جوانب الاقتداء بالنبي ﷺ

إن المتأمل في سيرة النبي ﷺ يجد أنها حوث جميع مكارم الأخلاق التي تواطأ عليها فضلاء، ونجباء البشر، ونبلاؤهم. فهو قدوة في الخلق الحسن: قال الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤].
فكان خلقه ﷺ القرآن، يرضى لرضاه، ويغضب لغضبه، لم يكن فاحشاً، ولا متفحشاً، ولا صحاباً في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح.
وعن صفية بنت حيي رضي الله عنها قالت: «ما رأيتُ أحداً أحسن خلقاً من رسول الله. وقال أنس رضي الله عنه: «والله لقد خدمته تسع سنين، ما علمته قال لشيء صنعتهُ: لم فعلتَ كذا وكذا؟ أو لشيء تركته: هلا فعلت كذا وكذا».
وقال أنس رضي عنه أيضاً: كان رسول الله ﷺ من أحسن الناس خلقاً، فأرسلني يوماً لحاجة، فقلتُ: والله لا أذهب، وفي نفسي أن أذهب لما أمرني بهِ نبي الله ﷺ، فخرجت حتى أمر على صبيان، وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله ﷺ قد قبض بقفاي من ورائي، قال: فنظرتُ إليه وهو يضحك، فقال: «يا أنيس، أذهبتَ حيثُ أمرتك؟»، قال: قلتُ: نعم أنا أذهب يا رسول الله.

وقدوة في الحلم والعفو

قال الله عزوجل: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حولك ) [آل عمران: ١٥٩].
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنتُ أمشي مع النبي، وعليه بــرد نجراني غليظُ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجذبه جذبةً شديدةً حتى نظرتُ إلى صفحة عاتق النبي ﷺ قد أثرت به حاشية الرداء؛ منْ شدّةِ جذبتهِ، ثمَّ قال: مر لي منْ مالِ الله الذي عندكَ، فالتفت إليه، فضحك، ثمَّ أمر له بعطاء».

وقدوة في الحياء

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كانَ النبي ﷺ أشدَّ حياءً من العذراء في خدرها، فإذا رأى شيئاً يكرهه عرفناه في وجهه».


وقدوة في الشفقة والرحمة

قال الله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: صلى رسول الله ﷺ ليلة، فقرأ بآية حتى أصبح يركع بها، ويسجد بها: (وإِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [المائدة: ۱۱۸]،
فلما أصبح قلتُ: يا رسول الله، ما زلت تقرأُ هذه الآية حتى أصبحت تركع بها، وتسجد بها. قالَ: «إني سألتُ ربّي عجل الشفاعة لأمتي، فأعطانيها، وهيَ نائلةٌ إِنْ شَاءَ اللهُ لَمنْ لا يشركُ بالله عز وجل شيئاً».

وعن مالك بن الحويرث رضي الله عنه قال: أتيتُ النبي ﷺ في نفر من قومي، فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رحيماً رفيقاً، فلما رأى شوقنا إلى أهالينا؛ قال: “ارجعوا، فكونوا فيهم، وعلموهم، وصلوا، فإذا حضرت الصلاة؛ فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبر كم”.

وقدوة في المحافظة على حسن العهد

عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما غرتُ على أحد من نساء النبيِّ ﷺ ما غرتُ على خديجة، وما رأيتها، ولكن كان النبي يكثر ذكرها، وربما ذبح الشّاةَ، ثمَّ يقطعها أعضاء، ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربّما قلتُ له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة، فيقولُ: «إنها كانت، وكانت، وكان لي منها ولد».

وقدوة في التواضع

قال الله سبحانه وتعالى لنبيه: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الشعراء: ٢١٥]

يعني: ليّن جانبك، وارفق بهم. أمره الله تبارك وتعالى بالتواضع ، واللين، والرفق لفقراء المؤمنين، وغيرهم من المسلمين.

فكان يمر على الصبيان، فيسلم عليهم، وكانت الجارية تأخذ بيده، فتنطلق به حيثُ شاءتْ، وكان يخصف نعله، ويرقعُ ثوبه، ويحلب شاته، ويجالس المساكين، ويمشي مع الأرملة واليتيم في حاجتها، ويجيب دعوة من دعاه ولو إلى أيسر شيء، ويعود المريض، ويشهد الجنازة، ويركب الحمارَ، ويجيب دعوة العبدِ.

وقدوة في الشجاعة

عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: “لما حضر البأسُ يوم بدر اتقينا برسول الله ﷺ وكانَ منْ أشدَّ النّاسِ ما كانَ، أو لم يكن أحد أقرب إلى المشركين منه”.
وعند مسلم عن البراء بن عازب قال: «كنا والله إذا احمر البأس نتقي به، وإِنَّ الشجاع منا للذي يحاذي بهِ – يعني النبي ».
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كانَ رسول الله ﷺ أحسنَ النَّاسِ، وكان أجودَ النَّاسِ، وكان أشجع النّاسِ، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق ناس قبل الصوتِ، فتلقاهمْ رسول الله ﷺ راجعاً، وقد سبقهم إلى الصوت، وهو على فرس لأبي طلحة عري [أي: بلا سرج ] في عنقه السيف، وهو يقول: «لم تراعوا، لم تراعوا». قال: «وجدناه بحراً، أوْ إِنَّهُ لبحر». قال: وكان فرساً يبطأ».
وهذا من جملة معجزاته ﷺ كونه ركب فرساً قطوفاً بطيئاً، فعاد بحراً لا يسابق، ولا يجارى.


وقدوة في الجود والكرم

عن ابن عباس رضي الله عنه قال: «كان رسول الله ﷺ أجودَ النَّاسِ، وكان أجود ما يكونُ في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كلّ ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة».
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: «ما سُئل النبيُّ ﷺ عن شيءٍ قطُّ، فقال: لا».
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «ما سئل رسول الله ﷺ على الإسلام شيئاً إِلّا أعطاه»، قال: «فجاءه رجل، فأعطاه غنا بين جبلين، فرجع إلى قومه، فقال: يا قومِ، أسلموا؛ فإنَّ محمداً يعطي عطاءً لا يخشى الفاقة».

وقدوة في الخشية والخوف من الله

عن مطرف عن أبيه رضي الله عنه قال: رأيتُ رسول الله ﷺ يصلي وفي صدره أزيز كأزيز الرحى من البكاء.

وعن ابن عباس رضي الله عنه قال : قال أبو بكر رضي الله عنه: «يا رسول الله، قد شبت!»، فقال: «شيبتني هود، والواقعة، والمرسلاتُ، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت».

وقدوة في الزهد في الدنيا والتنزّه عن مكاسبها

دخل عليه عمر رضي الله عنه وهو على حصير ما بينه وبينه شيء وتحت رأسه وسادة من أدم [أي: جلد] حشوها ليف، وعند رأسه أهبٌ معلقة، قال عمر: فرأيتُ أثر الحصير في جنبه؛ فبكيتُ، فقال: «ما يبكيك؟»، فقلتُ: يا رسول الله، إنَّ كسرى، وقيصر فيما هما فيه، وأنت رسولُ الله، فقال: «أما ترضى أن تكونَ لهمُ الدّنيا، ولنا الآخرة.

وفي الوقت الذي كان يحثُ أصحابه على الزهد في الدنيا، والتعلّق بالآخرة كان يحج على رحل رثّ، وقطيفة لا تكاد تساوي أربعة دراهم.

وقدوة في الثباتِ مع اليقين بوعد الله

روى البخاري [٢٨٦٤]، ومسلم [١٧٧٦] عن أبي إسحاق عن البراءِ رضي اللَّهُ عَنْهُ قالَ لَهُ رَجُلٌ: يا أبا عمارة وليتم يوم حنين! قال: «لا والله ما ولى النبيُّ ﷺ، ولكن ولى سـرعــانُ النَّاسِ (أوائلهم) فلقيهم هوازن بالنبل، والنبي ﷺ على بغلته البيضاء، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بلجامها، والنبي ﷺ يقول: «أنا النبيُّ لا كذب، أنا ابنُ عبد المطلب».

وقدوة في الصبر على الناس والعفو عن المسيىء

وقد جاء وصفه في التوراة: “ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب بالأسواق، ولا يدفعُ السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويصفح”.

وقدوة في كثرة الاستغفار والتوبة

عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله ﷺ قال: «والله إني لأستغفر الله، وأتوبُ إليه في اليومِ أكثر من سبعين مرة.

وهو قدوة في العبادة

عن عائشةَ رَضِي الله عَنْهَا أَنَّ نبي الله ﷺ كَانَ يقومُ من الليل حتى تتفطر [أي: تتشقق] قدماه، فقالت عائشة: لم تصنع هذا يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدّمَ مِنْ ذنبك، وما تأخْرَ؟

قالَ: «أفلا أحبُّ أنْ أكون عبداً شكوراً» .

وعن عبيد بن عمير رضي الله عنه أنه قال لعائشة رضي الله عنها: «أخبرينا بأعـجـب شيء رأيته من رسول الله ﷺ»، قال: فسكتتْ، ثمَّ قالت: «لما كانَ ليلةٌ منَ اللّيالي، قال: «يا عائشةُ، ذريني أتعبدُ الليلة لربي»، قلتُ : والله إني لأحبُّ قربكَ، وأحبُّ ما سرك، قالتْ: فَقامَ، فتطهر، ثمَّ قام يصلي، قالت: فلم يزل يبكي حتى بل حجره، قالت: ثم بكى، فلم يزل يبكي حتى بل لحيته، قالت: ثم بكى، فلم يزل يبكي حتى بل الأرض، فجاءَ بلال يؤذنه بالصّلاةِ، فلما رآه يبكي، قال: يا رسول الله، لم تبكي، وقد غفر الله لك ما تقدَّمَ وما تأخَرَ ؟ قالَ: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟ لقد نزلت على الليلةَ آيةٌ، ويلٌ لمن قرأها، ولم يتفكر فيها: (إن في خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَةٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] الآيةَ كلّها.

وفي شهر رمضان، كان هديه الإكثار من أنواع العبادات، يكثر فيــه مــن الصدقة والإحسان، وتلاوة القرآن، والصلاة، والذكر، والاعتكاف.
وفي التطوع : كان يصوم حتى يقال: لا يفطر، ويفطر حتى يقال: لا يصوم، وما استكمل صيام شهر غير رمضان، وما كان يصوم في شهر أكثر مما يصوم في شعبان، وكان يتحرى صيام يوم الاثنين والخميس.
وفي قراءة القرآن: كانت قراءته ترتيلاً، لا هذا ولا عجلة، بل قراءة مفسّرةً حرفاً حرفاً، وكان يقطع قراءته آيةً آيةً، وكان يمدُّ عند حروف المد، فيمدُّ الرَّحْمَنِ، ويمد الرحيم، وكان يستعيذُ بالله من الشيطان الرجيم في أوّل قراءته، فيقولُ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ»، وربّما كان يقول: «اللهم إني أعوذُ بكَ مِنَ الشَّيطان الرجيم من همزه
ونفخه ونفثه»، وكان له و حزب يقرؤه، ولا يخل به.
وكان يقرأ القرآن قائماً، وقاعداً، ومضطجعاً، ومتوضئاً، ومحدثاً، ولم يكن يمنعه من قراءته إلا الجنابة» .

وهو قدوة في ذكره الله

فقد كان النبي ﷺ أكمل الخَلْقِ ذكراً لله عزوجل، وكان يذكر الله في كل أحيانه، قائماً وقاعداً، وماشياً وراكباً، وسائراً ونازلاً.

ودعا إلى الاقتداء به في صلاته، وصيامه، وزواجه

فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : جاءَ ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عنْ عبادة النبي، فلما أخبروا كأنهم تقالوها! [أي: اعتبروها قليلةً] فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ؟ قد غفر له ما تقدّمَ مِنْ ذنبه، وما تأخّرَ .

قال أحدهم: أما أنا فإنّي أصلّي الليل أبداً، وقال آخر : أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقالَ آخر: أنا أعتزلُ النِّساء، فلا أتزوّج أبداً.
فجاءَ رسول الله ﷺ إليهم، فقال: «أنتم الذينَ قلتم كذا وكذا؟ أما والله إنّي لأخشاكم الله، وأتقاكم له، لكنّي أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوّجُ النِّسَاءَ. فمن رغب عن سنتي فليس مني».
قال ابن حجر: «قوله «فمن رغب عن سنتي؛ فليس مني»، أي: من ترك طريقتي، وأخذ بطريقة غيري فليس مني.
وطريقة النبي ﷺ الحنيفية السمحة، فيفطر ليتقوّى على الصوم، وينام ليتقوى على القيام، ويتزوّج لكسر الشهوة، وإعفاف النفس، وتكثير النسل.
وفي الحديث: دلالة على تتبع أحوال الأكابر؛ للتأسي بأفعالهم، وأنَّ مِنْ عزم على عمل بر، واحتاج إلى إظهاره حيثُ يأمنُ الرّياءَ؛ لم يكن ذلك ممنوعاً».

قدوة في الحج

والحج من أوضح عبادات الإسلام التي يتجلّى فيها اتباع النبي ﷺ، والتأسي به.
وقد أمر بالاقتداء به في الحج بقوله: «التأخذوا مناسككم؛ فإنّي لا أدري لعلّي لا أحج بعد حجتي هذه» .


والاقتداء بالنبي ﷺ لا يقتصر على صفاته المعنوية، بل يتعدى ذلك؛ ليشمل الاقتداء به في جوانب حياته العملية، فهديه في ذلك ﷺ أكمل هدي، يقتدي به المسلم. ففي الطعام والشراب؛ لا يردُّ موجوداً، ولا يتكلّفُ مفقوداً.

ما قرب إليه شيء من الِطيبات إلا أكله، ما عاب طعاماً قطُّ، إن اشتهاه أكله، وإلا تركه). ويرى الهلال، ثم الهلال، ثم الهلال، ولا يوقد في بيته نار .

وكان إذا قرب إليه الطعام قال: «بسم الله»، فإذا فرغ من طعامه قال: «اللهم أطعمت وسقيت، وأغنيت وأقنيتَ ، وهديت وأحييت، فلك الحمد على ما أعطيت».

وإذا أكل عند قوم لم يخرج حتى يدعو لهم.

يأكل ما تيسر، فإن أعوزه صبر، حتى إنه ليربط على بطنه الحجر من الجوع، وكان لا يأنفُ من مؤاكلة أحدٍ صغيراً كان أو كبيراً، حرّاً أو عبداً، أعرابيّاً أو مهاجراً.

وفي النوم والاستيقاظ

كان ينام إذا دعته الحاجة إلى النوم على شقه الأيمن، ذاكراً الله تعالى، غير ممتلئ البدنِ من الطعام والشراب.

وكان إذا أراد أن ينام وضع يده تحت رأسه ثم قال: «اللهم قني عذابك يوم تبعثُ عبادك».

وكان يستيقظ إذا صاح الصارخُ فيحمد الله تعالى ويكبّره، ويهلله ويدعوه، ثم يستاك، ثم يقوم إلى وضوئه، ثم يقفُ للصلاة بين يدى ربّه، مناجياً له بكلامه، مثنياً عليه، راجياً له، راغباً راهباً.

وكان ينام على الفراش تارةً، وعلى الحصير تارةً، وعلى الأرض تارةً، وعلى السرير تارة.

قدوة في كلامه وسكوته وضحكه وبكائه

كان إذا تكلّم؛ تكلم بكلام مفصل مبين يعده العاد، ليس بهذ مسرع لا يحفظ، ولا منقطع تخلله السكتات بين أفراد الكلام، بل هديه فيه أكمل الهدي.

وكان كثيراً ما يعيد الكلام ثلاثاً ليعقل عنه، وكان إذا سلّم سلّم ثلاثاً.

وكان طويل السكوت، لا يتكلم بشيء في غير حاجةٍ، ويتكلم بجوامع الكلام، فصل لا فضول ولا تقصير، وكانَ لا يتكلّم فيما لا يعنيه، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، وإذا كره الشيء؛ عرف في وجهه.

وكان جل ضحكه التبسم، بل كله التبسم، فكان نهاية ضحكه أن تبدو نواجذه.

وكان يضحك مما يضحك منه، وهو مما يتعجّب من مثله، ويستغرب وقوعه ويستندر.

وأما بكاؤه، فكان من جنس ضحكه لم يكن بشهيق، ورفع صوت، كما لم يكن ضحكه بقهقهة، ولكن كانت تدمع عيناه حتى تهملا، ويسمع لصدره أزيز.

وكان بكاؤه تارةً رحمةً للميت، وتارةً خوفاً على أمته وشفقة عليها، وتارةً من خشية الله، وتارةً عند سماع القرآن، وهو بكاءُ اشتياق ومحبة وإجلال، مصاحب للخوف، والخشية.

ولما مات ابنه إبراهيم؛ دمعت عيناه وبكى رحمةً له، وبكى لما شاهد إحدى بناته ونفسها تفيض.

وبكى لما قرأ عليه ابن مسعودٍ سورة النساء.

وبكى لما مات عثمان بن مظعون، وبكى لما كسفت الشمس، وصلى صلاة الكسوف،

وجعل يبكي في صلاته، وجعل ينفخُ.

وبكى لما جلس على قبر إحدى بناته، وكان يبكي أحياناً في صلاة الليل.

قدوة في خطبته

كان إذا خطب؛ احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه حتى كأنه منذرُ جيش، لا

يخطب خطبة إلا افتتحها بحمد الله.

وكان مدار خطبه على حمد الله، والثناء عليه بآلائه، وأوصاف كماله ومحامده، وتعليم قواعد الإسلام، وذكر الجنة والنار والمعاد، والأمر بتقوى الله، وتبيين موارد غضبه، ومواقع رضاه، فعلى هذا كان مدارُ خطبه.

وكان يخطب في كل وقت بما تقتضيه حاجة المخاطبين ومصلحتهم، وكان يقصر خطبته أحياناً، ويطيلها أحياناً، بحسب حاجة الناسِ.

وقدوة في المعاملات

كان أحسنَ النَّاسِ معاملة.

باع رسول الله ﷺ واشترى، وآجر، واستأجر، وشارك غيره، ولما قدم عليه شريكه قال: أما تعرفني؟ قال: «أما كنتَ شريكي؟ فنعم الشّريك كنتَ لا تداري، ولا تماري».

وأهدى، وقبل الهدية، وأثاب عليها، واستدان برهن، وبغير رهن، واستعار، واشترى بالثمن الحال والمؤجل.

وكان إذا استلف سلفاً، قضى خيراً منه، وكان إذا استسلف من رجل سلفاً؛ قضاه إياه، ودعا له، فقال: «باركَ اللهُ لكَ في أهلك ومالك، إنما جزاء السلف الحمد والأداء».

ووقف رسول الله ﷺ أرضاً كانت له، جعلها صدقة في سبيل الله.

وتشفّع، وشفّع إليه، وردّت بريرة شفاعته في مراجعتها مغيثاً، فلم يغضب عليها، ولا عتب، وهو الأسوة والقدوة.

وحلف في أكثر من ثمانين موضعاً، وأمره الله سبحانه بالحلف في ثلاثة مواضع،

وكان يستثني في يمينه تارة، ويكفّرها تارة، ويمضي فيها تارة.

وكان يمازح، ويقول في مزاحه الحقِّ، ويورّي، ولا يقول في توريته إلا بحق.

وسابق رسول الله ﷺ بنفسه على الأقدام، وصارع.

وخصف نعله بيده، ورقع ثوبه بيده، ورقع دلوه، وحلب شاته، وفلى ثوبه، وخدم أهله ونفسه، وحمل معهم اللبن في بناء المسجد، وأضاف وأضيف.

وكان يعود المريض، ويشهد الجنازة، ويجيب الدعوة، ويمشي مع الأرملة والمسكين والضعيف في حوائجهم، وسمع مديح الشعر، وأثاب عليه.

قدوة في عيادة المرضى

كان يعود من مرض من أصحابه، وعاد غلاماً كان يخدمه من أهل الكتاب، وعاد عمه وهو مشرك، وعرض عليهما الإسلام، فأسلم اليهودي، ولم يسلم عمه.

وكان يدنو من المريض، ويجلس عند رأسه، ويسأله عن حاله، فيقول: «كيف تجدك؟».

وكان يمسح بيده اليمنى على المريض، ويقول: «اللهم ربَّ النَّاس، أذهب البأس، واشفه أنتَ الشّافي، لا شفاء إلا شفاؤك شفاءً لا يغادر سقماً» .

قدوة في سنن الفطرة

كان يعجبه التيمن في تنعله، وترجّله، وطهوره، وأخذه وعطائه، وكانت يمينه لطعامه وشرابه وطهوره ويساره الخلائه ونحوه من إزالة الأذى.

وكان هديه في حلق الرأس تركه كله، أو أخذه كله، ولم يكن يحلق بعضه، ويدع بعضه.

وكان يحبُّ السواك، ويستاك مفطراً وصائماً، وعند الانتباه من النوم، وعند الوضوء، والصلاة، ودخول المنزل.

يكثر التطيب، ويحب الطيب، ولا يردّه.

وكان يحبُّ الترجّل، وكان يرجّل نفسه تارةً، وترجّله عائشة تارة.

فلينظر المسلمون إلى حالهم اليوم، وليتخذوا من رسول الله ﷺ وصحابته مثلهم الأعلى، بدلاً من أن يتخذوا من الممثلين والممثلات والمفكرين العالميين، ورجال الغرب قدوةً لهم. ولا بد هنا من الكلام عن مسألة مهمّة، وهي ما هي الأفعال التي يقتدى بها من أفعال النبي ؟ ولبيان ذلك نقول:

تنقسم أفعال النبي ﷺ إلى أربعة أقسام:

القسم الأول: الأفعال الجِبلية

وهي الأفعال الصادرة من النبي ﷺ باعتباره بشراً كسائر البشر، وليس بمقتضى الرسالة، كالحركات، والقيام والقعود، والمشي، والأكل والشرب، والنوم، فهذه الأفعال لا يتعلق بها أمر، ولا نهي.

إلا أن الفعل الجبلي إذا واظب النبي ﷺ على إيقاعه على هيئة مخصوصة؛ فإنه يخرج من الإباحة إلى الاستحباب، كنومه على الشق الأيمن.

وكذلك إذا ورد قول يحث على هذا الفعل؛ فإنه يصير مستحباً، كالتنفس في الشراب ثلاثاً، والأكل باليمين.

القسم الثاني: أفعاله الجارية على وفق عادات قومه وأعرافهم، مما لم يدل دليل على ارتباطها بالشرع.

كالأمور التي تتعلق باللباس؛ لأن اللباس مرجعه إلى العادة التي اعتادها أهل البلد؛

ولهذا لم يغيّر الرسول ﷺ لباسه الذي كان يلبسه قبل النبوة، وإنما وضع شروطاً وضوابط للباس الرجل، والمرأة، وكتطويل شعره أيضاً فهذه الأفعال لا يقال: إن متابعته فيها سنة؛ لأنه لم يقصد بفعلها التشريع، ولم يتعبد بها.

وإذا ورد قول يأمر بذلك، أو يرغب فيه، أو جاءت قرينة تدلُّ على علاقة الفعل العادي بالشريعة، فهذا خارج عن هذا النوع، كلبس الأبيض، ورفع الإزارِ إلى نصف الساق، ونحو ذلك.

القسم الثالث: أفعاله الخاصة به

وهذه لا أسوة به فيها، كالوصال في الصيام، وجمعه بينَ أكثر من أربع نسوة، ونكاح الموهوبة بلا مهر، ونحو ذلك.

القسم الرابع: الفعل التعبدي

وهو الفعل الذي فعله النبي ﷺ تعبدا لله. فهذا الفعل هو الذي يقتدى بالنبي ﷺ فيه، وقد يكون واجباً، وقد يكون مستحبّاً.

وإلى جانب الاقتداء بالنبي ﷺ في الأفعال يقتدى به في التّروك. والمقصود بالتروك: تركه ﷺ فعل أمر من الأمور، ومعرفة تركه لأمر من الأمور

يكون بطريقين:

– الأول: التصريح بأنه ترك كذا وكذا، ولم يفعله، كقول الصحابي في صلاة العيد: «أَنَّ رسول الله ﷺ صلى العيد بلا أذان، ولا إقامة.

– الثاني: عدم نقل الصحابة للفعل الذي لو فعله النبي ؛ لتوفّرت هممهم ودواعيهم على نقله للأمة.

فحيث لم ينقله واحد منهم ألبتة، ولا حدّث به في مجمع أبداً علم أنه لم يكن، وذلك كتركه التلفظ بالنية عند دخوله الصلاة ، وتركه ﷺ الفعل من الأفعال يكون حجةً، إلا إذا ترك شيئاً؛ لوجود مانع من فعله، كتركه ﷺ قیام رمضان جماعةً؛ بسبب خشيته أن يفرض على أمته، فمثل هذا ليست الأسوة في تركه، بل في فعله؛ لانتفاء المانع.

(“كيف عاملهم صلى الله عليه وسلم” للشيخ محمد صالح المنجد)

شارك هذا المقال:

مقالات مشابهة