تلخيص سيرة النبي ﷺ وحياته المباركة في التوحيد والجهاد

لقد وحد النبي صلى اللّٰه عليه وسلم منذ مبعثه في مكة المكرمة إلى هجرته إلى المدينة المنورة من أجل الجهاد: وحد الأفكار بالتوحيد، ووحد الصفوف بالتوحيد، ووحد الأهداف بالتوحيد، وجمع الشمل بالتوحيد وبنى الإنسان بالتوحيد وأزال نعرات الجاهلية بالتوحيد، وغرس التضحية والفداء بالتوحيد، وجعل المسلمين كافة كالبناء المرصوص بالتوحيد. لقد كانت حياته المباركة في مكة عبارة عن توحيد من أجل الجهاد.

وجاهد النبي {صلى ﷲ عليه وسلم} منذ هجرته إلى المدينة المنورة من مكة المكرمة إلى أن التحق بالرفيق الأعلى من أجل التوحيد، فكان جهاده لتبليغ الدعوة إلى الناس كافة، ولتكون كلمة ﷲ هي العليا في الأرض. وكانت همته العالية منصرفة بكل طاقتها المادية والمعنوية بتأييد من اللّٰه وتوفيقه، إلى غاية سامية واضحة المعالم هي:{بناء الإنسان المسلم}، ليكون قدوة للآخرين في السلم والحرب، أخلاقاً وسلوكاً، ومعاملة ومنهجاً، وأسلوباً للحياة الدنيا، والآخرة معاً. وكان سبيله الى: بناء الإنسان المسلم، هو التوحيد من أجل الجهاد، والجهاد من أجل التوحيد.
بالتوحيد، أشاع الانسجام الفكرى لأول مرة بين المسلمين في التاريخ، وهذا الانسجام جعل التعاون الوثيق بينهم ممكنًا، إذ لا تعاون وثيقًا مؤثراً بدون انسجام فكرى يذيب الأختلافات ويقضى على النزعات ويحمى من الأهواء. كما أن هذا الانسجام جعل الجهاد ممكنًا أيضاً، يقود إلى النصر ويؤدى إلى الظفر.

إذ أن التعاون الوثيق والجهاد المقدس الذي تستثيره العقيدة الراسخة الواحدة، جعل من المسلمين قوة لا تقهر أبداً، فوجد الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام في أيامه شبه الجزيرة العربية كلها تحت لواء الإسلام، ولانصرف لها وحدة بأي شكل من الأشكال وبأية صورة من الصور قبله أبداً، فكان جيش النبي {صلى اللّٰه عليه وسلم} الذي أنشأه وارسى دعائمه خلال عشر سنوات من عمره المبارك، هو الذي حمل رايات المسلمين شرقاً وغرباً من بعده، وتحمل أعباء الفتح الإسلامى العظيم الذي شمل خلال تسع وثمانين عاماً [ ١١هـ _ ١٠٠هـ ] من الصين شرقاً إلى قلب فرنسا غرباً، ومن سيبيريا شمالاً إلى المحيط جنوباً، فكان هذا الفتح فتحاً مستداماً، لم ينحسر عن البلاد المفتوحة على الرغم من تقلبات الظروف وتطورات الزمن، إلا عن الأندلس الذي انحسر عنها انحساراً سياسياً وعسكرياً، وتبقى ثابتاً راسخاً فيها فكرياً وثقافياً واجتماعياً حتى اليوم.

وتاريخ جيش النبي {صلى اللّٰه عليه وسلم}، يبدأ من يوم مبعثه عليه الصلاة والسلام، فقد عمل جاهداً في ميدان بناء الإنسان المسلم، الذي هو المجاهد المسلم قائداً لو جندياً، ولكن تاريخه في التطبيق العملي للجهاد عشر سنوات فقط بدأت في المدينة المنورة. وحين هاجر النبي {صلى اللّٰه عليه وسلم} من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة وأمر أصحابه بالهجرة إليها، بدأ تنظيم الجيش الإسلامى وتسليحه وتجهيزه وقيادته ‹‹عملياً›› جيشاً نظامياً له كيان واحد، وهدف واحد، وفكر واحد، وقيادة واحدة. ومعنى الهجرة إلى المدينة المنورة، من الناحية العسكرية هو حشد المجاهدين في قاعدة أمنية؛ تمهيداً للنهوض بأعباء الجهاد. وبادر النبي {صلى اللّٰه عليه وسلم} مباشرة، بعد استقراره في المدينة المنورة إلى إختيار مكان مناسب لبناء مسجده، وبدأ ببنائه باللبن، وشارك أصحابه في حمل اللبنات والأحجار على كواهلهم، فتم للمسلمين بناء المسجد: فراشه الرمل والحصىٰ، وسقفه الجريد، وأعمدته الجذوع.

وتم بناء مسجد رسول الله {صلى اللّٰه عليه وسلم} في المدينة المنورة، بناء: الثكنة الأولى لجيش النبي {صلى اللّٰه عليه وسلم} والثكنة الأولى في الإسلام. وفي مسجد النبي {صلى اللّٰه عليه وسلم}، أخذ بناء الإنسان المسلم يؤتى أكله مرتين: غير القادرين على الجهاد من أولاد المسلمين الصغار ليكونوا جيش المستقبل وجنود الفتح الإسلامى وقادته، والقادرون على الجهاد من شباب المسلمين وكهولهم وشيوخهم أيضاً لكونوا جيش الحاضر والمستقبل، وجنود الفتح الإسلامى وقادته، والقادرون وغير القادرين على الجهاد من المسلمين يحقنون في المسجد النبوي الشريف بمصل الجهاد مادياً ومعنوياً ليصبح الإنسان المسلم مجاهداً من الطراز الأول بماله ونفسه في سبيل اللّٰه. ولم يؤذن للمسلمين بالقتال وهو الجهاد الأصغر قبل الهجرة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، بالرغم مما تحملوه من تعذيب وتشريد وعناء واضطهاد.

وفي مكة المكرمة إجتمع النبي {صلى اللّٰه عليه وسلم} بسبعين رجلاً من مسلمى المدينة المنورة ليلاً في «العقبة» في بيعة العقبة الثانية، فإستمع أحد المشركين وهو يتجول بين مضارب الخيام ومنازل الحجيج ما دار في إجتماع «العقبة» من حديث بين النبي {صلى اللّٰه عليه وسلم} وأولئك المسلمين القادمين من المدينة المنورة، فصرخ ينذر أهل مكة بأعلى صوته:”إن محمداً والصباء معه، قد إجتمعوا على حربكم”. ولم يكترث مسلمو المدينة من أهل العقبة الثانية بانكشاف أمرهم، بل أرادوا مهاجمة المشركين من قريش وغيرهم بأسيافهم، ولكن النبي {صلى اللّٰه عليه وسلم} أمرهم بالتفرق والعودة إلى رحالهم، إذ لم يأذن اللّٰه لهم بعد بالقتال.

وبعد الهجرة إلى المدينة المنورة، نزلت أول آية من آيات القتال: {أُذِنَ لِلَّذِینَ یُقَـٰتَلُونَ بِأَنَّهُمۡ ظُلِمُوا۟ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصۡرِهِمۡ لَقَدِیرٌ. ٱلَّذِینَ أُخۡرِجُوا۟ مِن دِیَـٰرِهِم بِغَیۡرِ حَقٍّ إِلَّاۤ أَن یَقُولُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ} فخرج الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام غازيًا في شهر”صفر”على رأس اثنى عشر شهراً من مقدمه إلى المدينة المنورة، وبذلك بدأ الجهاد الأصغر عملياً في الإسلام. لقد قضى النبي {صلى ﷲ عليه وسلم} اثنتى عشرة سنة من عمره المبارك في مكة المكرمة وسنة واحدة في المدينة المنورة بعد هجرته إليها يعمل جاهداً في ميدان: بناء الإنسان المسلم، منفذاً رسالة ﷲ في مجال الجهاد الأكبر. وقضى عشر سنوات في المدينة المنورة من عمره المبارك، من بداية الجهاد الأصغر حتى التحق بالرفيق الأعلى منفذاً رسالة ﷲ في مجال الجهاد الأكبر وهو بناء الإنسان المسلم، و في مجال الجهاد الأصغر، وهو الجهاد في سبيل اللّٰه بالأموال والأنفس لإعلاء كلمة ﷲ.

وقد بُعث النبي {صلى اللّٰه عليه وسلم} في الأربعين من عمره المبارك، والتحق بالرفيق الأعلى عن ثلاث وستين سنة، فكان نبياً ورسولا، ومعلماً ورائداً، وزعيماً وقائداً عشر سنوات، بلغ الرسالة وأدى الأمانة، خلال عمره المبارك من مبعثه إلى وفاته في مجالين حيويين: مجال الجهاد الأصغر، ومجال الجهاد الأكبر، فعلمنا أن الجهاد الأكبر هو الأصل، ولكن هذا الجهاد لا يبلغ غايته ويحقق أهدافه ويصان ويحمى إلا بالجهاد الأصغر، فلا حق بغير قوة، ولا قوة بغير مجاهدين صادقين، يجاهدون أنفسهم أولاً بالعقيدة الراسخة، لينتصروا على أعداء الإسلام بالأنفس الطاهرة ذات الأخلاق المحاربة، لا بضخامة العدد والعدد، إذ لم ينتصر المسلمون على أعدائهم بالتفوق العددى والعددى في أيام النبي {صلى اللّٰه عليه وسلم}ولا في أيام الفتح الإسلامى العظيم، بل انتصروا بتطبيق تعاليم الدين الحنيف نصاً و روحاً، فلما بداوا ما بأنفسهم وتغلبت عليهم نفوسهم الأمارة بالسوء، واستبداوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، أصبحت انتصاراتهم هزائم ولم يفلحوا أبداً.

إن تاريخ جيش النبي {صلى اللّٰه عليه وسلم}، بدأ من أول نزول الوحى على المصطفى عليه الصلاة والسلام، فأعد جنوده وقادته بالتدريج {أفراداً} في مكة المكرمة ببناء الانسان المسلم، فلما هاجر إلى المدينة المنورة وشيد مسجده فيها، بدأت مرحلة جديدة من مراحل ذلك الجيش هي مرحلة تنظيم {الأفراد} قادة وجنوداً، استعداداً للجهاد الأصغر، ولم تمض سنة كاملة على إكمال تشييد المسجد النبوي الشريف إلا وأصبح جيش النبي {صلى اللّٰه عليه وسلم} متكامل التنظيم، قليل العدد ولكنه كثير المدد، في قاعدة أمنية هي المدينة المنورة، يرتكز عليها جهاده، وينطلق منها لتحقيق أهدافه ويعود إليها من… غزواته، ويحشد فيها الرجال والمعدات. واتخذ النبي {صلى اللّٰه عليه وسلم} من مسجده النبوي الشريف مقراً للقيادة: يعد فيه الخطط العسكرية، ويعقد في رحابه مجالس الجهاد، ويهيء فيه المجاهدين الصادقين، ويصدر فيه القرارات والأوامر والوصايا، وينصت فيه إلى آراء أصحابه لأن أمرهم بينهم شورى.

وكان يحشد أصحابه في المسجد،ليشحنهم بطاقات مادية ومعنوية لا ينضب معينها، ويحرض المؤمنين على القتال، ويأمرهم بالثبات وينهاهم عن الفرار، ويحذرهم الفرقة والنزاع، ويأمرهم بالطاعة والنظام، ويشيع فيهم المحبة والألفة والتآخى. وكانت الغزوات والسرايا تنطلق من المسجد، وتعقد الرايات والأعلام والبنود للمجاهدين في المسجد، وتوزع فيه الأسلحة والمعدات. وكان أصحابه يجتمعون في المسجد حين يداهمهم الخطر، ويعود المجاهدون من الغزوات والسرايا الى المسجد، وتضمد جروح المصابين في المسجد، ويتعلم المسلمون أحكام الجهاد في المسجد. والفرق بين الغزوات والسرايا، أن الغزوات يقودها النبي {صلى ﷲ عليه وسلم} بنفسه، والسرايا يقودها قادة النبي {صلى ﷲ عليه وسلم} من أصحابه الغر الميامين.

أخرج الشيخان_ واللفظ لمسلم_ عن أنس (رضى الله عنه) قال: «كان رسول اللّٰه {صلى اللّٰه عليه وسلم} أجود الناس وكان أشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق الناس قبل الصوت، فتلقاهم رسول اللّٰه {صلى اللّٰه عليه وسلم} راجعاً وقد سبقهم الى الصوت، وهو على فرس لأبي طلحة (رضي الله عنه)، يجري في عنقه السيف، ويقول لم تراعوا… لم تراعوا…» سبق النبي {صلى اللّٰه عليه وسلم} جماعة الاستطلاع إلى الصوت وكان الصحابة (رضي الله عنهم) قد تحشدوا في المسجد انتظاراً لأوامر الرسول القائد عليه الصلاة والسلام وتوجيهاته. لقد كان المسجد في أيام النبي {صلى اللّٰه عليه وسلم} «مثابة» للمجاهدين… قادة وجنوداً، والمثابة في المصطلحات العسكرية، هي: مكان اجتماع القائد برجاله لإصدار الأوامر إليهم ومكان استلام الأوامر، وكان المنادى ينادى حين يتعرض المسلمون لخطر داخلي او خارجي: الصلاة جامعة…الصلاة جامعة… فيتقاطر المجاهدون إلى المسجد زرافات ووحدانا تلبية للنداء، عليهم السلاح كاملا، ويجهز لهم من ورائهم الخيل والدواب والإبل أو يجهزونها لأنفسهم ويربطونها خارج المسجد، وتعد لهم الامتعة اللازمة والتجهيزات ليصلوا للعدو فوراً ويقضوا على الخطر الداهم، تنفيذاً لخطة قائد واحد، تحقيقاً لغاية واحدة، هي الدفاع عن الإسلام والمسلمين.

وقد استطاع النبي {صلى الله عليه وسلم}، بناء الانسان المسلم على ثلاث دعائم: العقيدة الراسخة، والقدوة الحسنة، واختيار الرجل المناسب للعمل المناسب. أما العقيدة الإسلامية، هي عقيدة منشئة بناءة، صالحة لكل زمان ومكان، لأنها تهتم بالمادة اهتمامها بالروح، وتعني بالحياة الدنيا عنايتها بالدار الآخرة، وتغرس الضبط والنظام في القلوب والنفوس معاً وتلتزم بالخلق الكريم والمعاملة الحسنة والمثل العليا الأخرى، وتأمر بالشجاعة والثبات، وتنهى على الجبن والفرار. أما القدوة الحسنة، فقد كان خلق النبي {صلى اللّٰه عليه وسلم} القرآن، وكأن تعاليم الإسلام تمشي على الارض بشراً سوياً،

لا يأمر بشيء إلا طبقه على نفسه أقوى ما يكون التطبيق، ولا ينهى عن شيء إلا ابتعد عنه أشد البعد، وكان مثالا عالياً للشجاعة والإقدام، وكان كالقمة العالية في عمله ومعاملته بالنسبة لأصحابه وكلهم قمم عالية، وكان يؤثر رجاله بالخير والأمن ويستأثر دونهم بالخطر والمشقة، وكان مثالاً شخصياً لأصحابه في كل عمل يبتغي به وجه اللّٰه والدار الآخرة، فكان قرنه خير القرون، لأن تأثيره المباشر في أصحابه كان عظيماً. أما اختياره الرجل المناسب للعمل المناسب، فقد كان مثالاً رائعاً حقاً في الالتزام بالعمل الصالح والإيمان العميق والخدمة المثمرة والكفاية العالية والماضى الناصع في اختيار قادته وعماله وقضاته وجباته. وكل من قرأ سير عظماء الأمم في مختلف العصور، وفكر كثيراً في طرق اختيارهم للذين يوكلون إليهم المناصب العامة، لا يمكن أن يجدو هم شيئاً مذكوراً بالنسبة لأسلوب النبي {صلى اللّٰه عليه وسلم} في اختيار الذين يوكل إليهم المناصب العامة عسكرية او مدنية.

قال رسول اللّٰه {صلى اللّٰه عليه وسلم}: «من ولى من أمر المسلمين شيئاً، فولى رجلاً وهو يجد من أصلح للمسلمين منه، فقد خان اللّٰه ورسوله» وفي رواية «من قلد رجلاً عملا على عصابة وهو يجد في تلك العصابة أرضى منه، فقد خان اللّٰه وخان رسوله وخان المؤمنين» رواه الحاكم في صحيحه. لقد دلت سنة رسول اللّٰه {صلى الله عليه وسلم}، أن الولاية أمانة يجب أداؤها. قال لأبي ذر الغفاري (رضي الله عنه) في الإمارة: «إنها أمانة وإنها يوم القيامة خزى وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها» رواه مسلم. وروى البخارى في صحيحه عن أبي هريرة (رضي الله عنه) «أن النبي {صلى الله عليه وسلم} قال: إذا ضيعت الأمانة انتظر الساعة، قيل، يا رسول اللّٰه وما إضاعتها؟! قال: إذا وسد الأمر الى غير أهله، فانتظر الساعة.

لم يكن عليه الصلاة والسلام يقــدم رجلاً على رجل إلا بالحق، وكان يختار الرجل المناسب للعمل الذي يناسبه، فولى قيادة الجيش صاحب الطبع الموهوب والعلم المكتسب والخبرة العملية، لذلك انتصر قادته في السرايا التي تولوا قيادتها في حياته المباركة، فلما رحل إلى لقاء اللّٰه، أصبح قادته أبرز قادة الفتح الإسلامى لأنهم من خريجى مدرسته في اختيار الرجال. قال ابن تيمية (رضى اللّٰه عنه) في حق السلطان الذى يخالف عن أمر النبي {صلى ﷲ عليه وسلم} في اختيار الرجل المناسب للعمل المناسب: فإن عدل عن الأحق الأصلح إلى غيره، لأجل قرابة بينهما، أو ولاء عتاقة أو صداقة، أو موافقة في بلد أو مذهب أو طريقة أو جنس، كالعربية والفارسية والتركية والرومية، أو لرشوة يأخذها منه من مال أو منفعة، أو غير ذلك من الأسباب، لو لضغن في قلبه على الأحق، أو عداوة بينهما، فقد خان اللّٰه و رسوله و المؤمنين.

ودخل فيما نهى عنه فى قوله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ثم قال:﴿وَٱعۡلَمُوۤا۟ أَنَّمَاۤ أَمۡوَ ٰ⁠لُكُمۡ وَأَوۡلَـٰدُكُمۡ فِتۡنَةࣱ وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥۤ أَجۡرٌ عَظِیمࣱ﴾ فأن الرجل لحبه لولده، أو لعتيقه، قد يؤثره في بعض الولايات، أو يعطيه مالا يستحقه، فيكون قد خان أمانته، وكذلك قد يؤثره زيادة فى ماله أو حفظه، يأخذ مالا يستحقه أو محاباة من يداهنه فى بعض الولايات فيكون قد خان اللّٰه ورسوله، وخان أمانته. لقد ولى النبي {صلى اللّٰه عليه وسلم} خالد بن الوليد قيادة الصحابة بعد إسلام خالد مباشرة. وما يقال عن خالد بن الوليد يقال عن عمرو بن العاص، فقد ولاه قيادة الصحابة بعد إسلام عمرو مباشرة.

وقال عنهما لأصحابه الذين كانوا من حوله:«رمتكم مكة بأفلاذ كبدها» وكان عثمان بن عفان (رضى اللّٰه عنه) غنياً، فأفاد المسلمون من ثرائه، ولم نسمع أن الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام كلف عثمان بمنازلة الأقران يوم الطعان. وكان حسان بن ثابت الأنصارى (رضى اللّٰه عنه) شاعراً مجيداً، فاستفاد المسلمون من قابليته الشعرية، ولكن النبي {صلى اللّٰه عليه وسلم} كان يجعله مع النساء عندما يتوجه للجهاد. وكان كثير من أصحاب النبي {صلى اللّٰه عليه وسلم} يعدون من أشجع الشجعان، ولكنهم بقوا جنوداً في جيش المسلمين ولم يتولوا مناصب قيادية، لأنهم كانوا جنوداً متميزين ولم يكونوا قادة متميزين. وكان من بين أصحابه من يحسن القراءة والكتابة، فجعلهم كتاباً للوحى ومحررين لرسائله إلى الملوك والأمراء.

وكان من بينهم إداريون ودعاة وجباة وقضاة، فولى كل واحد منهم ما يناسب قابليته وكفاياته. لقد كان النبي {صلى اللّٰه عليه وسلم} يعرف كل مزايا أصحابه، فيفيد من تلك المزايا ويبرز لها للعيان، ويشجع أصحابها ويثنى عليهم أطيب الثناء. ولكنه في الوقت نفسه، يغض الطرف عن النواقص ويستتر عليها ويبذل جهده لإصلاحها، ولا يذكرها بل يذكر المزايا حسب، ويأمر أصحابه بذكر مزايا إخوانهم حسب أيضاً. واستفادته عليه الصلاة والسلام من كل مزية لكل مسلم، واستقطاب تلك المزايا لبناء المجتمع الإسلامى الجديد، فلا يضع لبنة إلا في مكانها اللائق بها والمناسبات لها، جعل هذا البناء يرتفع ويتعالى سليماً مرصوصاً يشد بعضه بعضاً. وكان ذلك سبباً من أهم أسباب انتصار النبي {صلى الله عليه وسلم} عسكرياً وسياسياً واجتماعياً واقتصادياً، وفي أيام الحرب وأيام السلام.

فلما التحق عليه الصلاة والسلام بالرفيق الأعلى، خلف بين المسلمين عدداً لا يكاد يعد ولا يحصى من القادة والأمراء والولاة والجباة والعلماء والفقهاء والمحدثين، قادوا الأمة الإسلامية عسكرياً وسياسياً وإدارياً ومالياً واجتماعياً، وفكرياً الى المجد والسؤدد والخير، وإلى الفتح والنصر والتوفيق، والى طريق الحق وسبيل الرشاد وصدق رسول الله {صلى الله عليه وسلم} «أصحابى كالنجوم فبأيهم اقتديتم اهتديتم» فهؤلاء هم القادة الرواد من خريجى مدرسة المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام لقد نسى النبي {صلى الله عليه وسلم} نفسه، وركز على تفكيره عملا دائباً لمصلحه المسلمين. نسى مصلحته الخاصة، وانصرف الى مصلحة المسلمين العامة، لذلك… استطاع تخريج القمم السامقة من مختلف القابليات والكفايات لمختلف المناصب والواجبات.

استطاع بالدعامة الأولى : العقيدة الراسخة‎٠‏ أن يجعل من ضمير الفرد رقيباً عتيداً عليه، يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر، وأن يجعل من المجتمع الإسلامى إخوة متحابين فى الله: { إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةࣱ } ‎٠واستطاع بالدعامة الثانية: القدوة الحسنة، أن يجعل من الفرد المسلم مؤمناً بأن العقيدة الإسلامية قابلة التطبيق عملياً، وأن مالا يمكن أن يكون، يمكن فعلا أن يكون ‎، وأن يجعل الجتمع الإسلامى مؤمناً بأنه المجتمع المثالى الذى يؤمن بعقيدة مثاليـة جاءت لمصلحة المؤمنين والناس جميعاً:{ وَكَذَ ٰ⁠لِكَ جَعَلۡنَـٰكُمۡ أُمَّةࣰ وَسَطࣰا لِّتَكُونُوا۟ شُهَدَاۤءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَیَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَیۡكُمۡ شَهِیدࣰاۗ } . واستطاع بالدعامة الثالثة : اختيار الرجل المناسب للعمل المناسب، أن يجعل الفرد المسم يعتمد على قدرته وكفايته وإيمانه للتقدم لا على حسبه ونسبه وانحرافه عن مبادئه، ويجعل الجتمع الإسلامى يثق بعدل القيادة وترفعها عن التحيز والأهواء. هكذا أعد الرسول القائد الفرد المسلم، وكل فرد مسلم جندى مجاهد فى جيش المسلمين، مؤمناً بعقيدته الراسخة، واثقاً بقيادته الأمينة، لا يخشى على مستقبله الظلم والانحراف مطمئناً على حاضره غاية الاطمئنان. وهؤلاء الأفراد يؤلفون المجتمع الإسلامى، وهو جيش المسلمين الجاهدين فى سبيل إعلاء كلمة الله٠‏ يشيع فيه الانسجام الفكرى بالعقيدة الراسخة، يثق بقيادته، ويتولى أمره الزبدة المختارة من أبنائه من أصحاب الكفايات العالية والقابليات المتميزة والإيمان العميق والماضى المجيد. هذا الجتمع الذى يدافع عن عقيدته و محملها إلى الناس كافة لا يحملهم عليها، ويدافع عن أرضه وعرضه- ولا أقول عن أعراضه، لأن عرض كل مسلم عرض المسلمين جميعاً، كل أفراده يتساوون بالحقوق والواجبات، يسعى بذمتهم أدناهم، وهم قوة على سواهم، ليس بينهم تمييز طبقى ولا عرقى، هو جيش النبي {صلى الله عليه وسلم} ومثل هذا الجيش لا يقهر أبدا ولا يتقهقر أبداً .

وجيش المسلمين الأول في تاريخه، يتلخص بأربعة أدوار تدرج بها من الضعف إلى القوة، ومن الدفاع إلى الهجوم، فأصبح بالتدريج قوة ضاربة ذات عقيدة راسخة و معنويات عالية ، تعمل تحت قيادة واحدة، لتحقيق غاية واحدة. وهذه الأدوار الأربعة هي بحسب تسلسلها الزمنى وتطورها التدريجي: الدور الأول هو دور الحشد: من بعثته صلى الله عليه وسلم سنة ( ٦١٠ م ) ، إلى هجرته من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة سنة ( ٦٢٢ م ) واستقراره هناك. وفى هذا الدور، اقتصر النبي صلى الله عليه وسلم على الدعوة ونشرها: يبشر وينذر ، ويرسخ العقيدة ، ويجاهد بكل طاقاته لتبليغ الدعوة ونشر الإسلام. وبهذا الجهاد الأكبر، كون الخميرة الأولى لجيش المسلمين، ثم حشدهم في المدينة المنورة بالهجرة إليها ، فكانت القاعدة الأمينة الأولى لجيش المسلمين.

والدور الثانى، هو دور الدفاع عن العقيدة: وقد اقتصر في السنة الأولى من الهجرة، على تنظيم الجيش الإسلامي وإعداده للجهاد وبدأ النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول آية الإذن بالجهاد: ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوار بنا الله ) يرسل السرايا بقيادة القادة من أصحابه وقاد بنفسه الغزوات، وانتهى هذا الدور: دور الدفاع عن العقيدة، بانسحاب الأحزاب عن المدينة المنورة بعد « غزوة الخندق » فى شوال من السنة الخامسة الهجرية، وقيل في ذي القعدة سنة خمس الهجرية (۳) ، … ومعنى هذا، أن هذا الدور استمر أربع سنوات … تقريباً …وفى هذا الدور كان مولد الجيش ( تنظيمياً )، مولد الجيش الإسلامى جيشاً مجاهداً فى ظل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم.

فازداد تعداد المسلمين وأحرزوا انتصاراً حاسماً فى غزوة ( بدر الكبرى ) في رمضان المبارك من السنة الثانية الهجرية، وأثبت جدارته في الدفاع عن العقيدة الإسلامية، وعن الدعوة الإسلامية، وعن حرية انتشارها بين الناس، تجاه أعداء المسلمين من المشركين والمنافقين واليهود، المتفوقين على المسلمين عدداً وعدة.
وفى هذا الدور اجتاز الجيش الإسلامي الوليد وقتاً عصيباً بنجاح باهر وانتصارات حاسمة، وصفه الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام قبل خوض غزوة ( بدر الكبرى ) بقوله وهو يناجي ربه اللهم إن تهلك هذه العصابة لاتعبد » مشيراً إلى موقف المسلمين العصيب، ولكنه قال عليه الصلاة والسلام بعد انسحاب الأحزاب من غزوة ( الخندق ) الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم»

مشيراً إلى تحسن موقف المسلمين من حال الخطر المحدق إلى حال القوة والمنعة. والدور الثالث، هو دور ( التعرض ): من بعد غزوة ( الخندق ) إلى غزوة ( حنين ) التي كانت في شهر شوال من السنة الثامنة الهجرية. وفى هذا الدور. انتشر الإسلام في شبه الجزيرة العربية كلها، وأصبح جيش المسلمين قوة ضاربة ذات اعتبار ووزن وأثر في البلاد العربية، واستطاع سحق كل قوة باغية من المشركين و يهود تعرضت للمسلمين والدور الرابع هو دور ( التكامل ): من غزوة (حنين ) إلى أن التحق النبي {صلى الله عليه وسلم} بالرفيق الأعلى.

في يوم الاثنين من شهر ربيع الأول من سنة إحدى عشرة الهجرية. وفى هذا الدور تكاملت قوات المسلمين، فسيطرت على شبه الجزيرة العربية سيطرة تامة بدون منازع، ووحدتها توحيداً كاملا لأول مرة في تاريخها تحت لواء الإسلام. ثم أخذت هذه القوة تحاول أن تجد لها متنفساً في خارج شبه الجزيرة العربية، فكانت غزوة تبوك التي كانت في شهر رجب من السنة التاسعة الهجرية إيذاناً بمولد الدولة الإسلامية و لست بحاجة إلى إثبات قابلية النبي {صلى الله عليه وسلم}

القيادية وكفايته العسكرية، وصدق الله العظيم: ( الله أعلم حيث يجعل رسالته) فقد كانت قابلياته وكفاياته القيادية والعسكرية وغيرها فذة نادرة لا تتكرر أبداً. فقد قاد النبي {صلى الله عليه وسلم} بنفسه سبعاً وعشرين غزوة، وفى رواية أخرى أنه قاد بنفسه خمساً وعشرين غزوة. ولكننى بمقارنة تعداد الغزوات في المراجع المعتمدة للسيرة النبوية المطهرة والمغازى والتاريخ، وإحصاء الغزوات التي قادها النبي {صلى الله عليه وسلم} بنفسه، وجدت أن عدد الغزوات التي قادها بنفسه هي ثمان وعشرون غزوة.

ويبدو أن قسماً من المصادر أغفلت غزوة من الغزوات سهواً، وقسما منها أغفلت أكثر من غزوة واحدة ، ولكن تعداد الغزوات التي اعتمدتها في الملحق المرفق وردت في أكثر من مصدر معتمد ، فآثرت إثباتها منسقة مبسطة، لعل فيها فائدة للمعنيين بالدراسات العسكرية الإسلامية وكان ما قاتل فيه من المغازى تسع غزوات: بدر، وأحد، والمريسيع والخندق، وقريظة، وخيبر، وفتح مكة، وحنين، والطائف. بينما فر المشركون في تسع عشرة غزوة من غزوات النبي {صلى الله عليه وسلم} بدون قتال. وكانت سراياه التي بعث بها سبعاً وأربعين سرية.

وفى رواية أنه بعث عدداً أكثر من السرايا، والأول أصح وقد قاد عليه الصلاة والسلام غزواته خلال سبع سنين من بعد هجرته من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، فقد خرج إلى غزوة (ودان) وهى أول غزوة قادها بنفسه في شهر صفر من السنة الثانية الهجرية وكانت غزوة تبوك آخر غزواته فى شهر رجب من السنة التاسعة الهجرية، وكان من ثمرات تلك الغزوات توحيد شبه الجزيرة العربية تحت لواء الإسلام.

و بدأ الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام يخطط للفتح الإسلامي العظيم، فهو الذى رسم الخطة التمهيدية التي حملت جيش المسلمين على فتح ( أرض الشام) فلسطين والأردن وسوريا ولبنان، وتأسيس أول ركن لدولة الإسلام خارج شبه الجزيرة العربية على شواطىء البحر الأبيض المتوسط الشرقية ذلك أن الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام إلى جانب تبليغه الدعوة الإسلامية إلى قادة العالم في وقته: کسری فارس، وقيصر القسطنطينية، وقيصر القسطنطينية، وأمراء وقادة العراق وأرض الشام ومصر والخليج العربي واليمن والحبشة،

كان قائداً ماهراً يقظاً لا يغض الطرف عن أى مظهر عدوانى قد يحط من شأن دعوته أو يعمل على النيل منها أو يضع العراقيل فى طريق حرية انتشارها، فلم يقف ساكناً أمام استشهاد رسوله الذى بعثه إلى أمير الغساسنة فى (بصرى)، فأرسل فى السنة الثامنة الهجرية (٦٢٩م) أحد قادته المقربين إليه، وهو زيد بن حارثة الكلبى على رأس حملة تعدادها ثلاثة آلاف رجل إلى الحدود الشمالية الغربية من حدود بلاد العرب، وهناك عند (مؤتة)، الواقعة على حدود (البلقاء) إلى الشرق من الطرف الجنوبي للبحر (الميت) التقى المسلمون بقوات الروم وحلفائهم الغساسنة.

ومهما تكن الخاتمة التى لقيتها غزوة (مؤتة)، فإن نتائجها وآثارها كانت بعيدة المدى، فبينما رأى الروم تلك الغزوة (غارة) من الغارات التى اعتاد البدو شنها بين حين وآخر، كانت سرية زيد إلى “مؤتة” فى الحقيقة غزوة من نوع آخر لم تقدر إمبراطورية الروم أهميتها، فهى حرب منظمة كانت لها مهمة جديدة خاصة، جعلت المسلمين يتطلعون جدياً لفتح أرض الشام. وفى العام التالى، أى فى السنة التاسعة الهجرية (٦٣٠م) قاد {صلى الله عليه وسلم} بنفسه غزوة (تبوك)، فأظهر قوة المسلمين للروم المتربصة بهم، ثم عاد إلى المدينة المنورة فكانت تلك الغزوة غزوة استطلاعية، بالإضافة إلى تأثيرها المعنوى فى الروم وحلفائهم الغساسنة. وفى السنة الحادية عشرة الهجرية (٦٣٢م). أعد النبي {صلى الله عليه وسلم} سرية بقيادة أسامة بن زيد بن حارثة الكلبى (حب رسول الله وابن حبه). لمهاجمة الروم،

فولى وجوه المسلمين شطر قبلة عينها لهم وأهداف واضحة جلية شرحها لهم، وأصدر إليهم أوامر حاسمة جازمة. وهكذا وقف الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام يثاقب نظره على أن أشد الأخطار التى يمكن أن تحل ببلاد العرب ودعوته الإسلامية، موطنها أرض الشام حيث الروم وعمالهم الغساسنة، وقد أثبتت حوادث الفتح الإسلامى فيما بعد صدق هذه الإشارة، فكان الروم أشد المحاربين عناداً. تلك هى قصة جيش المسلمين الأول، الذي أنشأه وسهر على رعايته، ودربه وجهزه ونظمه، وهيأ له القادة الحماة القادرين، وأشاع فيه المعنويات العالية بالعقيدة الراسخة، حتى أصبح لا يقهر من قلة ولا بكثرة، حقق وحدة قوية، وأنشأ أمة عظيمة، وحمى عقيدة راسخة، فى حياة قائده ورائده، ومؤسس بنيانه،.. ومشيد أركانه، ومرسخ إيمانه بقوة الله وعزته وإرادته وهديه.

وقد نشأ هذا الجيش فى المسجد، وشب وترعرع فى المسجد، واستوى على ساقه فى المسجد، وتلقى تعاليمه فى المسجد، فقد جعل الله الأرض كلها مسجداً وطهوراً. وفى المدينة المنورة، فى مسجد النبي {صلى الله عليه وسلم}، انطلق جيش المجاهدين الأولين للدفاع عن الإسلام والمسلمين، ثم انطلق لحماية الدعوة الإسلامية وحرية نشرها وتبليغها إلى الناس، ثم اندفع لصيانة الكيان الإسلامى، ثم تكفل بصيانة الدولة الإسلامية مكانة وأرضاً وعرضاً، ثم نهض بأعباء حرب المرتدين وإعادة الوحدة إلى شبه الجزيرة العربية، ثم تحمل أعباء الفتح الإسلامى العظيم أقوى مايكون عزماً وإرادة وتصميماً، فنقل المسلمون بهذا الفتح الأمم إلى الإسلام، ولم ينقلوا الإسلام إلى الأمم. لقد أسس بنيان هذا الجيش على تقوى من الله ورضوان. لذلك أحرز انتصارات باهرة لا تزال أعجوبة من أعاجيب الدهر، وحقق فتوحات فذة لا تزال باقية على الدهر.

وصدق الله العظيم: ﴿أَفَمَنۡ أَسَّسَ بُنۡیَـٰنَهُۥ عَلَىٰ تَقۡوَىٰ مِنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَ ٰ⁠نٍ خَیۡرٌ أَم مَّنۡ أَسَّسَ بُنۡیَـٰنَهُۥ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارࣲ فَٱنۡهَارَ بِهِۦ فِی نَارِ جَهَنَّمَۗ وَٱللَّهُ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّـٰلِمِینَ﴾. والدرس الذي يمكن أن نستخلصه من بناء الجيش الإسلامى الأول، جيش النبي {صلى الله عليه وسلم}، هو أن نبنى الجيوش العربية والإسلامية على أسس رصينة من تعاليم الدين الحنيف، لتتحلى تلك الجيوش بالمعنويات العالية التي ترتكز على تلك التعاليم. وأن نحسن لها اختيار القادة المؤمنين حقاً، من ذوى الطبع الموهوب والعلم المكتسب والتجربة العلمية، القادة الذين يؤثرون مصلحة أمتهم وبلدهم على مصالحهم الذاتية. وأن نعد لها السلاح المتطور، وندربها التدريب المتكامل ونهذبها التهذيب الناجح، ونجهزها التجهيز المتميز، وننظمها التنظيم الدقيق.

وأن نعيد للمسجد مكانته ليؤدى رسالته في غرس العقيدة الراسخة و المعنويات العالية، فهو وحده يؤدى هذه الرسالة، أما غيره من الأماكن فهى تؤدى رسالة من نوع آخر، هى من مصلحة الأعداء لا من مصلحة الأصدقاء. إن المسجد يكون فى الأرض، ولكن السماء تكون فيه – وكل مسجد هو معمل – لتفريغ المجاهدين الصادقين، والنوادى الترفيهية معامل لتفريغ التافهين والإمعات والهتافة من أشباه الرجال. والنفوس المؤمنة لا تتشبع بالماء الإسفنج، بل تتشبع بروح المسجد وكل مسجد أسس على التقوى ثكنة لجيش المسلمين ومدرسة، فمتى يعود المسلمون إلى المسجد، ليستعيد مكانته ويؤدى رسالته؟! والحمد للّٰه الذى هدانا لهذا وما كنا لنهتدى لو لا أن هدانا الله، وصلى الله على إمام المجاهدين الصادقين وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين. والله أسأل أن يفيد بهذا البحث، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم.

وآخر دعوانا أن الحمد للّٰه رب العالمين.

(تاريخ جيش النبي صلى الله عليه وسلم لمحمود شيت خطاب )

شارك هذا المقال:

مقالات مشابهة