–
“لم يكن للعرب أمرد ولا أشيب أشد عقلاً من السائب بن الأقرع”
(عبد الله بن عباس)
إسلامه
أدرك السائب بن الأقرع الثقفي النبي ﷺ ومسح برأسه، فقد دخلت به أمه مليكة على النبي ﷺ وهو غلام فمسح رأسه ودعا له، فهو صحابي جليل إذ لم يكونوا يؤمرون في الفتوح إلا الصحابة، ولكن ابن سعد عدّه من الطبقة الأولى من التابعين من أهل البصرة، وذلك لأنه كان صغيراً أيام النبي ﷺ، أما أكثر مؤرخي الصحابة فقد جعلوه من الصحابة، وهو الصحيح. لقد نال السائب شرف الصحبة، ولكنه لم ينل شرف الجهاد تحت لواء الرسول لصغر سنه حينئذ.
جهاده
قبل الفتح
كتب عمر بن الخطاب إلى النعمان بن مقرن المزني ودفع كتابه إلى السائب، فسار بكتاب عمر إلى النعمان، وجعل عمر السائب أمينا على الفَيء، وقال له: “إن فتح الله عليكم فاقسم ما أفاء الله عليهم بينهم، ولا تخدعني، ولا ترفع إلي باطلا، وإن نكب القوم فلا تريني ولا ارينك”. وانتصر المسلمون على الفرس في (نهاوند)، فدفع حذيفة بن اليمان الذي تولى قيادة المسلمين بعد استشهاد النعمان بن مقرن المزني، الاسلاب والغنائم إلى السائب الذي عينه عمر على الاقباض، فوزعها السائب على الفاتحين ونفل ذوي النجدات، وأعطى من ارصدهم من الجند ليحفظوا ظهر المقاتلين حتى لا يؤتوا من خلفهم، كما أعطى من كان ردءا للمسلمين ومنسوباً إليهم مثل الذي أعطى لأهل المعركة، ومع ذلك بلغ نفل الفارس ستة آلاف ونفل الراجل ألفين. وكان كسرى قد استودع صاحب المعبد الذي به بيت النار جواهر، فأقبل صاحب بيت النار مستأمناً لنفسه ولأهله وأهل بيته، على أن يدل السائب على تلك الكنوز، فأخرج العلج سفطين مملوءين جوهراً ثمينا لا يقوم من اللؤلؤ والزبرجد، والياقوت، فرآه المسلمون أن يجعلوا هذين السفطين لعمر خاصة، فأحتملهما السائب إلى عمر. وانطلق السائب بالأخماس وبالسفطين، حتى إذا دخل المدينة المنورة أدخل خمس الفَيء إلى المسجد، فأمر عمر بعض الرجال بالبيت فيه ليقسمه بين المسلمين متى أصبح. وقام عمر فدخل منزله، فأتبعه السائب وأخبره خبر السفطين وما فيهما من جواهر لا تقوم، وذكر له أن أهل الغزاة جعلوها لأمير المؤمنين خاصة. قال السائب: “فأخبرته خبر السفطين، فقال: أدخلهما بيت المال حتى ننظر في شأنهما والحق بجندك، فادخلتهما بيت المال وخرجت سريعاً إلى الكوفة. وبات عمر تلك الليلة التي خرجت فيها، فلما أصبح بعث في أثري رسولا، فوالله ما ادركني حتى دخلت الكوفة وانخت بعيري واناخ بعيره على عرقوبي بعيري، فقال: الحق بأمير المؤمنين، فقد بعثني في طلبك فلم اقدر عليك إلا الآن. قلت: وبلك! ماذا ولماذا! قال: لا أدري والله. فركبت معه حتى قدمت على عمر، فلما رآني قال: ما لي ولابن ام السائب، بل ما لابن ام السائب وما لي! قلت: وما ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: ويحك! والله ما هو إلا أن نمت الليلة التي خرجت فيها، فباتت ملائكة ربي تسحبني إلى ذينك السفطين يشتعلان ناراً يقولون: لنكوينك بهما، فأقول: اني سأقسمها بين المسلمين….فخذهما عني لا با لك والحق بهما فبعهما في أعطية المسلمين وارزاقهم. فخرجت بهما حتى وضعتهما في مسجد الكوفة وغشيني التجار، فابتاعهما مني عمرو بن حريث المخزومي بألفي ألف، ثم خرج بهما إلى أرض الاعاجم فباعهما بأربعة آلاف ألف، فما زال أكثر أهل الكوفة مالاً بعد. وفي رواية أن السائب قال عن قصة هذين السفطين: “………. وذكرت له شأن السفطين، فقال: اذهب بهما فبعهما لم اقسم ثمنهما بين المسلمين…….” وهذه الرواية أقرب إلى خلق عمر بالذات، إذ لم يكن ليأخذ السفطين أو حتى ليفكر لحظة واحدة في أخذهما لنفسه ومثله يردهما فوراً ليباعا ويقسم ثمنهما على المسلمين.
الفاتح
انصرف أبو موسى الأشعري من (نهاوند)، وقد كان سار بنفسه إليها على بعث أهل البصرة مدداً للنعمان بن مقرن المزني، فشهد السائب معه فتوح(الدينور) و (الشيروان) ثم بعث ابو موسى صهره على ابنته السائب (الصيمرة) مدينة(مهرجان قذق) ففتحها صلحاً على حقن الدماء وترك السباء والصفح عن الصفراء والبيضاء وعلى أداء الجزية وخراج الأرض، كما فتح جميع كور (مهرجان قذف) واثبت الروايات أن أبا موسى وجه السائب من الاهوار لفتح هذه المنطقة. وسار السائب إلى (اصبهان) فشهد فتحها تحت لواء عبدالله بن عبد الله بن عتبان الأنصاري، فلما أنجز عبدالله واجبه في فتح منطقة (اصبهان) أمره عمر أن يسير حتى يقدم على سهيل بن عدي ويتعاونا على قتال من بيكرمان على أن ييتخلف السائب على (اصبهان) فبقى السائب عاملاً لعمر عليها.
الإنسان
بقي السائب على (أصبهان)، ثم ولاه عمر (المدائن)، ثم تولى أصبهان ثانية في أيام عثمان بن عفان وبقي عليها حتى قُتل عثمان، ومات السائب بها. كان السائب كاتباً حاسباً، أميناً عاقلاً. قال عبد الله بن عباس يذكر عقل السائب: “لم يكن للعرب أمرد ولا أشيب أشد عقلاً من السائب بن الأقرع” . ولم يذكر التاريخ شيئاً عن أعماله بعد عثمان، والظاهر أنه توفي بعيد مقتل عثمان، إذ لم يرد له ذكر في حروب الفتنة الكبرى بين علي بن أبي طالب ومعاوية. كما أن قول ابن عباس الآنف الذكر يشعر بأنه جاعل بمعرض الرثاء وأنه كان محبوباً من ابن عباس، وهذا يدل على أنه لو عاش بعد عثمان طويلاً لما تخلى عنه علي بن أبي طالب ولولاه إمارة أو قيادة ولكان له ذكر مدوي كامثاله في التاريخ نظرًا لمزاياه العالية. لقد روى السائب عن عمر بن الخطاب، وكان قليل الحديث، وهو ابن عم عثمان بن أبي العاص، وقد سكن الكوفة فاعتبره بعضهم كوفياً، وسكن البصرة أيضاً فاعتربه بعضهم بصرياً، وله عقب بأصبهان. إنه كان نموذجاً حياً لسجايا العربي وخلق المسلم، وكان نموذجاً فريداً للإداري القوي الأمين الناجح.
القائد
عقلية السائب المتزنة وتجربته الطويلة في الحرب وانتماؤه إلى ثقيف اشجع القبائل العربية قبل الإسلام، كل ذلك جعله قديراً على تولي مناصب القيادة بجدارة وكفاءة، ذلك لأن هذه العوامل تجعله قادراً على إعطاء القرارات الصحيحة السريعة، وإعداد الخطط العسكرية الناجحة، وتنفيذها بدقة ومرونة. وقابليته العسكرية هذه بالإضافة إلى أمانته المطلقة وماضيه المجيد وخلقه الرفيع تجعله موضع ثقة رجاله وحبهم. لقد كان قوي الشخصية والإرادة، يحب رجاله ويحبونه، ويثق بهم ويثقون به، يعرف نفسياتهم وقابلياتهم، لا ينهار عند الشدائد، ولا يطغى عند النصر. وكان قائداً عقائدياً يعمل لهدف واضح هو إعلاء كلمة الله، وحماية حرية نشر الإسلام، وكان يقاتل بعقله وسيفه على حد سواء.
السائب في التاريخ
يذكر التاريخ للسائب جهاده الطويل في الفتح، فقد كان الساعد الأيمن لأبي موسى الأشعري في كافة فتوحاتـه، وقد فتح هو بدوره بلاداً شاسعة كانت ولا تزال تدين بالإسلام. ويذكر له قابليته الإدارية الممتازة، تلك القابلية التي جعلته يوطد أركان الفتح الإسلامي في منطقة أصبهان.
رضي الله عن القائد الفاتح، الإداري الحازم، الصحابي الجليل [السائب بن الأقرع الثقفي]
(قادة فتح فارس، محمود خطاب شيت)










