النعمان بن مقرن المزني، فاتح “رَامَ هرمز” وشهيد معركة فتح الفتوح

  هذا أميركم قد أقر الله عينه بالفتح وختم له بالشهادة.
  (معقل بن مقرن المزني) 

بيت مقرن

“إن للإيمان بيوتا وللنفاق بيوتا، وإن من بيوت الإيمان بيت ابن مقرن “. ذلك ما كان يقوله الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود عن بيت مقرن المزني.

لقد كان أبناء مقرن عشرة إخوة: سنان وسويد وعبدالله وعبد الرحمن وعقيل ومعقل والنعمان ونعيم ومرضي وضرار، وهم من مزينة مضر، كلهم صحب الرسول صلى الله عليه وسلم وليس ذلك لأحد من العرب غيرهم؛ نزلت فيهم الآية الكريمة: الآية ( ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر). وكانوا من جلة الصحابة.

إسلامه

قدم النعمان مع إخوته على رأس أربعمائة فارس من ( مزينة ) على النبي صلى الله عليه وسلم فأسلموا وذلك في رجب من السنة الخامسة للهجرة. وشهدوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم غزوة (الخندق) وغزواته الأخرى بعد إسلامهم، وكان مع النعمان لواء مزينة في غزوة فتح مكة، وقد شهد تلك الغزوة من مزينة ألف وثلاثة نفر، أي عشر قوات المسلمين في غزوة الفتح . وثبت النعمان كما ثبتت مزينة على الإسلام بعد التحاق النبي صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى، بينما ارتدت العرب إما عامة وإما خاصة في كل قبيلة، ونجم النفاق وأصبح المسلمون كالغنم في الليلة المطيرة الثانية لفقدهم نبيهم، فكان لثبات مزينة والقبائل الأخرى المقيمة بين مكة والطائف أثر في القضاء على المرتدين في تلك المناطق بصورة خاصة وفي المناطق العربية الأخرى بصورة عامة. لقد كان النعمان قائد مزينة ورئيسها ، فلا بد أن يكون له الأثر الحاسم في إقدامها على الإسلام في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وتمسكها به؛ بعد وفاته، وجهادها في حياته وبعد وفاته لإعلاء كلمة الله.

جهاده  

أ – في حرب الردة

بعثت عبس وذبيان ومن انضم إليهم من بني كنانة ومن غطفان وفزارة جموعا منها أقامت على مقربة من المدينة المنورة، وأرسل رؤساء هذه القبائل وفودا منهم إلى المدينة يفاوضون أبا بكر : يقيمون الصلاة ولا يؤتون الزكاة !؛ فكان جواب أبي بكر : ( والله لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه ) . وعادت تلك الوفود إلى قبائلها بعد أن اطلعت على نقاط الضعف في المدينة: مداخلها ومخارجها وقلة المدافعين عنها؛ فأنذر أبو بكر أهل المدينة بالخطر، وحشد المقاتلين بعدة القتال في المسجد لرد العدوان الخارجي، ووضع الحراس في مداخل المدينة لمراقبة الغزاة ليلا ونهارا .  وزحف مانعو الزكاة ليلا بعد ثلاثة أيام من عودة وفودهم، فأحس الحراس المقيمون في مداخل المدينة بالخطر ، فأنذروا أبا بكر ، فخرج على رأس القوات التي حشدها في المسجد لصد هجوم المرتدين؛ فكان استحضار المسلمين الكامل وهجومهم الفوري على الغزاة مباغتة كاملة لهم لم يكونوا يتوقعونها، إذ لم يدر بخواطر هذه القبائل أن سيقاومهم أحد بعد الذي عرفوا من أمر المدينة وأهلها، لذلك انسحبت هذه القبائل فطاردهم المسلمون حتى بلغوا ذا حســا ، وكانت القبائل قد تركت فيها مددا من الرجال أعدوا أنحاء قد نفخوها وربطوها بالحبال وضربوها بأرجلهم في وجوه الإبل التي امتطاها المسلمون ، فنفرت براكبيها وعادت بهم إلى  المدينة! 

وظن القوم بالمسلمين الوهن، ولكن أبا بكر بات ليله يتهيأ، فعبىء الناس ثم خرج في الثلث الأخير من الليل، وعلى ميمنته النعمان وعلى ميسرته أخوه بن مقرن وعلى الساقة أخوه سويد بن مقرن، فما طلع الفجر إلا والعدو في صعيد واحد، فما سمعوا للمسلمين همسا ولا حساً حتى وضعوا فيهم السيوف قبل شروق الشمس، فلم تشرق الشمس حتـى انهزم المشركون، فطاردهم أبو بكر حتى نزل بـ ( ذي القصة ) حيث وضع فيها حامية من المسلمين بقيادة النعمان وعاد إلى المدينة.

وبعد عودة بعث أسامة بن زيد الى المدينة، خرج أبو بكر بنفسه لقتال المرتدين من قبائل عبس وبني بكر وذبيان في منطقة ( الريدة )، وكان على ميمنته النعمان أيضاً، فهزم العدو وعاد الى المدينة بعد أن طهر شمال وشمال شرقي المدينة من المرتدين.
لقد كان النعمان وإخوته من أبرز الرجال الذين أعانوا أبا بكر علـى محاربة المرتدين وإعادة الهدوء والنظام والوحدة إلى ربوع شبه الجزيرة العربية. 

ب – في القادسية

كان النعمان مع سعد بن أبي وقاص في القادسية، وقد رأى أن يرسله على رأس وفد إلى كسرى ( يزدجرد )، وأمرهم أن يدعوه إلى الإسلام فإن أبي فالجزية، وإلا فالمناجزة.  وبلغ الوفد ( المدائن ) عاصمة كسرى، فسألهم الملك: ( ما جاء بكم وما دعاكم لغزونا والولوع ببلادنا ؟! أمن أجل أننا تشاغلنا عنكم اجترأتم علينا ؟ » ، وأجابه النعمان ذاكرا له كيف بعث الله رسوله، وما جاء به من عند الله من خير ، ودعاه إلى الإسلام قائلا: ( ثم أمرنا ـ أي الرسول صلى الله عليه وسلم – أن نبدأ بمن يلينا من الأمم فندعوهم إلى الإنصاف، فنحن ندعوكم إلى ديننا وهو دين حسن الحسن وقبح القبيح كله، فان أبيتم فأمر الشر هو أهون من آخر شر منه: الجزاء! فان أبيتم فالمناجزة، فإن أجبتم إلى ديننا خلفنا فيكم كتاب الله وأقمناكم عليه أن تحكموا بأحكامه، ونرجع عنكم وشأنكم وبلادكم، وإن إتقيتمونا بالجزاء قبلنا ومنعناكم، والا  قاتلناكم).
كبر على كسرى أن يسمع مثل هذا الكلام، فأجاب الوفد جوابا يغريهم بما عنده من مال وألبسة وطعام، وبعد أخذ ورد، غضب كسرى غضباً شديدا، فخاطب الوفد قائلا : « لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم ! لا شيء لكم عندي ».

لقد ترك الوفد أثرا معنويا سيئا في نفس كسرى ورجاله، قال کسری بعد مغادرة الوفد يخاطب رستم قائد الفرس: “ما كنت أرى أن في العرب مثل هؤلاء ! ما أنتم بأحسن جوابا منهم، ولقد صدقني القوم لقد وعدوا أمرا ليدركنه أو ليموتن عليه”.

ولما نشب القتال في القادسية، أبلى النعمان فيها بلاء الأبطال، فلما نصر الله المسلمين على الفرس، أرسله سعد إلى عمر بن الخطاب بشيرا بفتح  القادسية.

الفاتح

أ – في الاهواز

استقر ( يزدجرد ) بمدينة ( مرو ) بعد خروجه من ( المدائن ) وانتقاله من مدينة إلى أخرى، وكان يعمل على إثارة أهل فارس للدفاع عن بلادهم ولاسترجاع ما خسروه من بلاد .  وأثمرت محاولاته في توحيد جهود الفرس وأهل الأهواز في سبيل صد عدوهم المشترك، فأخبر قادة المسلمين في منطقة الأهواز عمر بن الخطاب باجتماع كلمة اتباع كسرى على قتال المسلمين ، فما كان من عمر إلا أن كتب إلى سعد بن أبي وقاص : ( ابعث إلى الأهواز جندا كثيفا مع النعمان مقرن وعجل ، فلينزلوا بأزاء الهرمزان ويتحققوا أمره ).

وتحرك النعمان بأهل الكوفة إلى الاهواز على البغال يجنبون الخيل، فلما وصلها بادر الى مهاجمة جيش الهرمزان في ( رامهرمز ) فهزم الفرس وفتح المدينة، ولجأ الهرمزان الى مدينة ( تستر )، فسار النعمان بقوات الكوفة إليه، وسارت قوات البصرة إلى ( تستر ) أيضا ، وأمدهم  ابن الخطاب بأبي موسى الأشعري وجعله على أهل البصرة، وجعل أبا سبرة بن أبي رهم قائدا عاما على الجميع، فاستولى عليها بعد حصار دام أکثر من شهر، أما الهرمزان فالتجأ إلى قلعة المدينة وتحصن بها، ولكنه سلم نفسه للمسلمين على أن يقرر مصيره عمر بن الخطاب بنفسه. 

وخرج أبو سبرة المطاردة المنهزمين إلى مدينة ( السوس ) ونزل عليها ومعه النعمان وأبو موسى الأشعري، وبقي النعمان محاصراً ( السوس ) حتى جاء أمر عمر بالحركة إلى ( نهاوند )، ولكنه قبل حركته إليها استطاع قائد خيله اقتحام مدينة السوس فدخلها المسلمون عنوة .


ب. في نهاوند

  كان ما أصاب الهرمزان حافزا لأمراء الفرس الذين خافوا أن يصيبهم ما أصابه ـ أن يوحدوا كلمتهم لدفع الغزاة عن بلادهم -، فكتبوا إلى (يزدجرد) ليكون على رأس وحدتهم، وليعمل من جانبه على دعمهم، فكتب بدوره إلى الأمصار يشجع أهل فارس ويحثهم على التكاتف والتضامن والثبات، فبعث كل أمير من جنده إلى نهاوند حتى بلغ عددهم مائة وخمسين ألفا اجتمعوا  بأمرة ( الفيرزان ).

وأخبر سعد بن أبي وقاص عمر بهذا الحشد الفارسي العظيم، فقرر أن يسير بنفسه لمعالجة هذا الخطر الداهم، ولكن أصحاب الشورى وعلى رأسهم علي بن أبي طالب نصحوه أن يبقى في المدينة ويرسل قائدا يعتمد عليه ليفرق شمل القوات الفارسية.  قال  عمر : « أشيروا علي برجل أوليه ذلك الثفر وليكن عراقيا »، فقالوا : أنت أعلم بجندك وقد وفدوا عليك! فقال: « والله لأولين أمرهم رجلا يكون أول الأسنة إذا لقيها غدا هو النعمان بن مقرن » ، فقالوا : هو لهــــــا !

وكان سعد بن أبي وقاص قد ولى النعمان على ( كسكر )، فکره النعمان منصبه هذا وكتب إلى عمر يسأله أن يعزله، لأنه لا يريد أن يكون ( جابياً ) بل يريد أن يكون ( غازياً )، فكتب إليه عمر:”بسم الله الرحمن الرحيم.. من عبدالله عمر أمير المؤمنين إلى النعمان بن مقرن. سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو . أما بعد فإنه قد بلغني أن جموعا من الأعاجم كثيرة قد جمعوا لكم بمدينة نهاوند، فإذا أتاك كتابي هذا فسر بأمر وبعون الله وبنصر الله بمن معك من المسلمين، ولا توطئهم وعراً فتؤذيهم ولا تمنعهم حقهم فتكفرهم، ولا تدخلهم غيضة فإن رجلا من المسلمين أحب إلي من مائة ألف دينار ، والسلام عليك”.

 وكتب عمر إلى والي الكوفة يأمره أن يستنفر ثلثي الناس ويبقي ثلثهم وكتب في اليوم نفسه إلى أبي موسى الأشعري: ( أن سر بأهل البصرة )، وكانت مثابة اجتماع النعمان بهذه القوة مدينة (ماه)، وكتب إلى كافة قادة القوات: ” إذا التقيتم فأميركم النعمان بن مقرن المزني”، كما كتب إلى أمراء الأجناد في الأهواز : أن يشاغلوا أهل فارس عن إخوانهم، وأراد عمر بذلك أن يقطع الإمدادات الفارسية عن أهل نهاوند مــن جهــة ويشاغل القوات الفارسية في جبهات متعددة ليضعفها أولا، وليضرب ضربته الحاسمة في نهاوند بعد إكمال تحشد قوات المسلمين فيها ثانيا. 

وأرسل النعمان جماعات استطلاعية لمعرفة أخبار الفرس، فوصل طليحة بن خويلد الأسدي نهاوند، فلما رجع أخبر النعمان بعدم وجود قوات فارسية معادية في طريقه إلى نهاوند، عند ذاك تحرك النعمان بقواته حتى نزل منزلا قريبا من حصون أعدائه: على ميمنته الأشعث بن قيس الكندي وعلى ميسرته المغيرة بن شعبة ونشب القتال حول المدينة، وكان القتال سجالا بين العرب والفرس يومين كاملين، فخاف المسلمون أن يطول أمد القتال، فاجتمع أهل الرأي منهم وذهبوا إلى النعمان فقال لهم: “قد ترون المشركين واعتصامهم بالحصون من الخنادق والمدائن، وأنهم لا يخرجون إلا إذا شاءوا ولا يقدر المسلمون على انقاضهم وانبعاثهم قبل مشيئتهم، وقد ترون الذي فيه المسلمون من التضايق، فما الرأي الذي به نستخرجهم إلى المناجزة وترك التطويل؟”، وأشار بعضهم بتضييق الحصار ، وأشار بعضهم بمهاجمة المدافعين في حصونهم، وقال طليحة: ” أرى أن تبعث خيلا لينشبوا القتال، فإذا اختلطوا بهم رجعوا إلينا استطرادا، فإنا لم نستطرد لهم في طول ما قاتلناهم، فإذا رأوا ذلك طمعوا وخرجوا فقاتلناهم حتى يقضي الله فيهم وفينا ما أحب “، فأرسل النعمان القعقاع بن عمرو التميمي على رأس الخيل فأنشب القتال فلما خرجوا من خنادقهم وحصونهم تراجع أمامهم، فظن الأعاجم أن انسحاب العرب كان نتيجة لضعفهم فقاموا بمطاردة العرب المنسحبين! 

كان المسلمون على تعبيتهم، وقد أمر النعمان جيشه أن يثبتوا في أماكنهم ولا يقاتلوا حتى يأذن لهم وأقبل الفرس عليهم يرمونهم حتى أفشوا فيهم الجراح.

وانتظر النعمان حتى تم خروج قوات الفرس من حصونهم ركب فرسه وسار في الناس ووقف على كل راية يذكرهم ويحرضهم ويمنيهم الظفر ، ثم قال لهم: إني مكبر ثلاثا، فإذا كبرت التكبيرة الأولى فليتهيأ من لم يكن تهيأ، فإذا كبرت الثانية فليشد عليه سلاحه وليتأهب للنهوض، فإذا كبرت الثالثة فإني حامل إن شاء الله فاحملوا معي، اللهم أعز دينك وانصر عبادك وأجعل النعمان أول شهيد اليوم على إعزاز دينك ونصر عبادك“.

وهكذا استدرج النعمان أعداءه إلى حرب في العراء خارج حصونهم  وخنادقهم ، حتى إذا سنحت له الفرصة حمل وحمل معه الناس، فاقتتلوا بالسيوف قتالا شديدا، مما جعل ساحة المعركة مملوءة بالدماء والأشلاء ؛ انزلق فرس النعمان في الدماء وصرع، وقيل: بل أصابه سهم في خاصرته فقتله، فسجاه أخوه نعيم بثوبه وأخذ اللواء من يده ودفعه إلى حذيفة بن اليمان حسب وصية النعمان، وأخفى نعيم استشهاد أخيه عن الناس حتى لا تنهار معنوياتهم فلما أظلم الليل انهزم الفرس .  وطاردهم المسلمون، فلم ينج منهم إلا الشريد، حتى وصل المسلمون في مطاردتهم الى همذان حيث استأمنهم أميرها ! 

وجعل المسلمون يسألون عن أميرهم النعمان، فقال لهم أخوه معقل: “هذا أميركم قد أقر الله عينه بالفتح وختم له بالشهادة”.

ودخل المسلمون نهاوند فاتحين بعد هزيمة الفرس، وبذلك انتهت معركة نهاوند الحاسمة التي أطلق عليها المسلمون بحق اسم: فتح الفتوح. 

وكان عمر بن الخطاب بالمدينة يتسقط أنباء المسلمين لا يكاد يذوق النوم إلا غرارا، فلما جاءه رسول المسلمين من نهاوند سأله: « ما وراءك ؟ »، عمر قال: «البشرى والفتح »، وسأل عمر :« وما فعل النعمان؟ »، فقال: زلت فرسه في دماء القوم فصرع فاستشهد »، قال عمر وقد أفزعه النبأ وهزه: « إنا لله وإنا إليه راجعون! » ولم يتمالك نفسه أن بكى حتى نشج كأنما أصيب بأعز إنسان لديه. 

وقال الرسول لعمر: “يا أمير المؤمنين ! ما أصيب بعده يقصد النعمان – رجل تعرف وجهه، فقال عمر: «أولئك المستضعفون من المسلمين، ولكن الذي أكرمهم بالشهادة يعرف وجوههم وأنسابهم ! وما يصنع أولئك  بمعرفة  عمر !! “.

الإنســـــــــــــان

  كان النعمان من رؤساء مزينة، فقد قدم على النبي صلى الله عليه وسلم على رأس أربعمائة فارس من مزينة، وكان صاحب لواء مزينة في غزوة ثقة فتح مكة، وكان موضع ثقة النبي صلى الله عليه وسلم في حياته وموضع من بعده حتى استشهد في نهاوند سنة إحدى وعشرين للهجرة ( 642م ) وقبره هناك بموضع يقال له: ( أستفيذبان ).

لقد كان النعمان مؤمنا حقا، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ستة أحاديث، وقد ثبت على إسلامه بعد النبي صلى الله عليه وسلم فكان ثباته هذا من العوامل المؤثرة على مزينة في ثباتها على الإسلام ومقاومتها  المرتدين حتى عاد العرب إلى الإسلام  وكان محبا للناس محبوبا منهم، دمث الأخلاق حسن السيرة كريما وفيا، سكن البصرة ثم تحول إلى الكوفة واستقر أخيرا في ثرى نهاوند شهیدا.


 القائد 

كان النعمان جنديا بمعنى الكلمة، يفضل دائما أن يكون ( غازيا ) في الصفوف الأولى الأمامية في ساحات القتال على أن يكون ( واليـا ) في المدن العامرة متنعما في المنازل والقصور .

كان يحب الجهاد لا يبالي أن يكون جنديا بسيطا بين إخوانه المجاهدين أو قائداً من القادة، إذ كل ما كان يتوق إليه هو مجابهة الأعداء ومصاولتهم لإعلاء كلمة الله  وكان فارسا مقداما لا يعرف التردد والفرار ، مكيثا غير متسرع إلا لانتهاز فرصة سانحة، ومن الواضح من سير أعماله أنه كان يقدر الموقف العسكري بكل دقة ويعد كافة متطلبات المعركة قبل الإقدام على زج رجاله في المعركة. وكان دائما في الصفوف الأمامية بين جنوده ليضرب لهم مثالاً شخصيا يحتذى به في الشجاعة والإقدام.

وكان يمتاز بمحاولته الحصول على أخبار عدوه قبل الحركة وفي أثنائها وقبل نشوب القتال وفي أثنائه، وكان لا يتحرك إلا على تعبية كاملة يحول دون مباغتة العدو لقواته وايقاع الخسائر بهم دون مبرر وكان كثير الاستشارة لذوي الرأي من رجاله، فلا يقدم على عمل قبل أن يأخذ آراءهم ويستمع إلى مناقشاتهم حتى يتوصل إلى الفكرة المعقولة فيعمل بها، ذلك لأنه كان يحرص على مصير كل جندي من جنوده أكثر مما يحرص هو على مصيره !!  لقد كان مثالا للقائد الذي يضحي بنفسه في سبيل مصلحة رجاله.

قال أخوه معقل بن مقرن المزنى: “أتيت النعمان وبه رمق، فغسلت وجهه من  أداوة ماء كانت معي، فقال: من أنت ؟ قلت: معقل! قال: ما صنع المسلمون ؟ قلت: أبشر بفتح الله ونصره. قال : الحمد لله اكتبوا إلى عمر “.
هذا هو القائد ! لم يفكر بنفسه حتى في ساعـة احتضاره بل فكر بالمصلحة العامة للمسلمين فلما أطمأن الى أنها بخير ، أسلم روحه قرير البال  مرتاح الضمير.

النعمان في التاريخ

يذكر التاريخ للنعمان جهاده تحت لواء الرسول القائد، وموقفه الرائع في حروب أهل الردة، وجهاده المشرف تحت لواء خالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص وبلاءه المجيد في حروب خوزستان، وأخيرا توج نهاية حياته بفتح نهاوند. من أعظم وأكبر مدن فارس حينذاك. وتوج حياته بنهاية مشرفة هي أكبر من فتح نهاوند ومن كل فتح بالشهادة.

لقد كانت نهاوند من معارك الفتح الإسلامي الحاسمة، فكما أن معركة القادسية فتحت أبواب العراق العربي للمسلمين، فإن معركة نهاوند فتحت أبواب فارس للمسلمين، فلا عجب إذا أطلق عليها المؤرخون اسم: فتح الفتوح . 

لقد ربح النعمان معركة نهاوند ولكنه خسر نفسه، لذلك خلده التاريخ ولو أنه خسر هذه المعركة من أجل الحفاظ على نفسه لأهمله التاريخ، فما أحرانا أن نتعلم هذا الدرس من هذا القائد العظيم رضي الله عن الصحابي الجليل، القائد الفاتح، الشهيد البطل النعمان بن مقرن المزني.

(قادة فتح فارس، محمود خطاب شيت)

شارك هذا المقال:

مقالات مشابهة