الرسول ﷺ القدوة الحسنة
يقول الله عزوجل: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: ٢١].
قال ابن كثير رحمه الله: «هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله ﷺ في أقوال وأفعاله وأحواله».
ولما أرسله الله تعالى رحمة للعالمين وهداية للناس صار المثل الأعلى والقدوة الحسنة للذين يرجون الله واليوم الآخر، ولا يريدون علوّاً في الأرض ولا فساداً.
المراد بالقدوة
القدوة: اسم لمن يقتدى به، فيقال: «فلان قدوةً» إذا كانَ منْ يأتسي الناسُ خطاه ويتبعونَ طريقته.
وما أشدَّ حاجة المسلم اليوم إلى التأسي برسول الله ﷺ، وخاصةً مع كثرة الدعاوى الباطلة في هذا العصر الذي يحشد فيه أعداء الله فتنَ الشَّبهات والشهوات ليصدوا عن سبيل الله.
فأردنا (فيما يلي) أن نتكلم عنه، من حيث كونه إماماً، وقاضياً، وحاكماً، ومصلحاً، ومعلماً، ومربياً، وزوجاً، وأباً، ومديراً وقائداً، وعاملاً… وغير ذلك من جوانب شخصيته، مستبصرين بما ثبت في السنة الصحيحة من ذلك.
فهو القدوة المثلى التي ينبغي للمسلم أن يتبعها، ويسير على خطاها؛ فكل ما يفعله، أو يقوله، هو فيه محل أسوة وقدوة.
فبهداهم اقتده
وقد أمر الله نبيه بالاقتداء بالأنبياء من قبله، فقال تعالى: ﴿ أَوْلَيْكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبهُدَتهُمُ اقْتَدِهُ ﴾ [الأنعام: ٩٠].
(فَبهُدَهُمُ اقْتَدِهُ) قال ابن كثير رحمه الله: «أي : اقتد واتبع. وإذا كان هذا أمراً للرسول ﷺ فأمته تبع له فيما يشرعه، ويأمرهم به».
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “وفي قصص الأنبياء عبرة للمؤمنين بهم؛ فإنهم لا بد أن يبتلوا بما هو أكثر من ذلك، ولا ييأسوا إذا ابتلوا بذلك، ويعلموا أنه قد ابتلي به من هو خير منهم، وكانت العاقبة إلى خير، فليتيقن المرتاب، ويتبِ المذنب، ويقوى إيمان المؤمنين، فبها يصح الاتساء بالأنبياء».
ومن الأمور التي أمرنا أن نقتدي فيها بأنبياء الله ورسله:
1. القوة في طاعة الله تعالى وعبادته
وهذه الصفة العظيمة من أبرز ما في حياة الأنبياء عليهم الصلاةُ والسلام، حيثُ إنهم أكثر الناس عبادةً، وصلاةً، وإخباتا لله عزوجل، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿ وَاذْكُرْ عِبَدَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أَوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَرِ ﴾ [ ص: ٤٥].
عن عطاء الخراساني رحمة الله قال : « أُولِي الْأَيْدِى وَالْأَبْصَرِ ، أي: أولي القوة في العبادة، والعلم بأمر الله».
وعن قتادة رحمة الله قال: «أعطوا قوّةً في العبادة، وبصراً في الدين».
والشواهد في ذكر عبادة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كثيرة، منها: قوله تعالى على لسان إبراهيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَوةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء ﴾ [إبراهيم: ٤٠] .
وقوله تعالى في مدح إسماعيل عليه السلام: ﴿ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَوَةِ وَالزَّكَوَةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مرضيا) [مريم: ٥٥].
وقوله تعالى في مدح إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليه السلام: ﴿وَجَعَلْنَهُمْ أَبِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَوةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَوةِ وَكَانُوا لَنَا عَبدِينَ ﴾ [الأنبياء: ٧٣].
أما نبينا محمد ﷺ، فالشواهد على كثرة عبادته وقوته فيها كثيرة جدا، مع أنه قد غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، فهو الذي قال له ربه عَجَلَ : (وَمِنَ الَّيْلِ فَأَسْجُدْ لَهُ، وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا ﴾ [الإنسان: ٢٦].
وقال له: (… فَأَعْبُدُهُ وَأَصْطَبِرْ لِعِبَادَنِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ﴾ [مريم : ٦٥].
وقال تعالى: ﴿ وَمِنَ الَّيْلِ فَتَهَجَدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا ) [الإسراء: ٧٩].
2. كثرة ذكرهم الله عَرَجَل، وشدّة تضرعهم ودعائهم له سبحانه مع قوة عبادتهم
فكانوا يكثرون من ذكر الله في كل الأوقات، وكانوا يخبتون لربّهم سبحانه، ويتضرعون له، ويدعونه دعاء متواصلاً، مع كثرة عبادتهم، وطولها وتنوعها.
وقد ذكر الله عزوجل كيف كان أنبياؤه ورسله – صلوات الله وسلامه عليهم – يتضرعون إليه في قضاء حوائجهم، ويتوسلون إليه بتمام فقرهم إليه ورغبتهم؛ فقال تعالى: ﴿ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّحِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرِ وَاتَيْنَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَبِدِينَ ﴾ [الأنبياء: ٨٣-٨٤].
وقال تعالى: ﴿ وَذَا النُّونِ إِذ ذَهَبَ مُغَضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّلِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَيْنَهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُجِى الْمُؤْمِنِينَ وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ، وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَرِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَا وَكَانُوا لَنَا خَشِعِينَ ) [الأنبياء: ۸۷-۹۰] .
وكان شديد اللجوء إلى الله، كثير الدعاء والتضرع، وخاصة في الملمات؛ ففي يوم بدر اشتدت مناجاته لربه، ومناشدته إياه أن ينصره ومن معه من المسلمين؛ فعن عمر بن الخطابِ رَواية عنه قال: لما كان يوم بدر استقبل نبي الله ﷺ القبلة، ثمَّ مد يديه، فجعل يهتفُ بربه: «اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم آتِ ما وعدتني، اللهم إنْ تُهلك هذه العصابة من أهل الإسلام؛ لا تعبد في الأرض، فما زال يهتفُ بربّهِ مادًا يديه، مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءه، فألقاه على منكبيه، ثمَّ التزمه من ورائه، وقالَ: يا نبي الله كفاكَ مناشدتكَ ربّكَ؛ فإنّه سينجز لك ما وعدك».
3. خشوعهم وبكاؤهم عند ذكر الله عَزَوَجَلَّ
فأثنى الله عَرَوجَل على الأنبياء الذين ذكروا في سورة مريم بقوله سبحانه: ﴿أُوْلَئكَ الَّذِينَ أَنعم اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَهِيمَ وَإِسْرَاءِيَلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ أَيْتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَيُكِيَّا ﴾ [مريم: ٥٨].
وكان رسول الله ﷺ أخشى الناس لله، وكان يقولُ: «والله إنّي لأرجو أن أكونَ أخشاكم الله وأعلمكم بما أتقى».
وكان ﷺ يقول: “يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك”.
٤. الاقتداء بهديهم في قوة العلم بالله عَزَوَجَلَّ
فأنبياء الله ورسله صلى الله عليهم وسلم، قد أورثهم هذا العلم تمام الإيمان واليقين به سبحانه، فهم أعلم الناس بالله.
والعبد كلما كان أعلم بربه كلما كان أشد تعظيماً له وإخباتاً وعبادة وخوفاً وإخلاصاً ومحبة.
قال ابن القيم رحمه الله: «لا سبيل إلى السعادة والفلاح لا في الدنيا، ولا في الآخرة إلا على أيدي الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الطيب والخبيث على التفصيل إلا من جهتهم، ولا ينالُ رضا الله البتة إلا على أيديهم. فالطَّيِّبُ من الأعمال، والأقوال والأخلاق ليسَ إلا هديهم، وما جاؤوا به. فهم الميزانُ الراجح الذي على أقوالهم وأعمالهم، وأخلاقهم توزنُ الأقوال، والأخلاق، والأعمال، وبمتابعتهم يتميّز أهل الهدى من أهل الضلال. فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه، والعين إلى نورها، والرّوح إلى حياتها، فأي ضرورة وحاجةٍ فُرِضَتْ، فضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير. وما ظنّكَ بمنْ إذا غاب عنك هديه، وما جاء به طرفة عين، فسد قلبك، وصار كالحوتِ إذا فارق الماء، ووضع في المقلاة.
فحال العبد عند مفارقة قلبه لما جاء به الرسل كهذه الحال، بل أعظم، ولكن لا يحس بهذا إلا قلب حي، وما لجرح بميت إيلام. وإذا كانت سعادة العبد في الدارين معلقة بهدي النبي ﷺ، فيجب على كل من نصحَ نفسه، وأحب نجاتها، وسعادتها أن يعرف من هديه، وسيرته، وشأنه ما يخرج به عن الجاهلين به، ويدخل به في عداد أتباعه، وشيعته، وحزبه. والناسُ في هذا بين مستقل، ومستكثر، ومحروم، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم”.
لماذا نقتدي بالنبي ﷺ؟
1. لأن حياته هي حياة أكمل الناس
اختاره الله عزوجل عن علم وحكمة، واصطفاه على البشر؛ فكان لا بد أن نتعرّف على هذه الحياة المباركة التي صنعت على عين الله تبارك وتعالى؛ لعلّها أن تكون نبراساً لحياتنا، ونجاةً لأمتنا.
2. طاعة لأمر الله عَزوجَل
بالاقتداء به، والتأسي بهديه، قال الله عاجل: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: ٢١].
وقال: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [النور: ٦٣].
3. لعصمة الله عَزوجَلَ لَهُ
لحفظ الله عزوجل له، وعصمته له من الزلل، ولو وقع منه الخطأ لم يقر عليه، فحري بمن هذه صفاته أن يقتدى به، وتدرس حياته، ويتعرف على هديه.
4. في حياته العبرة
لأنَّ في دراسة حياته أكبر العظات والعبر؛ سواء ما يتعلق بالإيمان والتوحيد، أو فيما يتعلّق بأخلاقه وسلوكه، أو بهديه ومنهجه، وصبره في الدعوة، والصراع مع الباطل وأهله.
5. الاقتداء بالنبي ﷺ شرط الفلاح والنصر
فإذا لم نتأس برسول الله ﷺ في أقواله وأفعاله وشمائله، ولم نقتف أثره؛ فلن نفلح أبداً، ولن ننتصر أبداً.
6. النَّبِيُّ ﷺ قدوة في كل أحواله
ألم يجعل الله عزوجل من النبي الرجل ؟ ومن النبي الزوج؟ ومن النبي الأح؟ ومن النبي الصديق؟ ومن النبي الحاكم؟ ومن النبيُّ القائد ؟ ألم يجعل الله عَزوَجَل شخصية النبي قدوةً لنا في كل أحواله؟
معرفة سيرة النبي ﷺ ضرورة للاقتداء به
فلا بد إذاً من وقفة متأنية عند جانبِ الاقتداء لتعرف كيف تهتدي بهديه ؟ كيف تتبع سنته؟ كيف يكون النبي ﷺ أسوة لك؟
لا بد لذلك من الاطلاع على جوانب من حياته وسيرته ومواقفه وعلاقاته بأصناف الناس على اختلاف أجناسهم وأحوالهم.
(“كيف عاملهم صلى الله عليه وسلم ” للشيخ محمد صالح المنجد بتصرف)










