين دفتي الكتاب، ولكننا نوردُ زَهْراً من رياض حبيبة الحبيب محمدﷺ، ونعرض بعض مناقبها التي تعلو كالأنجم في السماء الصافية .
ففي مجال الزهد كانت أم المؤمنين عائشة من أشد الناس زهداً في الدنيا، وبلغت ذروة الزهد بإعراضها عن متاع الدنيا، على الرغم من السعة التي أوسع الله على المسلمين، ولكن كانت كما وصفها أبو نعيم – رحمه الله – في حليته فقال : كانت للدنيا قالية، وعن سرورها لاهية، وعلى فقد أليفها باكية .
وقَصَصُ زُهْدِ عائشة رضي الله عنها لا تملها الأسماع، على الرغم من كثرتها، ولكنها توقظ الهمم في النفوس، وتأخذ بمجامع القلوب إلى عين الحياة الحقيقة التي ترنو إليها عائشة رضي الله عنها ألا وهي الدار الآخرة، فكانت تريد الآخرة، وتسعى لها سعيها كيما تلتقي رسول الله ﷺ عند مليك مقتدر.
وإذا ما طرقنا باب الجود، وخُضْنَا بَحْرَه، وجدنا عائشة لجتها المعروف، وجودها ليس له قرار، فقد بلغت في الجود مبلغاً لفت إليها الأنظار.
من ذلك ماذكره عروة بن الزبير قال : لقد رأيت عائشة رضي الله تعالى عنها تقسم سبعين ألفاً، وإنها لترقع جيب درعها .
وذكر عروة أيضاً زهد وجود خالته فقال : بعث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه مرة إلى عائشة بمئة ألف درهم، فوالله ما أمست حتى فرقتها، فقالت لها مولاتها : لو اشتريت لنا من هذه الدراهم بدرهم لحماً! فقالت عائشة رضي الله عنها : ألا قلت لي؟ وكانت عائشة يومذاك صائمة. فأكرم بجودها وزهدها !! .
والله در الإمام الذهبي حيث قال عن أمنا عائشة : كانت أم المؤمنين من أكرم أهل زمانها، ولها في السخاء أخبار.
أما عبادة ام المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فكانت شيئاً آخر، فقد نشأت في البيت النبوي الكريم الطاهر، وشهدت أعظم آيات النبوة، وآيات الوحي، ولذا، فقد تأثرت كثيراً بعبادة النبي ﷺ ومنهجه فيها ، وراحت تقتفي أثره الشريف في العبادة حتى غدت المرجع الأول في هذا المضمار المبارك، ويبدو أنها كانت تقوم الليل وتصوم الدهر، حتى شغفت بالصلاة والصوم”.
روي أنها كانت تصوم الدهر، وتحبُّ الاعتمار، والحج، ولها في ذلك أخبار كثيرة، وحجتها في ذلك قول رسول الله ﷺ عندما سألته : يا رسول الله هل على النساء جهاد؟
قال: «نعم عليهن جهاد لا قتال فيه : الحج والعمرة .
ولعل لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فضيلة باهرة، لم تلحقها بها واحدة من ضرائرها، وهي انها تلقت السلام من جبريل عليه السلام، فقد جاء في الصحيح أن عائشة قالت : قال رسول الله ﷺ : يا عائش هذا جبريل وهو يقرأ عليك السلام قالت: وعليه السلام ورحمة الله ترى ما لا نرى يا رسول الله .
وهذا مما حدا بأبي نعيم الأصبهاني لأن يقول في مطلع ترجمة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في حليته :
الصديقة بنت الصديق العتيقة بنت العتيق، حبيبة الحبيب، وأليفة القريب، سيد المرسلين محمد الخطيب المبرأة من العيوب المعراة من ارتياب القلوب، لرؤيتها جبريل رسول علام الغيوب، عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها.
ولو رحنا نتتبع مناقب وفضائل الصديقة بنت الصديق الحصلنا على مجلدات كثيرة، ولكنه يكفيها من الفضل أن رسول الله ﷺ قال فيها: «فَضْلُ عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام.
ولعله من أعظم المكرمات التي حظيت بها عائشة أن أضحت حجرتها مثوى الحبيب الأعظم محمد ، تزار من كل فج عميق، وتقف مُسَلِّمة على النبي ﷺ وصاحبيه، ولقد رأت عائشة ذلك الفضل من قبل، فقد قالت لأبي بكر الصديق رضي الله عنهما : رأيتُ كأَنَّ ثلاثة أقمار سقطن في حجري، فقال لها : إن صدقت رؤياك دفن في بيتك ثلاثة من خير أهل الأرض، فلما دُفِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، قال أبو بكر هذا أَحَدُ أَقمارك وهو خيرها ، ثم دُفِنَ القُمر الثاني فكان أبو بكر نفسه، ثم القمر الثالث، فكان عمر رضي الله عنه، وبهذا تم تأويل رؤيا عائشة من قبل وقد جعلها الله حقاً.
الصَّدِّيقَةُ والأَدَبُ
لئن حلقت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عالياً عالياً في سماء العلم ورواية الحديث، وفي الزهد والورع ، لقد حلّقت في سماوات البلاغة والفصاحة، وبلغت ما لم تبلغه امرأة قط في عصر النبوة، ولا في العصور بعدها.
وقد شهد بكمال وجمال وتمام فصاحة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها الإمام الذهبي – رحمه الله – فقال : ولها حظ وافر من الفصاحة والبلاغة، مع ما لها من المناقب رضي الله عنها ) .
ولا شك بأن أمنا عائشة عليها سحائب الرضوان، قد أسست على أساس متين من الفصاحة في البيت البكري، فقد كان أبو بكر رضي الله عنه معروفاً بفصاحته ومعرفته الأنساب وأيام الناس؛ ثم انتقلت من بيت أبيها إلى كنف الرسول ﷺ، وصُنِعَتْ على عينه، فغدت تتأدب بأدبه، وترد موارد البيان القرآني تنهل منه، وتعب عَباً حتى أضحت كلماتها كأنها فيض من نُورِ النبوة، فلا تكاد تقف على كلامها إلا ويتملكك العجب، ويستولي عليك الإعجاب بروعته وبيانه، ولا أدل على ذلك من رواياتها حديث الإفك الذي مر معنا، فإنه قطعة أدبية نادرة في دنيا الأدب .
والذي يبدو، أن بلاغة عائشة رضي الله عنها كانت مضرب المثل، فهذا معاوية بن أبي سفيان – رضي الله عنهما – وهو من بلغاء الصحابة ومن فصحاء البلغاء يشهد بفصاحة عائشة فيقول : والله ما سمعت قط أبلغ من عائشة، ليس رسول الله ﷺ.
وقال موسى بن طلحة – رحمه الله – : ما رأيت أحداً أفصح من عائشة .
أما الأحنف بن قيس – وما أدراك ما الأحنف – فقد شهد لعائشة – وهو الفصيح الذي ضرب المثل بفصاحته وحلمه – بالبلاغة وحسن الخطاب فقال : سمعت خطبة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والخلفاء بعدهم، فما سمعت الكلام من قم مخلوق أفخم ولا أحسن منه من في عائشة رضي الله عنها.
هذا وقد عززت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أدبها بحفظ الشعر؛ روى ابن سعد في طبقاته عن عروة بن الزبير قال : ربما روت عائشة القصيدة ستين بيتاً وأكثر .
ولكن أم المؤمنين عائشة نفسها كانت تقول :
رويت للبيد بن أبي ربيعة نحواً من ألف بيت.
ولبيد هذا واحد من الشعراء المخضرمين، فكيف بغيره فطاحل الشعراء الذين ملؤوا الدنيا وشغلوا النَّاسَ ؟! ولهذا كان الإمام عامر الشعبي – رحمه الله وهو تابعي جليل وثقة فقيه – يذكر أم المؤمنين عائشة ، ويتعجب من فقهها وعلمها، ثم يقول بعد أن ينتهي من حديثه عنها : ما ظنكم بأدب النبوة؟!
ولأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها نظرة علمية ثاقبة في تلقين الأولاد، وتنمية ملكاتهم في مجال العلم، وفهم منابع الأدب، ومنابت الشعر، فكانت توصي دائماً بتعليم الأولاد الشعر، لما له من صقل للمواهب والطباع وحسن النطق فكانت تقول : رووا أولادكم الشعر تعذب ألسنتهم .
وللشعر مكان خاص في نفس أم المؤمنين عائشة رضوان الله عليها، فلا تكاد تمر حادثة إلا وأنشدت فيها ما يلائمها . قال عروة بن الزبير: ما كان ينزل بعائشة شيء إلا أنشدت فيه شعراً.
ولعل أدب أم المؤمنين عائشة وبلاغتها له رافد أيضاً من خطب وشعر وفود العرب، فقد كانت حجرتها ملاصقة للمسجد النبوي الذي تأتيه وفود العرب من كل مكان، فتسمع ما تجود به قرائحهم، وتعي أحاديث رسول الله ﷺ لهم، وخطبه فيهم، فلا عجب أن تحوز قصب السبق في ميدان البلاغة والفصاحة، ولهذا لم يجد زياد بن أبيه حرجاً في الإفصاح عن رأيه بأفصح الناس، عندما سأله معاوية بن أبي سفيان وعزم عليه بقوله : أي الناس أبلغ يا زياد؟ قال زياد : أما إذا عزمت علي يا أمير المؤمنين فعائشة ابنة أبي بكر أم المؤمنين رضي الله عنها .
فقال معاوية رضي الله عنه معلقاً وموثقاً قول زياد:
أي والله، ما فتحت باباً تريد أن تغلقه إلا أغلقته ، ولا أغلقت باباً تريد أن تفتحه إلا فتحته .
والحقيقة، فهذه قمة الإعجاز البياني في مقدرة عائشة رضى الله عنها على صوغ الكلام والمعاني والألفاظ، فكأن مقاليد البلاغة قد ذللت قطوفها لعائشة كيما تجود بأنفس نفائس الكلام، وأجود أنواع المعاني، وأحلى معاني الكلام، فلم يؤثر عنها أنها لحنت في شيء من كلامها قط، بل كانت تزجر بشدّةٍ مَنْ يقع في اللحن والخطأ، وتأخذ بيده إلى سواء سبيل البلاغة، وترشده إلى هذي الفصاحة .
الصِّدِّيقَةُ وَأَثَارَةٌ مِنْ قَوْلَهَا
إذا تطلعنا إلى الأقوال المأثورة التي حُفِظَتْ عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، لألفينا أنها ذات سحر بياني أسير المجامع القلوب، وقد غَذَتْ عائشة ملكاتها الأدبية من المائدة القرآنية، تلك المائدة التي لا تنفذ، ولا ينضب معينها الصافي .
ولهذا، فإننا نجد أن كلمات أم المؤمنين عائشة قد رقت وراقت، من ذلك قولها : الله در التقوى ما تركت لذي غيظ شفاء.
ومن كلماتها المأثورة التي تشير إلى حكمتها وأدبها وحسن نظرتها إلى الأمور قولها :
لا سَهَرَ إلا لثلاثة : مُصَلَّ، أو عروس، أو مُسَافِر .
وفي امتداح الأنصار لم تفتها الكلمات الرقيقة الندية التي تلامس القلوب، فتجعلها تنبض بالدفء والعطاء، كقلوب الأنصار الذين كانوا يؤثرون على أنفسهم ولو كان لمين خصاصة، اسمع ما تقوله عنهم :
ما تبالي المرأة إذا نزلت بين بيتين من الأنصار صالحين إلا تنزل من أبويها .
ومن رقائقها الرائعة التي تُصافح الأسماع، فتزرع فيها الإمتاع قولها في طلب الرزق: التمسوا الرزق في خبايا الأرض.
ورأت رضي الله عنها رجُلاً متماوتاً يظهر الزهد، فقالت متعجبة : ما هذا؟
فقالوا : زاهد.
قالت : قد كان عمر بن الخطاب زاهداً، وكان إذا قال أسمع، وإذا مشى أسرع ، وإذا ضرب في ذات الله أوجع.
وتقصد عائشة أن عمر من أئمة الزهد، فلماذا يتظاهر هذا الرجل ويتماوت، إن هذا لشيء عجاب !
وإذا أرادت أم المؤمنين أن تعظ الناس، أنت ببيان مشرق، وإعجاز وضيء، من ذلك قولها تنضح بالمحافظة على الطاعة وعدم اقتراف الذنوب : إنكم لن تلقوا الله عز وجل بشيء خير لكم من قلة الذنوب، فمن سره أن يسبق الدائب المجتهد، فليكف نفسه عن كثرة الذنوب.
ولعمري، فهذا القول يشير إلى كمال دينها، وورعها، ومعرفتها لحقوق الله عز وجل، ولذلك كانت تقول دائماً:
من عمل بما يسخط الله عزَّ وجلَّ عاد حامده من الناس له ذاما.
نعم فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق عز وجل، ولذلك كانت رضي الله عنها تحث الناس على الإكثار من الإحسان، والبعد عن مواطن الشك والتهم والسمعة والقالة وقد سئلت : متى يكون الرجل مسيئاً؟
فأجابت رضي الله عنها إجابة الواثق العالم: إذا ظَنَّ أَنه مُحْسِنٌ.
هذا وقد حفظت لنا أمهات المصادر ما تركته أم المؤمنين من نفائس الأقوال في شتى المجالات، ونختم هذه الفقرة ببعض تلكم النفائس.
قالت: يا بني، لا تطلبوا ما عند الله من غير عند الله، بما يسخط الله . وقالت : خلال المكارم عشر، تكون في الرجل، ولا تكون في أبيه ولا في ابنه، وقد تكون في العبد، ولا تكون في سيده، يقسمها الله لمن أحب : صدق الحديث، ومداراة الناس، وصلة الرحم، وحفظ الأمانة، والتذمم للجار، وإعطاء السائل، والمكافأة بالصنائع ، وقرى الضيف، والوفاء بالعهد، ورأسهن كلهن الحياء . ومن نفيس قولها في معالي المكارم : رأس مكارم الأخلاق الحياء .
ولها في الألفة والألاف قولها : جُبِلَتِ القُلوبُ على حبِّ مَنْ أَحْسَنَ إليها، وبغض مَنْ أساء إليها .
ومن روائع أقوالها : إنَّ الله خَلْقَاً قلوبهم كقلوب الطير كلما خفقت الريحخفقت معها، فأن للجبناء، فأن للجبناء .
وفي صدق الطاعة تقول : مَنْ أرضى الله بإسخاط الناس كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن أرضى الناس بإسخاطِ الله، وكله الله إلى الناس .
ومن بدائع أقوالها في الناس ومعرفة كنههم ما كانت تقوله : كل شرف دونه لوم، فاللؤم أولى به وكل لؤم دونه شرف، فالشرف أولى به .
الصِّدِّيقَةُ وَبَنَاتُ حَواء
للمرأة نصيب كبير عند أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، حيث لم تترك باباً من الأبواب المفيدة إلا وطرقته وأبدعت فيه، وفي ثنايا حياة أمنا عائشة نلمحعنايتها بالمرأة في مراحل حياتها، فهناك عناية بالفتيات، وعناية بالنساء المتزوجات، كما نلمح توجيهاتها لكل فئات النساء في كل الأعمار، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تريد من المرأة أن تكون مفتاح خير في مسارات الحياة، وعوناً للرجل على المضي في طاعة الرحمان، كيما يصلان إلى الجنة التي وعد بها عباده المتقين.
إننا نلمح أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تنصح الرجال – أولاً – في حُسْنِ اختيار المرأة، والبحث عن فضائلها قبل الإقدام على الزواج، كما تنصح الآباء في البحث أيضاً عن الزوج الوفي الكريم الكفء، وفي هذا المجال تقول:
النكاح رق فلينظر أحدكم عند من يرق كريمته .
وتوصي كذلك الآباء والأمهات بمراعاة شعور الفتيات الصغيرات فتقول : اقدروا قَدْرَ الجارية الحديثة السن التي تسمع اللهو.
وكانت عائشة رضي الله عنها تنصح النساء المتزوجات أن يأخذن شيئاً من الزينة لأزواجهن كيما يروقهم ذلك، وسمعت تقول لإحداهن: إن كان لك زوج، فاستطعت أن تنزعي مقلتيك، فتصنعينها أحسن مما هما فافعلي.
وكانت ترشد النساء إلى ألوان الطيب، فهذه إحدى النسوة تدخل عليها وتسألها عن الحناء، فتجيبها عائشة رضي الله عنها إجابة حلوة رائعة : شجرة طيبة، وماء طهور.
ولم تنطق عائشة رضي الله عنها بنصائحها هذه عن عبث، بل كانت هي نفسها قدوة صالحة للمرأة المثالية التي عناها رسول الله ﷺ بقوله : «الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة، إن نظر إليها سرته، وإن أَمَرَها أطاعته، وإن غَابَ عنها حفظته في نفسها ومالها».
ولكي تدوم المودة بين الرجل والمرأة، كانت عائشة تنادى بنات حواء إلى إيجاد المودة، وإلى زرعها في قلب بيوتهن، تقول في المجال: أميطي عنك الأذى، وتصنعي لزوجك كما تصنعين للزيارة، وإذا أَمَركِ فلتطيعيه وإذا أقسم عليك فأبريه، ولا تأذني في بيته لمن يكره .
ويبدو أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، كانت تكره أن ترى المرأة بلا عمل ، بل كانت تحض النساء أن يقمن بأعمال تعود عليهن بالخير والبركة والنماء، فنراها تلفت نظر بنات حواء إلى الاهتمام ببعض شؤون الحياة كيما تساعد زوجها في التغلب على مصاعب الحياة، وهاك قولها في هذا: المغزل بيد المراة أحسن من الرمح بيد المجاهد في سبيل الله .
ولعمري فهذه لفتة طريفة للنساء، كي يشغلن أنفسهن بما يعود بكبير النفع على أولادهن وبيوتهن، وكانت تزرع الحماس والأمل والرجاء والثواب في نفوس النساء اللاتي يعملن لأنفسهن ولأزواجهن وأولادهن، فمما يروى عنها رضي الله عنها في هذا المضمار، أنها رأت أثر المغزل في يد امرأة فقالت لها عائشة رضي الله عنها : أبشري بما لك عند الله عز وجل، لو رأيتم بعض ما أعد الله لكم معاشر النساء لما أقررتم ليلاً ولا نهاراً، أما من امرأة غزلت لزوجها ولنفسها ولصبيانها، إلا أعطاها الله عز وجل بيتاً في الجنة أوسع من المشرق إلى المغرب، ولها بكل ثوب مئة ألف وعشرين ألف مدينة، وما على ظهر الأرض تسبيح يعدل عند الله مِنْ صوت صرير يخرج من مغزل النساء حتى ينتهي إلى العرش له دوي كدوي النحل، بلغوا عني النساء ما أقول : ما من إمرأة غزلت حتى كسيت نفسها إلا استغفر لها سبع سماوات وما فيهن من الملائكة .. أبشروا معاشر النساء ما لكن عند الله عز وجل بطاعتكن لبعولتكن وخدمتكن لأولادكن أنتم المساكين في الدنيا، والسابقون إلى الجنة مع أزواج الأنبياء، يغفر الله لكُنَّ كُلَّ ذَنْبِ عملتن ما خلا الكبائر.
ولقد سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن أفضل النساء فأجابت: هي التي لا تعرف عيب المقال، ولا تهتدي لمكر الرجال، فارغة القلب إلا من الزينة لبعلها، والإبقاء في الصيانة على أهلها.
الصديقة ورحلة الخلود إلى النعيم المقيم
امتدت الحياة بأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بعد وفاة الرسول ﷺ، قرابة نصف قَرْنٍ من الزمن، ملئت فيها الدُّنيا علماً وديناً وأدباً ومعرفة ، وكانت حجرتها قبلة قصاد العلم، وشُدَاة الفقه والمعرفة، يقصدون نبع العلم والمعرفة عند عائشة، كيما يروون منه تعطشهم إليه، فكانت رضي الله عنها موسوعة علمية ودينية لمن أراد المعارف، فقد احتاج إليها خاص الأمة وعامتها، فكانت تهدي الحائر، وتعلم الجاهل، وترشد الطالب إلى الفضائل، وتشدُّ أَزْرَ العالم، وتغرس الفضائل في ذوي الفضل، وظل الناس على اختلاف طبقاتهم ؛ الخلفاء، فمن دونهم يقبلون ليأخذوا المعرفة عن أم المؤمنين عائشة، ويزورون النبي ﷺ الذي دفن في حجرتها، فأضحت حجرتها مقصد المشتاقين، وكعبة المحبين، وموئل العارفين، ومعقد رجاء المؤمنين وتجمع الأبرار المخلصين.
وفي شهر رمضان من السَّنَّةِ الثامنة والخمسين للهجرة، ألم المرض بأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وكانت وصيتها ان تدفن بالبقيع مع صواحبها أمهات المؤمنين وآل بيت رسول الله ﷺ.
وفي ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خَلَتْ من شهر رمضان، توفيت أم المؤمنين عائشة، وصعدت روحها إلى ربها راضية مرضيةً، ولما سمعت أم المؤمنين أم سلمة الصرخة على عائشة قالت : والله لقد كانت أحب الناس إلى رسول الله ﷺ إلا أباها .
ودفنت من ليلتها بعد صلاة الوتر وهي يومئذ ابنة ست وستين سنة. وقدم أبو هريرة رضي الله عنه فصلى عليها، فاجتمع الناس، ونزل أهل العوالي، وحضروا جنازتها، فلم تر ليلة أكثر ناساً منها.
ومن الجدير بالذكر، أنه نزل خمسة من محارمها في قبرها وهم : عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، ولما توفي رسول الله ﷺ كان عُمر عائشة ثمان عشرة سنة .
وفي البقيع ، يثوي جثمان أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها إحدى نساء أهل البيت الذي أذهب عنه الرجس وطهره تطهيراً، وإحدى نساء الدنيا فضلا وعلماً وجوداً ومعرفة.
وقبل أن نقول وداعاً، فلا يحسبن الذين يقرؤون سيرة أمنا عائشة أنا أَحَطنا بسيرتها كاملة، فذلك ما لا يقدر عليه، ولكني حاولت إبراز دورها العلمي في مجال نساء أهل البيت النبوي الطاهر الكريم، وإبراز شخصيتها الأدبية والاجتماعية لتكون لنسائنا أسوة حَسَنَةً يقتدين بها . وأرجو الله عز وجل أن يوفقنا لما فيه الخير والسداد في أعمالنا، إنه نعم المولى ونعم النصير.
(نساءُ أهل البيت في ضوء القرآن والحديث )










